هل تدفع الاحتجاجات في شرق ليبيا نحو «كسر الجمود السياسي»؟

ما بين التلويح بـ«الحكم الذاتي» والتهديد بـ«العصيان المدني»

جانب من المظاهرات التي شهدتها شرق ليبيا الجمعة الماضي (مديرية أمن بنغازي)
جانب من المظاهرات التي شهدتها شرق ليبيا الجمعة الماضي (مديرية أمن بنغازي)
TT

هل تدفع الاحتجاجات في شرق ليبيا نحو «كسر الجمود السياسي»؟

جانب من المظاهرات التي شهدتها شرق ليبيا الجمعة الماضي (مديرية أمن بنغازي)
جانب من المظاهرات التي شهدتها شرق ليبيا الجمعة الماضي (مديرية أمن بنغازي)

يرى جل الليبيين أن المظاهرات، التي خرجت في مناطق خاضعة لنفوذ قائد «الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، في شرق ووسط وجنوب البلاد، الجمعة الماضي، أعادت الزخم إلى المشهد السياسي الليبي، لكنها طرحت تساؤلات عن الخيارات المتاحة وأدوات الضغط الممكنة لكسر الجمود السياسي، ومن ثمّ الاتجاه نحو إجراء الانتخابات المؤجلة.

في هذا السياق، يرى الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد امطيريد، أن «قطاعاً كبيراً» ممن شاركوا في المظاهرات، التي عرفت بـ«حراك وطن»، لن يوقفوا خطواتهم التصعيدية للمطالبة بالانتخابات.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

وقال امطيريد لـ«الشرق الأوسط» إن كثيراً من مدن الشرق، وبعضاً مدن الجنوب، شهدت هدوءاً نسبياً في اليوم التالي للاحتجاجات، مع تعطّل بعض المدارس بفعل الاستجابة لدعوات العصيان المدني، التي تصدرها الحراك الشعبي.

ورغم إقراره بأن العصيان لن يؤثر على غرب البلاد، التابع لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، فقد اعتبر امطيريد أن استمراره خلال الأسابيع المقبلة «قد يستقطب فئات من المواطنين هناك، ويحرضهم على الخروج للمطالبة بالانتخابات».

وتتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان: الأولى «الوحدة» التي تتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها في الغرب، والثانية حكومة أسامة حماد المدعومة من «الجيش الوطني»، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

ورفض امطيريد اتهام بعض الأطراف المقربة من حكومة «الوحدة» بأن الحراك موجه من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، وأنه لا يمثل كل الليبيين. وقال إن الشعارات والبيانات في الحراك «كانت متنوعة؛ فبعضها طالب بالانتخابات، والبعض الآخر دعم مقترح الحكم الذاتي للشرق والجنوب، أو فك الارتباط عن العاصمة، إضافة لمن طالبوا بتفويض حفتر رئيساً».

واعتبر امطيريد أن إعلان المفوضية العليا للانتخابات إمكانية إجراء الاستحقاق بعد خمسة أشهر «يعكس ثقل الحراك»، خصوصاً مع مطالبتها للبعثة بالتركيز على القوانين الانتخابية.

وتوقع امطيريد أن يدعو عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، إلى جلسة رسمية قريباً لتوضيح موقفه مما إذا كان يؤيد فصل الاستحقاق التشريعي عن الرئاسي والدفع بالأخير، مما يتطلب تعديل القوانين الصادرة عام 2023، إضافة إلى الموقف من الحكومة الموحدة. وأشار إلى أن موقف البرلمان والمفوضية سيكونان حينذاك «أدوات ضغط لا تستطيع البعثة الأممية تجاهلها».

من جهته، قال رئيس حزب «شباب الغد» الليبي، أحمد المهدوي، إن على المجتمع الدولي «توضيح موقفه بين دعم مطالب الليبيين التي رفعها الحراك، أو الاستمرار في دعم البعثة الأممية، التي لم تنجح في حل الأزمة السياسية لأكثر من عشر سنوات».

وحدد المهدوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» آليات «تضمن بقاء الزخم للحراك، من بينها استمرار الاعتصام القائم أمام البرلمان لحين حسم ملف القوانين الانتخابية، وتحديد ما إذا كان البدء سيكون بالاستحقاق الرئاسي من عدمه».

وحذر مما سماه «تعنت المنطقة الغربية في إجراء الانتخابات بأنه قد يعزز مطالب البعض في الشرق والجنوب، بالدعوة لإقامة حكم ذاتي».

