قاعدة روسية على البحر الأحمر... مناورة سودانية تعيد رسم خريطة النفوذ الدولي في أفريقيا

لاجئون سودانيون هاربون من الصراع في بلادهم داخل مخيم أوري كاسوني بتشاد (أ.ف.ب)
لاجئون سودانيون هاربون من الصراع في بلادهم داخل مخيم أوري كاسوني بتشاد (أ.ف.ب)
TT

قاعدة روسية على البحر الأحمر... مناورة سودانية تعيد رسم خريطة النفوذ الدولي في أفريقيا

لاجئون سودانيون هاربون من الصراع في بلادهم داخل مخيم أوري كاسوني بتشاد (أ.ف.ب)
لاجئون سودانيون هاربون من الصراع في بلادهم داخل مخيم أوري كاسوني بتشاد (أ.ف.ب)

كشفت مصادر سودانية أن الخرطوم عرضت على موسكو إقامة أول قاعدة بحرية روسية في القارة الأفريقية، في خطوة من شأنها أن تمنح روسيا موطئ قدم استراتيجياً على البحر الأحمر، وتفتح فصلاً جديداً في سباق القوى الدولية على الممرات البحرية الحيوية. وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال».

وحسب مسؤولين سودانيين، فإن الاتفاق المقترح يمنح روسيا امتيازاً استثنائياً بإقامة منشأة بحرية على ساحل البحر الأحمر، تتيح لها مراقبة واحد من أهم طرق التجارة العالمية، وتعزيز حضورها العسكري في المنطقة. ويُعد ذلك مكسباً لافتاً للساسة الروس الذين يسعون منذ سنوات إلى توسيع نفوذهم في القارة السمراء، في مقابل انزعاج أميركي متزايد من تمدد موسكو وبكين في المواني الأفريقية.

عَقد لمدة 25 عاماً... وامتيازات عسكرية واقتصادية

وبموجب مسوَّدة الاتفاق التي عُرضت على وفد روسي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتمتد لـ25 عاماً، سيُسمح للسفن الحربية الروسية، بما فيها تلك العاملة بالطاقة النووية، بالرسو في ميناء بورتسودان أو منشأة بحرية أخرى لم يكشف عنها بعد، وذلك مع نشر نحو 300 عنصر روسي في الموقع.

كما يمنح المقترح الشركات الروسية أفضلية في عقود التعدين بالسودان الذي يعد ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا، في وقت تعتمد فيه موسكو على صادرات الذهب لتعزيز اقتصادها وسط العقوبات الغربية.

ومن موقع بورتسودان، ستكون موسكو قادرة على مراقبة الحركة البحرية المتجهة نحو قناة السويس التي يمر عبرها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

الجيش السوداني يبحث عن السلاح... وقلق غربي متزايد

وفي المقابل، يتطلع المجلس العسكري السوداني للحصول على أنظمة دفاع جوي متطورة، وتسليح منخفض الكلفة، لتعزيز قدراته في مواجهة «قوات الدعم السريع» المتمردة.

وقال مسؤول عسكري سوداني للصحيفة الأميركية، إن الخرطوم «بحاجة ماسَّة لإمدادات سلاح جديدة»، ولكنه أقر بأن الاتفاق «قد يفاقم التوتر مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي».

ورفضت الجهات الرسمية السودانية التعليق على العرض، بينما يعتبر مسؤولون أميركيون أن إنشاء قاعدة روسية على البحر الأحمر «تطور مقلق»، قد يسمح لروسيا بتمديد عملياتها البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط، وتعزيز نشاطها العسكري في المحيط الهندي.

ويقول مراقبون إن وجود قاعدة روسية دائمة يمنح موسكو مكاسب معنوية أيضاً، عبر تعزيز صورتها كقوة عالمية قادرة على مزاحمة الولايات المتحدة والصين في الممرات الاستراتيجية.

