بعد نوح زعيتر... الجيش اللبناني يلاحق 23 متورطاً بالمخدرات

500 موقوف ومضبوطات بمليار دولار والإطاحة بـ«أكبر الرؤوس»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)
TT

بعد نوح زعيتر... الجيش اللبناني يلاحق 23 متورطاً بالمخدرات

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)

يمثل توقيف استخبارات الجيش اللبناني «بارون المخدرات» نوح زعيتر، الخميس، حلقة من سلسلة القضاء على النشاط الإجرامي المتصل بالاتجار بالمخدرات وترويجها. فقد كثفت السلطات اللبنانية حملاتها لتفكيكها منذ 5 سنوات، وازدادت وتيرتها مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، حين فُقدت الملاذات الآمنة للمطلوبين الذي اضطروا جراء إقفال الحدود والتغيرات في سوريا، إلى العودة إلى الداخل اللبناني، فيما يلاحق الجيش 23 من أخطر المطلوبين، ويواصل إجراءاته للقضاء على الاتجار بالمخدرات.

وأسهمت العمليات الأمنية في تحييد عشرات المطلوبين منذ مطلع العام، سواء عبر التوقيف، أو عبر قتلهم جراء اشتباكات مع عناصر الجيش، وتبادل لإطلاق النار، وأفضت العمليات إلى توقيف ما يزيد على 500 مطلوب خلال 5 سنوات، حسب بيانات الجيش ورصد «الشرق الأوسط»، فضلاً عن مقتل 5 من أبرز المطلوبين خلال أشهر فقط.

جبل الإنجازات

جاء توقيف نوح زعيتر بمنزلة «القمة على جبل الإنجازات»، حسبما يقول مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً العملية بأنها «ضربة قاضية أعادت الأمل، وأكدت أن الدولة، حين تقرر، لا تترك مجرماً يفلت من العدالة». ويضيف: «انهيار هذا (العرش الأسود)، لم يكن مجرد انتصار أمني، بل لحظة استرداد للهيبة الوطنية. فبعملية نوعية، بلا ضجيج إعلامي، تم رصد تحركاته بدقة، واعتمدت القوات الأمنية أسلوب الرصد طويل الأمد، والاختراق الهادئ. وعند ساعة الصفر، انقضّت القوة على الهدف، لتُسدل الستار على فصل من الفوضى».

نوح زعيتر (أ.ف.ب)

ويعد توقيف نوح زعيتر في عملية أمنية يوم الخميس، أبرز إنجاز بالنظر إلى أن الرجل يوصف بأنه «بارون المخدرات» في لبنان، وهو خاضع لعقوبات أميركية وبريطانية وأوروبية. وأدار في البقاع في شرق لبنان، منذ التسعينات، إمبراطورية لتصنيع المخدرات وتهريبها، بينها حبوب الكبتاغون التي ازدهرت تجارتها في السنوات الأخيرة بين لبنان وسوريا.

ويقول المصدر: «نوح زعيتر، الاسم الذي لطالما ارتبط بتجارة المخدرات، السلاح، والخروج الصارخ عن القانون، كان لعقود بمثابة (الظل الثقيل) على مشهد الأمن الداخلي. تحوّل من شخص إلى أسطورة، لا بسبب إنجاز، بل نتيجة قدرته على التملّص، وفرض سطوته في البقاع، متحدّياً الدولة، ومربكاً الرأي العام».

الإطاحة برؤوس كبيرة

ولم تكن العملية مجرد توقيف، بل تتويج لسلسلة من الضربات الأمنية النوعية خلال الأشهر الستة الأخيرة. فقد شهدت هذه المرحلة تفكيك أهم شبكات المخدرات والجرائم المنظمة، من خلال القضاء على أو اعتقال كبار الرؤوس، بينهم علي زعيتر (أبو سلة)، وعباس علي سعدون زعيتر، وحسن عباس جعفر، وحسين عباس جعفر، وحمزة راجح جعفر، وغيرهم من زعماء العصابات المتورطة بالاتجار، والسرقة، والخطف، وتصنيع السموم.

