الأمعاء تتحكم في جيناتنا

دراسة جديدة تربط بين ميكروبيوم الأمعاء ونشاطاتها... وصحة الإنسان

الأمعاء تتحكم في جيناتنا
TT

الأمعاء تتحكم في جيناتنا

الأمعاء تتحكم في جيناتنا

يبدو أن التريليونات من الميكروبات التي تعيش داخل أمعاء الإنسان أكثر تأثيراً مما كان يعتقد العلماء سابقاً. فقد كشفت دراسة جديدة من جامعة هاواي في هونولولو بالولايات المتحدة الأميركية، عن أن هذه الكائنات المجهرية يمكن أن تتحكم في طريقة تشغيل ووقف جيناتنا، الأمر الذي قد يغيّر فهمنا للصحة والشيخوخة والأمراض.

عندما تلتقي الميكروبات مع الجينات

نُشرت الدراسة في المجلة الدولية لعلوم الجزيئات «International Journal of Molecular Sciences» في 5 سبتمبر (أيلول) 2025، وركّزت على كيفية تفاعل الميكروبيوم المعوي، وهو مجتمع من البكتيريا والفيروسات والفطريات داخل الجهاز الهضمي، مع الجينات البشرية من خلال عملية تُعرف باسم علم التخلّق (epigenetics)، أي التعديلات الكيميائية التي تؤثر على نشاط الجينات دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه.

تعمل هذه التعديلات مثل مَثْيَلَة (methylation) الحمض النووي (DNA) أو الحمض الريبي (RNA) كمفاتيح تشغيل أو وقف تتحكم في متى وكيف تُعبَّر الجينات عن نفسها. (المَثْيَلَة في الكيمياء هي عملية إضافة مجموعة ميثيل التي تحل فيها مجموعة ميثيل مكان ذرة هيدروجين في الجزيء المستهدف - ويكيبيديا).

• حوار متبادل داخل الأمعاء: قال البروفسور أليكا ماوناكيا، من قسم العلوم الحيوية الجزيئية والهندسة الحيوية بجامعة هاواي والمؤلف المشارك للدراسة، إنه من خلال فهم كيفية تأثير الميكروبات على جيناتنا يمكننا تخيّل طرق جديدة للوقاية من الأمراض وتعزيز الصحة والاقتراب أكثر من الطب الشخصي.

وتوضح الدراسة أن العلاقة بين الإنسان وميكروباته المعوية هي طريق ذو اتجاهين؛ فالعوامل اليومية مثل النظام الغذائي والضغط النفسي والأدوية والتقدّم في العمر تؤثر على نوع الميكروبات التي تزدهر في الأمعاء، فيما تفرز هذه الميكروبات مركّبات تؤثر بدورها في نشاط الجينات المرتبطة بالمناعة والتمثيل الغذائي وصحة الدماغ.

• إعادة رسم خريطة الصحة: قد تفسّر هذه التفاعلات الدقيقة سبب قابلية بعض الأشخاص للإصابة بأمراض أو حالات مرتبطة بالشيخوخة أكثر من غيرهم.

ويرى العلماء أن فهم هذا الحوار بين الجينات والميكروبات قد يفتح الباب أمام علاجات جديدة تستهدف كلاً من الخلايا البشرية والميكروبات التي تؤثر فيها.

ومن بين التطبيقات المستقبلية المحتملة: العلامات الحيوية الميكروبية، وهي مؤشرات بيولوجية محددة تُستخدم لتحديد وتتبع الكائنات الدقيقة في بيئات مختلفة لاكتشاف مؤشرات مبكرة على الأمراض، والعلاجات الحية (Live biotherapeutics)، وهي بكتيريا مفيدة تُستخدم دواءً.

وكذلك زراعة الميكروبات البرازية المحسّنة لنقل ميكروبات صحية من متبرعين إلى المرضى لاستعادة التوازن الميكروبي.

التكنولوجيا تلتقي مع علم الأحياء

تسهم تقنيات متقدمة؛ مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل الخلايا المفردة، في تسريع هذا المجال؛ إذ تتيح للعلماء رسم خريطة التفاعلات المعقدة بين الجينات البشرية والمجتمعات الميكروبية بدقة غير مسبوقة.