وعزا المهدوي «ضعف التفاعل مع الحراك في مدن الغرب إلى القبضة الأمنية لحكومة (الوحدة)، بعد تحجيمها مجموعات مسلحة كانت تنافسها على السيطرة».

عزا المهدوي «ضعف التفاعل» مع الحراك في مدن الغرب إلى القبضة الأمنية لحكومة الدبيبة (الوحدة)

أما رئيس «الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية»، أسعد زهيو، فرسم صورة أكثر تعقيداً للحراك، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجميع يرفع شعار الانتخابات رغم معرفته بصعوبة الطريق نحوها؛ إذ تتطلب توافقات سياسية وترتيبات أمنية وضمانات لنزاهتها، إضافة إلى الاتفاق على الإطار القانوني، وشروط الترشح للرئاسة التي كانت محل خلاف لسنوات».

وأضاف زهيو موضحاً أن مراكز القوى «تدعم أي حراك شعبي ما دام لا يلزمها بتنازلات في مواقفها لصالح إجراء الانتخابات؛ لأنها تدرك أن الأخيرة قد تطيح بها». ورهن جدية المطالبة بالانتخابات حالياً «بالضغط على البرلمان لمعالجة القوانين الانتخابية». مشيراً إلى توافق بين لجنتي (6+6) و«الاستشارية»، المشكلة من البعثة الأممية، على تعديلات القوانين الانتخابية، واعتبر أن الأخذ بها والتوافق حول إقرارها «نقطة بداية جيدة... والمكسب الأكبر من الحراك هو إعادة الزخم للعملية الانتخابية بعد أن كادت تُنسى».

في المقابل، رأى المحلل السياسي محمد محفوظ أن مشهد مظاهرات الجمعة الماضي «أبرز وجود قطاع غير هين يؤمن بأن الشعارات وحدها لا تكفي للذهاب إلى الاستحقاق، وهو ما ظهر في حجم المشاركين، وما رصد عبر منصات التواصل الاجتماعي».

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (مكتب صالح)

وشكك محفوظ، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، في إمكانية لجوء عقيلة صالح إلى الدعوة لجلسة رسمية، بهدف إحداث أي تعديلات في القوانين، مشيراً إلى أن البرلمان والمجلس الأعلى للدولة لم ينجزا ما طلبته منهما خريطة البعثة الأممية منذ أكثر من شهرين، وفي مقدمتها التوافق حول القوانين.

ويعتقد محفوظ أن صالح «أراد عبر بيانه الأخير دفع المسؤولية نحو المفوضية، وعدم الظهور ضد مطالب الحراك، مع التمسك بالقوانين التي تسمح لحفتر بالترشح حتى لا يصطدم بالأخير». ورجح بقاء الوضع كما هو عليه، أو عودة التلويح بالحكم الذاتي أو إغلاق النفط، «مما يزيد من تعقيد المشهد أمام البعثة الأممية».

وكان صالح قد أصدر بياناً دعا فيه المفوضية الوطنية للانتخابات إلى الإسراع في إجراء الاستحقاق الرئاسي وفق القوانين، التي أقرها مجلسه قبل أكثر من عامين، رغم أنها تنص على تزامن «الرئاسية» مع «التشريعية».


مقالات ذات صلة

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

شمال افريقيا وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

تباينت في ليبيا ردود الفعل حيال زيارة صدام حفتر إلى القاهرة بأجواء لم تخلُ من الانقسام لكنّ محللين يرون أنها تركزت على مناقشات تتعلق بتأزم الأوضاع الإقليمية

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا وفد القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي يقدم العزاء في الحداد وغريبيل (الأمين العام للقيادة العامة)

وفد لحفتر يزور غرب ليبيا لتقديم العزاء في الحداد ورفاقه

في خطوة لاقت استحساناً في أوساط الليبيين، زار وفد تابع للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» مدينتي مصراتة وطرابلس لتقديم واجب العزاء في ضحايا طائرة الحداد ورفاقه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الحداد خلال حفل تخرج سابق لفوج جديد من الضباط في ثكنة الخمس العسكرية (رويترز)

ما هي تداعيات وفاة رئيس الأركان الليبي وتأثيرها على المؤسسة العسكرية؟

عدَّ المحلل السياسي، فرج فركاش، أن غياب رئيس الأركان الليبي، الفريق أول محمد الحداد، بهذا الشكل المفاجئ «يشكل ضربة قوية للمؤسسة العسكرية في غرب البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري من مراسم توقيع اتفاق مشترك بين «الوطني الليبي» والجيش الباكستاني بحضور صدام حفتر وعاصم منير (إعلام القيادة العامة)