تنافس دولي على مواني أفريقيا

وتسعى روسيا منذ 5 سنوات للحصول على موطئ قدم دائم في بورتسودان، في وقت توسعت فيه بكين عبر «مبادرة الحزام والطريق»، وأسست أول قاعدة بحرية خارجية لها في جيبوتي عام 2017، على مقربة لا تتجاوز 6 أميال من أكبر القواعد الأميركية في أفريقيا.

كما تنتشر قوات أميركية في الصومال، وتشارك في عمليات لمحاربة «حركة الشباب» و«تنظيم داعش»، ما يجعل المنطقة مسرحاً لمنافسة أمنية متشابكة بين كبرى القوى.

كارثة إنسانية متصاعدة

ويقدِّر دبلوماسيون أن ضحايا الصراع في السودان قد يصل عددهم إلى 150 ألف قتيل، إلى جانب أكثر من 12 مليون نازح، يعانون الجوع والمرض وانهيار الخدمات الأساسية، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور منذ أكتوبر الماضي، وسط اتهامات بارتكاب مجازر جديدة تذكِّر بمآسي بداية الألفية.



الجزائر: جدل سياسي بشأن «التعديل الدستوري التقني»

من مشاورات الرئاسة مع الأحزاب في 24 يناير الحالي (الرئاسة)
من مشاورات الرئاسة مع الأحزاب في 24 يناير الحالي (الرئاسة)
TT

الجزائر: جدل سياسي بشأن «التعديل الدستوري التقني»

من مشاورات الرئاسة مع الأحزاب في 24 يناير الحالي (الرئاسة)
من مشاورات الرئاسة مع الأحزاب في 24 يناير الحالي (الرئاسة)

في وقت تترقب فيه الرئاسة الجزائرية تسلم مواقف الأحزاب مكتوبة بخصوص مشروعَيْ «التعديل الدستوري التقني» و«تعديل قانون الانتخابات»، اللذين عُرضا عليها في 24 يناير (كانون الثاني) الحالي، طالبت قيادة أحد الأحزاب المعنية بتمرير تعديل الدستور عبر الاستفتاء الشعبي، بدل الاكتفاء بعرضه على تصويت غرفتَيْ البرلمان، كما احتجّت قيادة حزب معارض على «إقصائها» عن المشاركة في المشاورات الرئاسية.

أحكام جديدة

يتضمن «مشروع التعديل الدستوري» المقترح مجموعة من الأحكام الجديدة؛ أبرزها اشتراط إثبات المستوى التعليمي للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، إلى جانب تحديد الهيئة التي تؤدَّى أمامها اليمين الدستورية والجهة المخوّلة تلاوتها. كما يكرّس «المشروع» إمكانية لجوء رئيس الجمهورية إلى الدعوة لتنظيم انتخابات محلية مبكرة «عند الاقتضاء»، بينما تقتصر هذه الصلاحية حتى الساعة على انتخابات الرئاسة والبرلمان.

زعيمة حزب «العمال» خلال استقبالها من قبل الرئيس يوم 25 نوفمبر 2025 (الرئاسة)

وبشأن السلطة القضائية، ينص التعديل على إسقاط رأي «المجلس الأعلى للقضاء» في تعيين رؤساء المجالس القضائية (محاكم الاستئناف) ومحافظي الدولة (ممثلو النيابة في القضاء الإداري)، مع الاستغناء عن 3 فئات من القضاة في تشكيلة «المجلس ذاته». كما يقترح تمديد عهدة رئيس «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا ويرأسها الرجل الثاني في الدولة، وفق الدستور) إلى 6 سنوات بدل 3، إلى جانب سدّ الفراغ الدستوري، وتوفير أساس قانوني لتجديد عهدة أعضاء «مجلس الأمة» المنتخبين، علماً بأن ثلث أعضاء هذه الهيئة يختارهم رئيس الجمهورية بمن فيهم رئيسها.

