اغتيال الطبطبائي يخلخل بنية «حزب الله» القيادية

تل أبيب تفتح خريطة استهداف السياسيين

عناصر من «حزب الله» يحملون نعش رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي خلال تشييعه الاثنين في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
عناصر من «حزب الله» يحملون نعش رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي خلال تشييعه الاثنين في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

اغتيال الطبطبائي يخلخل بنية «حزب الله» القيادية

عناصر من «حزب الله» يحملون نعش رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي خلال تشييعه الاثنين في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
عناصر من «حزب الله» يحملون نعش رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي خلال تشييعه الاثنين في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

أعاد اغتيال هيثم علي الطبطبائي، القائد العسكري الأعلى في «حزب الله»، بعمق الضاحية الجنوبية، ترتيب المشهد الأمني داخل لبنان بصورة دراماتيكية.

فبعد ساعات من العملية، نشر مركز «ألما» الإسرائيلي رسماً محدثاً لهيكل قيادة «الحزب»، ضمّ شخصيات سياسية من الصف الأول، مثل رئيس كتلة «حزب الله» النيابية محمد رعد، ورئيس المجلس السياسي في «الحزب» إبراهيم أمين السيد، ورئيس الهيئة الشرعية في «حزب الله» محمد يزبك، إلى جانب قادة عسكريين وأمنيين.

صورة نشرها مركز «ألما» الإسرائيلي على «إكس» تظهر البنية القيادية لـ«حزب الله» سياسياً وعسكرياً وأمنياً

وهذه الخطوة رأى فيها خبراء في بيروت محاولة واضحة لـ«توسيع خريطة الاستهداف» وتكريس صورة «الحزب» بوصفه منظومة واحدة لا فصل فيها بين السياسي والعسكري.

مسار جديد

هذا الإدراج، وإن لم يعلن بشكل رسمي، بدا تطوراً في خطاب تل أبيب، فبعد سنوات كانت تصوّب فيها عملياتها نحو «المجلس الجهادي»، باتت اليوم تقدّم القيادة السياسية بوصفها جزءاً من دائرة القرار العسكري، بما يفتح الباب أمام مسار جديد من المواجهة يتجاوز الميدان إلى البنية التنظيمية العليا لـ«الحزب».

لحظة ضعف تاريخية

ويرى الكاتب والمحلّل السياسي علي الأمين أنّ «نشر موقع (ألما) الصور يحمل دلالات تتجاوز البعد الإعلامي، إلى دلالات أمنية واضحة في لحظة حرب مفتوحة، ويعكس مستوى الانكشاف غير المسبوق الذي يعيشه (الحزب) بعد اغتيال قائده العسكري الأعلى هيثم الطبطبائي في قلب الضاحية».

ويقول الأمين لـ«الشرق الأوسط»: «أي صورة أو إشارة في هذا التوقيت لا تُقرأ بمعزل عن مناخ الحرب. نحن أمام استهداف مباشر للصف الأول، ومع اغتيال الطبطبائي، يصبح طرح احتمال استهداف آخرين أمراً وارداً، سواء من القيادات الأمنية والسياسية». ولفت إلى أنّ «الخرق الذي أدى إلى اغتيال شخصية بهذا المستوى يدل على قدرة إسرائيل على الوصول إلى أي شخص آخر داخل بنية (الحزب)».

وأضاف: «خلال عام كامل، لم يشهد التاريخ الحديث مجموعة تتعرض يومياً لضربات واغتيالات من دون أن تكون قادرة على الرد. هذا ليس مشهداً عادياً، بل مؤشر على ضعف وانكشاف كبيرَين داخل (الحزب)».

مواطنون يتجمهرون في حارة حريك إثر القصف الذي استهدف المبنى الذي كان يوجد فيه رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي (أ.ف.ب)

وأوضح الأمين أن «اللافت في الاغتيال الأخير أنّ إسرائيل استهدفت الطبطبائي و4 من حوله بدقة، من دون إيقاع قتلى في صفوف المدنيين؛ مما يكشف مستوى معلوماتها وحرصها على إبقاء المواجهة محصورة في صفوف (الحزب)». وتابع: «هذا التكتيك يحرج قيادة (الحزب)؛ لأنه يثبت يوماً بعد يوم أنّ إسرائيل قادرة على اصطياد العناصر والقيادات من دون ثمن يُذكر».

صفقة أو ورقة أخيرة

ووضع الأمين ما يجري اليوم في إطار «إمّا يكون جزءاً من (عملية بيع) تدريجية للبنية الأمنية - العسكرية لـ(الحزب) على طاولة أميركية، وإما أن طهران تريد كارثة في لبنان لتستخدمها ورقة تأخير لأي تهديد محتمل ضدها». وحذّر بأنّ «الحرب الإسرائيلية المحتملة على لبنان قد تكون، بشكل أو بآخر، مفيدة لإيران في لحظة ضعفها».

وقال: «لا معنى اليوم للحديث عن تعافٍ عسكري لـ(الحزب)... بنيته الأمنية والعسكرية تضررت بشدة... الصواريخ والمخازن التي يتحدث عنها البعض لا تصنع قوة في ظل انكشاف القيادات وقدرة إسرائيل على اختراق كل الدوائر». ولفت إلى أنّ «ما بعد اغتيال الطبطبائي لن يشبه ما قبله، وكل السيناريوهات مفتوحة؛ من اغتيالات جديدة إلى تصعيد أوسع، في ظل فراغ استراتيجي كامل لدى (الحزب)».

