استراتيجية «أنفق الآن وادفع لاحقاً» تضع حكومة ستارمر في فخ التأجيل المالي

موازنة بريطانيا... ارتفاع قياسي للضرائب وإرجاء التقشف لما بعد الانتخابات

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث في مجلس العموم بلندن (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث في مجلس العموم بلندن (رويترز)
TT

استراتيجية «أنفق الآن وادفع لاحقاً» تضع حكومة ستارمر في فخ التأجيل المالي

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث في مجلس العموم بلندن (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث في مجلس العموم بلندن (رويترز)

قدمت وزيرة الخزانة البريطانية، راشيل ريفز، موازنة ذات قيمة «ضخمة»، لكنها غير تقليدية في هيكلها. إذ تضمنت زيادة ضريبية كبيرة بلغت 26 مليار جنيه إسترليني (34 مليار دولار)، وهي تقترب من حجم الزيادة التي أقرتها العام الماضي. إلا أن هذه الموازنة اتسمت بتوجه غير تقليدي يعتمد على زيادة الاقتراض في المدى القريب، مع الاعتماد على زيادات ضريبية غير شعبية وإجراءات ضبط للإنفاق مؤجلة إلى السنوات الأخيرة من عمر البرلمان.

هذا النهج يمثل استراتيجية «أنفق الآن وادفع لاحقاً»، وفق توصيف معهد الدراسات المالية البريطاني، حيث يتم صرف الإنفاق الإضافي الآن، بينما يتم الاعتماد على وعود لضبط الإنفاق ورفع الضرائب المؤجلة في المستقبل لتحقيق الانضباط المالي في نهاية المطاف.

ربما نجحت ريفز في تهدئة سوق السندات بموازنتها، لكن من غير المرجح أن تُخفف الضرائب المرتفعة على البريطانيين على كل شيء، من الكآبة في جميع أنحاء البلاد، أو حزبها، في أي وقت قريب. فالزيادة الضريبية التي أعلنت عنها ريفز دفعت الجهة الرسمية المسؤولة عن إعداد توقعات الموازنة إلى التحذير من تأثير كبير على نمو مستويات المعيشة. كما أن التحضيرات الفوضوية للموازنة، حيث نشر مكتب المسؤولية عن الموازنة جميع التفاصيل الرئيسية عن طريق الخطأ على الإنترنت حتى قبل أن تلقي ريفز كلمتها، لم تُقنع نواب حزب العمال بقدرة حكومتهم المتعثرة على تنظيم أمورها.

ريفز تتحدث في مجلس العموم بلندن أثناء تقديم الحكومة موازنتها السنوية (أ.ف.ب)

يوم الخميس، كتب رئيس مكتب مسؤولية الموازنة ريتشارد هيوز إلى كل من ريفز ورئيس لجنة الخزانة في مجلس العموم أن مكتب مسؤولية الموازنة سمح «عن غير قصد» بالوصول إلى التوقعات الاقتصادية والمالية لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في وقت مبكر للغاية في 26 نوفمبر.

تآكل الشرائح الضريبية

جاءت المفاجأة الأبرز في توقعات مكتب المسؤولية عن الموازنة، حيث واجهت ريفز ضغوطاً لرفع الإنفاق العام بشكل غير متوقع. فقد أجبر ارتفاع توقعات التضخم الحكومة على زيادة المبالغ المخصصة لاستحقاقات الرعاية الاجتماعية ومعاشات الدولة، بالإضافة إلى الاعتراف بالضغوط المالية المتزايدة لتمويل احتياجات التعليم الخاص.

ولكن، لإنقاذ الوضع، تم تعويض هذه الزيادة في النفقات بزيادة مقابلة في الإيرادات الضريبية. هذا الارتفاع لم يكن سببه فرض ضرائب جديدة، بل يعود بشكل أساسي إلى ظاهرة «تآكل الشرائح الضريبية». وببساطة، تعني هذه الظاهرة أن تجميد الحكومة للعتبات الضريبية، في الوقت الذي تزداد فيه الأجور بشكل اسمي بسبب التضخم، يدفع المزيد من المواطنين بشكل آلي إلى شرائح ضريبية أعلى؛ ما يزيد من حصيلة الخزينة العامة دون إعلان رسمي لرفع الضرائب.