وعلى الصعيد البرلماني، يهدف «المشروع»، وفق الرئاسة، إلى «ضمان مرونة أكبر» في افتتاح الدورة البرلمانية خلال شهر سبتمبر (أيلول) واختتامها. كما يتضمن توسيع المهام الرقابية لـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، مع إسناد الجوانب المادية واللوجيستية إلى وزارة الداخلية، بينما تتكفل «السلطة» هذه المهمة حتى الآن.

تعديل سياسي

على عكس أحزاب «الغالبية الرئاسية» المشاركة في المشاورات، التي رحبت بـ«الإصلاحات»، التي تضمنتها المقترحات الخاصة بالدستور، أفاد «حزب العمال»، في بيان، بأن مشروع الرئاسة «يمس بطبيعة النظام، وبطبيعة وعمل بعض مؤسسات الدولة... فإنها تكتسي طابعاً سياسياً بامتياز». ويعني ذلك، وفق الحزب، أن التعديل «ليس تقنياً» (فنياً) كما تراه الرئاسة لتبرير عدم إحالته إلى الاستفتاء الشعبي، وفق ما يرجحه مراقبون.

مدير الديوان الرئاسي خلال عرضه التعديلات الدستورية ومشروع إصلاح قانون الانتخابات (الرئاسة)

وأوضح البيان نفسه أن الدستور الحالي «تمت صياغته واعتماده في ذروة (جائحة كوفيد19)، دون نقاش شعبي أو حزبي حقيقي»، مشدداً على «ضرورة إعادة الكلمة للشعب (بخصوص إقرار التعديلات الجديدة)، وفتح نقاش واسع يحدّد من خلاله بنفسه طبيعة النظام، مع التأكيد على الحاجة الملحّة لإدراج هرمية القوانين لوضع حدّ لانتهاك الدستور عبر قوانين تمس بالحقوق السياسية والحريات والمسائل الاقتصادية والحقوق الاجتماعية».

وكان الرئيس عبد المجيد تبون عرض تعديلات دستورية عميقة على الاستفتاء في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020، في سياق الحراك الشعبي الذي رفضها؛ مما أثر بشكل كبير على نسبة التصويت، التي لم تتجاوز 24 في المائة.

وشدد بيان «حزب العمال» على «إجراء إصلاح عميق لقانون الانتخابات، وليس الاكتفاء بتعديلات تقنية»؛ إذ يتضمن هذا القانون الحالي، وفقه، «العديد من الأحكام المقيدة والمثبطة للأحزاب، ويكرس تمييزاً صارخاً تحت غطاء تشجيع الشباب على الانخراط في التشكيلات السياسية، بينما يدفعهم في الواقع إلى الابتعاد عن الممارسة السياسية المنظمة داخل الأحزاب، وهو ما يشكل خطراً على طبيعة السلطة التشريعية ويُضعف الدولة».

رئيس حزب «جيل جديد» (إعلام حزبي)

وبشأن التعديل الجوهري المتعلق بـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، الذي ينص على نقل الصلاحيات اللوجيستية والمادية الخاصة بتنظيم العمليات الانتخابية إلى وزارة الداخلية، أكد الحزب اليساري أن «مثل هذه الهيئة لا وجود لها في البلدان الديمقراطية، حيث تنظَّم الانتخابات بشفافية كاملة من قبل وزارة الداخلية»، مشيراً إلى أن «استحداث مثل هذه الهيئة هو سمة لبعض البلدان الأفريقية على وجه الخصوص، أو البلدان الخارجة من نظام الحزب الواحد عند تغيير طبيعة النظام».

وكان الحزب شارك في لقاء 24 يناير الحالي بأمينته العامة لويزة حنون، مرشحة انتخابات الرئاسة سابقاً.