تحليل إخباري مقاتلات «JF-17» إلى بنغازي... هل انتهى مفعول «حظر السلاح» الأممي؟

يرى محللون ليبيون أن صفقة تسليح محتملة بين «الجيش الوطني» الليبي وباكستان من شأنها أن تُسهم في تعزيز القدرات العسكرية لقواته في شرق ليبيا، لكنها تثير تساؤلات.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا قائد «أفريكوم» مع حفتر في بنغازي (القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي)

السياسة الأميركية في ليبيا… حراك كثير وحسم قليل

ينظر مراقبون إلى أداء إدارة ترمب في الملف الليبي خلال العام الماضي على أنه انتهج مقاربة تقوم على «تسويات على نار هادئة»، تعتمد تفاهمات سياسية وعسكرية محدودة.

علاء حموده (القاهرة)

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)
TT

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)

قالت وزارة الخارجية ​المغربية في بيان اليوم (الاثنين) إن الملك محمد السادس عاهل البلاد، قبِل دعوة ‌من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام بصفته ‌عضواً مؤسساً إلى «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة.

وذكرت الوزارة في بيان أن ⁠العاهل المغربي رد ‌بالإيجاب على الدعوة، ‍مضيفة أن المملكة المغربية «ستعمل على المصادقة على الميثاق التأسيسي لهذا المجلس».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 14 يناير 2026 (رويترز)

وتابعت: «تشيد المملكة ​المغربية بالإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من ⁠مخطط السلام الشامل للرئيس ترمب، وكذا الإحداث الرسمي للجنة الوطنية لإدارة غزة كهيئة انتقالية مؤقتة».


«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
TT

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» ارتكبتها في إقليم دارفور بغرب السودان.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قالت خان في إحاطة لمجلس الأمن الدولي إن مكتب المدعي العام خلص إلى أن «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في الفاشر، ولا سيما في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، مع وصول حصار المدينة من قبل (قوات الدعم السريع) إلى ذروته».

وأوضحت في الإحاطة التي قدمتها عبر الفيديو لعدم حصولها على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، أن المكتب استند إلى مواد صوتية ومرئية ولقطات بالأقمار الصناعية «تشير إلى وقوع قتل جماعي وإلى محاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية».

وأطبقت «قوات الدعم السريع» حصارها على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في مايو (أيار) 2024، إلى أن سيطرت عليها بالكامل في أكتوبر 2025.

وأظهرت صور بالأقمار الصناعية حللتها وكالة الصحافة الفرنسية في ديسمبر (كانون الأول)، آثاراً لما يبدو أنّها قبور، على مساحة 3600 متر مربع.

كما حدد تحليل مماثل لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) «أكواماً من الأشياء التي تتوافق مع جثث بشرية» تمّ نقلها أو دفنها أو حرقها.

وأفادت شهادات ناجين من معركة الفاشر، بتعرّض المدنيين للاستهداف أثناء فرارهم من المدينة، بما يشمل إعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً.

وحذرت خان من أن سكان دارفور يتعرضون لـ«تعذيب جماعي»، مضيفة أن «سقوط الفاشر صاحبه حملة منظمة ومحسوبة لتعريض المجتمعات غير العربية لأعمق أشكال المعاناة».

أضافت: «استناداً إلى تحقيقاتنا فإن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يُستخدم كأداة حرب في دارفور»، وأن «الصورة التي تتضح تدريجياً هي صورة مروّعة لجريمة منظمة واسعة النطاق، تشمل عمليات إعدام جماعية وفظائع».

وأكدت أن هذه الجرائم تشمل كل الإقليم الشاسع ولا تقتصر على الفاشر.

وتحدثت عن أدلة على أن «الفظائع التي ارتُكبت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025، وهذه الجرائم تتكرر في مدينة تلو الأخرى بدارفور»، محذّرة من أنها ستستمر «إلى أن يتم وضع حد لهذا النزاع وللإفلات من العقاب».

ويقدّر خبراء الأمم المتحدة أن «قوات الدعم السريع» قتلت ما بين 10 و15 ألف شخص في مدينة الجنينة بغرب دارفور معظمهم من قبيلة المساليت.

وجددت خان دعوة السلطات السودانية لتسليم الأفراد الذين أصدرت الجنائية الدولية بحقهم مذكرات توقيف، وأبرزهم الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الحزب الحاكم في عهده أحمد هارون.