• العلم والتقدّم بمسؤولية وعدالة: يحذّر الباحثون من أن التقدّم العلمي يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع المسؤولية الأخلاقية. ومع ازدياد أهمية بيانات الميكروبيوم يؤكد العلماء ضرورة اعتماد أطر ومعايير تضمن استخدام البيانات بعدالة مثل مبادئ FAIR ومبادئ CARE. وباختصار تهدف هذه المبادئ إلى ضمان أن العلم يخدم الناس جميعاً، وأن التقدّم في أبحاث الميكروبيوم والجينات يتم بطريقة عادلة ومسؤولة تحترم الخصوصية والإنسانية.

• نحو طب شخصي دقيق: ومن خلال رسم خريطة لكيفية قيام الميكروبات المعوية بتشغيل أو وقف الجينات البشرية، تُبرز الدراسة الوعد والتعقيد لهذا العلم الناشئ؛ إذ يمكن أن تمهد النتائجُ الطريقَ نحو الصحة الدقيقة لمستقبل يتم فيه تصميم الوقاية والعلاج وفق المزيج الفريد لكل فرد من الميكروبات والتركيب الجيني.

ومع استمرار الباحثين في الكشف عن مدى تعقيد ارتباط بيولوجيتنا بالعالم المجهري داخلنا يصبح شيء واحد واضحاً وهو أنه «عندما يتعلق الأمر بصحتنا فإن الأمعاء قد تكون مهمة بنفس قدر أهمية جيناتنا».


مقالات ذات صلة

15 طعاماً قد تبقي جسمك رطباً إلى جانب شرب الماء

صحتك طفل يتناول قطعة من ثمرة البطيخ في باكستان (أرشيفية - رويترز)

15 طعاماً قد تبقي جسمك رطباً إلى جانب شرب الماء

لا يجوز أن يأتي حصولك على كمية كافية من الماء كل يوم من السوائل فقط. فتناول الأطعمة المرطبة يمكن أن يساعدك في الحفاظ على توازن الماء في جسمك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى الشعور بالتعب والإرهاق (رويترز)

ماذا يحدث للكلى عندما تتناول مشروبات الطاقة يومياً؟

يحتوي كثير من مشروبات الطاقة على كميات عالية من الكافيين، ومنبّهات أخرى، والاستهلاك المنتظم يمكن أن يسهم في ارتفاع ضغط الدم والجفاف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)

الواقي الشمسي... ما الكمية المناسبة؟ وكيف تختار المنتج الأفضل؟

الواقي الشمسي... حماية ضرورية للبشرة من أضرار الأشعة فوق البنفسجية، تعرَّف على الكمية الصحيحة وطريقة الاستخدام لتجنب مخاطر الشمس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك انخفاض مستويات هرمون الذكورة لدى الرجال (رويترز)

دراسة: انخفاض مستويات هرمون الذكورة لدى الرجال إلى النصف خلال 5 عقود

دراسة: مستويات هرمون الذكورة لدى الرجال تراجعت بأكثر من 50 % خلال خمسة عقود، وسط مخاوف علمية من تأثير ذلك على الخصوبة والصحة العامة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يعتمد تشخيص سرطان الرئة عادة على الأشعة المقطعية لتحديد مرحلة تقدّمه (جامعة أبردين)

دراسة: زراعة الرئة لبعض مرضى السرطان في مرحلة متأخرة قد تنقذ الحياة

تتحدى نتائج دراسة ‌جديدة التوجيهات الصادرة منذ فترة طويلة بأن مرضى سرطان الرئة في المرحلة الرابعة يجب ألا يخضعوا لعملية زراعة رئة.

«الشرق الأوسط» (شيكاغو)

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي
TT

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

عندما بدأ قائد شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا القانونية باستخدام «تشات جي بي تي»، بدأ بما يفعله معظمنا - الاستفادة من قدرة هذه التقنية الجديدة على تولي بعض المهام الصغيرة والروتينية. ولكن وفي غضون أشهر قليلة، تحوّل نموذج الذكاء الاصطناعي من مساعد يُعنى بالبريد الإلكتروني... إلى أعلى سلطة في الشركة، كما كتب فيصل حقّ (*).

