بعد نوح زعيتر... الجيش اللبناني يلاحق 23 متورطاً بالمخدرات

500 موقوف ومضبوطات بمليار دولار والإطاحة بـ«أكبر الرؤوس»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)
TT

بعد نوح زعيتر... الجيش اللبناني يلاحق 23 متورطاً بالمخدرات

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)

يمثل توقيف استخبارات الجيش اللبناني «بارون المخدرات» نوح زعيتر، الخميس، حلقة من سلسلة القضاء على النشاط الإجرامي المتصل بالاتجار بالمخدرات وترويجها. فقد كثفت السلطات اللبنانية حملاتها لتفكيكها منذ 5 سنوات، وازدادت وتيرتها مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، حين فُقدت الملاذات الآمنة للمطلوبين الذي اضطروا جراء إقفال الحدود والتغيرات في سوريا، إلى العودة إلى الداخل اللبناني، فيما يلاحق الجيش 23 من أخطر المطلوبين، ويواصل إجراءاته للقضاء على الاتجار بالمخدرات.

وأسهمت العمليات الأمنية في تحييد عشرات المطلوبين منذ مطلع العام، سواء عبر التوقيف، أو عبر قتلهم جراء اشتباكات مع عناصر الجيش، وتبادل لإطلاق النار، وأفضت العمليات إلى توقيف ما يزيد على 500 مطلوب خلال 5 سنوات، حسب بيانات الجيش ورصد «الشرق الأوسط»، فضلاً عن مقتل 5 من أبرز المطلوبين خلال أشهر فقط.

جبل الإنجازات

جاء توقيف نوح زعيتر بمنزلة «القمة على جبل الإنجازات»، حسبما يقول مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً العملية بأنها «ضربة قاضية أعادت الأمل، وأكدت أن الدولة، حين تقرر، لا تترك مجرماً يفلت من العدالة». ويضيف: «انهيار هذا (العرش الأسود)، لم يكن مجرد انتصار أمني، بل لحظة استرداد للهيبة الوطنية. فبعملية نوعية، بلا ضجيج إعلامي، تم رصد تحركاته بدقة، واعتمدت القوات الأمنية أسلوب الرصد طويل الأمد، والاختراق الهادئ. وعند ساعة الصفر، انقضّت القوة على الهدف، لتُسدل الستار على فصل من الفوضى».

نوح زعيتر (أ.ف.ب)

ويعد توقيف نوح زعيتر في عملية أمنية يوم الخميس، أبرز إنجاز بالنظر إلى أن الرجل يوصف بأنه «بارون المخدرات» في لبنان، وهو خاضع لعقوبات أميركية وبريطانية وأوروبية. وأدار في البقاع في شرق لبنان، منذ التسعينات، إمبراطورية لتصنيع المخدرات وتهريبها، بينها حبوب الكبتاغون التي ازدهرت تجارتها في السنوات الأخيرة بين لبنان وسوريا.

ويقول المصدر: «نوح زعيتر، الاسم الذي لطالما ارتبط بتجارة المخدرات، السلاح، والخروج الصارخ عن القانون، كان لعقود بمثابة (الظل الثقيل) على مشهد الأمن الداخلي. تحوّل من شخص إلى أسطورة، لا بسبب إنجاز، بل نتيجة قدرته على التملّص، وفرض سطوته في البقاع، متحدّياً الدولة، ومربكاً الرأي العام».

الإطاحة برؤوس كبيرة

ولم تكن العملية مجرد توقيف، بل تتويج لسلسلة من الضربات الأمنية النوعية خلال الأشهر الستة الأخيرة. فقد شهدت هذه المرحلة تفكيك أهم شبكات المخدرات والجرائم المنظمة، من خلال القضاء على أو اعتقال كبار الرؤوس، بينهم علي زعيتر (أبو سلة)، وعباس علي سعدون زعيتر، وحسن عباس جعفر، وحسين عباس جعفر، وحمزة راجح جعفر، وغيرهم من زعماء العصابات المتورطة بالاتجار، والسرقة، والخطف، وتصنيع السموم.

وبرز اسم علي منذر زعيتر، المعروف بـ«أبو سلّة»، كأحد أخطر تجار المخدرات في لبنان خلال السنوات الأخيرة، وصدرت بحقه أحكام غيابية، أبرزها حكم بالإعدام صادر عن المحكمة العسكرية في 7 مارس (آذار) 2024، بعد اتهامه بتشكيل مجموعة مسلّحة وارتكاب جرائم قتل ومحاولة قتل عسكريين، إضافةً إلى إدارة شبكة اتجار بالمخدرات.

