مخلّفات «كيماوي الأسد» تهدد المدنيين في أكثر من 100 موقع بسوريا

دمشق تفعّل بعثتها لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وتعيّن ناجياً من كيماوي الغوطة مندوباً لها

سوريّة تحمل صورة طفل قُتل في هجوم الغوطة الكيماوي عام 2013 خلال احتفال لإحياء ذكرى الهجوم في 21 أغسطس 2025 (إ.ب.أ)
سوريّة تحمل صورة طفل قُتل في هجوم الغوطة الكيماوي عام 2013 خلال احتفال لإحياء ذكرى الهجوم في 21 أغسطس 2025 (إ.ب.أ)
TT

مخلّفات «كيماوي الأسد» تهدد المدنيين في أكثر من 100 موقع بسوريا

سوريّة تحمل صورة طفل قُتل في هجوم الغوطة الكيماوي عام 2013 خلال احتفال لإحياء ذكرى الهجوم في 21 أغسطس 2025 (إ.ب.أ)
سوريّة تحمل صورة طفل قُتل في هجوم الغوطة الكيماوي عام 2013 خلال احتفال لإحياء ذكرى الهجوم في 21 أغسطس 2025 (إ.ب.أ)

حذّر مندوب سوريا الدائم لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، محمد كتوب، من وجود أكثر من مائة موقع يُشتبه بوجود مخلّفات سلاح كيماوي فيها، وتشكل خطراً مباشراً على حياة المدنيين في مناطق متفرقة من سوريا.

وقال كتوب، في أول يوم من إعادة تفعيل عمل البعثة السورية لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، إن نظام بشار الأسد ظل يستخدم السلاح الكيماوي 12 عاماً، موضحاً لقناة «الإخبارية» السورية الرسمية أن آخر استخدام موثّق للسلاح الكيماوي كان في 5 ديسمبر (كانون الأول) 2024 في قرية خطاب بريف حماة.

وأعلنت دمشق مساء الجمعة تعيين الطبيب محمد كتوب مندوباً دائماً لسوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع إعادة تفعيل بعثة دمشق لدى المنظمة بعد نحو عام من التجميد.

وأوضح كتوب أن البعثة السورية لم تستعد كامل حقوقها بعد وأنها ما زالت فاقدة لحق التصويت داخل المنظمة، مع الإشارة إلى وجود قرار يدعو مجلس الدول الأعضاء إلى مراجعة امتيازات سوريا تمهيداً لإعادة حقوقها الكاملة.

ومحمد كتوب طبيب عمل في الغوطة الشرقية خلال فترة الحصار الذي فرضه نظام الأسد على معارضيه. وكان يُعرف باسم «ماجد أبو علي»، ويُعد أحد أبرز الشهود على مجازر الكيماوي التي حصلت في غوطة دمشق، حيث كان عضواً في المكتب الطبي الموحّد.

وأطل كتوب على شاشة «الإخبارية» السورية، السبت، من مكتب البعثة في لاهاي، مشيراً إلى استبدال صورة رئيس النظام المخلوع بشار الأسد التي كانت معلقة في المكتب بصفحة من تقرير تتضمن أسماء ضحايا مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية عام 2013، التي قضى فيها نحو 1400 شخص. وقال: «إن الجدار لا يكفي لتعليق أسماء جميع ضحايا الكيماوي في سوريا».

محمد كتوب (يسار) يتسلم مهامه مندوباً لسوريا في منظمة حظر السلاح الكيميائي (الإخبارية السورية)

ويقول ماجد حيبا، وهو أحد الناجين من ضربات الكيماوي في معضمية الشام وداريا بريف دمشق، في أغسطس (آب) 2013، إنه كان عند مفترق داريا مع زوجته وابنته حين حصلت الضربة بالسلاح الكيماوي، موضحاً أنهم استنشقوا غازاً ساماً، وأنهم ما زالوا يعانون حتى اليوم من أمراض بالجهاز التنفسي والأعصاب.

وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، يروي حيبا الذي سبق له الخدمة العسكرية في «إدارة الحرب الكيميائية» ولديه خبرة في تأثير هذا السلاح، عن مشقة الحصول على العلاج الإسعافي حينها، ورفض المشافي بدمشق استقبالهم. ويقول إنه ذهب تهريباً مع زوجته وابنته إلى محافظة درعا بالجنوب السوري ومنها إلى مخيم الزعتري في الأردن للقاء فريق طبي فرنسي للإدلاء بشهادته وتلقي العلاج، مشيراً إلى أنه تم أخذ ملابسهم وعيّنات من الشعر والدم والاحتفاظ بها، وذلك على أمل المساعدة في إنقاذ الشعب السوري من السلاح الكيماوي الذي أبلغهم، حسب ما قال، عن مواقع تطويره حسب خبرته السابقة.

ويوضح حيبا لـ«الشرق الأوسط»، أن مغامرته لم تكن مجدية كما وعدوه، إذ استمر النظام باستخدام الكيماوي بعد ضرب الغوطة. ويشير إلى أن مواقع تطوير الكيماوي السوري ضربتها إسرائيل لاحقاً، وهي مراكز البحوث العلمية في برزة وجمرايا بدمشق، وموقع للفرقة الرابعة قرب دمشق، وفي مصياف بريف حماة.

ويتابع أن كل أمله اليوم أن «تتابع الحكومة السورية هذا الملف لإنصاف الضحايا... هناك الآلاف من الضحايا ما زالوا يعانون ويتحملون الأعباء المنهكة للعلاج من آثار الكيماوي».

ملصق بمدينة عفرين شمال سوريا في الذكرى العاشرة للهجمات الكيماوية على دوما في الغوطة الشرقية لدمشق أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

من جهته، قال مندوب سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، محمد كتوب، إن مقاربة حكومته لهذا الملف تهدف بشكل رئيسي إلى تحقيق العدالة للناجين وأهالي الضحايا، مشيراً إلى أن أول زيارة رسمية للبعثة بعد إعادة تفعيلها الجمعة كانت لرئيس الآلية الدولية المحايدة والمستقلة للتحقيق في الجرائم، بما يعكس التزام دمشق بمسار العدالة والتعاون الدولي.

وحذّر كتوب من أن مخلّفات الأسلحة الكيميائية الموجودة في بعض المناطق السورية لا تزال تشكّل خطراً مباشراً على المدنيين، معتبراً أن «أكبر كابوس لديهم هو إمكانية تعرض السوريين مجدداً للكيماوي نتيجة وجود مدنيين بجانب موقع مدمر أو موقع تعرض لقصف إسرائيلي»، موضحاً أن دمشق تعمل على استقطاب التعاون والخبرات التقنية من الدول الأعضاء للمساعدة في هذا الخصوص. كما أكد التزام سوريا بالمعايير الدولية والعمل على إزالة تلك المخلّفات، لافتاً إلى أن المواقع المشتبه بوجود مخلفات كيماوية فيها تضم نحو 100 موقع، تم جمع معلومات عنها، وأن الفرق الوطنية قامت بزيارة 23 موقعاً منها، مرجحاً وجود هناك أماكن أخرى لا يعلمون عنها. وأضاف أن مسؤولي الجيش والجهات المختصة يعملون على تأمين المواقع المشتبه بوجود مخلفات كيماوية فيها، رغم تعرض بعضها لقصف إسرائيلي. وقال إن هذا العمل مستمر ويتطلب جهود العديد من الوزارات، لا سيما الدفاع والطوارئ والصحة والعدل وهيئة العدالة الانتقالية.