قيادة كارثية لبرنامج ذكاء اصطناعي

ظهرت أولى علامات خروج الأمور عن مسارها عندما وجّه موظفيه إلى استشارة الذكاء الاصطناعي قبل كل اجتماع لمناقشة أفكارهم. ثم بدأ باتخاذ قرارات هيكلية بشأن الشركة بناءً على محادثات مع روبوت الدردشة، وتوظيف وفصل الموظفين بناءً على توصيات الذكاء الاصطناعي، وتحويل تركيز الشركة بالكامل من مجال ممارسة إلى آخر بناءً على ما أخبره به النموذج في ذلك الأسبوع. كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما استخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء وثيقة أطلق عليها اسم «الكتاب المقدس»، وهي عبارة عن دليل عمل متغيّر باستمرار، كان يُتوقع من الموظفين دراسته حتى لا يضطروا أبداً إلى طرح أي سؤال على زميل بشري. قد يميل البعض إلى تصنيف هذا النوع من القصص ضمن «حكايات جنون المكاتب»... لكنها موجودة، بل ومنتشرة.

لماذا يُعدّ حكمك مهماً؟

من المفيد أن تكون واضحاً بشأن ما تُجيده نماذج الذكاء الاصطناعي وما لا تُجيده. لقد استوعب النموذج الرائد ما يُقارب مجموع المعرفة البشرية المُسجلة: العلوم، وروائع الفنون، والحكمة المُتراكمة لمفكري الأعمال في العالم. وهذا ما يجعله قوياً للغاية. لكن هذه القوة متجذرة في معرفة متاحة للجميع.

ما تفتقر إليه نماذج اللغة الكبيرة هو الرؤية من داخل المواقف البشرية المُحددة. يمكنك تزويد النموذج بسياق، وسيستخدمه النموذج الجيد بذكاء. لكن في كثير من الأحيان، تكون أهم الأشياء التي تعرفها عن عملك لم تُدوّن قط. إنها ليست في بيانات التدريب ولن تكون أبداً، لأنها كامنة في تجربتك الشخصية: المقايضات التي تقبلها وتلك التي ترفضها؛ استقبال أو رفض قرار ما من قِبل هذا المجلس ومن هؤلاء العملاء.

لهذا السبب يصعب تفويض الحكم إلى آلة، ولهذا السبب أيضاً يكون تفويضه مغرياً للغاية لأن إجابة النموذج تأتي بسرعة، وتأتي واضحة، ولا تتطلب منك أي جهد. الاستسلام لها دون التفكير ملياً في صحتها أو خطئها هو فشل في الإرادة في أبشع صوره.

القادة «أكثر عرضة» للمبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي... لابتعادهم عن العمل الفعلي

تنطبق مخاطر التخلي عن القدرة المعرفية على جميع العاملين. لكنها تتخذ بُعداً إضافياً بالنسبة للقادة: فالقادة ليسوا فقط عرضة لخطر التخلي عن حكمهم للآلة، بل إن قراراتهم قد تجبر مؤسسات بأكملها على اتخاذ الخطوة الخطيرة نفسها. والقادة معرضون بشكل خاص للعوامل التي قد تؤدي إلى سوء اتخاذ القرارات في هذا المجال.

وأشار آرون ليفي، مؤسس شركة Box ومديرها التنفيذي، إلى هذه المشكلة حديثاً عندما جادل بأن كبار القادة «أكثر عرضة» للمبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن السبب في ذلك هو ابتعادهم عن العمل الفعلي. فالقادة يرون العروض التوضيحية المصقولة، أو النماذج الأولية، أو العقود المُنشأة من الذكاء الاصطناعي)، ويستنتجون أن المهمة قد أُنجزت.

أما بالنسبة للكثيرين، فيبقى الجهد الكبير المبذول بين الناتج الأولي المثير للإعجاب والنتيجة النهائية، المشابهة ظاهرياً ولكنها أكثر دقة، غير مرئي. وهذه المسافة نفسها التي قد تجعل القادة يبالغون في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي ويصرون على استخدام موظفيهم للذكاء الاصطناعي في مهام معينة.

وهنا تتحول المشكلة الفردية إلى مشكلة تنظيمية. فالقائد الذي يتوقف عن استخدام حكمه الشخصي يميل إلى بناء شركة لا تطلب من أي شخص آخر استخدام حكمه. والأسوأ من ذلك، أن الشركة قد تبدأ حتى في اعتبار الحكم البشري نقطة احتكاك يجب تقليلها.

ما يجب على القادة فعله

إن حماية الحكم العقلي في جميع أنحاء المؤسسة مسألة نابعة من التصميم، وليست من الفرض الإجباري، إذ لا يمكنك أن تطلب من الناس التفكير بأنفسهم بينما تبني شركة تُكافئهم على عدم بذل الجهد.

