لوريل وهاردي... ثنائي «الفوضى الجميلة»

لعبا على وتر الضحك والطفولة لإسعاد الشخص البسيط

لوريل وهاردي... ثنائي «الفوضى الجميلة»
TT

لوريل وهاردي... ثنائي «الفوضى الجميلة»

لوريل وهاردي... ثنائي «الفوضى الجميلة»

في طبعة جديدة من كتاب «لوريل وهاردي» صادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يؤكد الناقد والباحث الفني أحمد الجهيني أن ستان لوريل «1890- 1965»، وأوليفر هاردي «1892 - 1957» لم يتحولا إلى أشهر ثنائي في الأفلام الكوميدية العالمية، بعصريها الصامت والناطق، من فراغ. استطاع الممثلان أن يعيدا صناعة الأفلام إلى فلسفة الرجل البسيط ومواقف الحياة اليومية، فضلاً عن براعتهما في العزف على وتر الطفولة المفقودة والبراءة المختبئة داخل كل متفرج والذي يتوق إلى عمل مشحون بكثير من العفوية وقليل من السذاجة حتى يتحرر هذا الطفل بداخله.

يصنف النقاد أعمال الثنائي المرح بوصفها نوعاً من «كوميديا التهريج»، وهو أسلوب من الفكاهة يتضمن نشاطاً بدنياً مبالغاً فيه قد يتضمن عنفاً متعمداً أو يستلهم الحوادث المؤثرة التي تَنتج غالباً عن الاستخدام غير الحكيم لأدوات تتطلب حذراً مثل المناشير والسلالم. وقد يضرب الممثلون بعضهم بعضاً بشكل متكرر مع تأثير كبير دون التسبب في أي ضرر أو مع ألم بسيط للغاية.

ويكمن السر هنا فيما يمكن تسميتها «الفوضى الجميلة»، فهما يحاولان دائماً حل مشكلة بسيطة، لكن بسبب حماقتهما أو قلة خبرتهما أو ادعاء أحدهما أو كليهما القوة أو الذكاء، تتحول المشكلة أو الشيء البسيط إلى «كارثة». من هنا قيل إنهما كانا في الأساس طفلين صغيرين في جسدي رجلين كبيرين وإنهما يذكِّراننا بالأوقات التي كنا فيها أكثر براءةً وطفولةً بقيم أكثر بساطة. كما قامت فلسفة الضحك لديهما على إسعاد روح الشخص البسيط أو الإنسان الذي ليس لديه مال ولم يحظَ بقدر عالٍ من التعليم ولا يمتلك أفقاً على ما يبدو، ورغم ذلك يسعى إلى الأمام ويتعامل مع سخافات الحياة بطريقة أكثر سخافة.

إن الفضول الطفولي الذي يدفع لوريل للضغط على زر مكتوب عليه «لا تضغط» هو الفضول الذي وُلدنا به جميعاً ولكنَّ المجتمع يرفضه، أما غطرسة هاردي فهي نفس الغطرسة التي نطوِّرها جميعاً بدرجات متفاوتة للرد على ضغط المجتمع. وهكذا في أفلامهما يظهر لوريل دائماً كطفل فضولي، ويظهر هاردي كرجل متغطرس ويستمر الصدام بينهما، لكنَّ الجانب الأكثر جاذبية هو استمرار علاقتهما على الشاشة بغضِّ النظر عن المصائب الكوميدية والصراعات التي تخرج عن مسارها.

وعلى عكس أعمال تشارلي شابلن التي تضمنت أفكاراً سياسية واجتماعية، فإن أفلام لوريل وهاردي كانت مهتمة فقط بالكوميديا، وأن تجعل الجمهور يضحك من خلال مواقف الحياة اليومية البسيطة. هو ليس ضحكاً لمجرد الضحك، ولكنه أيضاً لا يحاول الإيحاء بأنه يحمل هماً آيديولوجياً شديد الإلحاح.

ويكفي الاثنين وجود فكرة عامة، ثم ينطلقان خلال العمل في بناء عديد من المواقف و«الإفيهات» الارتجالية دون اتباع سرد محدَّد أو سيناريو مسبق. ومن أكثر العبارات التي استخدمها الثنائي المرح في الأفلام وأصبحت مأثورات شعبية عبارة «حسناً هذه فوضى لطيفة أخرى أدخلتني فيها»، و«لماذا لا تفعل شيئاً لمساعدتي؟».