وبرز اسم علي منذر زعيتر، المعروف بـ«أبو سلّة»، كأحد أخطر تجار المخدرات في لبنان خلال السنوات الأخيرة، وصدرت بحقه أحكام غيابية، أبرزها حكم بالإعدام صادر عن المحكمة العسكرية في 7 مارس (آذار) 2024، بعد اتهامه بتشكيل مجموعة مسلّحة وارتكاب جرائم قتل ومحاولة قتل عسكريين، إضافةً إلى إدارة شبكة اتجار بالمخدرات.

اكتسب لقبه من طريقة بيع المخدرات التي اشتهر بها في منطقة السبتية في جبل لبنان، حيث كان يُهبط سلّة من شرفة منزله لإنجاز عمليات البيع من دون مواجهة مباشرة مع الزبائن.

في 6 أغسطس (آب) 2025 نفّذ الجيش اللبناني عملية نوعية في حي الشراونة – بعلبك، استُخدمت فيها المسيّرات والصواريخ، وانتهت بمقتله مع عباس علي سعدون زعيتر وفياض سالم زعيتر. وتشير السجلات الأمنية إلى أنه كان قد فرّ إلى المنطقة الحدودية مع سوريا بعد مداهمة في يونيو (حزيران) 2022، وظلّ يدير جزءاً من نشاطه من هناك.

عناصر من الجيشين اللبناني والأميركي خلال تمرين مشترك على متن سفينة عسكرية (مديرية التوجيه)

أما حسن عباس جعفر، الملقب بـ«السبع»، فيُنظر إليه على أنه أحد أبرز المطلوبين في قضايا الخطف والسرقة في منطقة البقاع. أنهى الجيش اللبناني مسيرته في 26 سبتمبر (أيلول) 2025 خلال عملية أمنية دقيقة في بلدة دار الواسعة غرب بعلبك، نُفّذت باستخدام طائرة مسيّرة واقتحام منازل مطلوبين. وقد شكّل مقتله محطة مفصلية في المواجهة مع شبكات الخطف التي كانت تنشط على نطاق واسع في المنطقة.

ومثله، حمل بدري زعيتر، الملقب بــ«السائق»، سجلاً أمنياً مرتبطاً بتسهيل تحركات عدد من المطلوبين في شبكات المخدرات والتهريب. في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وخلال حملة موسعة للجيش لإقفال المعابر غير الشرعية في منطقة بعلبك – الهرمل، داهمت قوة عسكرية حي الشراونة بعد استهداف مراكزها بقذائف صاروخية. وأفادت المعلومات الميدانية بأن بدري زعيتر قُتل خلال العملية مع اثنين من مرافقيه السوريين، في خطوة عُدّت جزءاً من التشدد الأمني لملاحقة الشبكات الناشطة في التهريب وجرائم المخدرات.

ضربات مدمرة

ولم تكتفِ القوى الأمنية بذلك، بل وجّهت ضربات مدمّرة إلى أضخم معامل تصنيع المخدرات في لبنان والمنطقة، مما شكّل زلزالاً حقيقياً تحت أقدام الشبكات الدولية، وأصاب مفاصل هذه السوق السوداء بالشلل.

ويقول المصدر الأمني: «خلال السنوات الخمس الماضية، خاضت الدولة معركة صامتة وشاقة ضدّ إمبراطوريات السمّ الأبيض، واستطاعت أن توجّه ضربات قاضية إلى تجّار المخدرات، فاعتقلت ما يفوق 500 شخص متورط في تجارة وتوزيع وصناعة المخدرات، كثيرون منهم أسماء لطالما عُدّت «خطاً أحمر»، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منهم، إلى أن دخلت مخابرات الجيش على الخط، وكشفت عن شبكات لطالما رعت الفساد وأراقت السمّ في عروق المجتمع».