3 خطوات يمكنك اتخاذها لحماية مكانة ملَكَة الحكم العقلي البشري

• احمِ وقت القيام بالعمل الفعلي. إن أضمن طريقة لدفع فريق إلى التفكير هي إفساح الوقت لهم وليس إكراههم على القيام بأشياء أخرى. إذا أصررتَ على مواعيد نهائية لا يمكن تحقيقها إلا باستخدام الآلات، فإن الاعتماد على إجابات الذكاء الاصطناعي السلسة لن يكون خياراً (بل سيكون واجباً). ولذا وللحفاظ على فرصة التقييم العقلي البشري، من الضروري وضع حدود للضغط على العاملين لتحقيق أعلى كفاءة بأقل الأوقات.

• كافئ القرار لا الناتج فقط. إذا كان قياسك يقتصر على السرعة والكمية، فإنك تشجع على التهرب من التفكير. ابحث عن طرق لتقدير القرار نفسه، مثل الإشادة بالقرارات التي تنبثق نتيجة تفكير معمق، أو تقييم عدد المرات التي يتجاوز فيها الأفراد توصيات الآلة بشكل صحيح.

• اجعل تقييمك واضحاً. كن قدوة. اجعل علاقتك بالآلة تحدد النمط لكل من يعمل تحت إمرتك. إذا اعتبرت إجابة الذكاء الاصطناعي نهائية، فإنك سترخص لهم فعل الشيء نفسه؛ ناقش تلك الإجابة وتجاوزها أمام فريقك عندما يكون لديك سبب وجيه، واجعل ذلك هو القاعدة. أظهر، بوضوح، أن إجابة الآلة هي بداية عملية التقييم، وليست نهايتها.

الخلاصة: تحمل القرار بنفسك

تكمن المفارقة في أن التخلي عن التفكير الآلي يأتي في وقت تعمل فيه التكنولوجيا في ذروة كفاءتها وفي العادة فإن النموذج الذكي السريع والسلس والصحيح في أغلب الأحيان... هو تحديداً النموذج الذي تتوقف عن مراجعة إجاباته. وهنا يبدو كل تصرف من هذا القبيل منطقياً... إلى حين أن تكتشف أن مؤسستك قد تخلت ليس فقط عن تفكيرها الروتيني، بل عن إرادتها في اتخاذ قراراتها الخاصة.

ليست التكنولوجيا هي المشكلة هنا، وتقليل استخدامها ليس هو الحل. المهم هو التمسك بما لا تستطيع التكنولوجيا توفيره، ألا وهو القدرة على النظر إلى ما أنتجته الآلة، وتحديد مدى صحته، وتحمل مسؤولية القرار بنفسك.

مجلة «فاست كومباني».


الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع
TT

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

افتُتح «أسبوع جنيف الرقمي» في 6 يوليو (تموز) بالحوار العالمي الأول حول حوكمة الذكاء الاصطناعي وقمة الذكاء الاصطناعي العالمية، حيث قدّمت اللجنة العلمية الدولية المستقلة الجديدة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالذكاء الاصطناعي إلى الحكومات، أول تقييم علمي عالمي لها حول الذكاء الاصطناعي، كما كتب غابرييل أكاسكينا(*).

مواثيق وتوصيات حول الذكاء الاصطناعي

يُختتم هذا التجمع ثلاث سنوات أنتجت خلالها الأمم المتحدة كمّاً هائلاً من الأعمال حول الذكاء الاصطناعي، بدءاً من الميثاق الرقمي العالمي Global Digital Compact ووصولاً إلى تقرير «حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية Global Digital Compact to the Governing AI for Humanity »، ومن توصية اليونيسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى القمم السنوية للاتحاد الدولي للاتصالات.

مورد مستقبلي لا تستطيع الأمم المتحدة تقييمه

وعند النظر إلى هذه الأعمال مجتمعة، نجد أنها تشترك في موقف واحد، وهو أن الأمم المتحدة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كشيء علينا استقباله، ومورد يُوجّه نحو غايات نافعة، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة، ويُرصد أثره على المجتمع، ويُزوّد ​​بضوابط أخلاقية.