سمحت هذه الديناميكيات لراشيل ريفز بتجاوز التحدي المالي الكبير. وبفضل الإيرادات غير المتوقعة، تمكنت من اتخاذ قرار لزيادة الاحتياطي المالي للموازنة إلى 22 مليار جنيه إسترليني. ويصف معهد الدراسات المالية البريطاني هذه الخطوة بأنها «حكيمة» لأنها توفر صندوق حماية ضد أي صدمات اقتصادية قد تحدث في عام 2026.

حزمة ضرائب تخرق التعهدات

لقد اختارت ريفز رفع الضرائب لغرضين: تعزيز الاحتياطي المالي وتمويل الإنفاق التقديري الإضافي، وعلى رأسه إلغاء حد الطفلين في نظام الائتمان الشامل. وتجنبت رفع المعدلات الرئيسية لضريبة الدخل، أو ضريبة القيمة المضافة، أو مساهمات التأمين الوطني. بدلاً من ذلك، اعتمدت الحزمة على تمديد تجميد الشرائح الضريبية الشخصية لثلاث سنوات إضافية حتى عام 2030-2031، وهو الإجراء الأكبر الذي سيرفع ملايين الأشخاص إلى دفع الضريبة أو إلى شريحة الدخل الأعلى. هذا التمديد، الذي يشمل عتبات التأمين الوطني، يخرق تعهد حزب العمال الانتخابي بعدم زيادة التأمين الوطني، ويمثل بوضوح زيادة ضريبية على «الأشخاص العاملين». كما أن مجموعة من الزيادات الأخرى على مساهمات المعاشات، ودخل الاستثمارات، ومكاسب رأس المال، تُضعف حوافز الادخار والاستثمار.

يظهر كل من ستارمر وريفز في هذه الصورة بمجلس العموم أثناء تقديم الحكومة موازنتها (أ.ف.ب)

مصداقية الضبط المالي

تظل مصداقية حزمة الضبط المالي المعلنة هي القضية المحورية. فرغم الوعود بالخفض، من المقرر أن يكون الاقتراض أعلى مما كان متوقعاً في كل من السنوات الثلاث المقبلة. ولن يبدأ الاقتراض في الانخفاض عن التوقعات السابقة إلا بعد عام 2029 - 2030، وهو ما يعتمد كلياً على زيادات ضريبية مؤجلة ووعود بضبط الإنفاق خلال فترة مراجعة الإنفاق القادمة. الاقتراض والإنفاق الإضافيين على المدى القريب هو أمر قابل للتصديق، لكن ضبط الإنفاق المستقبلي، وتحديداً قبل الانتخابات القادمة، يواجه قدراً كبيراً من التشكيك. فهذه الموازنة ترفع العبء الضريبي الإجمالي إلى 38.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030 - 2031؛ ما يجعل إجمالي الزيادات الضريبية المعلنة في هذا البرلمان الأعلى منذ عقود، وفق معهد الدراسات المالية.

إصلاحات جزئية

شملت الموازنة بعض الجوانب الإيجابية، مثل إلغاء حد الطفلين لدعم الأسر الكبيرة، وهو إجراء فعال في مكافحة فقر الأطفال. كما تم اتخاذ خطوة مرحب بها نحو الشفافية من خلال نقل مخاطر تجاوز نفقات التعليم الخاص من المجالس المحلية إلى الحكومة المركزية؛ ما يشحذ حوافز الحكومة للإصلاح. ومع ذلك، تبقى هذه الموازنة موازنة لتعزيز الاستقرار قصير المدى دون خطة نمو واضحة، حيث لم تُظهر ريفز أي رغبة حقيقية في استخدام الإصلاح الضريبي لتعزيز النمو الاقتصادي.