«أبو خالد»، وهو أحد الناجين من مدينة خان شيخون التي تعرضت عام 2017 لثاني أكبر ضربة بالأسلحة الكيميائية بعد ضربة الغوطة الشرقية 2013، قال لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان على بُعد عشرة كيلومترات من موقع الضربة، وإنه ما زال يعاني من اعتلال بالأعصاب، مشيراً إلى أن شقيقه وأقارب له قتلوا في الضربة التي راح ضحيتها 91 قتيلاً ونحو 520 مصاباً، وفق توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

حقائق

أبرز الهجمات بالسلاح الكيماوي في سوريا

تقول منظمة «هيومن رايتس وتش» إن نظام بشار الأسد استخدم السلاح الكيماوي على نطاق واسع خلال النزاع الذي بدأ عام 2011. ووثقت المنظمة هجمات باستخدام ذخائر بدائية مملوءة بالكلور ملقاة من الجو. ومن الهجمات التي استخدم فيها السلاح الكيميائي والسام هجوم خان العسل بريف حلب عام 2012، حيث يُعتقد أن قوات النظام قامت وقتها للمرة الأولى بتجربة غاز الأعصاب على نطاق ضيق. وفي عام 2013 تم قصف الغوطة الشرقية بغاز السارين. وشهد العام نفسه ضربة في حمص بغاز (BZ) المسبب للارتباك والذهول والهلوسة. وعام 2014 استخدم غاز السارين في سراقب بريف إدلب، وبلدة كفر زيتا بريف حماة. وفي عام 2015 استخدم غاز الكلورين بريف إدلب. وفي عام 2016 استخدم غاز سام في ضرب مواقع للمعارضة في عربين بريف دمشق، وفي مدينة سراقب وحي الزيدية في حلب. وفي عام 2017 تم قصف خان شيخون بغاز السارين. وعام 2018 تم ضرب مدينة دوما بصواريخ يرجّح أنها تحوي غاز الكلور السام وأخرى تحوي غازاً يُعتقد أنه غاز السارين المحرم دولياً.


مقالات ذات صلة

السعودية تُرحِّب بإلغاء تصنيف سوريا «راعية للإرهاب»

الخليج الرئيس الأميركي دونالد ترمب مصافحاً نظيره السوري أحمد الشرع خلال لقائهما على هامش قمة قادة الناتو في أنقرة الأربعاء (رويترز)

السعودية تُرحِّب بإلغاء تصنيف سوريا «راعية للإرهاب»

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الولايات المتحدة عن بدء إجراءات إلغاء قانون تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، الذي أدرج عام 1979.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي الأمن السوري يتفقد موقع تفجير عبوة ناسفة في مقهى قرب مجمع المحاكم في قصر العدل في دمشق الخميس (أ.ب) p-circle 00:39

ارتفاع عدد ضحايا انفجار المقهى بدمشق إلى 9 قتلى و19 جريحاً

ارتفعت حصيلة ضحايا انفجار العبوة الناسفة الذي وقع، اليوم (الخميس)، داخل أحد مقاهي منطقة الحجاز ‏بدمشق، إلى 9 قتلى و19 جريحاً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي «العدالة الانتقالية» بسوريا تناقش مع «مجلس الشعب» مشروع قانون خاص

«العدالة الانتقالية» بسوريا تناقش مع «مجلس الشعب» مشروع قانون خاص

دعت الهيئة الوطنية للمفقودين عائلات المفقودين وروابطهم والخبراء ومنظمات الضحايا والمجتمع المدني والجهات المعنية، إلى المشاركة في مشاورات ستجريها الشهر المقبل...

سعاد جرَوس (دمشق )
المشرق العربي 25 مليون حبة كبتاغون معبأة بطريقة احترافية ضبطتها «إدارة مكافحة المخدرات» في سوريا (الداخلية السورية)

سوريا تحتفي بانتقالها من «بؤرة للكبتاغون» إلى «شريك بمكافحته»

احتفت سوريا، الجمعة، بانتقالها من «بؤرة للكبتاغون» إلى «شريك في مكافحته»، وذلك بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة المخدرات والاتجار غير المشروع بها.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري في الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)

مقتل جنديَين سوريين شمال شرقي حلب بهجوم مسلحين

أعلنت وزارة الدفاع السورية، ‌اليوم (السبت)، أن جنديَين ‌قتلا ⁠في هجوم شنه ⁠مسلحون مجهولون ⁠بالقرب ‌من ‌مدينة منبج شمال ‌شرقي ‌حلب، دون ‌تقديم مزيد من التفاصيل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الاتحاد الأوروبي يعتزم مناقشة حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يعتزم مناقشة حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)

سيناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وذلك بعد ضغوط من عدد من الدول الأعضاء على التكتل لاتخاذ إجراءات، حسبما أفاد دبلوماسيون، اليوم (الجمعة).