عناصر من الجيش تفكك مشغلاً لتصنيع المخدرات في البقاع شرق لبنان (مديرية التوجيه)

ويكشف المصدر عن أنه «تم جرف أكثر من 14 ربعة (مركز ميداني) لبيع المخدرات، وتفكيك نحو 50 معملاً لصناعة الكبتاغون، وقدّرت المضبوطات من مواد مخدّرة وآلات تصنيع بقيمة تجاوزت المليار دولار أميركي، مما شكّل ضربة اقتصادية وتجارية كبرى لعصابات تهريب المخدرات داخل وخارج لبنان». وأشار إلى أن «البعض هرب إلى الخارج، كما حصل مع المطلوب جلال شريف وآخرين، فيما تبقّى نحو 20 ربعة نشطة، تتمركز بين حورتعلا، والشراونة، وتل الأبيض، واليمونة» وهي قرى في شرق لبنان.

أسماء ملاحَقة وخطط مستقبلية

وإذ أشار إلى 23 اسماً من بين كبار المطلوبين تجري ملاحقتهم في الشراونة واليمونة تل أبيض وحورتعلا في البقاع، قال المصدر: «هذه الأسماء تبقى في الواجهة، مسلحة وخطيرة، مدعومة أحياناً بعناصر مسلّحة من جنسيات أخرى، إلا أن الأخطر هم من يختبئون في الظل، وهم تجّار كبار غير مطلوبين للقضاء، متخفّين خلف مشاريع (نظيفة) وعلاقات نافذة داخل الدولة، يُعاد تنظيمهم بصمت».

ويؤكد المصدر: «مع كل هذه المواجهات، سجّل الأمن اللبناني إنجازاً بالغ الأهمية، يتمثل في انخفاض نسبة المخدرات بنسبة 70 في المائة، وهو رقم تاريخي في ظل بيئة مليئة بالتحديات». ويشرح: «تحمل المرحلة القادمة معها خطة تجفيف منابع التهريب والتصنيع بالكامل في سياق معركة وجود لن تتوقّف حتى القضاء على آخر شبكات السمّ».


مقالات ذات صلة

عون يؤكد الحرص على «عدم زجّ لبنان في مغامرات انتحارية»

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

عون يؤكد الحرص على «عدم زجّ لبنان في مغامرات انتحارية»

أبلغ الرئيس اللبناني، جوزيف عون، أعضاء السلك الدبلوماسي لدى بيروت، أن لبنان أنجز «تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي» في منطقة جنوب الليطاني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي قائد الجيش العماد رودولف هيكل (قيادة الجيش)

زيارة «مفصلية» لقائد الجيش اللبناني إلى واشنطن بداية فبراير

يستعد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، لزيارة واشنطن بين 3 و5 فبراير (شباط) المقبل، بعد تأجيل الزيارة التي كانت مقررة نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

توقع مصدر وزاري بارز بداية انفراج في ملف المحكومين، والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية يقضي بالإفراج عنهم على مراحل

محمد شقير (بيروت)
تحليل إخباري شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)

تحليل إخباري المجتمع الدولي يُصر على نزع السلاح في لبنان... لا تثبيت وقف النار فقط

يزداد التناقض بين ما يعلنه لبنان الرسمي من تمسك بتطبيق القرار «1701» الصادر عام 2006 والمعدّل عام 2024، وما تطلبه القوى الدولية لناحية حصرية السلاح.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)

مواكبة لبنانية ودبلوماسية لتأمين نجاح مؤتمر دعم الجيش

يمضي لبنان في التحضير لمؤتمر باريس لدعم الجيش في 5 مارس (آذار) المقبل، على المسارين الدبلوماسي والأمني بمسعى لإنجاح المؤتمر وتلبية شروط الدول المانحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)

برّاك: دور «قسد» كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم «داعش» انتهى

المبعوث الأميركي توماس براك (رويترز)
المبعوث الأميركي توماس براك (رويترز)
TT

برّاك: دور «قسد» كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم «داعش» انتهى

المبعوث الأميركي توماس براك (رويترز)
المبعوث الأميركي توماس براك (رويترز)

قال المبعوث الأميركي إلى دمشق توم باراك، الثلاثاء، إن وظيفة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) كقوة رئيسية في التصدي تنظيم «داعش» انتهت، معتبراً أن القوات الحكومية باتت مؤهلة لتولي أمن السجون والمخيمات حيث يُحتجز المتطرفون وأفراد عائلاتهم.