في الختام، تُبرز هذه الموازنة التناقض الصعب الذي تواجهه حكومة حزب العمال بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر. فالحكومة، التي وعدت بالاستقرار وإعادة بناء الخدمات العامة مثل هيئة الخدمات الصحية الوطنية بعد سنوات من الاضطراب، تجد نفسها مضطرة إلى إقرار أعلى زيادة ضريبية منذ عقود لتهدئة الأسواق المالية وضمان الإيرادات. ورغم أن هذا يمثل انضباطاً مالياً في نظر المقرضين، فإنه يضع ضغطاً هائلاً على كاهل الناخبين، ويخلق تحدياً سياسياً كبيراً. فبينما تم تمرير الإنفاق الإضافي بسرعة لتهدئة أعضاء الحزب اليساريين، تم تأجيل الإجراءات المالية المؤلمة والضبط الحقيقي للإنفاق إلى ما بعد الانتخابات القادمة. هذا الاعتماد على «الضبط المؤجل» يهدد مصداقية الحزب ويجعل مهمة ستارمر في تحقيق التغيير الموعود مهمة شاقة، حيث يضع التكلفة الفعلية للاستقرار المالي على كاهل الفترة التي تلي فترة ولايته الحالية.


مقالات ذات صلة

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

الاقتصاد تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الاقتصاد صورة جوية تُظهر برج إيفل ونهر السين وأفق مدينة باريس (رويترز)

في مفاجأة إيجابية... عجز الموازنة الفرنسية ينخفض إلى 5.1 % في 2025

تلقّت الحكومة الفرنسية مفاجأة إيجابية يوم الجمعة مع تسجيل عجز الموازنة العامة انخفاضاً أكبر من المتوقع في 2025، إذ بلغ 5.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد راشيل ريفز تغادر «داونينغ ستريت» لتقديم توقعاتها الاقتصادية الربيعية أمام البرلمان في لندن 3 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ريفز تؤكد الالتزام باستقرار الاقتصاد البريطاني وسط مخاوف الشرق الأوسط

أكدت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، في خطابها أمام البرلمان، الثلاثاء، أن الحكومة ستعمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد خزان يحتوي على غاز البترول المُسال يجري تفريغه من سفينة في ميناء تانجونغ بريوك في جاكرتا (رويترز)

إندونيسيا تتجه لتعزيز واردات النفط الأميركي لتعويض نقص إمدادات الشرق الأوسط

أعلن وزير الطاقة والموارد المعدنية الإندونيسي، باهليل لاهاداليا، يوم الثلاثاء، أن بلاده ستعزز وارداتها من النفط الخام من الولايات المتحدة لتعويض أي نقص محتمل.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد خلال اللقاء بين بيسنت وغورغييفا لإتمام مراجعة المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي (إكس)

صندوق النقد الدولي: على الولايات المتحدة تغيير نهجها في السياسة الاقتصادية

اقترح صندوق النقد الدولي مزيجاً بديلاً من السياسات الاقتصادية لتحقيق تطلعات الإدارة الأميركية دون التسبب في ارتدادات عالمية سالبة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)
تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)
TT

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)
تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية، مشيرةً إلى أن ارتفاع مستويات الدين العام واستمرار المخاطر المرتبطة بالحرب قد يُضعفان المسار المالي للبلاد.

وتوقعت «فيتش» أن يظل الإنفاق العسكري مرتفعاً في عام 2027، متجاوزاً بشكل كبير مستويات ما قبل الحرب، في ظل تصاعد التدخل الإسرائيلي في لبنان واستمرار العمليات العسكرية. كما رجّحت الوكالة أن يتسع عجز الموازنة النقدية للحكومة المركزية هذا العام، قبل أن يبدأ في التقلص عام 2027 مع تراجع الإنفاق العسكري، وفق «رويترز».

وقالت الوكالة: «إن العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة والمستمرة قد حدّت إلى حد ما من المخاطر الجيوسياسية التي تهدد التصنيفات الائتمانية»، لكنها حذّرت في الوقت ذاته من أن مدة الصراع الحالي ونطاقه لا يزالان غير واضحين.


اليابان تحذّر من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد لـ«حرب إيران»

محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)
محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)
TT

اليابان تحذّر من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد لـ«حرب إيران»

محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)
محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)

ذكرت الحكومة اليابانية، في تقدير نشرته، الجمعة، أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط وسط أزمة الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية طويلة الأمد على الاقتصاد الياباني خلال الفصول القليلة المقبلة.

وتوقع مكتب مجلس الوزراء، في شرائح العرض المرفقة بتقريره الاقتصادي لشهر مارس (آذار)، أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط الخام بنسبة 10 في المائة بشكل مستمر إلى زيادة معدل التضخم الاستهلاكي في اليابان بما يصل إلى 0.3 نقطة مئوية على مدى عام تقريباً.

