«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان

العلماء يرسمون «خريطة الإحساس» بما يجري داخل الجسم

«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان
TT

«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان

«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان

في العام الماضي، حصل أرديم باتابوتيان على وشمٍ خاص، إذ رسم أحد الفنانين شريطاً متشابكاً على ذراعه اليمنى يُجسّد رسماً تخطيطياً لبروتين يُسمّى «بيزو». وكان باتابوتيان، عالم الأعصاب في معهد سكريبس للأبحاث في سان دييغو، قد اكتشف هذا البروتين عام 2010، وفاز عام 2021 بجائزة نوبل عن هذا الاكتشاف. وبعد 3 أعوام، قرّر تخليد ذكرى «بيزو» عبر هذا الوشم.

واكتشف باتابوتيان أن «بيزو» يسمح للنهايات العصبية في الجلد بالشعور بالضغط، ما يساعد على خلق حاسة اللمس. وهو يتذكر قائلاً: «كان من المذهل الشعور بالإبرة وهي تحفر بروتين (بيزو) الذي كنت أستخدمه للشعور به»، أي بعمله.

«الإدراك الداخلي»... الحاسة الداخلية «السادسة»

لم يعد باتابوتيان يدرس كيف يُخبرنا «بيزو» (Piezo) عن العالم الخارجي ومؤثراته، وبدلاً من ذلك، اتجه إلى الداخل لدراسة تدفق الإشارات التي تنتقل من داخل الجسم إلى الدماغ. ويُعد بحثه جزءاً من جهد جديد وكبير لرسم خريطة لهذه الحاسة السادسة، الحاسة الداخلية، المعروفة باسم «الإدراك الداخلي» أو «الحسّ الداخلي» (interoception).

ويكتشف العلماء أن الحس الداخلي يزود الدماغ بصورة غنية للغاية عمّا يحدث في جميع أنحاء الجسم، وهي صورة غالباً ما تكون خافية عن وعينا.

تشكيل العواطف والسلوك... والاضطرابات

تُشكل هذه الحاسة الداخلية عواطفنا وسلوكنا وقراراتنا، وحتى طريقة شعورنا بالمرض عند الإصابة بنزلات البرد. وتُشير كمية متزايدة من الأبحاث إلى أن العديد من الحالات النفسية، بدءاً من اضطرابات القلق، وصولاً إلى الاكتئاب، قد تكون ناجمة جزئياً عن أخطاء في إدراكنا لبيئتنا الداخلية.

قد يصبح من الممكن يوماً ما علاج هذه الحالات، من خلال إعادة ضبط حاسة الشخص الداخلية، لكن أولاً، كما قال باتابوتيان، يحتاج العلماء إلى فهم راسخ لكيفية عمل الإدراك الداخلي. وأضاف «لقد تعودنا على جسدنا».

دراسة الإدراك الداخلي

لدى كل شخص وعي أساسي بالإدراك الداخلي، سواء أكان شعوراً بتسارع دقات قلبك، أم امتلاء مثانتك، أم شعوراً بالخفقان في معدتك. ولطالما اعترف علماء الأعصاب بالإدراك الداخلي بوصفه إحدى وظائف الجهاز العصبي.

ويمتلك العلماء الآن أدوات فعّالة لدراسة الإدراك الداخلي. ويقول ديفيد ليندن، عالم الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز، الذي يُؤلّف كتاباً عن الإدراك الداخلي: «في السنوات الخمس الماضية فقط، حُلّت ألغاز جوهرية ظلّت قائمة منذ مائة عام».

وعلى سبيل المثال، ولدراسة بروتين «بيزو» داخل الجسم، قام باتابوتيان وزملاؤه بإدخال فيروسات مُعدّلة وراثياً في عضو لفأر؛ حيث تدخل الفيروسات النهايات العصبية التي تُسبب توهج الخلايا العصبية في العضو. وقد كشف الفحص الدقيق عن أن النهايات العصبية تستخدم بروتينات «بيزو» للكشف عن تغيرات الضغط في العديد من الأعضاء.

استشعار الضغط في كل أعضاء الجسم

ويقول باتابوتيان: «يوجد استشعار الضغط في كل مكان في الجسم». ففي الشريان الأورطي، على سبيل المثال، تستشعر بروتينات «بيزو» ضغط الدم، وفي الرئتين تُسجّل كل نفس شهيق. كما تستشعر تمدد المثانة عند امتلائها بالبول.