وفي منشور على منصة «إكس»، كتب برّاك: «الغرض الأساسي من (قوات سوريا الديمقراطية) كقوة رئيسية في الميدان لمكافحة (تنظيم داعش) انتهى إلى حدّ كبير»، معتبراً أن السلطات السورية «باتت الآن مستعدة وفي موقع يؤهلها لتولي المسؤوليات الأمنية، بما يشمل» السجون التي يُحتجز فيها عناصر التنظيم والمخيمات التي تضم أفراد عائلاتهم.

وشكّلت واشنطن لسنوات داعماً رئيسياً لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد، في قتالها ضد التنظيم المتطرف وصولاً إلى دحره من آخر مناطق سيطرته عام 2019. لكنها بعد إطاحة الحكم السابق، باتت داعمة رئيسية للسلطات الجديدة ولجهودها في توحيد البلاد بعد سنوات النزاع الطويلة.


اجتماع رباعي في فبراير لتنسيق استجرار الطاقة من مصر والأردن إلى لبنان عبر سوريا

صورة أرشيفية لـ«محطة الزهراني لإنتاج الكهرباء» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لـ«محطة الزهراني لإنتاج الكهرباء» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

اجتماع رباعي في فبراير لتنسيق استجرار الطاقة من مصر والأردن إلى لبنان عبر سوريا

صورة أرشيفية لـ«محطة الزهراني لإنتاج الكهرباء» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لـ«محطة الزهراني لإنتاج الكهرباء» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كشف مصدر وزاري لبناني لـ«الشرق الأوسط»، أنّ اجتماعاً رباعياً يضم مسؤولين لبنانيين وسوريين ومصريين وأردنيين، سيُعقد في فبراير (شباط) المقبل، لمتابعة التنسيق المتصل بملف استجرار الغاز والكهرباء، وإعادة النظر بالاتفاقيات السابقة المبرمة في عهد نظام بشار الأسد، ضمن الخطوات التي تعمل عليها السلطات اللبنانية لتحسين واقع التغذية الكهربائية في لبنان.

ولطالما تعثر مشروع استجرار الطاقة الكهربائية من الأردن، والغاز الطبيعي من مصر لتوليد محطات الكهرباء في لبنان، بسبب عقوبات «قانون قيصر» التي كانت مفروضة على النظام السوري. وبعد إلغاء العقوبات إثر سقوطه عاد ملف الكهرباء إلى صدارة المشهد السياسي والاقتصادي في لبنان، وسلك هذه المرّة طريقين، أولهما مقاربة حكومية تعِد بمسار تعافٍ طويل الأمد، وحراك إقليمي يُفترض أن يُختبر عملياً في الاجتماع الرباعي المرتقب خلال شهر فبراير المقبل.

وقال مصدر وزاري متابع لملف الطاقة لـ«الشرق الأوسط»، إنّ الاجتماع «الرباعي المرتقب يندرج في إطار متابعة التنسيق المتصل بملف استجرار الغاز والكهرباء».

وأوضح المصدر أنّه «سيتم اطلاع المجتمعين على تقرير الوفد الفني الذي زار لبنان وحدد التكلفة والفترة المطلوبة لتأهيل جزء الأنبوب العربي فيه، وكذلك التقرير الفني المتعلق بالجهة السورية».

وأشار إلى أنّه «في الاجتماعات المقبلة سيعاد النظر بالاتفاقيات السابقة خصوصاً المبرمة في عهد نظام الأسد».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مجتمعاً برئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في قصر بعبدا في ديسمبر الماضي (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

وأعادت زيارتا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ورئيس الوزراء الأردني جعفر حسان إلى بيروت خلال الأسابيع الماضية، إحياء خيار استجرار الكهرباء والغاز ضمن إطار الربط الإقليمي. ويقوم الطرح الأردني على تزويد لبنان بطاقة تتراوح بين 150 و250 ميغاواط خلال ساعات الذروة، فيما أعادت القاهرة طرح تزويد لبنان بالغاز الطبيعي لتشغيل معمل دير عمار بدل الفيول عبر خط الغاز العربي.

