هل عاشت غولدا مائير علاقة عاطفية مع عربي؟

رواية «العشيق الفلسطيني» تبني على أسطورة ارتباطها بالفلسطيني ألبرت فرعون

هل عاشت غولدا مائير علاقة عاطفية مع عربي؟
TT

هل عاشت غولدا مائير علاقة عاطفية مع عربي؟

هل عاشت غولدا مائير علاقة عاطفية مع عربي؟

عمل سليم نصيب مؤلف هذه الرواية مراسلاً لصحيفة ليبراسيون الفرنسية خلال سنوات الحرب الأهلية في لبنان، وقد صدرت بنسختها الإنجليزية المترجمة عام 2007 عن دار «يوروب إيديشينز» ولا أستبعد أن يكون للمترجمة أليسون أندرسون دور في تحقيق انتشار هذه النسخة في العالم الأنجلو-ساكسوني انتشاراً واسعاً، أكثر مما حققته النسخة الفرنسية الأصلية بفضل جزالة لغتها وكثافة جملتها، وبالطبع لصغرها من حيث الحجم فعدد صفحاتها لا يتجاوز المائة والستين، رغم أنها تتناول تاريخاً يمتد ربع قرن تأسست في آخره دولة إسرائيل عام 1948. وفي إعلان «الاستقلال» الذي وقعه 37 شخصية كانت نسبة اليهود القادمين من «روسيا القيصرية» (التي كانت تضم أيضاً أوكرانيا وبيلاروسيا وبولندا) تزيد على التسعين في المائة.

في الروايات المعنية بالسيرة أو التاريخ المعاصر، قد ينطبق عليها أيضاً رأي كارل ماركس القائل إن التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا حدث ذلك فإنه سيكون في المرة الأولى تراجيدياً وفي المرة الثانية مهزلة.

فالروائي يتعقب حياة أفراد غادروا عالمنا، ويسعى لإقناعنا بأن النسخة التي يقدمها لنا عنهم سواء فيما قالوه أو فعلوه سراً أو علانية هي فعلاً مطابقة لحياتهم.

سليم نسيب

مع ذلك، فالقارئ قد ينشدّ إلى الرواية إذا استطاع كاتبها إقناعنا بأنه كان محايداً في عرضه، وحقق لنا عبر أسلوبه السردي إمتاعاً يجعلنا مقتنعين بأن واقع الأحداث الأصلي ليس بعيداً عن نسخته.

في هذه الرواية اتبع الروائي سليم نصيب ثلاث تقنيات لتحقيق هذا الهدف: شدّ القارئ حتى الانتهاء منها، من دون الاهتمام بما سيترك من انطباعات في نفسه لاحقاً.

التقنية الأولى استخدام الفعل المضارع في السرد الروائي بدلاً من الفعل الماضي كما هو الحال مع معظم الروايات المكتوبة باللغات الأوروبية، وهذا ما جعل القارئ يتابع أحداثها وكأن ما يقرأه هو سيناريو حولته اللغة الأنيقة المكثفة إلى فيلم تتشكل صوره في المخيلة بعد تحول الكلمات إلى صور.

التقنية الثانية التي ترتبت عن الأولى هي تجنب نقل ما كان يحدث خلال تلك الفترة داخل فلسطين عبر السرد الروائي، وذلك باستخدام الحوار كي يؤدي هذه المهمة، وهنا أصبح الحوار في الكثير من أجزائه مثقلاً بأعباء القص والتنظير والتذكر وتداعي الخواطر، مما جعلته هذه التقنية فاقداً لصفة أساسية فيه، ألا وهي مصداقيته.

لا يمكن استبعاد أن جوهر الحكاية التي نمت حولها رواية «العشيق الفلسطيني» جاءت للكاتب نصيب في هيئة إشاعة انتشرت خلال سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي في لبنان، وتناقلها الأبناء جيلاً بعد جيل.

ففي المقدمة القصيرة التي تصدرت الكتاب أشار الروائي إلى صداقته بفؤاد خوري حفيد الأرستقراطي الفلسطيني الأصل ألبرت فرعون، بطل هذه الرواية، وأشار كذلك إلى مصدر آخر هو نينا، ابنة أخت الأخير، التي أُجبرت في سن مبكرة على الزواج من مصري، وانتقلت بذلك للقاهرة. أما المصادر الإسرائيلية (وبالطبع ساعدت هوية نصيب على التنقل بسهولة داخل إسرائيل فهو نفسه من أصول يهودية حلبية) فلم تشر إلى أي علاقة عاطفية عاشتها غولدا مائير مع عربي، رغم أن كتّاب سيرتها أكدوا خوضها أكثر من علاقة جانبية خلال سنوات ارتباطها بزوجها موريس ميرسون.