ورجّح الدبلوماسيون أن النقاش الذي سيجري في اجتماع ببروكسل، يوم الاثنين، لن يُسفر عن أي قرارات ملموسة، ولكنه سيساعد في تبيان مدى الدعم المتوافر للمضي قدماً في إجراءات مثل هذه.

وفرضت دول في الاتحاد الأوروبي، من بينها آيرلندا وهولندا وإسبانيا، قيوداً تجارية خاصة بها على المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تُعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحت ضغط متزايد على التكتل لاتخاذ إجراءات، طُرحت هذا الأسبوع خيارات للحد من التجارة مع المستوطنات، بما في ذلك فرض حظر. ويدور خلاف في الاتحاد حول ما إذا كان هذا الإجراء يتطلّب إجماع الدول الـ27 أم تكفيه الغالبية.

ويقول الدبلوماسيون إن ألمانيا وإيطاليا لم تحسما أمرهما بعد بشأن هذه الخطوة.

وتحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967. ويعيش أكثر من 500 ألف إسرائيلي بين نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، في مستوطنات وبؤر استيطانية غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وأدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، التوسع الاستيطاني «المتواصل» في الضفة الغربية، قائلاً في تقرير، اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية» الشهر الماضي، إن هذه المستوطنات تُسهم في «أكبر أزمة نزوح في الضفة الغربية منذ عام 1967».

ولطالما عاقت الانقسامات قدرة الاتحاد الأوروبي على تبني موقف موحد تجاه إسرائيل؛ إذ تؤيدها بعض الدول الأعضاء، في حين تدعم دول أخرى الفلسطينيين.


هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
TT

هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

بعد يومين من تفجير عبوتين ناسفتين في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ألقت السلطات الأمنية السورية، الخميس، القبض على الخلية المسؤولة عن التفجيرين، وأظهرت التحقيقات الأولية أنها تتبع لتنظيم «داعش».

وفي ظل الحساسية الكبيرة للحدث، بحكم أن التفجيرين حصلا قرب فندق «فورسيزونز» الراقي وسط دمشق، حيث أمضى ماكرون ليلته، خلال زيارته التي تعد الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة أواخر عام 2024، والقلق الشديد الذي لا يزال يعتري الأوساط الشعبية في دمشق من تكرار ما حصل، يطرح السؤال: هل تبعية الخلية المتورطة في التفجيرين لـ«داعش» يعني أن التنظيم لديه إمكانية اختراق الأمن متى يشاء؟

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» بعد الانفجارين (أ.ف.ب)

حسب الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي، عصمت العبسي، المقرب من وزارة الدفاع، فإنه «لا يمكن بأي حال اعتبار حصول التفجيرين مؤشراً على ضعف أو عجز، بل هو تأكيد على طبيعة الحرب غير المتكافئة التي تخوضها السلطات الأمنية والعسكرية السورية ضد (داعش) الذي يعتمد على الانتحارية والعشوائية لزرع الرعب».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عدّ العبسي أن ما حدث «ليس اختراقاً أمنياً بالمعنى التقني، بل محاولة إرهابية فاشلة تم كشفها ومحاكمتها بسرعة قياسية».

ووقع التفجيران على بعد مئات الأمتار من الفندق، بعد دقائق من مغادرة موكب ماكرون باتجاه القصر الرئاسي لعقد اجتماع موسع مع الرئيس الشرع، بحضور وفدين من البلدين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره السوري أحمد الشرع خلال جولة في المسجد الأموي بدمشق (أ.ف.ب)

ونجم التفجيرين عن عبوتين صُنعتا بطريقة بدائية، وأسفرا عن مقتل شخص وإصابة 36 آخرين بجروح، وفق وزارة الصحة.