اكتسب لقبه من طريقة بيع المخدرات التي اشتهر بها في منطقة السبتية في جبل لبنان، حيث كان يُهبط سلّة من شرفة منزله لإنجاز عمليات البيع من دون مواجهة مباشرة مع الزبائن.

في 6 أغسطس (آب) 2025 نفّذ الجيش اللبناني عملية نوعية في حي الشراونة – بعلبك، استُخدمت فيها المسيّرات والصواريخ، وانتهت بمقتله مع عباس علي سعدون زعيتر وفياض سالم زعيتر. وتشير السجلات الأمنية إلى أنه كان قد فرّ إلى المنطقة الحدودية مع سوريا بعد مداهمة في يونيو (حزيران) 2022، وظلّ يدير جزءاً من نشاطه من هناك.

عناصر من الجيشين اللبناني والأميركي خلال تمرين مشترك على متن سفينة عسكرية (مديرية التوجيه)

أما حسن عباس جعفر، الملقب بـ«السبع»، فيُنظر إليه على أنه أحد أبرز المطلوبين في قضايا الخطف والسرقة في منطقة البقاع. أنهى الجيش اللبناني مسيرته في 26 سبتمبر (أيلول) 2025 خلال عملية أمنية دقيقة في بلدة دار الواسعة غرب بعلبك، نُفّذت باستخدام طائرة مسيّرة واقتحام منازل مطلوبين. وقد شكّل مقتله محطة مفصلية في المواجهة مع شبكات الخطف التي كانت تنشط على نطاق واسع في المنطقة.

ومثله، حمل بدري زعيتر، الملقب بــ«السائق»، سجلاً أمنياً مرتبطاً بتسهيل تحركات عدد من المطلوبين في شبكات المخدرات والتهريب. في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وخلال حملة موسعة للجيش لإقفال المعابر غير الشرعية في منطقة بعلبك – الهرمل، داهمت قوة عسكرية حي الشراونة بعد استهداف مراكزها بقذائف صاروخية. وأفادت المعلومات الميدانية بأن بدري زعيتر قُتل خلال العملية مع اثنين من مرافقيه السوريين، في خطوة عُدّت جزءاً من التشدد الأمني لملاحقة الشبكات الناشطة في التهريب وجرائم المخدرات.

ضربات مدمرة

ولم تكتفِ القوى الأمنية بذلك، بل وجّهت ضربات مدمّرة إلى أضخم معامل تصنيع المخدرات في لبنان والمنطقة، مما شكّل زلزالاً حقيقياً تحت أقدام الشبكات الدولية، وأصاب مفاصل هذه السوق السوداء بالشلل.

ويقول المصدر الأمني: «خلال السنوات الخمس الماضية، خاضت الدولة معركة صامتة وشاقة ضدّ إمبراطوريات السمّ الأبيض، واستطاعت أن توجّه ضربات قاضية إلى تجّار المخدرات، فاعتقلت ما يفوق 500 شخص متورط في تجارة وتوزيع وصناعة المخدرات، كثيرون منهم أسماء لطالما عُدّت «خطاً أحمر»، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منهم، إلى أن دخلت مخابرات الجيش على الخط، وكشفت عن شبكات لطالما رعت الفساد وأراقت السمّ في عروق المجتمع».

عناصر من الجيش تفكك مشغلاً لتصنيع المخدرات في البقاع شرق لبنان (مديرية التوجيه)

ويكشف المصدر عن أنه «تم جرف أكثر من 14 ربعة (مركز ميداني) لبيع المخدرات، وتفكيك نحو 50 معملاً لصناعة الكبتاغون، وقدّرت المضبوطات من مواد مخدّرة وآلات تصنيع بقيمة تجاوزت المليار دولار أميركي، مما شكّل ضربة اقتصادية وتجارية كبرى لعصابات تهريب المخدرات داخل وخارج لبنان». وأشار إلى أن «البعض هرب إلى الخارج، كما حصل مع المطلوب جلال شريف وآخرين، فيما تبقّى نحو 20 ربعة نشطة، تتمركز بين حورتعلا، والشراونة، وتل الأبيض، واليمونة» وهي قرى في شرق لبنان.