لذلك، فإن نصيب تعامل مع مادته التي تجمع الكثير من الحقائق والإشاعات الصغيرة وكأنها «صور مقطعة» (جيكسو) عليه أن يرتبها كي تتكون صورة واحدة موحدة هي نص روايته «العشيق الفلسطيني».

يمكن تقسيم هذه الرواية لأجزاء: الأول يضم أول ستة فصول، وفيها نتعرف على حياة الشاب الأرستقراطي ألبرت فرعون، الذي يعيش في بيروت ويدير بنكاً عائلياً في حيفا، وعلى حياة غولدا مائير، وبنت أخته نينا (التي ستكون كاتمة أسراره لاحقاً)، والقليل عن أفراد أسرته: زوجته آيرين وأخته مارسيل وزوجها الماركيز الكسول جاك دو كرَيْم.

في هذه الفصول الستة الأولى: انتقل ألبرت فرعون إلى حيفا قاطعاً كل صلاته بزوجته وولديه وأخته، حيث أقام في بيت ورثه يطل على البحر. ولعل إجبار ابنة أخته ذات السبعة عشر عاماً على الزواج من كهل مصري ثري كان المحفز على قراره، لكنه كان شديد الملل من زوجته آيرين والجو العائلي الخانق بتصنعه ونفاقه.

في المقابل، نجد غولدا وقد اضطرت إلى ترك الكيبوتز ميرهافيا لمرض زوجها موريس الناجم عن ظروف الإقامة القاسية هناك وانتقالهما إلى القدس، لكنها وبعد إنجاب طفلين شعرت بأن حياتها انحرفت عما أرادت تحقيقه منذ كانت في سن العاشرة: بناء وطن لليهود فقط في فلسطين. لقد أيقظ الشاعر زلمان شازار خلال الاحتفال بعيد العمال عام 1928 هذا الميل الذي خبا لديها بسبب التزاماتها الأسرية للمساهمة الفعالة في تحقيق هذا الحلم بعيد المنال آنذاك: دولة لليهود فقط لا مكان فيها للسكان الأصليين بينهم. تستمع غولدا لخطابه الذي قدمه بطريقة مسرحية مؤثرة أمام أولئك المهاجرين القادم أغلبهم من بلدان روسيا القيصرية قبل ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917: «نحن اُصطفينا من بين جميع الأمم كي نكون شاهدين على وحدانية الرب، لكننا شكّكنا به فعاقبنا لألفي سنة في الشتات، لكن بالنسبة إلينا كيهود جذورنا في الرب وفي الأرض التي اختارها لنا... وإذا كانت لديكم أي شكوك اذهبوا إلى حائط المبكى في القدس، ابقوا هناك لوقت طويل. واجهوا آخِر أثر من معبد الملك سليمان. ثم إنكم لن تروه فقط، بل ستشعرون بسر الحياة الطويلة لشعبنا، لأننا شعب واحد».

سيصبح هذا الحائط أشبه بمسمار جحا. تقول غولدا لصديقها ديفيد رميز: «ذهبت إلى الحائط. أنا لا أؤمن بوجود إله، لكن الحائط حي، أستطيع التحدث معه، وإقامة علاقة معه. هذا الحائط مثل حصن ظل يحرس الأرض الموعودة لإسرائيل».

بفضل ديفيد رميز رئيس اتحاد العمال الصهيوني (الهستدروت) وتشجيعه انتقلت غولدا إلى تل أبيب تاركة أسرتها وراءها، وبفضله حصلت على عمل وسكن وتعرفت على المجموعة الصغيرة القادمة من «نطاقات الاستيطان» في «روسيا القيصرية» المخصصة لليهود إلى فلسطين.

الجزء الآخر من الرواية يضم ستة فصول تبدأ من الفصل السابع المكرس لحفل نظمه «المندوب السامي البريطاني» لفلسطين المنتدبة بمناسبة عيد ميلاد الملك جورج الخامس في القدس.

في هذا الحفل يتعرف ألبرت على غولدا التي حضرت مع المحركين الحقيقيين للماكينة الصهيونية بصفتها مترجمة لهم، فهم لا يتقنون الإنجليزية وليس لهم أواصر قوية بالعالم الأنجلو- ساكسوني بعكس غولدا التي قضت ما يقرب من 15 سنة في مدينة ميلْووكي الأميركية بعد هجرة أبيها النجار موشي مابوفيتش من كييف عام 1903، ثم التحقت أسرته به بعد ثلاث سنوات حين استقر في تلك المدينة التي أصبحت ملاذاً لليهود القادمين من روسيا القيصرية.