وهذا هو جانب الطلب على التكنولوجيا، وهو محور مشاركة الأمم المتحدة الجوهرية حالياً. أما جانب العرض، أي الأماكن التي تُنتَج فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي الرائدة، وتُقَيَّم، وتُفرَز، فليس هناك وجود فعلي للأمم المتحدة فيه. إذ لا توجد هيئة متعددة الأطراف تضم كوادر فنية قادرة على فحص عمل المختبرات، ولا آلية لتقييم عمليات التدريب، ولا بنية تحتية مشتركة للإبلاغ عن الحوادث عبر الحدود.

أطر استخدام ثنائية ومحلية... وليست أممية

تتبلور البنية التي ستتحكم بالأمور لعقود مقبلة، حالياً، في اتفاقيات ثنائية (محلية) بين المختبرات الرائدة والحكومات المضيفة لها، وفي كيانات خاصة مثل مشروع «غلاسوينغ Glasswing» التابع لشركة «أنثروبيك»، وفي قرارات مراقبة الصادرات الصادرة عن الجهات المضيفة للتكنولوجيا.

ويتضح هذا النمط (في التوجهات المحلية) جلياً في الأخبار المتداولة، إذ أذنت وزارة التجارة الأميركية أخيراً بنشر نموذج الذكاء الاصطناعي الأكثر كفاءة من شركة أنثروبيك لنحو 100 مؤسسة أميركية، وذلك بعد أسبوعين من تعليق ضوابط التصدير الذي أدى إلى إيقاف استخدامه من الجميع.

مثال حكر الاستخدام... أميركياً

وبينما كان قرارا البيت الأبيض للتعليق والنشر الانتقائي قرارين أميركيين وكان الشركاء أميركيين، فإن الفئات السكانية المتأثرة بهذه التقنية، كانت عالمية. وقد أعرب مسؤولون أوروبيون علناً عن استيائهم من هذا الاعتماد الجديد على القرارات المتخذة في واشنطن. وباتت سلطة تحديد الفئات السكانية التي تحصل على إمكانية الوصول إلى تقنية أمن المعلومات المتقدمة، بحكم الأمر الواقع، في يد إدارة وطنية واحدة.

تقييم النماذج الذكية عالمياً

كيف سيبدو دور الأمم المتحدة في جانب العرض؟ يجري حالياً تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي قبل نشرها. ويقوم كل من معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني ومركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي الأميركي (معهد سلامة الذكاء الاصطناعي الأميركي سابقاً) باختبار النماذج المتقدمة من خلال اتفاقيات طوعية مع المختبرات الكبرى، وهي ممارسة روتينية لدرجة أن المختبرات نفسها تستشهد بها كدليل على التطوير المسؤول.

191 دولة من دون تنسيق

السؤال الذي لم يطرحه النظام متعدد الأطراف حتى الآن هو: لماذا لا يُتاح ضمان السلامة المتاح لبلدين لبقية دول العالم البالغ عددها 191 دولة؟

وللأمم المتحدة خبرة في إنجاز مثل هذا المستوى من العمل التقني. فقد أُنشئت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1957 للتواصل المباشر مع مواقع تصنيع المواد النووية، وتمنحها ضماناتها وجوداً تقنياً دائماً في الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. تعمل الوكالة داخل المنشآت التي تُعالج فيها المواد النووية، بدلاً من العمل من خارج الصناعة التي تُعالجها، ويتلقى سكان الدول التي لا تملك برامج نووية ضمانات من نظام لا يمكن لأي منهم بناؤه بمفرده.

تشارك المختبرات المحلية مع الأمم المتحدة

ولدى مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة أسبابها الخاصة للمشاركة. فهي تُقدم بالفعل نماذجها للتقييم الطوعي، لأنه يُوفر لها شهادة اعتماد يُمكنها الاستشهاد بها، ودفاعاً ضد الادعاء بأن التطوير الرائد يجري دون رقابة.

ويُوسع الترتيب متعدد الأطراف(للأمم المتحدة) نطاق المنطق نفسه، مانحاً هذه المختبرات ضماناً يُمكنها من تقديمه للأسواق والحكومات خارج نطاق الدولتين اللتين تُقدّمانه حالياً، وحامياً إياها من التشتت التنظيمي الذي قد تُنتجه الاتفاقيات بين الدول. فهي تسعى لكسب ثقة العالم أجمع، لا ثقة واشنطن ولندن فقط.