أسماء ملاحَقة وخطط مستقبلية

وإذ أشار إلى 23 اسماً من بين كبار المطلوبين تجري ملاحقتهم في الشراونة واليمونة تل أبيض وحورتعلا في البقاع، قال المصدر: «هذه الأسماء تبقى في الواجهة، مسلحة وخطيرة، مدعومة أحياناً بعناصر مسلّحة من جنسيات أخرى، إلا أن الأخطر هم من يختبئون في الظل، وهم تجّار كبار غير مطلوبين للقضاء، متخفّين خلف مشاريع (نظيفة) وعلاقات نافذة داخل الدولة، يُعاد تنظيمهم بصمت».

ويؤكد المصدر: «مع كل هذه المواجهات، سجّل الأمن اللبناني إنجازاً بالغ الأهمية، يتمثل في انخفاض نسبة المخدرات بنسبة 70 في المائة، وهو رقم تاريخي في ظل بيئة مليئة بالتحديات». ويشرح: «تحمل المرحلة القادمة معها خطة تجفيف منابع التهريب والتصنيع بالكامل في سياق معركة وجود لن تتوقّف حتى القضاء على آخر شبكات السمّ».


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني: ولاء عناصرنا للمؤسسة العسكرية فقط

المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يديرون نقطة تفتيش في بيروت يوم 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

الجيش اللبناني: ولاء عناصرنا للمؤسسة العسكرية فقط

أكدت قيادة الجيش اللبناني أن ولاء عسكرييها لـ«المؤسسة العسكرية فقط» رداً على عقوبات أميركية على أحد ضباطها بتهمة تسريب معلومات استخباراتية مهمة إلى «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون وسط بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

لبنان يحصر مهام وفده الأمني بالمباحثات «التقنية» مع إسرائيل

هدَّد «حزب الله»، الثلاثاء، بمهاجمة أي قوَّة مسلَّحة تنسّق مع إسرائيل في حال تشكيلها، على غرار قتاله القوات الإسرائيلية، وذلك استباقاً للاجتماع الأمني في واشنطن

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي صورة نشرها الجيش اللبناني للمعاون علي رفعت جابر الذي قُتل في 30 أبريل 2026 جرّاء استهداف إسرائيلي في بلدة كفررمان بقضاء النبطية في جنوب لبنان (صفحة الجيش على «إكس»)

مقتل جندي لبناني في هجوم إسرائيلي على جنوب البلاد

أعلن الجيش اللبناني مقتل عسكري من الجيش مع عدد من أفراد عائلته، نتيجة غارة إسرائيلية معادية استهدفت منزلهم في بلدة كفررمان - النبطية جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في منطقة حدودية لبنانية أصابها الدمار (أ.ف.ب)

إصابة جنديين اثنين بغارة إسرائيلية على قوات لبنانية وفِرق إنقاذ

أعلن الجيش اللبناني، اليوم الثلاثاء، إصابة اثنين من جنوده بـ«استهداف إسرائيلي مُعادٍ» أثناء عملية إنقاذ بجنوب لبنان، حيث تُواصل إسرائيل شنّ ضربات رغم وقف النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد في عمليات هدم إسرائيلية لبلدة الطيبة بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

روبيو يرى اتفاقاً لبنانياً - إسرائيلياً على «زوال حزب الله»

رأى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية «متفقتان» على التوصل إلى «السلام وزوال حزب الله»، عادَّاً اللبنانيين «ضحية» لإيران.

علي بردى (واشنطن)

أميركا ترفع العقوبات عن المقررة الأممية للأراضي المحتلة

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)
TT

أميركا ترفع العقوبات عن المقررة الأممية للأراضي المحتلة

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)

رفعت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، اسم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، وهي محامية إيطالية، من لوائح العقوبات في الولايات المتحدة، بعدما حققت انتصاراً في محكمة فيدرالية ضد معاقبتها بسبب إدانتها العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.

ولم ينهِ القرار الذي اتخذه القاضي الفيدرالي في مقاطعة كولومبيا، ريتشارد ليون، بصورة تامة قرار العقوبات ضد ألبانيزي؛ إذ يمكن للقضية أن تتواصل أمام المحكمة، علماً بأن القاضي حكم بأن العقوبات تنتهك حق ألبانيزي في حرية التعبير المكفول لها بموجب التعديل الأول للدستور الأميركي.

وأكد إشعار صادر عن وزارة الخزانة رفع العقوبات، بعدما أمضت ألبانيزي أشهراً معزولة فعلاً عن النظام المالي الأميركي، عقب العقوبات المفروضة عليها في وقت سابق من هذا العام.