من جهته، احتج حزب «جيل جديد» الليبرالي المعارض، في بيان، على «إقصائنا المتعمَد» من المشاورات الرئاسية التي شملت 12 حزباً. لافتاً إلى أن ذلك «يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام التعدّدية السياسية، ومبدأ المساواة في المعاملة بين الأحزاب»، متسائلاً عمّا إذا «كان يراد من وراء ذلك عقابنا على مواقفنا الواضحة داخل صفوف المعارضة الوطنية، المنخرطة في مسار تغيير سلمي وعميق في تسيير شؤون الدولة والأمة».

جانب من أعضاء الأحزاب المشاركة في المشاورات الرئاسية (الرئاسة)

ووفق البيان ذاته، فإن «نهج الاستبعاد هذا يتعارض وجوهر الحوار الوطني، وهو ما يهدد بتعميق أزمة الثقة، وتوسيع الهوة بين المؤسسات الرسمية والفاعلين في الساحة السياسية»، معلناً تمسكه بـ«نهج وطني مستقل، وعزمه على العمل حصراً من أجل المصلحة العليا للبلاد، كما يؤكد التزامه بالتعبير بمسؤولية عمّا يراه جديراً بالدعم أو بالإدانة، في إطار معارضة بناءة، في خدمة استقرار الجزائر وتقدمها».


ليبيا: طوارئ لمواجهة تقلبات جوية حادة وسط تحذيرات رسمية

فريق طوارئ بالهلال الأحمر الليبي يزيل أشجاراً من الطريق أسقطتها العاصفة الجوية (الهلال الأحمر)
فريق طوارئ بالهلال الأحمر الليبي يزيل أشجاراً من الطريق أسقطتها العاصفة الجوية (الهلال الأحمر)
TT

ليبيا: طوارئ لمواجهة تقلبات جوية حادة وسط تحذيرات رسمية

فريق طوارئ بالهلال الأحمر الليبي يزيل أشجاراً من الطريق أسقطتها العاصفة الجوية (الهلال الأحمر)
فريق طوارئ بالهلال الأحمر الليبي يزيل أشجاراً من الطريق أسقطتها العاصفة الجوية (الهلال الأحمر)

فرضت أحوال الطقس السيئة نفسها على المشهد اليومي الليبي، حيث أدت تقلبات حادة وسرعات رياح قياسية إلى فرض حالة طوارئ، في ظل شلل بالعملية التعليمية، ومنح عطلات رسمية اضطرارية في مختلف أرجاء البلاد، وسط تحذيرات رسمية.

وشهدت مناطق عدة بشرق ليبيا وغربها هطول أمطار غزيرة، خاصة في جنوب مدينة البيضاء بالجبل الأخضر، وجنوب شرقي مدينة سلوق، وفي مدينة تاجوراء.

عمال طوارئ بالهلال الأحمر الليبي جُندوا لمساعدة المتضررين (الهلال الأحمر)

وبسبب سوء الأحوال الجوية المتوقعة، قرر عدد من مراقبات التربية والتعليم في المنطقة الغربية والعاصمة طرابلس منح التلاميذ والطلبة عطلة دراسية، الثلاثاء، استناداً إلى السلطة التقديرية للمؤسسات التعليمية، وتشمل العطلة الفترتين الصباحية والمسائية.

كما أعلنت رئاسة جامعة طرابلس تعليق الدراسة، وإيقاف العمل الإداري داخل الحَرم الجامعي، الثلاثاء؛ حرصاً على سلامة الطلبة وأعضاء هيئة التدريس والموظفين.

ودعت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في بيان مساء الاثنين، أولياء الأمور والطلبة إلى متابعة ومراجعة المراقبات التعليمية والجهات الرسمية، للاطلاع على أي مستجدات أو تعليمات لاحقة تتعلق بسَير العملية التعليمية.

كما رفعت وزارة الموارد المائية بالحكومة درجة الاستعداد والجاهزية القصوى في جميع مواقع سدود المنطقة الغربية؛ تحسباً لتأثيرات المنخفض الجوي المتوقع أن تشهده عدد من مناطق البلاد، في إطار الإجراءات الاحترازية لمجابهة أي طارئ محتمل، وضمان سلامة المنشآت المائية.