غير أنّ هذه التفاهمات، على أهميتها السياسية، ما زالت محكومة بشروط تقنية ومالية لم تُستكمل، ما أبقى التنفيذ مؤجَّلاً وربط أي تقدّم عملي بما سيُحسم على مستوى التنسيق في الشهر المقبل.

وفيما يتصل بالغاز، لا تتضمن الخطة إنشاء خطوط جديدة أو شحنات بحرية، بل إعادة تفعيل خط الغاز العربي القائم، على أن يأتي التوريد الأساسي للبنان مباشرة من مصر، فيما يبقى التنفيذ مرتبطاً بجهوزية البنية التحتية داخل سوريا ولبنان.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل نظيره الأردني جعفر حسان في بيروت في يناير 2026 (إ.ب.أ)

تعافٍ... لا حلول ترقيعية

بموازاة هذه الاستعدادات، حدّد وزير الطاقة والمياه اللبناني جو صدّي الإطار العام لمقاربة الحكومة، مؤكداً أنّ «العمل جارٍ على تعافي قطاع الكهرباء وفق خريطة طريق محددة، وهذا عمل أساسي لا مفرّ منه مهما طال أمره، ويهمّنا أن يشعر المستثمرون بأن القطاع فعّال».

وبحسب صدّي، تقوم الخطة على مسار إصلاحي متكامل يبدأ بزيادة القدرة الإنتاجية التقليدية عبر إنشاء معملين جديدين في دير عمار والزهراني، بقدرة تقارب 825 ميغاواط لكل منهما، وبتكلفة تُقدَّر بنحو ملياري دولار، بالتوازي مع فتح قنوات استثمار مع دول الخليج، والاستعانة بمؤسسة التمويل الدولية لتأمين الضمانات المالية المطلوبة في ظل التعثّر المالي للدولة.

وأوضح في مؤتمر صحافي أنّ «الخطة تترافق مع دفعة للاستثمار في الطاقة المتجددة، عبر تفعيل رخص مزارع الطاقة الشمسية المجمّدة، وإطلاق مشاريع تفوق قدرتها 100 ميغاواط، إضافة إلى تخصيص جزء من قرض البنك الدولي لإنتاج طاقة شمسية بقدرة تصل إلى 150 ميغاواط، وتأهيل محطات كهرومائية على الليطاني بتمويل دولي».

وزير الطاقة اللبناني جو صدي خلال مؤتمر صحافي (المركزية)

وشدّد صدي على أنّ نقل القطاع تدريجياً إلى الغاز الطبيعي، يشكّل ركناً أساسياً في المقاربة، مع الحرص «على تنويع مصادر الاستيراد وعدم ربط لبنان بمصدر واحد، سواء عبر تفعيل خط الغاز العربي أو التحضير لإنشاء محطة تغويز عائمة لاستيراد الغاز بحراً». كما طرح ملف الربط الكهربائي مع قبرص، كاشفاً «أنّ البنك الدولي سيموّل دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، في إطار رؤية بعيدة المدى لإدخال لبنان في سوق كهرباء أوسع في شرق المتوسط».

تحديات داخلية

داخلياً، أقرّ صدي، بأن واقع الشبكة يشكّل أحد أكبر التحديات، في ظل إهمال طويل يستدعي استثمارات لا تقل عن 500 مليون دولار لتأهيلها وتحديثها، وقد بدأ العمل مع الصندوق العربي لتأمين جزء من التمويل. كما أعلن «إعادة تنظيم قطاع التوزيع بعد فشل تجربة مقدّمي الخدمات، وتفعيل دور الهيئة الناظمة، وتعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان وفق آلية شفافة».