جذور لوريل

في يوم 16 يونيو (حزيران) 1890 وُلد آرثر ستانلي جيفرسون في منزل أجداده بشارع «أرجيل» بمدينة أولفيرستون بمقاطعة لانكشاير الإنجليزية. كان والداه من عشاق المسرح، فوالده آرثر جيفرسون كان مديراً لمسرح بمدينة «بيشوب أوكلاند»، ووالدته مارغريت ميتكالف ممثلة، وكان آرثر الذي عُرف فيما بعد باسم «ستان لوريل» واحداً من خمسة أطفال لهذين الزوجين.

رسم ستان ملامحه الكوميدية النموذجية من خلال عروض «قاعة الموسيقى» بما في ذلك القبعة التي اشتُهر بها وعُرفت باسم «قبعة الرامي»، وهي مستديرة صلبة من اللباد على هيئة بيضة أو خوذة لها إفريز إلى أعلى، كما نحت ملمحاً آخر من ملامح شخصيته الفنية، وهو الملمح الخاص بشخصية الغبي الأحمق التي ظهر بها في كل أفلامه.

في عام 1910 انضم لوريل إلى فرقة «فريد كارنو» المسرحية فغيَّر اسمه إلى جيفرسون بدلاً من آرثر ستانلي جيفرسون، وكانت الفرقة تضم شاباً يدعى تشارلي شابلن، وقام لوريل بدور البديل لشابلن لبعض الوقت. وصل شابلن ولوريل إلى الولايات المتحدة على نفس السفينة القادمة من بريطانيا مع فرقة «كارنو» التي قامت بجولة في أمريكا واستمرت عروضها حتى ربيع 1914 حتى تم حلها قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بأشهر قليلة، حيث قرر كارنو السفر والقتال في فرنسا.

رغم أن أغلب محبي لوريل وهاردي يميلون إلى لوريل أكثر من هاردي فإنه لا يمكن تخيل لوريل من دون شريكه الأميركي الضخم الذي ظهر دائماً بوصفه الرفيق سريع الانفعال الغضوب الواثق من نفسه تماماً، بل المتغطرس الذي يظن أنه المسيطر على الأمور رغم أن الأحداث تثبت عكس ذلك.

بدايات هاردي

وُلد أوليفر هاردي في 18 يناير 1892 في مدينة هارلم بولاية جورجيا الأميركية، ويقال إنه كان يزن 14 رطلاً عند الولادة، وسيكون وزنه مصدر إحراج حاد له معظم حياته، لكنه في النهاية سيصبح أيضاً مصدراً للعمل المربح.

كان طفلاً صعب المراس، لذلك تم إرساله إلى كلية «يونغ هاريس» في شمال جورجيا 1905 وكان وقتها في الثالثة عشرة لكنه لم يكن لديه الاهتمام الكافي بالتعليم الرسمي. سرعان ما انضم إلى فرقة مسرحية وهرب من مدرسته الداخلية الواقعة قرب مدينة أتلانتا للغناء مع فرقة موسيقية، ومن هنا أدركت الوالدة إميلي ميل ابنها للغناء فأرسلته إلى أتلانتا لدراسة الموسيقى والصوت مع مدرس الغناء أدولف بيترسن.

اقترح عليه أحد الأصدقاء أن ينتقل إلى مدينة جاكسونفيل بولاية فلوريدا حيث يتم إنتاج بعض الأفلام، وهو ما فعله هاردي عام 1913، حيث كان يعمل في شركة «لوبين» للإنتاج السينمائي مقابل خمسة دولارات في اليوم مع ضمان ثلاثة أيام عمل في الأسبوع. وفي المساء كان يعمل مغنياً ومشاركاً في عروض الكودكيل، «وهى عروض مسرحية أقرب إلى عروض السيرك انتشرت في الولايات المتحدة وكندا منذ 1880 حتى 1930».

في العام التالي قدم هاردي أول فيلم له، وبحلول عام 1915 كان قد شارك في خمسين فيلماً قصيراً مع استوديو «لوبين» من فئة «البكرة الواحدة» قبل أن ينتقل إلى لوس أنجليس، حيث عمل بشكل مستقل لعديد من استوديوهات هوليوود. وبحلول عام 1921 تم اللقاء الفني الأول بين ستان لوريل وأوليفر هاردي في فيلم «الكلب المحظوظ».