وتنتمي العديد من النهايات العصبية المليئة بالبروتينات الكهروكيميائية إلى العصب المبهم، وهو سلك من 100000 خلية عصبية يتسلل إلى العديد من الأعضاء. ويستشعر العصب المبهم الضغط، ولكنه يحتوي أيضاً على مستقبلات تسجل تغيّرات أخرى، مثل تقلبات درجة الحرارة والحموضة. في الأمعاء، يستشعر العصب المبهم جزيئات السكر والدهون في الطعام الذي نتناوله، حتى بعض العناصر الغذائية المحددة، مثل الزنك.

وعندما نستنشق مثلاً، فان البروتينات الكهروكيميائية تستشعر تمدد رئتينا. إلا أن الدماغ يستجيب لذلك بمنع الاستنشاق لئلا يؤدي إلى تمدد بطانة الرئتين الرقيقة. أما إذا اكتشف العصب المبهم وجود سم في أمعائنا، فيمكنه إرسال إشارة إلى الدماغ تؤدي سريعاً إلى التقيؤ.

في أي لحظة، يقوم الدماغ بغربلة ودمج الإشارات من جميع أنحاء الجسم الداخلية. كيف يفعل ذلك، وماذا يفعل بهذه المعلومات، لا يزال غامضاً إلى حد كبير. وقال ليندن: «إنه أمرٌ مُرهِقٌ حقاً، وفهمنا للأمر ضعيفٌ جداً في الوقت الحالي».

الإحساس الداخلي بالمرض... بفضل الدماغ

وأخيراً، أحرز العلم تقدماً في حل لغزٍ واحد على الأقل: كيف يُشعرنا الإحساس الداخلي بالمرض. وقالت كاثرين دولاك، عالمة الأعصاب في جامعة هارفارد التي تدرس المرض: «عندما تشعر بالمرض، تفقد طاقتك، وتفقد شهيتك، وتشعر بتوعك، وتقول: (يا إلهي، هذا جرثومةٌ مزعجة تُسبب لي المرض)... ويتضح أن الدماغ هو مَن يفعل ذلك بك».

في الواقع، يُراقب الدماغ الجسم باستمرار بحثاً عن علامات العدوى. عندما يصطدم مُسبب المرض بنهايات عصبية مُبهمة مُعينة، فإنها تُرسل إشارات إلى الدماغ. وتستطيع النهايات العصبية الأخرى التعرّف على إشارات الإنذار التي تُرسلها الخلايا المناعية لبعضها. ثم يُكوّن الدماغ تصوراتٍ ذهنيةً لهذه العدوى، ويستخدمها لمُقاومتها. قد يرفع ذلك درجة حرارة الجسم، ما يُمكّن الخلايا المناعية من مُحاربة الجراثيم بفاعلية أكبر. وقد يُوقف دورة النوم والاستيقاظ مؤقتاً، مُبقياً إياك في السرير للحفاظ على طاقتك، بل يمكنه إرسال إشارات تُغيّر هجوم الجهاز المناعي على مسببات الأمراض -تكثيف الهجوم هنا، وكبحه هناك- لتقليل الأضرار الجانبية.

لكن الدماغ لا يكتفي بالتفاعل مع الإحساس الداخلي؛ فهو يتعلّم من هذا الإحساس الداخلي، ثم يُقدّم تنبؤات تُحسّن فرص بقائنا.

وقالت كاميلا نورد، عالِمة الأعصاب في جامعة كامبردج: «نحن لا نريد فقط معرفة اللحظة التي ينفد فيها الأكسجين؛ بل نريد أن نعرف متى سيبدأ النفاد... إننا نرغب في امتلاك حاسّة استباقية».

الخلايا الحسّية تتفاعل مع الدماغ

عندما تأكل شيئاً جديداً، على سبيل المثال، تُخبر الخلايا الحسية في أمعائك دماغك ما إذا كان الطعام مصدراً جيداً للمغذيات، وهذه المعلومات قد تُولّد رغبة في تناول مزيد منه في المستقبل. وبالمثل، تُعلّم إشارات المرض الداخلي الدماغ توقع أمراض لم تبدأ بعد. كما أن مجرد رؤية شخص مريض قد يكون كافياً لتحفيز دماغ المُشاهد على تعزيز جهاز المناعة.