أميركا والصين لا تتشاركان مع الأمم المتحدة

تكمن الصعوبة في أن إنتاج الذكاء الاصطناعي المتقدم مُركّز في الولايات المتحدة والصين، ولا تُبدي أيٌّ منهما رغبةً تُذكر في فتح مختبراتها أمام وجود متعدد الأطراف.

ويتشابه الأمر مع الضمانات النووية عام 1953، أي قبل أربع سنوات من بدء عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حين بدا أن تركيز القدرات في قوتين متنافستين، واشنطن وموسكو آنذاك، يجعل أي اتفاق مستحيلاً سياسياً. وقد أُنشئت الوكالة لأن كلا الجانبين خلصا في نهاية المطاف إلى أن الشفافية المتبادلة أفضل من التعتيم المتبادل، واتضح أن الفترة القصيرة بين عامي 1953 و1957 كانت الفترة التأسيسية التي وُضعت خلالها أسس العمل على مدى السبعين عاماً التالية.

إنشاء وحدة أممية صغيرة لتقييم الذكاء الاصطناعي

ويمكن اعتبار «برنامج إصلاح الأمم المتحدة لعام 1980» الوسيلة الأمثل لظهور الرقابة على جانب العرض، إذ تسعى تلك المبادرة إلى إعادة توجيه أمانة الأمم المتحدة نحو التعددية المستقبلية. وتُمثّل فجوة حوكمة الذكاء الاصطناعي تحديداً حالة من الغياب الهيكلي الذي يستوجب الإصلاح.

لا يتطلب سدّ هذه الفجوة إنشاء وكالة جديدة منذ البداية: يكفي منح الأمم المتحدة لعام 1980 تفويضاً لوحدة تقييم دائمة صغيرة، مُشكّلة من أصول تملكها الأمم المتحدة بالفعل، مثل المركز الدولي للحوسبة، مع دعوة المختبرات لتوسيع نطاق الاتفاقيات الطوعية التي تلتزم بها حالياً في لندن وواشنطن لتشمل المركز. هذا هو العمل الذي سيتعين على المرحلة التالية من المشاركة متعددة الأطراف القيام به.

* مجلة «فاست كومباني».


كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟
TT

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

نحن مهيأون جينياً وتطورياً لميل فطري نحو كل الكائنات الحية، وهو ما أطلق عليه عالم الأحياء إدوارد أو. ويلسون مصطلح «البيوفيليا biophilia» (حب الطبيعة). فبمجرد الجلوس بين الأشجار وتأمل روعة الطبيعة المهيبة يمكننا استشعار تدفق الحياة؛ فالطبيعة تعمل على تغيير أدمغتنا نحو الأفضل، كما كتبت ليبي ما (*).

الخوف والتوتر ينحسران في أحضان الطبيعة

كشفت أبحاث نُشرت في دورية «Molecular Psychiatry» أن اللوزة الدماغية (الجزء المسؤول عن معالجة الخوف والتوتر في الدماغ) تكون أقل نشاطاً لدى الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية. كما أظهر مسح منفصل شمل ما يقرب من 20 ألف مشارك أن الفرد يمكنه جني فوائد صحية بعد قضاء 120 دقيقة فقط أسبوعياً في أحضان الطبيعة.

تخفيف حدة «الضجيج الذهني»

وتشير الدراسات المتعلقة بـ«الاستحمام في الغابة» (أو ما يُعرف بـ«شينرين-يوكو shinrin-yoku») إلى أن المشي في الغابة يقلّل من مستويات الكورتيزول، ومعدل النبض، وضغط الدم، ونشاط الجهاز العصبي الودي. ووفقاً لعالم النفس الاجتماعي غريغوري براتمان، فإن الانغماس في روعة الطبيعة يمكن أن يخفّف من حدة «الضجيج الذهني» الذي نولّده بأنفسنا جرّاء اجترار التفكير في منغصات الحياة الصغيرة.

لسنا بحاجة إلى القيام برحلات شاقة في هضبة التبت مثلاً لنحظى بهذه المزايا؛ فحتى العناية بحديقة منزلية صغيرة، أو وضع النباتات في أصص على حافة النافذة، أو الجلوس تحت شجرة في حديقة عامة، يمكن أن يوفّر مكاسب صحية ملموسة. فالطبيعة تذكّرنا بأن عالمنا قد يكون مكاناً رائعاً، وأن شكوانا اليومية ومضايقاتنا التافهة لا ينبغي أن تكون هي ما يحدد مسار حياتنا.

* مجلة «سايكولوجي توداي»