نتعرف كذلك خلال الحفل على طبيعة الزعامة الفلسطينية التي تديرها عائلتا الحسيني والنشاشيبي. فعند قدوم أول «مندوب سامي بريطاني» لفلسطين المنتدبة بعد الحرب العالمية الأولى عين الأخير أمين الحسيني مفتياً عاماً لكل البلاد ومنح راغب النشاشيبي سلطة بلدية القدس.

مقابل تركيز السلطة بيد أبناء هاتين العائلتين فقط، نجد توزيعاً للمسؤوليات بين أفراد قلائل في الوكالة اليهودية تقاسموا أدوارهم فيما بينهم وكان عملهم بالدرجة الأولى إنشاء البنيتين التحتية والفوقية بدأب مستميت ابتداء من شراء الأراضي بالدرجة الأولى من مالكيها اللبنانيين الذين ظنوا أنهم أصبحوا فرنسيين بعد انتداب فرنسا لبلدهم.

بالقدر الذي كان الزعماء الفلسطينيون على استعداد للقبول بدولة تضم اليهود المهاجرين كان زعماء الوكالة اليهودية رافضين تماماً لهذه الفكرة.

في هذه الفصول السبعة تنشأ علاقة حميمية سرية بين ألبرت وغولدا. كان لكل واحد منهما أسبابه في هذا الانجذاب إلى الآخر. فهي من جانب وجدت فيه خلال اللقاء الأول الذي جمعها به شبهاً كبيراً بأول شاب أحبته حين كانت في سن المراهقة، لكن غرقه قبل أن تنشأ علاقة بينهما في مدينة ميلْووكي، جعل حضوره قوياً في ذاكرتها.

أما ألبرت فقد وجد فيها شيئاً غير مألوف مقارنة بالنساء اللواتي عرفهن في حياته. نقرأ ما دار في رأسه: «تبدو قوية الإرادة وحادة لكنها في الوقت نفسه لطيفة... ليس فيها ذرة من العالم الدنيوي أو التصنع في العادات... هذه المرأة تعيش تماماً في اللحظة الحالية».

يتعقب الروائي حياة أفراد غادروا عالمنا ويسعى لإقناعنا بأن النسخة التي يقدمها لنا هي فعلاً مطابقة لحياتهم

رغم مساعي الروائي نصيب لإقناعنا بالعلاقة العاطفية السرية التي جمعت بين غولدا اليهودية والفلسطيني ألبرت، فإنها تظل في الجوهر حسية، وربما شدت هذه الفصول السبعة العديد من القراء لأنها تقترب من أن تكون حلماً غير قابل للتحقق، وبالطبع تخللتها تفاصيل عما كان يجري على الأرض من نزاعات بين الفلسطينيين والمهاجرين اليهود نعرف عنها من خلال حواراتهما معاً.

فحادث قتل فتى يهودي على يد أفراد أسرة فلسطينية فقيرة ظناً منهم أنه اعتدى على ابنتهم فجر المواجهات بين حركة جابوتنسكي المتطرفة التي بادرت إلى ضرب عدد كبير من المقدسيين بعصيان البيسبول، وحينما وصلت الأخبار إلى مدينة الخليل قام عدد من المشاغبين العنيفين بقتل 67 يهودياً من أبناء البلدة نفسها. بالمقابل تمكن 400 يهودي من النجاة بفضل المسلمين الذي خبأوهم في بيوتهم هناك. فيما كان الخلاف عمن يدير حائط المبكى نقطة ساخنة فجرت صراعات أخرى.

بين الفصلين الثالث عشر والتاسع عشر تفقد الرواية بريقها، بعد ما تضمنته المشاهد الحميمة الأنيقة بين خصمين لدودين وعاشقين مشدود أحدهما إلى الآخر جسدياً وروحياً. لكنها أعطت القارئ صورة مكثفة عما حدث خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، وما آلت إليه الأمور لظهور دولة كانت لحد عشر سنوات قبل عام 1948 مجرد حلم عسير المنال.

نحن هنا نواجه موجة هجرة جديدة من ألمانيا بعد صعود هتلر إلى الحكم. لكن هؤلاء المهاجرين كانوا يفضلون اعتبارهم ألماناً أولاً، بينما كان زعماء الحركة الصهيونية حريصين على اعتبارهم يهوداً أولاً وآخِراً، وهذا ما دفع الكثير منهم إما إلى السعي لتكوين دولة تضم الفلسطينيين واليهود الغربيين معاً أو مغادرة فلسطين. لكن قدومهم كان متأخراً، فالغضب الفلسطيني بلغ أوجه من الهجرات اليهودية بشكل عام خلال منتصف الثلاثينيات.