وتعتني ألبانيزي برصد حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتقدم تقارير عنها. وهي من أشد المنتقدين لإسرائيل ومعاملتها للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي يوليو (تموز) الماضي، فرض وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، عقوبات عليها، قائلاً إنها «تواصلت بشكل مباشر مع المحكمة الجنائية الدولية في جهود للتحقيق مع مواطنين من الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو اعتقالهم، أو احتجازهم، أو محاكمتهم، من دون موافقة البلدَين».

ولم توقع الولايات المتحدة وإسرائيل على المعاهدة التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية، ولا تعترفان بسلطانها. واتهم روبيو ألبانيزي بأنها حضت المحكمة الدولية على مقاضاة الشركات الأميركية التي تعمل مع إسرائيل.

كما نددت بها البعثة الإسرائيلية في الأمم المتحدة بجنيف خلال مارس (آذار) الماضي، واصفة إياها بأنها «عاملة فوضى»، بالإضافة إلى كونها «معادية للسامية».

وفي عام 2024، أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة.

الأمن القومي

وكتب القاضي ليون، في حكمه، أن تصريحات ألبانيزي لا يبدو أنها تُخضعها قانوناً لعقوبة الحكومة، قائلاً إن «الطريقة الوحيدة» التي تواصلت بها ألبانيزي مع المحكمة الجنائية الدولية هي «تقديم رأيها وتوصيتها غير الملزمة - أي بعبارة أخرى، من خلال الكلام!». وأضاف: «لا يسعى المُدعى عليهم إلى تقييد خطاب ألبانيزي فحسب، بل يريدون تقييده بسبب الفكرة أو الرسالة التي عبرت عنها».

ويشير الأمر القضائي إلى احتمال نجاح القضية الأساسية المرفوعة ضد الحكومة الأميركية.

وتُشكّك هذه القضية في فكرة أن النقد يُشكّل تهديداً للأمن القومي. وجاءت العقوبات المفروضة على ألبانيزي في خضم مسعى أوسع لإدارة ترمب للانتقام من منتقدي السياسة الخارجية الأميركية وإسرائيل، فضلًا عن النشطاء المؤيدين للفلسطينيين. كما فرضت عقوبات على منظمات غير حكومية فلسطينية وعلى قضاة ومدعين عامين في المحكمة الجنائية الدولية.

وبموجب سياسة الأمم المتحدة، مُنعت ألبانيزي من مقاضاة الحكومة باسمها، لذا رفعت عائلتها الدعوى، وبينهم زوجها ماسيميليانو كالي، وهو خبير اقتصادي في البنك الدولي، وابنتها المولودة في الولايات المتحدة. يؤكد وكلاء الدفاع عنهم أن لهم الحق في رفع الدعوى استناداً إلى علاقاتهم الواسعة بالولايات المتحدة، حيث يمتلكون عقارات وعملوا فيها سابقاً.

وقالت ألبانيزي، في بيان، إن «هذا انتصار قانوني مهم، وأنا سعيدة لأنني وعائلتي اتبعنا حدسنا ووثقنا بنظام العدالة الأميركي». وأضافت أن الحكم يؤكد «أن سيادة القانون قادرة على وقف إساءة استخدام السلطة»، ويُظهر «أهمية وجود قضاء مستقل».

وأفاد أحد محامي عائلة ألبانيزي، ميشال باراديس، بأن للقضية تداعيات واسعة النطاق تتجاوز أي فرد أو ظروفه. وأوضح أن إدارات متعددة استخدمت في السنوات الأخيرة أدوات مُخصصة لمكافحة الإرهاب والفساد وغيرهما من التهديدات الحقيقية للأمن القومي بوصفها استثناءات من الحماية الدستورية، وربطت حرية التعبير بالخطر. وقال: «هناك توجه ونزعة نحو اعتبار الأمن القومي بمثابة تفويض مطلق». وأضاف: «يستخدم الأمن القومي بشكل متزايد بوصفه ذريعة لتبرير ملاحقة الحكومة للأفراد بسبب آرائهم».

لكن ألبانيزي أشارت إلى أن شعورها بالارتياح قد لا يدوم طويلًا، لأن الحكومة استأنفت قرار القاضي ليون، وقدمت، الخميس، طلباً لوقف تنفيذ الأمر القضائي الذي أصدره ريثما يُبت في الاستئناف. وهذا يعني أنها يمكن أن تُوضع على قائمة العقوبات لاحقاً. وقالت: «أشعر اليوم بارتياح يتسلل إليّ تدريجياً، حتى وإن كنت لا أتوهم أن المعركة انتهت»، مضيفة: «يمكن أن نتوقع طريقاً طويلًا وشاقاً أمامنا».


