دروس «التجربة والخطأ» في حربَي أوكرانيا وغزة

آليات إسرائيلية عند مشارف غزة (أرشيفية)
آليات إسرائيلية عند مشارف غزة (أرشيفية)
TT

دروس «التجربة والخطأ» في حربَي أوكرانيا وغزة

آليات إسرائيلية عند مشارف غزة (أرشيفية)
آليات إسرائيلية عند مشارف غزة (أرشيفية)

الحرب غول يلتهم الحجر والبشر. لا مبدأ ثابتاً في الحرب سوى تغوّل الطبيعة البشريّة وثباتها. والباقي يتبدّل كلما طال الأسر ضمن دورة العنف والقتل. تفضح الحرب المخططات. تُغيّر نظرة الإنسان إلى الحياة والكون. تُخرج الحرب أسوأ ما في الإنسان. في الحرب، يُشيّء (Thingness) الجندي، حياة الجندي الآخر، ويُعقلن فعل القتل ويُبرّره. ويعدّ الحرب ضروريّة، مصيريّة، مُحقّة وعادلة، والعكس قد يعني الاندثار.

وفي الحروب تتجسد قدرية مبدأ «التجربة والخطأ» (Trial &Error). وهو مبدأ يستلزم مسرح اختبار للخطط والوسائل المستعملة. ألم يُجرّب هتلر أفكاره العسكريّة في الحرب الأهلية الإسبانية؟ ألم يُجرّب التكتيكات العسكريّة، معدّاته وأفراده، خاصة سلاح الجوّ تحضيراً للحرب العالمية الثانية، خاصة مبدأ الحرب الخاطفة (Blitzkrieg)؟ ألم يُجرّب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جيشه، ووسائله في جورجيا عام 2008، وسوريا في عام 2015، تحضيراً للحرب على أوكرانيا؟

الحالة الروسيّة - الأوكرانيّة

في الحرب الأوكرانية، وعلى المستوى الخيارات الاستراتيجيّة العسكريّة، تعتمد أوكرانيا الدفاع الاستراتيجي والهجوم التكتيكي. بينما تعتمد روسيا خيار الهجوم الاستراتيجي والدفاع التكتيكي.

جنود أوكرانيون يطلقون قذيفة من مدفع «قيصر» الذاتي الحركة باتجاه مواقع روسية على خط الجبهة في منطقة دونتسك (أرشيفية - رويترز)

ظهّرت عملية الهجوم الأوكراني على مقاطعة كورسك المقاربة الأوكرانيّة: الهجوم التكتيكي. تعتمد أوكرانيا حالياً «الدفاع في العمق». والهدف منه هو منع العدو من التقدّم بسرعة، وبالتالي السعي إلى الاستنزاف قدر الإمكان، خاصة في العدد. ترتكز هذه الاستراتيجية على خسارة الأرض، مقابل كسب الوقت والاستنزاف (Time vs space). تظهّر مؤخراً هذا المبدأ الأوكراني في معركة مدينة بوكروفسك (Pokrovsk)، بحيث استغرقت القوات الروسيّة مدة 21 شهراً للوصول من مدينة أفدييفكا إلى بوفروسك، والتي لا تبعد عن أفدييفكا أكثر من 60 كيلومتراً، ومع خسائر كبيرة جداً بالأرواح (حسب معهد دراسة الحرب خسرت روسيا في أول 3 اشهر من عام 2025 ما يُقارب 45000 جندي).

لكن الجدير ذكره، أن روسيا تقاتل حالياً بعكس العقيدة العسكريّة التقليديّة والتي كانت تقوم على ما يلي: الهجوم بحشد كبير خاصة بواسطة المدرّعات، مع كثافة نارية ضخمة جداً، والتقدّم نحو الهدف، إلى مسافة تسمح للجيش الروسي بالتطويق، والقدرة على استعمال كل القوة النارية خاصة مدفعيّة الميدان وتحويل المنطقة المُطوّقة جحيماً (مرجلاً) (Cauldron)، وبعدها الذهاب إلى الحسم.

غيّر الجيش الروسي تكتيك القتال في أوكرانيا. فبدل الهجوم الشامل، يعتمد حالياً، وحسب معهد دراسة الحرب، تكتيك «الحرب التموضعية والاستنزاف» (Positional -attrition). لكن لماذا اعتماد هذا التكتيك في ظلّ خسائر كبيرة جداً في الأرواح؟ يعتقد الرئيس بوتين أن الوقت يعمل لصالحه. فهو لديه قاعدة صناعية عسكرية كبيرة جداً، وبعكس أوروبا، خاصة بعد تراجع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن دعم أوكرانيا. كما أن لديه العمق البشري للتعويض بالعدد.

علامَ يرتكز هذا التكتيك؟

تحصين الدفاع، حيث القوات الروسيّة، عبر استعمال كل وسائل الدفاع من ألغام وحواجز وتحصينات وعلى مستويات عدة (Layers).