وأكّدت الرئاسة الفرنسية، حينها، أن ماكرون «بخير ويواصل زيارته إلى سوريا»، وتبع ذلك تأكيد ماكرون، في منشور على «إكس»، أن زيارته إلى سوريا «ستستمر».

وأوضح العبسي، أن زيارة ماكرون «كانت محاطة بإجراءات أمنية مشددة ومعقدة، وحقيقة تفجير العبوات بعيداً عن مسار الضيف الرسمي، ثم القبض الفوري على منفذيها، يثبتان أن الخط الأحمر للأمن القومي لم يُخترق، وأن الدولة قادرة على الفصل بين ضجيج العدو وأداء مهامها السيادية بامتياز».

وجاء التفجيران بعد أيام من انفجار وقع يوم الجمعة الماضي، داخل مقهى قرب القصر العدلي بدمشق، راح ضحيته 10 أشخاص.

و أوضح العبسي «أن التسلل يختلف عن التوطين، والتنظيم لا يمتلك قاعدة شعبية ولا وجوداً مدنياً حقيقياً، بل يعتمد على خلايا نائمة ومتفرقة تحاول استغلال الفراغ الأمني المؤقت بعد سنوات من الحرب».

متفجرات ضبطها الامن السوري في وكر ل«داعش«(سانا)

ويعكس ظهور هذه الخلايا في محيط دمشق محاولات يائسة للتنظيم الإرهابي لإعادة ترسيخ حضوره قبل أن تُنهيه الدولة تماماً، وليس دليلاً على تغلغل واسع النطاق، وفق العبسي، الذي لفت إلى أن الأجهزة الأمنية «تعمل حالياً وفق منهجية الاستباقية والمراقبة الدقيقة، ما سمح لها بتحويل كل حالة تسلل إلى عملية اعتقال وقضاء، بدلاً من تركها تتحول إلى تهديد مستمر».

وعما إذا كان يعتقد أن عدد خلايا «داعش» كبير في دمشق ومحيطها؟ أوضح العبسي «أن الأرقام ليست المعيار الوحيد للخطر، فالخلية الواحدة المنظمة جيداً قد تكون أكثر ضرراً من عشرات العناصر المشتتة».

وأضاف: «نحن نتعامل مع بقايا تنظيم هزم عسكرياً، لكنه لم يقضَ عليه قضائياً وأمنياً بالكامل بعد، فهناك عناصر متبقية تبحث عن أي فرصة للانتقام أو زعزعة الاستقرار السياسي الجديد، لكن قدرتها محدودة جداً مقارنة بما كانت تملكه سابقاً، ومهمتنا الحالية هي تجفيف منابع هذا النشاط عبر التعاون المجتمعي والمراقبة الذكية، ونحن نجني ثمار هذا النهج يومياً كما ظهر في هذه العملية».

القبض على القيادي البارز في «داعش» فراس الداغر وعدد من أبرز المسؤولين عن الاغتيالات والتمويل بالتنظيم جنوب سوريا (سانا)

وجاء التفجيران في وقت تواصل فيه وزارة الداخلية تكثيف جهودها في مجال مكافحة الإرهاب عبر عمليات أمنية مشتركة مع جهاز الاستخبارات العامة وإدارة مكافحة الإرهاب، حيث أعلنت في 9 يونيو (حزيران) الماضي عن تفكيك 7 خلايا لتنظيم «داعش»، وتوقيف 235 شخصاً من عناصره، خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

العبسي، في تصريحه، أكد أن حادثة تفجير العبوتين، «ستسرّع وتيرة الإصلاحات الأمنية الهيكلية التي بدأتها الحكومة بالفعل، وسنشهد تعزيزاً للتعاون بين قوى الأمن الداخلي والمخابرات العامة لإنشاء شبكة معلومات موحدة وسريعة الاستجابة، بالإضافة إلى ذلك، سيتم تكثيف العمليات الميدانية الوقائية في المناطق الريفية والمدن المجاورة للعاصمة لمنع إعادة تشكيل الخلايا»، لافتاً إلى أن الهدف «ليس ردّ الفعل السريع فقط، بل بناء منظومة أمنية متكاملة تجعل البيئة غير صالحة لأي نشاط إرهابي، ما يرسل رسالة واضحة للشركاء الدوليين بأن سوريا آمنة ومستقرة للاستثمار والتفاعل السياسي».