يمكن القول إن هذه الرواية أفضل شهادة بهذا النوع الأدبي وأكثرها حيادية عن فترة حاسمة في تاريخ الشعب الفلسطيني، وبالتأكيد كان العشق الذي جمع غولدا مائير وألبرت فرعون مغناطيسها الحقيقي.


مقالات ذات صلة

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي
ثقافة وفنون الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

يحتل قصير عمرة موقعاً رئيسياً في خريطة القصور الأموية التي تزخر بها بادية بلاد الشام، ويتميّز في الدرجة الأولى بجدارياته التي تغطي جدرانه وسقوفه.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا

فاروق يوسف
ثقافة وفنون سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

في لعبة السرد يمكن للأشياء أن تتحول، وأن تكشف عن طاقتها في الحكي عبر بلاغة المتخيل، إذ يعمد هذا المتخيل الماكر، إلى مخاتلة الواقع عبر الحكي، وإلى مغالبة…

علي حسن الفواز
ثقافة وفنون «البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع.

ندى حطيط

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي
TT

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي

منذ مطلع يناير (كانون الثاني) 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة. الفكرة بسيطة في ظاهرها، قراءة الرواية على امتداد عام كامل، فصل تقريباً في اليوم، لكنها عميقة في دلالتها. ليست تحدياً ثقافياً ولا نشاطاً ترفيهياً، بل إعلان عن نفور من استهلاك النصوص بدل معاشرتها. على منصات مثل «Good reads» ظهر هذا التلاقي بوضوح؛ قرّاء من أعمار وخلفيات مختلفة، لا يجمعهم ذوق أدبي واحد ولا مشروع نقدي، بل إحساس مشترك بأن روايةً بهذا الحجم لا ينبغي اقتحامها، وسلقها كسلق البيض.

اللافت في هذا النشاط الاجتماعي أنه لا يقوم على فكرة الإنجاز. لا أحد يتباهى بأنه أنهى الرواية، ولا أحد يُحاسَب إن تأخر. القراءة هنا لا تُقاس بعدد الصفحات بل بمدى الحضور. النقاشات التي ترافقها ليست تحليلات أكاديمية ولا محاولات لفهم ما أراد تولستوي أن يقول، بل تسجيل صادق لما تفعله الشخصيات والأحداث بالقارئ. الملل يُذكر كما تُذكر الدهشة، والارتباك لا يُخفى، بل يُعترف به بوصفه جزءاً من التجربة. بهذا المعنى تتحول القراءة إلى فعل إنساني مشترك، لا إلى استعراض ثقافي. النص لا يُستهلك، بل يُحمَل مع الآخرين، وهذا وحده يمنحه حياة جديدة.

القراءة البطيئة تعيد الاعتبار لفكرة الزمان في علاقتنا بالكتب. القارئ لا ينعزل ساعات طويلة ليغرق في الرواية، بل يقرأ جزءاً صغيراً ويعود إلى حياته، ثم يعود في اليوم التالي، كأن الرواية تدخل في النسيج اليومي، لا باعتبارها حدثاً استثنائياً بل بوصفها رفيقاً. هذا الامتداد الزماني يخلق علاقة مختلفة بالنص، علاقة أقل انفعالاً وأكثر رسوخاً. الشخصيات لا تُنسى بسرعة، لأنها ستعيش مع القارئ سنةً كاملةً، تتغير صورته عنها كما تتغير صورة الناس في الحياة الواقعية. هنا تتجلى قيمة هذا النشاط الاجتماعي، ليس لأنه أعاد قراءة عمل كلاسيكي، بل لأنه أعاد تعريف معنى القراءة نفسها في زمن فقد الصبر على العمق.

لكن هذا التجمع لا يمكن فهمه بمعزل عن راهنية «الحرب والسلام». الرواية تعود اليوم لأنها تمسّ جرحاً لم يلتئم. تولستوي لا يكتب عن حرب بعينها، بل عن بنية الحرب بوصفها حالةً إنسانيةً تتكرر بأشكال مختلفة. ما يفعله في الرواية هو نزع الهالة عن الحرب، وعن خطابها، وعن أبطالها. لا نجد عنده تمجيداً للمعارك ولا احتفاءً بالانتصارات، بل ثمة تفكيك صبور للوهم الذي يجعل البشر يعتقدون أن العنف يمكن أن يكون عقلانياً أو ضرورياً أو نبيلاً.