ورأت أن تسليم الأخير يمثّل أولوية؛ إذ يواجه عشرات الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتضمن القتل والاغتصاب والتعذيب، إبان قمع السلطات لتمرد في دارفور في مطلع الألفية وفي جنوب كردفان عام 2011.

وينفي هارون هذه التهم.


«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
TT

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء حكومته، الاثنين، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن المشروع «هو بمثابة حلم نضيفه لمصر في الفترة المقبلة... من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في الخدمات الصحية».

وأوضح في إفادة رسمية أن «هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في تنفيذ هذه المدينة، وقد قطعنا بالفعل شوطاً طويلاً في إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، وكذلك التصميمات المختلفة»، مشيراً إلى أن مصر تضع على أجندة أولوياتها في هذه المرحلة تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

ويقام المشروع على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية، وفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة خالد عبد الغفار.

وأورد بيان صادر عن الحكومة، الاثنين، أن المشروع «يتضمن إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

وأضاف البيان أن الطاقة الاستيعابية للجامعة تقدر بنحو 4 آلاف طالب، وتركز على دعم البحث العلمي والتدريب.

وتقام «المدينة الطبية» في العاصمة الجديدة، التي أصبحت مقراً للحكومة والبرلمان والوزارات، والتي من المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى تخفيف الضغط على القاهرة التي يسكنها 18 مليون نسمة، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار يومياً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع لبدء إجراءات إنشاء المدينة الطبية (مجلس الوزراء)

ويرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي لـ«جمعية الحق في الدواء»، وهي جمعية أهلية، أن إنشاء مدينة طبية متكاملة سيشكل طفرة كبيرة في منظومة الرعاية الصحية بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدينة الطبية مشروع طموح سيغير مفهوم الرعاية الصحية بالبلاد، خاصة في مجال البحث العلمي، الذي يمكنه أن يساهم في رسم سياسات صحية مستقبلية بمعايير علمية، بما سيؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطن».

وتطرق فؤاد إلى تأثير فكرة المدينة الطبية المتكاملة على التعليم الطبي، قائلاً: «الكثير من كليات الطب ليست لديها مستشفيات، وهو ما يجعل طلابها يبحثون عن مستشفيات أخرى في أماكن بعيدة جغرافياً للتدرّب فيها، كما أن بعض المستشفيات لديها مراكز أبحاث، لكنها تكون في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً؛ لذلك ستوفر المدينة الطبية كل عناصر تطوير المنظومة الصحية في مكان واحد، بما في ذلك توفير التدريب لطلاب كليات الطب».

وبحسب إفادة وزير الصحة المصري، تبحث الحكومة عدة مقترحات تتعلق بطريقة إنشاء مدينة العاصمة الطبية، منها أن تتم بشراكة أجنبية بنظام «نموذج الإدارة المشتركة»، عن طريق قيام الجانب المصري بالتشغيل الطبي، الذي يتمثل في الإدارة الطبية الكاملة، من توفير الأطباء والتمريض والسياسات العلاجية ورعاية المرضى، على أن يختص الجانب الأجنبي بإدارة المرافق والخدمات المساعدة، من خلال عقد تشغيل لعدة سنوات، مؤكداً أنه يوجد «عدد من العروض تتعلق بذلك سيتم بحثها مع الجهات المتقدمة».

مساعٍ حكومية في مصر لتطوير المنظومة الصحية (وزارة الصحة)

وتؤكد عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعيد، أن فكرة إنشاء مدينة طبية متكاملة ستشكل «صرحاً طبياً مهماً، ونقلة نوعية في المنظومة الصحية بالبلاد».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يتحول مشروع المدينة الطبية إلى إنجاز حقيقي، يجب دراسة مشكلات المنظومة الصحية في مصر وعلاجها جذرياً، حيث تقوم المنظومة على 3 عناصر تتمثل في المستشفيات وتجهيزاتها وبنيتها التحتية وأجهزتها الطبية، ثم العنصر البشري من أطباء وتمريض وطواقم طبية، يليه ملف الأدوية».

وأكدت أن الحكومة «تبذل جهداً كبيراً في تطوير العنصر الأول، وهو المستشفيات، في حين يظل العنصر الثاني يعاني من مشكلات كبيرة، منها تدني أجر الطبيب والطواقم الطبية، كما أن ملف الأدوية يحتاج إلى حلول جذرية لضمان توافرها بالأسواق بشكل مستدام».