وإضافة إلى الإعلان، أمس (الخميس)، عن إلقاء القبض على المسؤولين عن التفجيرين اللذين استهدفا دمشق في 7 يونيو (تموز) الحالي، أعلنت وزارة الداخلية في اليوم نفسه أنها فككت بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، خلايا عدة تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي في المنطقة الجنوبية، وألقت القبض على القيادي البارز في التنظيم، المدعو فراس الداغر، وعدد من أبرز المسؤولين عن الاغتيالات والتمويل.

حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

ومن جانبه، أوضح الباحث السياسي المختص بالشأن الأمني، ضياء قدور، أن «داعش» يقود اليوم حملة تصعيد منخفضة الشدة ضد الدولة السورية، ولا يزال يشكل تهديداً مستمراً مستغلاً الثغرات الأمنية والخواصر الرخوة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «التفجيرين الأخيرين صحيح أنهما كانا مؤلمين وصادمين، لكن العمليات الأمنية الكبيرة لقوات الأمن كشفت عن قدرات متزايدة ومتصاعدة لديها لمكافحة التنظيم».

وعدّ «أن اعتقال هذا العدد من خلايا التنظيم في آن معاً، هو مؤشر على مدى بنك المعلومات المحدد الذي تمتلكه وزارة الداخلية، وتمتعها بقدرات لوجستية فائقة لمتابعة أهداف لوجستية».

وأوضح «أن الهدف الرئيسي للتفجيرين ليس إيقاع ضحايا بقدر ما هو التشويش على زيارة ماكرون وإظهار الدولة السورية بصورة الضعيفة، وكذلك التشويش على المرحلة الحالية»، مشيراً إلى أن الخلية مرتبطة بـ«داعش»، ولكن ربما تقف وراءها أجهزة استخبارات كبرى، لا تريد لسوريا أن تهدأ وأن تستقر.

وبينما يتم الحديث عن قدرات التنظيم المتزايدة، اعتبر قدور أن هذه ليست عودة صريحة للتنظيم الذي لا يستهدف السيطرة على منطقة معينة أو إعادة بناء «الدولة الإسلامية»، بل هو يعرقل جهود من يقوم ببناء الدولة، وهذه استراتيجية «داعش» اليوم القائمة على الاستنزاف ورفع التكلفة.

دخان ونيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)

ومع تزايد القدرات التكنولوجية للقوات الأمنية، ورفع العقوبات، سيصعب على التنظيم تنفيذ عمليات في مراكز المدن، وسيتجه أكثر نحو الضواحي والمناطق المفتوحة، وفق قدور. وأشار إلى «أن التهديد الأمني لا يزال مستمراً، ويجب على الدولة والأجهزة الأمنية أن تجد حلاً شاملاً ومتكاملاً لتهديدات (داعش) المستمرة».

وأضاف: «إحصائيات عام 2026 تقول إن عمليات (داعش) تراجعت مقارنة بالعامين الماضيين، لكن التهديد الأمني مستمر من خلال بعض الثغرات التي يمكن أن يستغلها التنظيم، ويمكن أن يؤدي الأمر إلى أحداث مؤلمة وصادمة في بعض الأوقات، وبالتالي على الدولة السورية أن تضع حدّاً لهذه العمليات من خلال إيجاد معادلة متكاملة للأمن السوري، لا تقوم على تطوير الأدوات الأمنية وقدراتها العسكرية والتكنولوجية فقط، بل على جوانب اقتصادية وملاحقة المظالم الاجتماعية والاقتصادية أيضاً، لأن الأمن بشكل عام معادلة متكاملة، فنحن أمام مرحلة طويلة الأمد، والمعركة صعبة، وقد تواجهنا مطبات وعراقيل، ولكن مع تطوير الخبرات والقدرات التي تضاف والتعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة، أعتقد أننا سنصل إلى نتيجة مهمة».