وأشار المكتب في تقريره إلى ضرورة الانتباه إلى التداعيات الاقتصادية لأزمة الشرق الأوسط، مع الإبقاء على نظرته المتفائلة بحذر بأن رابع أكبر اقتصاد في العالم يتعافى بشكل معتدل إجمالاً. وأزالت الحكومة اليابانية الإشارة إلى «تأثير السياسات التجارية الأميركية» - أي الرسوم الجمركية - من التقرير الرئيسي لأول مرة منذ صدوره في أبريل (نيسان) 2025.

وفيما يتعلق بالتضخم، فقد غيَّرت الحكومة رأيها السابق بأن أسعار المستهلكين «ترتفع بوتيرة أبطأ» إلى «ترتفع بشكل معتدل». وبقيت التقييمات الأخرى دون تغيير، مثل «انتعاش» الاستهلاك الخاص و«انتعاش» استثمارات الشركات بشكل معتدل. ومع ذلك، أشار مكتب مجلس الوزراء إلى تراجع بيانات ثقة المستهلك وخفض الإنتاج لدى مصنعي البتروكيماويات كاتجاهات تستدعي الانتباه. ونما الاقتصاد الياباني بنسبة 1.3 في المائة سنوياً في الربع الأخير من العام من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول) بفضل الإنفاق القوي من قطاعي الأعمال والمستهلكين. وقد اتخذت حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إجراءات متنوعة، من بينها الإفراج عن مخزونات النفط ودعم الوقود؛ للتخفيف من الأثر السلبي على الأسر والشركات.

وأبقى بنك اليابان المركزي أسعار الفائدة ثابتة عند 0.75 في المائة في اجتماعيه المنعقدين في يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار). وأصدر البنك المركزي، الخميس، مؤشراً جديداً لأسعار المستهلكين، في خطوة يرى المحللون أنها تهدف إلى إظهار أن التضخم الأساسي يسير على المسار الصحيح قبل رفع أسعار الفائدة في الفترة المقبلة.

• سعر الفائدة

في سياق منفصل، أصدر «بنك اليابان»، الجمعة، تقديراً مُحدّثاً لسعر الفائدة الطبيعي في اليابان، والذي أظهر أنه يتراوح بين سالب 0.9 في المائة وموجب 0.5 في المائة. ولم يطرأ تغيير يُذكر على هذا النطاق مقارنةً بالتقدير السابق الذي أظهر أن سعر الفائدة الطبيعي في اليابان يتراوح بين سالب 1.0 في المائة وموجب 0.5 في المائة.

ويُعرَّف سعر الفائدة الطبيعي بأنه مستوى سعر الفائدة الحقيقي الذي لا يؤثر على النشاط الاقتصادي والأسعار، وهو مفهوم مهم في إدارة السياسة النقدية. وعلى الرغم من أن النطاق نفسه لم يتغير بشكل ملحوظ، فإن نظرة فاحصة تكشف عن أن الكثير من التقديرات شهدت ارتفاعاً طفيفاً مؤخراً؛ ما يعكس جزئياً زيادة في معدل النمو المحتمل لليابان، وفقاً لما ذكره «بنك اليابان» في ورقة عمل. ونظراً للغموض الذي يكتنف تقديرات المعدل الطبيعي؛سيدرس «بنك اليابان» بشكل شامل مختلف البيانات لقياس مدى التيسير النقدي، كما جاء في الورقة.

• تخفيف قيود الفحم

في غضون ذلك، أعلنت الحكومة اليابانية، الجمعة، عن خططها لرفع القيود المفروضة على محطات توليد الطاقة بالفحم مؤقتاً، وذلك في إطار سعيها لتخفيف أزمة الطاقة التي سببتها الحرب في الشرق الأوسط.