الاعتماد على القوة النارية وبكل الوسائل المتوفّرة، ضمناً الأسلحة الدقيقة لتدمير دفاعات الجيش الأوكراني.

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق جراء سقوط مسيّرة روسية في خاركيف (أرشيفية - رويترز)

بدل الهجوم بوحدات كبيرة، الاعتماد على قوى هجوميّة، متحرّكة وصغيرة، للتسلّل إلى مواقع الجيش الأوكراني، قضم الدفاعات، البقاء حيث وصلت، تدعيم مراكزها، وانتظار الدفعات الملاحقة. السيئ في هذا التكتيك هو في التكلفة البشريّة.

الاعتماد بكثرة على المسيّرات، وذلك بالإضافة إلى الوسائل الأخرى، والهدف منها هو ضرب خطوط المواصلات واللوجيستيّة، لعزل القوات الأوكرانيّة - وهذا ما يحصل حالياً في معركة بوكروفسك. هذا بالإضافة إلى الحرب الإلكترونية، (EW).

وأخيراً وليس آخراً، ينتج من هذه المقاربة مبدأ «التطويق عبر الاستنزاف».

في بعض دروس حرب غزّة

إذا كانت «حماس» قد استعدّت فعلاً لهذه الحرب، فإن الجيش الإسرائيلي لم يكن يتوقّعها. فالجبهة الأساسية بالنسبة له كانت بالشمال مع جبهة لبنان و«حزب الله»، أما جبهة الجنوب فكانت ثانويّة. دخل الجيش الإسرائيلي من دون خطّة واضحة؛ ما حدا ببعض المفكّرين الاستراتيجييّن للقول: تعلّم الجيش الإسرائيلي عبر مبدأ «التجربة والخطأ». إذ كلّما تقدّم في الميدان، تؤخذ الدروس بهدف التأقلم والتعديل للتكتيك.

مقاتلان من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس» في دير البلح بقطاع غزة (أرشيفية - د.ب.أ)

فماذا عن بعض هذه الدروس وحسب بعض الدراسات من المصادر العامة؟

خلق الجيش الإسرائيليّ منظومة متعدّدة الأبعاد والمستويات، هدفها أخذ الدروس المستقاة بسرعة، وتوزيعها مباشرة على العسكر المقاتل. فقد وضع في كل وحدة على مستوى الكتيبة أو اللواء، ضابطاً مهمته جمع هذه الدروس (Learning Officer).

استعملت إسرائيل المسيّرات وعلى المستويات كافة، من التكتيكي إلى الاستراتيجي مروراً بالعملانيّ. والهدف هو جمع الاستعلام التكتيكي (الداتا) على مدار الساعة، كما عمليات استهداف، تحليل هذه الداتا عبر استعمال الذكاء الاصطناعي، وتوزيعها مباشرة على الوحدات القتاليّة.

ولأن الحرب كانت فوق الأرض، وتحتها وفي بيئة حضريّة (Urban). شكّل سلاح الهندسة رأس الحربة، (Yahalom Unit) وكي تتجنّب الخسائر البشريّ في سلاح الهندسة، اعتمدت إسرائيل على آليّات ذاتيّة الحركة، وعلى الروبوتات.

شكّل الجيش الإسرائيليّ نموذجاً للقتال في الوقت نفسه فوق الأرض وفي الأنفاق. تشكّل هذا النموذج (Template) من الوحدات التالية: قوات خاصة، قوات من المشاة، وقوات من الهندسة، وهي تعمل كلها مع بعضها بعضاً وفي الوقت نفسه.

وأخيراً وليس آخراً، تبيّن أنه إذا جُمعت التكنولوجيا، مع الحشد (Mass) والأسلحة الدقيقة والاستطلاع والتدريع الذي يحمي العسكر، والمسيّرات... فهذه وصفة مُربحة، لكنها مُكلفة وطويلة. إذ تبيّن خلال الحرب أن للوجيستيّة البُعد الأهم من هنا تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن وجوب العمل على الاكتفاء الذاتيّ.

دمار أحدثه القصف الإسرائيلي على مدينة غزة (رويترز)

أما بالنسبة لـ«حماس»، فهي تعتمد الدفاع الاستراتيجيّ والهجوم التكتيكي. هي تعي المكان، وقد حضّرته مسبقاً لنوع كهذا من الحروب. أما لجهّة التأقلم، (Adapt) فهي أسرع في ذلك من الجيوش التقليديّة. فهي بدّلت مثلاً تركيبة قواتها من لواء في بدايات الحرب، بعده إلى الكتيبة، فالسريّة ثم إلى الأرهاط الصغيرة، مع لا مركزيّة كاملة للقتال. لكن الحرب أثبتت أنه لا فرص للنصر لقوى مقاومة، خاصة إذا كانت مُطوّقة، ومعزولة عن قواعدها اللوجيستيّة، ويمتلك العدو قوّة نارية كبيرة، مع خطوط لوجيستيّة مفتوحة. وإذا كانت حركة «حماس» قد رأت أن الدفاع هو أقوى من الهجوم، استناداً إلى ما قاله كارل فون كلوزفيتز، فإن الدفاع يستلزم خطوطاً لوجيستيّة مفتوحة، ويتطلّب الصبر والاستنزاف. لكنه قال أيضاً إن الدفاع هو مرحلة مؤقتة للانتقال إلى الهجوم. كما شدّد على أن «الحرب هي السياسة بوسائل أخرى». فكيف ستترجم «حماس» حربها إلى السياسة؟ إذ من المفروض أن تُحسّن الحرب الواقع السياسيّ وتزيد المكتسبات.