في عالمنا المعاصر، حيث تُقدَّم الحروب مرة أخرى بوصفها حتميات، وحيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية، تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى. هو يصرّ على أن التاريخ لا يُدار من أعلى، ولا تصنعه إرادة القادة وحدهم، بل يتشكل من ملايين التفاصيل الصغيرة، من قرارات فردية، من خوف، من تردد، من سوء فهم. هذا التفكيك لوهم السيطرة هو ما يجعل قراءة الرواية مؤلمة، لأنها تحرمنا من العزاء السهل الذي توفره السرديات الكبرى.

من اللافت للنظر أن هذه الراهنية لم تبقَ حبيسة المجال الأدبي أو الأخلاقي، بل امتدت حتى إلى التفكير الاستراتيجي نفسه. ففي كتاب «القيادة العليا»، وهو من المراجع الأساسية في الاستراتيجيا الحديثة، يناقش إليوت كوهين، تولستوي، ضمن نقاشه لفكرة القيادة في زمن الحرب، جنباً إلى جنب مع شخصيات مثل ونستون تشرشل وأبراهام لنكولن. إدراج تولستوي هنا ليس مجاملة أدبية، بل اعتراف بأن نقده لأساطير الحرب ما زال حاضراً في صميم التفكير المعاصر. وبهذا تغدو «الحرب والسلام» نصاً فكرياً يتحدى التصورات الكلاسيكية عن السلطة والقرار والمسؤولية، لا رواية أخلاقية فحسب.

في عالمنا المعاصر حيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى

أما السلام، فلا يقدّمه تولستوي بوصفه حالة مستقرة يمكن الوصول إليها بقرار سياسي أو نهاية معركة. السلام عنده هش، داخلي، ومشروط بإعادة بناء العلاقة مع الذات ومع الآخرين. الشخصيات التي تنجو من الحرب لا تعود كما كانت، بل تحمل أثرها في داخلها، وتظل تبحث عن معنى لحياتها بعد أن انكشفت لها هشاشة كل المبررات. بهذا المعنى تصبح الرواية عن ما بعد الحرب بقدر ما هي عن الحرب نفسها، عن الفراغ الأخلاقي الذي يتركه العنف، وعن صعوبة العيش بعد سقوط الأوهام.

من هنا نفهم لماذا وجدت القراءة البطيئة صداها الآن. ليست مجرد مصادفة زمنية، بل تعبير عن حاجة جماعية إلى نص لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يسمح بالتفكير الطويل. القارئ الذي يشارك في هذا التجمع لا يبحث عن موقف سياسي ولا عن رسالة أخلاقية مباشرة، بل عن مساحة يتعلّم فيها كيف يحتمل التعقيد، وكيف يعيش السؤال دون استعجال الخاتمة. هذا ما يمنح النشاط الاجتماعي قيمةً فلسفيةً، لأنه يدرّب على الصبر، وعلى الإصغاء، وعلى قبول أن الفهم لا يأتي دفعة واحدة.

في هذا التلاقي بين تجمع القرّاء وراهنية تولستوي، تستعيد الرواية دورها الأعمق. ليست وثيقة من الماضي ولا نصاً يُعاد تدويره، بل تجربة تُعاش في الحاضر. القراءة البطيئة ليست طريقة لقراءة رواية طويلة فحسب، بل موقف من العالم، ومن الزمان، ومن الوهم القائل إن كل شيء يمكن اختصاره. وربما في هذا البطء، وفي هذا الاجتماع الصامت حول كتاب واحد، يكمن شكل هادئ من المقاومة، مقاومة لسطحية العصر، ودفاع عن حق الإنسان في أن يفكّر بعمق، ومع الآخرين، في عالم لا يكفّ عن دفعه إلى الاستهلاك والنسيان السريع.

* كاتب سعودي


صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

يحتل قصير عمرة موقعاً رئيسياً في خريطة القصور الأموية التي تزخر بها بادية بلاد الشام، ويتميّز في الدرجة الأولى بجدارياته التي تغطي جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. تزين هذه الجداريات مجلس هذا القصير المكوّن من 3 إيوانات معقودة، وحمّامه الكبير مؤلف من 3 غرف، وتتكوّن من لوحات كبيرة تجمع بين مواضيع متعدّدة. يحضر اسم صاحب البناء في كتابة كوفية كشفت عنها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في مايو (أيار) 2012. تعلو هذه الكتابة لوحة كبيرة، اتّضحت معالمها بعدما نجحت هذه البعثة في إظهار تفاصيل منها، ظلّت مخفيّة منذ أن خرجت جداريات هذا الموقع من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي.