وذكرت وزارة الصناعة، على موقعها الإلكتروني، أن المسؤولين عرضوا الخطة خلال اجتماع لجنة من الخبراء، الذين وافقوا على المقترح. وقال مسؤول في وزارة الصناعة، خلال الاجتماع الذي بُثّ عبر الإنترنت: «بالنظر إلى الوضع الراهن في الشرق الأوسط وتأثيره على أسعار الوقود، نعتقد أن حالة عدم اليقين بشأن توريد الغاز الطبيعي المسال في المستقبل تتزايد». وأضاف: «نرى أنه من الضروري، من خلال زيادة تشغيل محطات توليد الطاقة بالفحم، ضمان استقرار الإمدادات». ويُذكر أن موردي الطاقة كانوا مُلزمين سابقاً بالحفاظ على معدل تشغيل محطات توليد الطاقة الحرارية بالفحم، التي تُصدر كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، عند 50 في المائة أو أقل. لكن الحكومة تعتزم الآن السماح بالتشغيل الكامل لمحطات توليد الطاقة بالفحم القديمة الأقل كفاءة، لمدة عام ابتداءً من السنة المالية الجديدة التي تبدأ في أبريل، وذلك وفقاً للخطة التي عُرضت في الاجتماع.

وتعتمد اليابان على محطات الطاقة الحرارية لتوليد نحو 70 في المائة من احتياجاتها من الكهرباء، حيث يشكّل الفحم 30 في المائة من وقودها، ويمثل الغاز الطبيعي المسال 30 في المائة أخرى، بينما يشكل النفط 7 في المائة.

وأضاف المسؤول أن الإجراء الطارئ لتعزيز الاعتماد على الفحم من شأنه أن «يؤدي إلى توفير ما يقارب 500 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال».

وتأتي هذه المبادرة عقب تحول الكثير من الدول الآسيوية نحو الفحم لتشغيل اقتصاداتها منذ أن دفعت حرب الشرق الأوسط التي اندلعت أواخر الشهر الماضي إيران إلى إغلاق مضيق هرمز التجاري الحيوي جزئياً واستهداف منشآت الطاقة في الخليج.

وتخطط كوريا الجنوبية لرفع الحد الأقصى لقدرة توليد الطاقة بالفحم، مع زيادة تشغيل محطات الطاقة النووية في الوقت نفسه. كما تعتزم الفلبين أيضاً زيادة إنتاج محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم لخفض تكاليف الكهرباء، في ظلّ تأثير الحرب على شحنات الغاز.

وتُعدّ اليابان خامس أكبر مستورد للنفط، حيث تستورد أكثر من 90 في المائة منه من الشرق الأوسط. كما تستورد نحو 10 في المائة من الغاز الطبيعي المسال من المنطقة نفسها. وتستورد طوكيو ما يقارب 80 في المائة من وارداتها من الفحم من أستراليا وإندونيسيا، وفقاً لوكالة الموارد الطبيعية والطاقة.

وأعلنت اليابان، الخميس، أنها بدأت أيضاً الإفراج عن جزء آخر من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية؛ نظراً لمواجهتها تحديات في إمدادات وارداتها النفطية.


محادثات إصلاح «منظمة التجارة العالمية» تواجه عقبة أميركية - هندية

جانب من اجتماعات منظمة التجارة العالمية في العاصمة الكاميرونية ياوندي (رويترز)
جانب من اجتماعات منظمة التجارة العالمية في العاصمة الكاميرونية ياوندي (رويترز)
TT

محادثات إصلاح «منظمة التجارة العالمية» تواجه عقبة أميركية - هندية

جانب من اجتماعات منظمة التجارة العالمية في العاصمة الكاميرونية ياوندي (رويترز)
جانب من اجتماعات منظمة التجارة العالمية في العاصمة الكاميرونية ياوندي (رويترز)

قال دبلوماسيان لوكالة «رويترز»، يوم الجمعة، إن خلافات كبيرة لا تزال قائمة بين معظم الدول، والولايات المتحدة والهند، في الوقت الذي يجتمع فيه وزراء التجارة؛ لمناقشة الإصلاحات في منظمة التجارة العالمية. ويجتمع الوزراء لمدة 4 أيام في ياوندي، عاصمة الكاميرون، فيما تواجه المنظمة اختباراً حاسماً لمستقبلها، وسط عام من الاضطرابات التجارية الناجمة عن الرسوم الجمركية، والاضطرابات واسعة النطاق التي لحقت بالشحن وأسعار الطاقة وسلاسل التوريد؛ بسبب الصراع في الشرق الأوسط.