السلطات السورية تعلن كشف مخبأ للمتفجرات لخلية مرتبطة بتنظيم «داعش»

الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)
الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)
TT

السلطات السورية تعلن كشف مخبأ للمتفجرات لخلية مرتبطة بتنظيم «داعش»

الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)
الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)

أعلنت السلطات السورية، الجمعة، أن التحقيقات مع أفراد الخلية المسؤولة عن تفجيري السابع من يوليو (تموز) في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قادت إلى كشف مخبأ للمتفجرات.

وكان مسؤول أمني قد أفاد بأن التحقيقات الأولية أظهرت ارتباط الخلية بتنظيم «داعش»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان تفجيران متزامنان بعبوتين ناسفتين، إحداهما داخل حاوية قمامة والثانية داخل سيارة مركونة على جانب الطريق، استهدفا، الثلاثاء، محيط فندق راقٍ أمضى فيه ماكرون ليلته خلال زيارته غير المسبوقة لدمشق.

أحد عناصر قوى الأمن السورية يمسك بعبوة ناسفة عثر عليها في مخبأ يتبع تنظيم «داعش» (الداخلية السورية)

وأعلن قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق العميد أحمد الدالاتي، الجمعة، أن التحقيقات الأولية مع أفراد الخلية المتورطة بالتفجيرين أظهرت «تبعيتها لتنظيم داعش».

وأسفر التفجيران عن مقتل شخص وإصابة 36 بجروح، وفق وزارة الصحة، بعدما كان موكب الرئيس الفرنسي غادر الفندق في طريقه إلى القصر الرئاسي لإجراء محادثات مع نظيره السوري أحمد الشرع.

وقالت وزارة الداخلية، في بيان، إن «التحقيقات المكثفة مع أفراد الخلية الإرهابية المسؤولة عن تفجيرات السابع من تموز بدمشق»، قادت «إلى الكشف عن مخبأ سري خصصته الخلية لتخزين المتفجرات تمهيداً لتنفيذ سلسلة من الهجمات الإرهابية».

عناصر من قوى الأمن السورية تستخدم كلاباً مدربة للبحث عن مخبأ متفجرات (الداخلية السورية)

وأضافت: «في عملية دقيقة، داهمت قوى الأمن الداخلي الموقع المحدد بعد اعترافات الخلية، وضبطت عدداً من العبوات الناسفة»، مشيرة إلى أن الفرق الهندسية تمكنت من «تفكيكها وإبطال مفعولها بأمان، وفق الإجراءات الفنية المعتمدة».

والخميس، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن «قوات الأمن العام اعتقلت عشرات من سكان حي عش الورور في مدينة دمشق، خلال حملة أمنية واسعة».

وحي عش الورور، الذي أعلنت وزارة الداخلية أنه كان من بين المواقع التي طالتها المداهمات في ريف دمشق، سبق أن شهد حوادث أمنية بعد الإطاحة بحكم الرئيس بشار الأسد.

مواد متفجرة وصواعق تفجير عثرت عليها قوى الأمن السورية في مخبأ يتبع تنظيم «داعش» (الداخلية السورية)

وقال أحد سكان الحي، طالباً عدم كشف اسمه، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الاعتقالات التي جرت، ليل الخميس الجمعة، لم تشمل، وفق علمه، أفراداً من أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس المخلوع، مشيراً إلى أن المداهمات استهدفت أشخاصاً آخرين في الحي.

ووقع تفجيرا دمشق بعد أقل من أسبوع من مقتل 10 أشخاص جراء تفجير عبوة ناسفة داخل مقهى في العاصمة السورية، لم تتبنه أي جهة.

ويتبنى تنظيم «داعش» بين الحين والآخر اعتداءات تطول قوات الأمن السورية خصوصاً، بعدما حضّ عناصره على قتال السلطات الجديدة عقب إطاحة الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.