ظهر اسم صاحب القصير في كتابة كوفية خُطّت في 3 أسطر، فوق نافذة في أعلى الحائط الجنوبي من الإيوان الغربي. تآكلت هذه الكتابة مع الزمن للأسف، ولم تسلم منها إلا الكلمات الأولى: «اللهم أصلح الوليد بن يزيد». تحت النافذة، يحضر صاحب القصير كما يبدو في لوحة كبيرة تحتّل القسم الأوسط من الجدار، وتمثّل مشهداً جماعياً يجمع بين 5 أشخاص. عُرفت هذه اللوحة من خلال رسم توثيقي، نُشر عام 1907 في كتاب قدّم فيه العالم التشيكي ألوييس موزيل قراءة تعريفية أولى بجداريات قصير عمرة. وظهرت صور لتفاصيل من هذه اللوحة في كتاب صدر عام 1975، بعد أن تولت بعثة إسبانية مهمّة تثبيت وتنظيف جداريات الموقع. وفي 2007، أصدر «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مجلّداً حمل نتيجة الأبحاث التي أجراها في هذا الموقع، وضمّ هذا المجلد صوراً ورسوماً توثيقية لهذه اللوحة، رافقتها قراءة تفصيلية لعناصرها. قيل طويلاً إن هذه الجدارية تمثّل مشهداً جماعياً نسائياً، غير أن أعمال الترميم كشفت عن تفاصيل ظلّت مخفية من قبل، واتّضح أن الشخصية التي تحتلّ المركز الرئيسي تمثّل رجلاً ملتحياً، وهو صاحب القصير، كما تشير الكتابة التي تعلو اللوحة.

يظهر بطل الصورة في صدر التأليف تحت خيمة تزيّنها شبكة من المكعبات الحمراء، ممدّداً فوق كنبة طويلة على شكل سرير، مرتدياً عباءة طويلة زرقاء، يلفّها في الوسط رداء أحمر زُيّنت قماشته بشبكة من الوحدات الهندسية الرباعية المتساوية الأضلاع. سقط الجزء الأيمن من الرأس، ونجا الجزء الأيسر، وما بقي منه يكشف عن عمامة بيضاء تعلوه وتغطّي شعره. يظهر الوجه في وضعيّة المواجهة، محدّقاً بعين ثاقبة نحو الأمام. العين محدّدة بوضوح، وكذلك الأنف، والفم ظاهر بين الشارب العريض واللحية المتدلية، مع شق يفصل بين شفتين عريضتين.

يمدّ هذا الأمير ساقيه الملتصقتين فوق كنبة ديوانه، ويرفع صدره نحو الأعلى، متكئاً بذراعه اليسرى على أريكة كبيرة، رافعاً بيده اليمنى قضيباً نحيلاً. يحوطه من جهة اليمين فتى أمرد يرفع في اتجاهه مروحة مكوّنة من قضيب طويل تعلوه حزمة من ريش الطاووس، ومن الجهة المقابلة، رجل ملتحٍ يعتمر خوذة رمادية، يقف من خلفه في وضعيّة الحارس، قابضاً بيده اليمنى على عصاً قصيرة. في مقدّمة الصورة، عند طرف الأريكة الكبيرة، يظهر شابان أمردان معمّمان، يجلس كلّ منهما أرضاً على أريكة فضفاضة، رافعاً ذراعيه في اتجاه الأمير. يرتدي الفتى الجالس في المقدّمة عباءة حمراء، يلفّها رداء بلون أصفر فاتح، ويرتدي الشاب الجالس من خلفه عباءة مماثلة يلفّها رداء أزرق.

تتمثّل خلفيّة الصورة بفضاء أزرق مجرّد. يستقرّ السرير العريض وسط هذا الفضاء، فوق مساحة مستطيلة تمثّل أرض هذه القاعة، وتزيّن هذه المساحة شبكة من الوحدات الزخرفية، تعتمد شكل زهرة محوّرة تحدّها 4 بتلات متساوية. في المقابل، تؤلّف هذه الشبكة الزخرفية بساطاً مسّطحاً، تعلوه في الوسط طاولة صغيرة من الخشب، تزينها نقوش عاجية بيضاء. تشكّل الخيمة هرماً يرتفع في أعلى الصورة، ويظهر عند جهتي هذا الهرم طاووسان، يدير كل منهما رأسه نحو الخلف في اتجاه الآخر. يحتل كلٌّ من هذين الطاووسين زاوية في القسم الأعلى من التأليف، ويستقرّان في الفضاء فوق خلفيّة مجرّدة، حيث تعلو كلاً منهما عبارة باللغة اليونانية، ضاع جزء من أحرفها، وما بقي من هاتين العبارتين يشير على الأرجح إلى «النعمة» و«النصر». تحت هذه الصورة الجماعية، لوحة تحمل كتابة أخرى بالخط الكوفي، تمتدّ كذلك على 3 أسطر. تآكلت هذه الكتابة كحال الكتابة التي تعلو النافذة، وبقي منها مطلعها: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله (...) الله».