ظهر هاردي قبلها في أكثر من مائتين وثلاثين فيلماً قصيراً، في بعض الأحيان أُسند إليه دور البطولة ولكن في أغلب المرات قام بدور الشرير وهو دور مساعد أو دور «ثقيل الظل» وكان كما وصفه النقاد «محترفاً محنكاً ومحترماً في مجال صناعة الأفلام».

في الوقت نفسه لم يكن لدى لوريل سوى 12 فيلماً فقط، حيث كان يركز على سلسلة أفلامه الكوميدية القصيرة، محاولاً أن يصبح نجماً رائداً كما حدث مع مثله الأعلى وزميله في قاعة الموسيقى وزميل رحلته إلى أميركا تشارلي تشابلن الذي أصبح بحلول هذا الوقت أكبر نجم سينمائي في العالم.

بعد «الكلب المحظوظ» مرّت خمس سنوات قبل ظهور لوريل وهاردي معاً كثنائي كوميدي في فيلم «حساء البط» 1927 واستند إلى قصة اسكتشات بعنوان «المنزل في شهر العسل» كتبها 1905 آرثر جيفرسون، والد ستان. كان استقبال الفيلم إيجابياً إلى حد ما، وقال النقاد إنها «كوميديا مسلية مع كثير من المواقف المضحكة، والعديد منها من النوع المألوف، ولكن تم التعامل معها بذكاء».

يصنف النقاد أعمال الثنائي المرح بوصفها نوعاً من «كوميديا التهريج»

مفارقات «الكساد الكبير»

بدأ ما يعرف بـ«الكساد العظيم» مع انهيار سوق الأسهم الأميركية في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1929 حتى عام 1940، وخلاله وصلت نسب البطالة إلى معدلات غير مسبوقة. وخلال تلك الفترة قدم لوريل وهاردي أكثر من 53 فيلماً ما بين قصير وطويل، والمدهش في الأمر أن العام الأول للكساد هو العام نفسه الذي تعرف فيه العالم بشكل حقيقي على الثنائي المرح. كما أسهم تصدير الأفلام الأميركية في التقليل من الآثار الاقتصادية للكساد، بخاصة مع دخول السينما الأميركية المراحل الأولى لعصر السينما الناطقة.

ذات مرة سأل أحدهم ستان لوريل عن هواياته هو وشريكه أوليفر هاردي، فردّ الكوميديان النحيف: «كانت لدينا هوايات مختلفة، كان هاردي يحب الخيول والغولف، أما هواياتي فمعروفة وتزوجتها جميعاً». ما يقصده لوريل أن الحب والزواج كانا هوايته المفضلة، ورغم ما في العبارة من فكاهة ومبالغة فإن حياة ستان لوريل العاطفية والعائلية كانت فوضوية مثل حبكات أفلامه.

وصف الكاتب الآيرلندي جون كونولي، لوريل بأنه «كان رومانسياً يتوق إلى الاستقرار، وأن عروضه الكوميدية غالباً ما أظهرت افتقاره إلى الثقة على الشاشة، لكن الأفلام أحادية اللون (الأبيض والأسود) لم تنقل زرقة عينيه التي أوقعت النساء في حبه بقوة».

كان ستان كذلك كاتب خطابات بارعاً، حيث احتوى أرشيف مراسلاته على أكثر من 1500 خطاب تؤكد أنه رجل أدب متخصص في أدبيات المراسلة، وغالباً ما كان يكتب الخطابات لمجرد المتعة ولأنها كانت الوسيلة الوحيدة لملء فترة تقاعده الطويلة، والتواصل مع الأصدقاء والمعجبين عن طريق البريد، ساعده على ذلك أنه كان لديه حب فضولي للأوراق والأقلام. وخلال إحدى المقابلات التي أجراها مع جون مكابي، كاتب سيرته الذاتية، كشف لوريل عن رغبته في امتلاك متجر أدوات مكتبية، واعترف بأنه راضٍ تماماً عن قضاء فترات ما بعد الظهر بأكملها في فحص أنواع الورق.


مقالات ذات صلة

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر
كتب النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».