صورة وزعتها «وكالة الأنباء الليبية» لأحد السدود بغرب البلاد

وأكد سالم الشريف، مدير إدارة السدود، أنها أصدرت تعليماتها الفورية للطواقم الفنية، وفِرق الطوارئ العاملة بالمواقع بضرورة الاستعداد المبكر، ورفع مستوى الجاهزية الفنية لمواجهة أي تداعيات قد تنجم عن التقلبات المناخية المتوقعة، مشيراً إلى أن أعمال المراقبة والمتابعة مستمرة على مدار الساعة طوال فترة تأثير المنخفض الجوي.

كانت حكومة أسامة حماد، المكلفة من مجلس النواب، قد أعلنت عطلة رسمية، يومي الاثنين والثلاثاء، في المناطق الشرقية والجنوبية كافة؛ تحسباً للتغيرات الجوية التي أدت إلى سرعة الرياح، وتهاطل كميات كبيرة من الأمطار المتزامنة مع موجة برد قوية.

ووفق «وكالة الأنباء الليبية»، تشهد أغلب المناطق تقلبات جوية ملحوظة، تتأثر برياح جنوبية غربية نشطة إلى قوية وباردة، خاصة على مناطق شمال ليبيا. ووصلت سرعة الرياح إلى نحو 70 كيلومتراً في الساعة، ما أدى إلى إثارة الأتربة وتدنّي الرؤية الأفقية، ولا سيما في المناطق المفتوحة، مع تهاطل كميات كبيرة من الأمطار الرعدية.


مصير غامض لقوات «حفظ السلام» في الصومال مع انسحاب محتمل لأوغندا

جنود من قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

مصير غامض لقوات «حفظ السلام» في الصومال مع انسحاب محتمل لأوغندا

جنود من قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

بات مستقبل قوات حفظ السلام الأفريقية المدعومة أممياً على أعتاب مشهد جديد في مواجهة «حركة الشباب» الإرهابية في الصومال، بعد إعلان أوغندا صاحبة العدد الأكبر أنها بصدد الانسحاب.

نقص التمويل

ذلك الإعلان المفاجئ وسط تصاعد الهجمات من «حركة الشباب» يرى خبراء في الشؤون العسكرية والصومالية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه يلقي بظلال قاتمة على العمليات الدائرة، ومصير غامض بشأن البديل، داعين لحل الأسباب الرئيسية لذلك، وأبرزها نقص التمويل.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها أواخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) الماضي، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 لفترة أولية مدتها 12 شهراً، بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد عملياتها في الصومال منذ 15 عاماً.

وأعلن رئيس أركان الدفاع الأوغندي، الفريق أول موهوزي كاينيروغابا، مساء الاثنين، عن خطة لبلاده بشأن سحب قواتها من الصومال بعد 19 عاماً من الانتشار المتواصل، دون تحديد موعد. وأشار في بيان مقتضب نُشر على حسابه الرسمي على منصة «إكس» إلى أن مهمة أوغندا في الصومال قد وصلت إلى نهايتها، وأن الاستعدادات لانسحاب كامل للقوات ستبدأ قريباً، دون تقديم سبب.

وساهمت أوغندا بأكبر قوة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (أوصوم)، حيث يقدر عدد جنودها المتمركزين حالياً في الصومال بما يتراوح بين 5000 و6000 جندي.

وانضمت أوغندا إلى قوات حفظ السلام، في الصومال مارس (آذار) 2007، بهدف دعم الحكومة الصومالية ومواجهة الجماعات المسلحة، ولعبت دوراً على مدار سنوات في تلك المواجهات، وفق إعلام صومالي.