وكشف أنّ نحو 30 في المائة من الكهرباء تُسرق، بتكلفة تقديرية تصل إلى 200 مليون دولار سنوياً، مؤكداً «بدء ملاحقة كبار المتعدين والتنسيق مع القضاء، إضافة إلى التزام تسديد جزء كبير من فواتير مؤسسات الدولة لمصلحة المؤسسة».

وتؤمن «مؤسسة كهرباء لبنان» ساعات تغذية محدودة يومياً، فيما يستمر الاعتماد شبه الكامل على المولدات الخاصة والطاقة الشمسية. وتؤكد مصادر في القطاع، أنّ المعامل الحالية إن شغلت في أقصى طاقتها لا تستطيع تأمين أكثر من 10 ساعات، ما يؤكد الحاجة الملحة لإنشاء معامل جديدة على الغاز لزيادة كميات الإنتاج.


مصادر درزية تعدّ التطورات في الشمال السوري «انتكاسة لمشروع دولة باشان»

الشيخ حكمت الهجري خلال مشاركته عبر الشاشة بمؤتمر الحسكة الذي نظمته «قسد» للأقليات في أغسطس (متداولة على مواقع التواصل)
الشيخ حكمت الهجري خلال مشاركته عبر الشاشة بمؤتمر الحسكة الذي نظمته «قسد» للأقليات في أغسطس (متداولة على مواقع التواصل)
TT

مصادر درزية تعدّ التطورات في الشمال السوري «انتكاسة لمشروع دولة باشان»

الشيخ حكمت الهجري خلال مشاركته عبر الشاشة بمؤتمر الحسكة الذي نظمته «قسد» للأقليات في أغسطس (متداولة على مواقع التواصل)
الشيخ حكمت الهجري خلال مشاركته عبر الشاشة بمؤتمر الحسكة الذي نظمته «قسد» للأقليات في أغسطس (متداولة على مواقع التواصل)

لم يُثنِ النجاح الكبير، الذي حققه الجيش الحكومي السوري في شمال وشرق البلاد بمواجهة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، شيخ العقل حكمت الهجري عن مواقفه، على الرغم من أن عملية الجيش هناك، شكّلت، وفق مصدر لديه علاقات مع فصائل تابعة للهجري، «انتكاسة لمشروع دولة باشان» التي يسعى الهجري لإقامتها في محافظة السويداء. بينما رأى مصدر مناهض لسياساته أن مشروع انفصال السويداء عن الدولة «لن يتحقق»؛ لأنه سيواجَه بـ«القرار الأميركي» الداعم لموقف الحكومة ببسط سيطرتها على كل أراضيها.

وبعد تلك التطورات المتلاحقة التي يرى فيها مراقبون انتهاء لمشروع «قسد» السياسي والعسكري، باتت الأنظار تتجه إلى مصير المشروع الذي يعمل الهجري من أجل تحقيقه في السويداء ذات الأغلبية الدرزية، والواقعة جنوب سوريا ويسيطر على أجزاء واسعة منه ما يُعرف بـ«قوات الحرس الوطني» التابعة له.

وتُعد عملية الجيش في شمال وشرق البلاد وتقدمه الكبير وانسحابات «قسد» المتسارعة، وفق المصدر القريب من فصائل الهجري، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، «انتكاسة لمشروع دولة باشان» التي يسعى الهجري لإقامته في السويداء بدعم من إسرائيل.

لكنه بيّن أنه رغم «خسارة» (قسد) فإن الهجري وفصائله «مصممون، حتى الآن، على متابعة العمل في مشروعهم، ما دامت أدواتهم حاضرة». وتقوم تلك الأدوات على خداع الأهالي وتذكيرهم دوماً بأحداث يوليو (تموز) الماضي الدامية، وإقناعهم بأن الخيار «إما الصمود وإسرائيل ومستقبل زاهر، وإما الإبادة».

سوريون يرفعون لافتات في «ساحة الكرامة» المركزية بمدينة السويداء جنوب سوريا الثلاثاء رفضاً لتصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي في فبراير الماضي (أ.ف.ب)

ويُبدي مراقبون استغرابهم من إصرار الهجري على المُضي بالعمل لتحقيق مشروعه، خصوصاً في ظل الموقف الدولي والإقليمي الداعم بقوة لموقف الحكومة السورية والرافض لمشاريع الانفصال والتقسيم.