وقال دبلوماسي رفيع المستوى لـ«رويترز»: «هناك التزام حقيقي بين الوزراء بالتوصُّل إلى اتفاق بشأن الإصلاحات، لكن ثمة عقبة كبيرة تعيق التقدم: الهند والولايات المتحدة». وقال دبلوماسي آخر من دولة أفريقية إن الهند لم تُبدِ حتى الآن أي مؤشرات على تغيير موقفها. ومع ذلك، قد يكون من الممكن إبداء بعض المرونة. وأضاف: «لدينا أمل كبير في أروقة المفاوضات».

وامتنع الدبلوماسيون عن ذكر أسمائهم نظراً لحساسية المفاوضات الجارية. وبينما تُقرُّ الولايات المتحدة والهند بضرورة إصلاح النظام التجاري العالمي، فقد رفضتا مقترحات وضع خطة عمل جوهرية بشأن الإصلاحات. وقال دبلوماسي رفيع المستوى: «للأسف، لا أرى مجالاً كبيراً للمناورة بين مواقف الولايات المتحدة والهند فيما يتعلق بالإصلاح».

كما عارضت الهند اتفاقية دعم الاستثمار في الدول النامية، فضلاً عن اقتراح الولايات المتحدة بتمديد تعليق الرسوم الجمركية على عمليات النقل الإلكتروني، مثل التنزيلات الرقمية، بشكل دائم، والذي ينتهي هذا الشهر. وقال كريس ساوثوورث، الأمين العام لغرفة التجارة الدولية البريطانية: «مواقف الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة معقولة، لكن هناك طرفاً واحداً نحتاج إلى تنازله لتحقيق التقدم، ألا وهو الهند». وأضاف: «أعتقد أن الإحباط بين الأعضاء سيبدأ بالظهور هنا في ياوندي إذا لم نشهد أي تقدم».

• موقف الهند

ومن جانبه، شكَّك وزير التجارة والصناعة الهندي، بيوش غويال، في جهود الولايات المتحدة لتمديد تجميد التجارة الإلكترونية، قائلاً إن الأمر يستدعي «إعادة نظر دقيقة». وتشعر الهند بالقلق إزاء خسارة عائدات الرسوم الجمركية. وصرَّح الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، يوم الخميس، بأنَّ واشنطن «غير مهتمة» بتمديد الحظر مؤقتاً، بل بتمديده دائماً.

كما انتقد غويال تحركات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا وغيرها من الدول التي تسمح لمجموعة من الأعضاء باتخاذ قراراتها الخاصة من خلال اتفاقات متعددة الأطراف، قائلاً إن أي نتيجة يجب أن يُتَّفق عليها بالإجماع. ألقى ذلك بظلاله على إمكانية إدراج اتفاقية تيسير الاستثمار من أجل التنمية، التي تهدف إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول النامية والأقل نمواً، ضمن قواعد منظمة التجارة العالمية في ياوندي.

وقد رفعت تركيا معارضتها لها يوم الخميس. وأوضح أجاي سريفاستافا، مؤسِّس مبادرة أبحاث التجارة العالمية، وهو مركز أبحاث مقره دلهي ومفاوض هندي سابق، لوكالة «رويترز»، أن موقف غويال يُظهر سعي الهند لحماية البنية الأساسية لمنظمة التجارة العالمية. وتابع: «يُهدد هذان الأمران معاً بتحويل منظمة التجارة العالمية من هيئة قائمة على القواعد إلى هيئة تحركها القوة والتحالفات الانتقائية».

وتشهد منظمة التجارة العالمية جموداً في إحدى أهم أولويات نيودلهي، وهي إيجاد حلٍّ دائم بشأن حيازة المخزونات العامة، بما يسمح للدول النامية بتقديم الدعم لمزارعي الأرز والقمح من خلال آلية دعم الأسعار. ويخشى كبار مصدري المنتجات الزراعية، كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا، أن يسمح ذلك لدول مثل الهند بتكوين مخزونات ضخمة من المواد الغذائية والتخلص من الفائض، مما قد يُشوه التجارة والأسواق. وقالت راندا سينغوبتا، الباحثة الرئيسية في مركز الأبحاث «شبكة العالم الثالث»، إن برنامج دعم المزارعين يُعدُّ وسيلةً مهمةً لدعم المزارعين وتحقيق الأمن الغذائي للمجتمعات الفقيرة في الهند.