لبنان غير ملزم بالتقيد بالعقوبات الأميركية ولا إجراءات بحق الضابطين حتى الساعة

امرأة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب (رئيس حركة أمل) نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)
امرأة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب (رئيس حركة أمل) نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)
TT

لبنان غير ملزم بالتقيد بالعقوبات الأميركية ولا إجراءات بحق الضابطين حتى الساعة

امرأة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب (رئيس حركة أمل) نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)
امرأة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب (رئيس حركة أمل) نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)

تتجه الأنظار في لبنان إلى كيفية تعاطي الدولة مع العقوبات الأميركية غير المسبوقة التي طالت ضابطين في الجيش والأمن العام إلى جانب شخصيات من «حزب الله» وحركة «أمل».

وفي حين أن لبنان غير ملزم قانوناً بالتقيد بالقرار، ولم يتم اتخاذ حتى الآن أي إجراءات مباشرة بحق الضابطين المعنيين، أعلن وزير الداخلية أحمد الحجار أنه طلب من المدير العام للأمن العام اللواء ​حسن شقير​ إجراء التحقيقات في أي مخالفات إن وجدت لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

لا إجراءات بحق الضابطين حتى الساعة

وتشير مصادر أمنية إلى أن «ما يثير الاستغراب هو عدم تبليغ مؤسستي الجيش اللبناني والأمن العام بهذه القرارات بالأطر الرسمية والقانونية باعتبار أن القيادتين تبلغتا هذه الإجراءات عبر البيانات ووسائل الإعلام». وسألت المصادر: «ما دام العقيد سمير حمادة، هو رئيس فرع الضاحية في مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، فمع من يفترض أن ينسق على الأرض في الضاحية؟ فالمخابرات تنسق مع أحزاب أخرى في مناطق أخرى... أما الحديث عن مشاركة معلومات استخباراتية مهمة مع (حزب الله) فهو ليس في مكانه».

وفيما يتعلق بإمكانية اتخاذ أي إجراءات بحق الضابطين، اكتفت المصادر بالقول: «حتى الساعة لا إجراءات بحقهما وهما لا يزالان يمارسان مهامهما».

وتتهم الخزانة الأميركية الضابطين بمشاركة معلومات استخباراتية مهمة مع الحزب خلال النزاع المستمر خلال العام الماضي.

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في أحد شوارع العاصمة بيروت (إ.ب.أ)

لبنان غير ملزم بالتقيد بالقرار

ويعتبر الخبير القانوني والدستوري، سعيد مالك، أن «العقوبات التي طالت ضباطاً في الجيش والأمن العام هي رسالة سياسية من وزارة الخزانة الأميركية مفادها أن التعامل مع (حزب) الله المحظور دولياً وحتى المحلول جناحه العسكري في لبنان قد بات محظوراً وتترتب عليه نتائج»، موضحاً أن «الدولة اللبنانية ضمن إطار الوزارات والإدارات المعنية ليست ملزمة بالتقيد بهذا القرار، وإن كان سيؤدي إلى عرقلة تسديد رواتب هؤلاء أو إجراء معاملاتهم أو التعاون معهم مع الأجهزة المحلية والخارجية».

ويضيف مالك لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة يمكن أن تتفهم اتخاذ هكذا قرارات لكنها غير ملزمة للدولة أي أنه لا شيء يفرض أن تتم محاسبة أو معاقبة هؤلاء الذين تطبق عليهم القوانين اللبنانية وليس الإشارات أو القرارات التي تصدر عن إدارة غربية».

من الشخصيات المستهدفة؟

ومن بين الشخصيات التسعة التي استهدفتها العقوبات الأخيرة 4 نواب من «حزب الله» هم: محمد فنيش الذي قالت الخزانة الأميركية إنه يتولى رئاسة المجلس التنفيذي في «حزب الله»، وهو مسؤول عن إعادة تنظيم الهيكل الإداري والمؤسساتي للحزب بهدف الحفاظ على وجوده المسلح في لبنان. كما النائب حسن فضل الله الذي أشارت إلى أنه شارك بتأسيس إذاعة «النور» المصنفة أميركياً، كما شغل منصب مدير رفيع في قناة «المنار» المصنفة أميركياً.