هشاشة تاريخية

ويبدو أنّ اغتيال الطبطبائي لم يكن محطة عسكرية معزولة، بل نقطة انعطاف أعادت فتح ملف دائرة القرار داخل «الحزب»... فإذا كان الطبطبائي يمثّل الحلقة الأعلى حساسية في البنية العملياتية، فإنّ إدراج القيادات السياسية يشير إلى رغبة إسرائيلية في نقل المواجهة من الجبهة إلى المستوى الذي يُتخذ فيه القرار وتُدار منه الحرب.

صورة للأمينَين العامّين الراحلَين لـ«حزب الله» الأسبق حسن نصر الله والسابق هاشم صفي الدين على المبنى الذي استُهدف في عملية اغتيال القيادي هيثم الطبطبائي بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

هذا التحول، وفق الخبراء، يضع «الحزب» أمام إحدى أعقد لحظات تاريخه: هشاشة أمنية، وانكشاف قيادي، وضغوط دولية، وانقسام داخلي بين واجهة سياسية وفئة عسكرية متوارية.

شعور مضلل بالأمان

من جهته، يقدّم العميد المتقاعد ناجي ملاعب قراءة مكمّلة للصورة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إنّ «(حزب الله) بعد وقف إطلاق النار، بات منقسماً عملياً إلى فئتين: فئة علنية تضم السياسيين والنواب والوزراء وتتولى الخطاب، وفئة أخرى انكفأت كلياً عن الظهور، وابتعدت عن كل أشكال التكنولوجيا والاتصالات، وما زالت تعمل بصمت على إعادة تنظيم الهيكل العسكري لـ(الحزب)».

ورأى أنّ «الاستهدافات الإسرائيلية خلال السنة الماضية لم تكن قادرة على الوصول إلى قياديين من الصفين الأول والثاني... فمعظم من اغتيلوا كانوا مدير مدرسة أو موظفاً بلدياً أو عناصر لا يمسكون قراراً»، عادّاً أنّ «(الحزب) نجح نسبياً في ضبط نفسه أمنياً، لكنه أخطأ في الشعور بالأمان داخل الضاحية؛ وهو ما سمح بالاختراق الأخير».

نجاح بعد عجز

وأشار إلى أنّ «إسرائيل تملك ما يكفي من القدرات التقنية؛ بين الأقمار الاصطناعية والمسيّرات، لملاحقة أي هدف لا يغادر نطاق المراقبة»، لافتاً إلى أن «الحجم الاستثنائي للتهليل السياسي والعسكري الإسرائيلي بعد العملية يؤشر إلى حاجة داخلية لدى تل أبيب لتظهير نجاح كبير بعد فترة طويلة من العجز».

ورأى ملاعب أنّ «نشر مركز (ألما) أسماء وصور قيادات في (الحزب) ليس موقفاً رسمياً، لكنه جزء من الضغط النفسي والعسكري على (الحزب) عبر الإيحاء بأنّ الاستهداف قد يطول سياسيين أيضاً»، مضيفاً: «مشكلة (الحزب) أنه لم يعترف بالهزيمة، وما زال يكابر. وكلما تأخر الاعتراف، ارتفع منسوب التصعيد الإسرائيلي».

وحذّر ملاعب بأنّ «الضغوط المقبلة لن تكون عسكرية فقط، فوفد وزارة الخزانة الأميركية الذي يستعد لزيارة بيروت يعكس مستوى جديداً من العمل على تجفيف مصادر تمويل (الحزب)، وهذا أخطر بالنسبة إليه من موضوع السلاح نفسه».


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)

تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
TT

تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)

استعادت القوات الحكومية اليمنية، أمس (الأحد)، جبل نعمان الاستراتيجي غرب محافظة تعز، بعد مواجهات مع الحوثيين.

وأكدت مصادر عسكرية أن سيطرة الجيش على الجبل أعادت وصل جبهة بني بكاري بجبهة الكدحة، وأمّنت طريق بني بكاري - الأشروح - البيرين. ورأت المصادر أن هذه التطورات أربكت خطط الحوثيين، وجعلت ما تبقى من مواقعهم في عزلة الشراجة مكشوفاً نارياً.

كما تصدّت القوات الحكومية لهجمات حوثية في الدمدم وشريرة والوازعية وراسن وبني عمر، في حين لم يطرأ تغيير على خطوط السيطرة في جرداد والمرتفعات المحيطة بها.


لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
TT

لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)

يُراهن لبنان على لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقائهما المرتقب في واشنطن، لتجنب فراغ في الجنوب يحدث بانسحاب قوات «يونيفيل»، في ظل غياب التوافق على المرجعية الدولية البديلة.

وفي السياق، كشف مصدر وزاري، أن الرئيس اللبناني جوزيف عون أثار المخاوف من حصول فراغ في الجنوب، لدى اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني. وقال المصدر إنهما أبديا تفهماً لمخاوفه.


تأهب إسرائيلي كبير في الضفة

فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
TT

تأهب إسرائيلي كبير في الضفة

فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)

رفع الجيش الإسرائيلي مستوى التأهب بشكل كبير في الضفة الغربية، أمس (الأحد)، بالمواكبة مع فعاليات «يوم الغفران» اليهودي، كما نصبت القوات الإسرائيلية حواجز عسكرية على مداخل قرى بالضفة.

ووسط استنكار فلسطيني، اقتحم وزير الأمن الإسرائيلي القومي المتطرف إيتمار بن غفير، باحات المسجد الأقصى، أمس، وذلك غداة اقتحام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، منطقة حائط البراق بالقدس المحتلة. وميدانياً، قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينياً في قرية قرب جنين، كما قُتل إسرائيلي في هجوم مسلّح على مستوطنة شمال غرب رام الله.