يحضر اسم «الوليد بن يزيد» في أعلى الجدار، فوق هذه الصورة، وهو الخليفة الأموي الحادي عشر، وقد حكم فترة قصيرة من عام 743 إلى عام 744. نقع على كتابة أخرى تشير إلى صاحب القصير، وموقعها في الرواق الأوسط، وهو الرواق الذي وُصف بقاعة العرش. سطّرت هذه الكتابة على قوس قبّة هذا العرش، وما تبقّى منها لا يسمح بقراءتها كاملة بشكل جليّ، إلا أنه يشير إلى تضمّنها كما يبدو دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش: «اللهـ(م) ا(غفر) لولي (عـ)ـهد المسلمين والمـ(ـسلـ)ـمات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». من جهة أخرى، نقع في الإيوان الشمالي على كتابة أخرى، نجحت البعثة الإيطالية في فكّ بعض منها، ونصّها «اللهم بارك على الأمير كما باركت على داود وإبراهيم وآل ملته (...) أعطيه (...)».

تسمّي هذه الكتابات صاحب البناء بـ«الوليد بن يزيد»، وتصفه بـ«الأمير» وبـ«ولي عهد المسلمين والمسلمات»، وليس بالخليفة، مما يعني أنه شيّد هذا المجمع يوم كان أميراً، وخلال ولايته للعهد، في عهد خلافة عمّه الملك هشام بن عبد الملك التي استمرت من 724 إلى 743. يحضر هذا الأمير وسط ديوانه في لوحة تزيّن الإيوان الغربي، ويحضر جالساً على عرشه في لوحة أخرى تزيّن الإيوان الأوسط، وتحتاج هذه الصورة إلى وصف متأنٍّ مستقلّ، يبرز معانيها المثيرة ودلالاتها المتعدّدة.


سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
TT

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا فإن أجهزة المخابرات الأميركية قد بذلت جهداً كبيراً في أن تؤكده على المستوى العالمي بطريقة احترافية لا يمكن التشكيك بقوة دوافعها ومرجعياتها الثقافية. من ذلك أنها قامت وبطريقة متقنة بالترويج لأعمال فناني نيويورك الذين نسبوا إلى التجريدية التعبيرية؛ وليام ديكونغ، وجاسبر جونس، وأرشيل غوركي، وجاكسون بولوك، ومارك روثكو وآخرون. على الرغم من أن دي كونغ كان هولندياً، وغوركي كان أرمنياً، وروثكو كان لتوانياً غير أنهم كانوا بحكم الجنسية أميركيين.

كان مهماً في تلك اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة أن تؤكد إطباقها على العالم من خلال الموجة الجديدة من الحداثة الفنية باعتبارها القوة الجديدة التي يحق لها أن تتمدد وتستعمل أسلحتها الناعمة في الحرب الباردة التي كهربت الكرة الأرضية بأسلاكها غير المرئية. لم تكن جعبتها خاويةً. كان لديها فنانون حقيقيون في إمكانها أن تبارز أوروبا بهم. ذلك ما يجب الاعتراف به من غير نسيان الدوافع السياسية التي كانت السبب في إنفاق ملايين الدولارات على المشروعات الثقافية، ومنها المعارض الأميركية التي صارت تغزو أرجاء العالم مصحوبة بالكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الفنية. نجحت نيويورك في أن تكون عاصمة الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المفاجئ أنها لا تزال تحتفظ بتلك المكانة على الرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما أن أجهزة المخابرات لم تعد مضطرةً إلى إنفاق دولار واحد من أجل نشر الفن الأميركي في العالم بعد أن صار جزءٌ مهمٌ من ذلك العالم أميركيّاً.

المؤسسة الفنية وسياساتها

على الرغم من تعدد مراكز الفن في عالمنا المعاصر فإن ما يُخشى منه أن إدارته لا تزال محكومةً بسلطة القطب الواحد. ذلك لأن استعادة الهيمنة الأميركية على الفن قد لا تتم بطريقة مباشرة. هناك وسطاء هم المنسقون قد تربوا على ثقافة تعتبر كل منتج أميركي هو الأساس. من هذا أن فناناً أميركياً معاصراً هو مايك كيلي صار عنواناً لمعارض تستقبلها متاحف لندن واستكهولم ونيويورك طبعاً على الرغم من أن فنه ليس استثنائياً. في هذه الحالة لا يشكل حكمي النقدي أي قيمة تذكر. ذلك لأنني أتوقع أن ذلك الفنان الذي مات شاباً ستكون أعماله حاضرةً في لقاءات فنية عالمية عديدة في المستقبل، من ضمنها تلك اللقاءات التي تُقام في العالم العربي.