مقالات ذات صلة

روسيا: محاولة اغتيال الجنرال ‌أليكسييف جرت بأوامر من أوكرانيا

أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف نائب رئيس المخابرات العسكرية الروسية (لقطة من فيديو لوزارة الدفاع الروسية-أ.ب) p-circle

روسيا: محاولة اغتيال الجنرال ‌أليكسييف جرت بأوامر من أوكرانيا

نقلت وكالة ​أنباء «إنترفاكس» الروسية عن جهاز الأمن الاتحادي القول إن محاولة اغتيال ‌الجنرال فلاديمير ‌أليكسييف ‌جرت بأوامر ​من ‌جهاز الأمن الأوكراني.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أواكرنيون نجوا من قصف روسي على حي في كراماتورسك غرب أوكرانيا (إ.ب.أ)

ثلاثة قتلى في غارات روسية ليلية على أوكرانيا

قُتل ثلاثة أشخاص جراء غارات جوية روسية خلال الليلة الماضية على منطقتي خاركيف في شرق أوكرانيا وأوديسا في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية («أ.ب» نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

بوتين يشكر رئيس الإمارات على اعتقال مشتبه به في إصابة جنرال روسي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يُشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.


الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الاثنين إن اليهود «سيتغلبون على هذا الشر» بينما كان يقدم تعازيه لضحايا عملية إطلاق النار التي أودت بحياة 15 شخصا كانوا يحتفلون بعيد يهودي على شاطئ بونداي في سيدني.

وصرّح هرتسوغ بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي «ستبقى الروابط بين الناس الجيّدين من كل الأديان وكل الأمم قوية في مواجهة الإرهاب والعنف والكراهية».

من جهة ثانية، يعتزم متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين التجمع في سيدني للاحتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي، بعد أن وصفت السلطات زيارته بالحدث المهم ونشرت آلافا من رجال الشرطة للسيطرة على الحشود. وحثت الشرطة المتظاهرين على التجمع في حديقة بوسط سيدني لأسباب تتعلق بالسلامة العامة، لكن منظمي الاحتجاج قالوا إنهم يعتزمون التجمع عند مبنى البلدية التاريخي في المدينة بدلا من ذلك.

ومنحت السلطات الشرطة صلاحيات نادرا ما يتم اللجوء إليها خلال الزيارة، بما في ذلك القدرة على تفريق الحشود ونقلها وتقييد دخولها إلى مناطق معينة وتوجيه الناس للمغادرة وتفتيش المركبات.

وقال بيتر ماكينا مساعد مفوض شرطة نيو ساوث ويلز لقناة ناين نيوز «نأمل ألا نضطر إلى استخدام أي من هذه الصلاحيات، لأننا على تواصل وثيق مع منظمي الاحتجاج». وأضاف « نريد بوجه عام الحفاظ على سلامة جميع أفراد المجتمع... سنكون موجودين بأعداد كبيرة فقط لضمان سلامة المجتمع». وسيتم نشر حوالي 3000 شرطي في جميع أنحاء سيدني، أكبر مدينة في أستراليا.

يزور هرتسوغ أستراليا تلبية لدعوة من رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في أعقاب حادث إطلاق النار الدامي في شاطئ بونداي.

ولاقت زيارة هرتسوغ معارضة من الجماعات المؤيدة للفلسطينيين، حيث جرى التخطيط لتنظيم احتجاجات في المدن الكبرى في جميع أنحاء أستراليا، كما رفعت مجموعة العمل الفلسطينية دعوى قضائية في محكمة سيدني ضد القيود المفروضة على الاحتجاجات المتوقعة.

وقالت مجموعة العمل الفلسطينية في بيان «سيكون يوما للاحتجاج الوطني للمطالبة باعتقال إسحق هرتسوغ والتحقيق معه بعد أن خلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى أنه حرض على الإبادة الجماعية في غزة».

وأصدر المجلس اليهودي الأسترالي، وهو من أشد منتقدي الحكومة الإسرائيلية، اليوم الاثنين رسالة مفتوحة وقعها أكثر من ألف من الأكاديميين والشخصيات المجتمعية البارزة من يهود أستراليا حثوا فيها ألبانيزي على إلغاء دعوة هرتسوغ.