الإدراك الداخلي والاضطرابات المَرضية

وعلى الرغم من أهمية الإدراك الداخلي لبقائنا، يُشتبه نورد وباحثون آخرون في أنه مسؤول أيضاً عن عدد من الاضطرابات، فإذا أساء الدماغ تفسير إشارات الجسم، أو إذا كانت هذه الإشارات خاطئة، فقد يُرسل الدماغ أوامر تُسبب الضرر.

ويتزايد اعتقاد الباحثين بإمكانية علاج بعض الاضطرابات النفسية مثل اضطرابات أساسها الحس الداخلي. وتُشير أدوية إنقاص الوزن، مثل أوزيمبيك، بالفعل إلى مدى فاعلية هذا النوع من العلاج، إذ إن هذه الأدوية المعروفة باسم أدوية «GLP-1»، تُحاكي الإشارات التي تُرسلها الأمعاء إلى الدماغ عند تناول الطعام، ما يؤدي إلى فقدان الشهية.

وبالإضافة إلى محاكاة إشارات الجسم، قد يستلزم علاج اضطراب الإدراك الداخلي إعادة ضبط مناطق الدماغ لتفسير الإشارات بشكل مختلف.

أطلس الإدراك الداخلي

لكن باتابوتيان حذّر من صعوبة تحويل الإدراك الداخلي إلى أدوات يمكن التحكم بها قبل أن يتم فهمه بشكل أفضل. ويأمل هو وزملاؤه في مركز «سكريبس» للأبحاث أن يوفّروا أساساً لهذه التطورات، من خلال إنشاء أطلس للإدراك الداخلي في جميع أنحاء الجسم.

وفي اكتشاف حديث، وجدوا أن الدهون مخترقة بنهايات عصبية تستشعر الضغط باستخدام بروتينات «بيزو».

وقال باتابوتيان: «يبدو أن الأمر مهم هنا، لكننا ما زلنا لا نعرف ما الذي تستشعره؟ هل عندما تنمو الدهون، تصبح أكثر كثافة وتزيد الضغط على الأعصاب؟ هل عندما تنمو الدهون، يزداد تدفق الدم، وهذا ما يتم استشعاره؟ ببساطة، لا نعرف الإجابة».

يأمل باتابوتيان أن يساعد أطلسه للإدراك الداخلي العلماء على فهم أعمق لما تستشعره أعصابنا، ليس فقط في الدهون، بل في جميع أنحاء أجسامنا.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

طرق بسيطة لتحسين جودة النوم

يوميات الشرق قلة النوم تؤدي إلى تراجع جودة الحياة بشكل عام (جامعة ميشيغان)

طرق بسيطة لتحسين جودة النوم

يعاني كثيرون من صعوبة النوم أو الاستمرار فيه بانتظام، وهي مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالنعاس أو انخفاض الطاقة خلال اليوم لتؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك حبات من فيتامين «د» (أرشيفية - أ.ب)

أفضل وقت لتناول فيتامين «د» لتقوية العضلات

يُعد فيتامين «د» من العناصر الغذائية الأساسية التي تلعب دوراً محورياً في صحة العظام والعضلات على حد سواء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أنوع مختلفة من الخل (بيكساباي)

اكتشف فوائد الخل للمعدة

يُقدم الخل، وخاصةً خل التفاح الخام، العديد من الفوائد المحتملة لصحة المعدة والجهاز الهضمي، على الرغم من أن الأدلة العلمية على بعضها لا تزال محدودة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الأكل الصحي ليس سهلاً دائماً لأن معظم الناس يعيشون في بيئات غذائية تشجع على الإفراط في الأكل (أ.ب)

لماذا تفشل الحميات؟ التركيز على الطعام وحده لا يكفي

أسباب السمنة معقدة ولا تتعلق فقط بما يأكله الشخص، كما أن مطالبة الناس بتناول «طعام أكثر صحة» لم تؤدِ إلى خفض معدلات السمنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الدهون الصحية مفيدة (بابليك دومين)

ماذا يحدث لعملية الأيض عند إضافة الدهون الصحية إلى نظامك الغذائي؟

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن إضافة الدهون الصحية إلى نظامك الغذائي لا تؤدي إلى إبطاء عملية الأيض

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