ويرى المصدر أن الهجري «يعرف الموقف الدولي جيداً، لكنه يعمل بصفته أداة لمشروع آخر مع إسرائيل قائم على دماء الدروز وانتزاع الطائفة من عمقها الوطني والعروبي والإسلامي»، مشيراً إلى تصريحه الأخير بأن «هناك مرحلة انتقالية على طريق الاستقلال هي (الإدارة الذاتية)، وفق ضامن دولي هو إسرائيل».

سوريون يرفعون لافتات في «ساحة الكرامة» المركزية بمدينة السويداء جنوب سوريا الثلاثاء رفضاً لتصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي في فبراير الماضي (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، لفت المصدر إلى أن المزاج العام في السويداء بدأ يتغير، خصوصاً بعد المتغيرات في الشمال السوري، وعدم إحراز الهجري أي تقدم في مشروعه وانسداد الأفق أمامه، متوقعاً أن يجري الإعلان عن «مواقف عدة في مقبل الأيام».

وقد انفجرت أزمة السويداء باشتباكات دامية في يوليو الماضي، بين فصائل مسلَّحة درزية من جهة، ومسلَّحين من عشائر البدو وقوات أمن سورية، سقط خلالها عشرات القتلى من جميع الأطراف، وتدخلت إسرائيل عسكرياً في الاشتباكات بزعم حماية الدروز.

من المظاهرة التي خرجت في مدينة شهبا بريف السويداء ورُفعت خلالها أعلام إسرائيلية (صفحة موقع «الراصد» على «فيسبوك»)

عقب الأزمة حصل انقسام في السويداء، طرفه الأول الهجري، الذي صعّد نبرته المناهضة للحكومة، وراح يطلق دعواته لانفصال المحافظة عن الدولة، ويشكر إسرائيل على دعمها دروز سوريا ورفع أتباعه عَلَمها وصور رئيس وزرائها في المحافظة.

أما الطرف الثاني فهو مناهض لسياسات الهجري ويمثّل الإرث التاريخي والسياسي والثقافي للدروز في سوريا بوصفهم جماعة تاريخية لعبت دوراً محورياً في تاريخ البلاد.

استعراض عسكري في شوارع محافظة السويداء رُفع خلاله العَلم الإسرائيلي وصورة نتنياهو (مواقع)

‏مصدر مناهض لسياسات الهجري ذكر أنه لم يلاحظ حصول تغيير في موقفه، رغم التطورات في الشمال السوري. لكنه لفت، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، إلى التزام الهجري الصمت منذ اندلاع تلك المعارك، وقال: «قد يكون هناك استراتيجية جديدة للتعاطي مع ملف السويداء، ويجري التخطيط لها»، معرباً عن أمله في أن يكون الهجري «قد صحح مساره للخروج من هذه الأزمة».

طائرة إسرائيلية تلقي بالونات حرارية خلال تحليقها فوق السويداء جنوب سوريا الثلاثاء (أ.ف.ب)

وتابع المصدر: «ظهر جلياً، خلال معارك الشمال، الموقف الدولي الداعم للحكومة، وتخلي أميركا وإسرائيل عن (قسد)». ورأى أن «أي حديث عن انفصال السويداء هو خيال لا يمكن تحقيقه بسبب التفكك الموجود، وتفرد الهجري والعصابات بالقرار، الأمر الذي من شأنه إفشال أي إدارة، إضافة إلى عدم وجود تأييد دولي لمشروع الانفصال، فإسرائيل التي يعوّلون عليها تقول إنها لا تدعم الانفصال في الجنوب السوري».

لذلك فإن مشروع الهجري، برأي المصدر، «سيواجَه بالقرار الأميركي» الداعم لوحدة الأراضي السورية، إذا رفض التجاوب مع جهود الحكومة لبسط سلطتها على كل أراضيها.