ما من شيء بريء في عالم الفن. ليس لدي دليلٌ على براءة الفن سوى إيماني به. غير أن الفن هنا هو مؤسسته. وهي مؤسسة لها سياساتها الخاصة التي لا تحتكم دائماً إلى القيم الفنية وحدها. وإذا كان الفن الحقيقي لا يكذب ولا يخون ولا يحتال فإن السياسات التي توجه عروضه هي التي تقوم بذلك. لطالما عمل المنسقون على إقامة معارض استعادية، كان الغرض الوحيد منها تجارياً. على سبيل المثال أذكر هنا ما فعلته مؤسسة عريقة مثل «مركز باربيكان للفنون» بلندن حين أقامت سلسلة من المعارض عقدت من خلالها صلات بين فن السويسري جياكومتي الذي صار ركناً أساسياً في تاريخ النحت الحديث في العالم وأعمال عدد من الفنانات المعاصرات، ومنهم فنانة عربية. من وجهة نظري كان هناك الكثير من اللعب المكشوف غير السار يقف وراء تلك المحاولات التي لا تستند إلى رصيد نقدي جاد.

حين يكون الفن معلباً

في الصين، في كوريا الجنوبية، في هونغ كونغ، في الهند، في اليابان، في الشارقة، في القاهرة، في الرياض، وأيضاً في البرازيل والمكسيك تُقام سنوياً أو كل سنتين لقاءات فنية عالمية تنافس بسعتها وشموليتها ودقة تنظيمها اللقاءات التي تُقام في الغرب، منها بينالي فينيسيا في إيطاليا وديكيومنتا في سويسرا و«آرت بازل» في ألمانيا. غير أن تلك اللقاءات لا تزال محكومة بالمركزية الغربية (الأميركية بشكل خاص).

السر في ذلك يكمن في أن الفنون المعاصرة التي لا تزال وصفةً غربيةً خالصةً هي القاسم المشترك بين كل تلك اللقاءات، وهي تمثل المحاولة الأكثر نجاحاً للانفتاح على العالم. تلك هي العولمة في إطارها الفني. لدي مثلان على ذلك؛ الأول هو الصيني أي ويوي، والثاني هو الهندي أنيش كابور. لو لم تتبن المؤسسة الفنية الغربية أعمال الفنانين المذكورين لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم من مكانة في العروض العالمية.

مصر هي الأمل

يوماً ما كان الفنان العربي الذي يقيم معرضاً لأعماله في بيروت يكتسب نوعاً من الأبهة. على الأقل أنه قد يحظى بمقال من نزيه الخاطر أو فيصل سلطان أو لور غريب. في تلك المرحلة كان الفنانون العرب يتسابقون على عرض أعمالهم في بغداد والقاهرة ودمشق، وهي المدن التي تخرج من كلياتها ومعاهدها الفنية معظم الفنانين العرب (الكلام كله يقتصر على فناني المشرق العربي). كان مركز الثقافة العربية في القاهرة يخفق جناحاه بأريحية في المدن التاريخية، بغداد ودمشق وبيروت. وكان هناك تنافس إيجابي خلاق بين فناني المدن الأربع. غير أن الواقع السياسي كان قد ألقى بظلاله الكئيبة على تلك المعادلات، وهو ما مهد لظهور مراكز فنية جديدة. فهل يعني ذلك أننا قد انتقلنا إلى مركزية جديدة للفن في العالم العربي؟ تأصيل الظاهرة الفنية سيكون في حاجة إلى زمن لم يعد متاحاً في ظل الاستعانة بالخبرة الأجنبية. لن يهبنا الخبراء الأوروبيون الإرادة التي تمكننا من النظر بطريقة إيجابية إلى فنوننا.

عام 2024 حضرت فعاليات «آرت إيجيبت» في القاهرة. يومها أدركت أنه لا يزال في إمكان المصريين أن يهيمنوا بمزاجهم الجمالي المتحضر لا لأنهم يملكون قدرة هائلة على التنظيم الذاتي حسب بل وأيضاً يملكون خبرة في صياغة معادلات جديدة، من خلالها استوعبوا الفنون المعاصرة من غير أن يتخلوا عن فنون الحداثة الفنية. لقد وهبني المصريون من خلال تلك التجربة أملاً في أن يكون هناك مركز عربي ثقيل للفن في مواجهة المركزية الغربية.

* ناقد تشكيلي عراقي