الخبير في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية، العميد سمير راغب، أوضح أن أي قوة من قوات حفظ سلام تنسحب عادة عندما يكون هناك أوضاع مخالفة لقواعد المشاركة أو نقص تمويل، أو صراع داخلي أو خارجي، أو استخدامها ورقة ضغط، محذراً من أن انسحاب أوغندا كأكبر قوة بقوات حفظ السلام يعني انهيار تلك القوات.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن إعلان أوغندا «يمثل نقطة تحول كبيرة في الملف الأمني الصومالي وقد تفتح هذه المفاجأة الباب أمام أسئلة مهمة حول المستقبل الأمني، والتمويل، وتوازن القوى مع (حركة الشباب)، ويثير مصيراً غامضاً بشأن القوات»، وأرجع ذلك لأسباب منها «حسابات أوغندا الداخلية، وتمويل البعثة الذي ما زال تحت ضغط حاد ويواجه نقصاً كبيراً من المانحين الدوليين، خاصة أن دعم الاتحاد الأوروبي تقلص، والولايات المتحدة علّقت تمويلها، ما وضع البعثة في وضع مالي هش للغاية وقد يؤثر على قدرتها في دفع مستحقات الدول المساهمة بالقوات».

مخاوف من «فجوة كبيرة»

ويعتقد بري أن «انسحاب أوغندا يخلق فجوة كبيرة، خصوصاً في المناطق الحيوية مثل العاصمة مقديشو ومحيطها، لأن قواتها كانت تمثل كتلة كبرى من القوة والقيادة داخل البعثة، ولا يوجد حتى الآن جدول زمني رسمي واضح لانسحاب كامل أو كيف سيدار هذا التحول».

وإذا لم يتم تعويض هذه الخسارة بقوات أخرى أو تعزيز قدرات الجيش الوطني، فمن المرجح أن تظهر ثغرات أمنية في مناطق كانت تحت مراقبة أوغندا، وتزداد هجمات «الشباب» لملء هذا الفراغ المحتمل، بحسب توقع بري.

ذلك الإعلان، الذي لم تعلق عليه مقديشو، يأتي وسط تقارير ميدانية إلى تصاعد هجمات «حركة الشباب» وبعد أشهر من نداءات أفريقية ومصرية تحديداً لجلب تمويل للقوات.

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) الماضي أن بعثة «أوصوم» التي خلفت بعثة «أتميس» مطلع 2025، تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في تعزيز قدرات القوات الصومالية ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله إعلام صومالي آنذاك. وأشار رئيس مفوضية الاتحاد، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025 إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار» وقتها.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت مصر التي يترقب اشتراكها في قوات حفظ السلام، المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامته وقابليته للتنبؤ، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. وأواخر ديسمبر 2024، أعلن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في تصريحات صحافية، مشاركة مصر في البعثة التابعة للاتحاد الأفريقي بالصومال بناءً على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي.

ويشير بري إلى أن هذا التمويل غير المستقر يجعل استمرار مساهمات الدول الأخرى في البعثة أقل جاذبية، وقد يدفعها إلى إعادة النظر في أعداد قواتها أو توقيت نشرها وترقب موقف مصر. وينبه إلى أن احتمال ارتفاع خطر تجدد نشاط «حركة الشباب» يجب أن يجلب دعم الشركاء الدوليين وتعزيز قدرات الجيش الصومالي، وإعادة هيكلة البعثة وتوفير تمويل مستدام، مع شراكات جديدة سواء من دول المنطقة أو شركاء دوليين لضمان استمرار الدعم الأمني. فيما يؤكد راغب أهمية أن يتحرك الاتحاد الأفريقي سريعاً لمراجعة الأمر حتى لا يتأثر الصومال في مواجهة الإرهاب وعدم تعريض أي قوات لخطر مخاطر أكبر في مواجهة «حركة الشباب»، وعدم التعويل فقط على الدفع ببديل دون حل الأسباب الرئيسية للانسحاب.