وشملت العقوبات النائب إبراهيم الموسوي، وهو مسؤول قديم في الحزب، ويترأس حالياً اللجنة الإعلامية للحزب ويشغل مقعداً نيابياً، وحسين الحاج حسن الذي اعتبرت أنه من أبرز الشخصيات المعارضة لنزع سلاح الحزب.

وبرسالة واضحة لحركة «أمل»، شملت العقوبات أحمد أسعد بعلبكي وعلي أحمد صفاوي، اللذين قال بيان الخزانة إنهما مسؤولان أمنيان في حركة «أمل» الحليفة السياسية والأمنية لـ«حزب الله»، لافتاً إلى أن «بعلبكي يشغل منصب مدير أمن حركة (أمل)، ونسق استعراضات للقوة بالتعاون مع قيادة (حزب الله) لترهيب خصومه السياسيين في لبنان، فيما يقود صفوي ميليشيا (أمل) في جنوب لبنان، وكان ينسق مع (حزب الله) ويتلقى توجيهات منه بشأن الهجمات ضد إسرائيل والعمليات العسكرية المشتركة».

واللافت أن العقوبات طالت أيضاً محمد رضا شيباني، السفير الإيراني المعيّن لدى لبنان، والذي اعتبرته وزارة الخارجية اللبنانية «شخصاً غير مرغوب فيه»، بعدما سحبت موافقتها على اعتماده وطلبت منه مغادرة بيروت.

وأشار البيان الأميركي إلى أن لبنان برر القرار بانتهاك إيران للأعراف الدبلوماسية وبالأساليب المستخدمة في التواصل بين الدولتين.


السويداء: الهجري يشد عصب مؤيديه... وسط حديث عن حالة تململ

عناصر من المسلحين الدروز الموالين للشيح الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من المسلحين الدروز الموالين للشيح الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

السويداء: الهجري يشد عصب مؤيديه... وسط حديث عن حالة تململ

عناصر من المسلحين الدروز الموالين للشيح الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من المسلحين الدروز الموالين للشيح الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحدثت مصادر محلية في محافظة السويداء، جنوب سوريا، عن حالة من «تذمر وتململ» في أوساط مؤيدي رئيس طائفة الموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، عازية ذلك إلى أسباب عدة، من بينها تردي الأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية في المحافظة، وانقطاع الدعم الذي كانت إسرائيل تقدمه لمناطق نفوذه.

وجاءت معلومات هذه المصادر غداة إصدار الهجري بياناً وُصف بأنه لـ«شد عصب» مؤيديه، في ظل حالة التذمر من الأوضاع في السويداء.

وأكّدت المصادر المحلية في مدينة السويداء، وهي مصادر معارضة للهجري، أن «هناك حالة تململ وتذمر داخل السويداء، ولا سيما مناصري سياسات الهجري، وذلك بعد تردي الأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية وعدم التقدم خطوة واحدة في المشروع الذي يسعى لتحقيقه في إقامة (دولة باشان النموذجية)، بحسب تعبيره».

وذكرت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن من بين أسباب التململ أيضاً حالة «الجمود» في أزمة السويداء، على صعيد العلاقة بين الحكومة السورية والسلطة التي يمثلها الهجري وما يُعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له، في السويداء. وتابعت المصادر أنه يُضاف إلى تلك الأسباب «انقطاع الدعم المقدم من إسرائيل»، مشيرة إلى أن عناصر ما يسمى «الحرس الوطني» لم يحصلوا على المائة دولار الشهرية منذ أكثر من 3 أشهر، كما توقف إسرائيل عن دعم المستشفيات الموجودة في مناطق سيطرة الهجري. ولم يك ممكناً التأكد من مصادر مستقلة من توقف الدعم الطبي الذي يأتي من إسرائيل للمستشفيات في السويداء، ولا من قضية عدم حصول أفراد «الحرس الوطني» على رواتبهم.

وبعد أحداث يوليو (تموز) 2025، التي أدّت إلى مقتل مئات من المسلحين والمدنيين الدروز والبدو وعناصر الأمن والجيش، شهدت شعبية الهجري ارتفاعاً في أوساط أهل السويداء بصفته من أنقذ الطائفة الدرزية من الهجمات التي طالتها، بحسب ما يروّج له فريقه الإعلامي.

وتلا الهجري الخميس بياناً مصوراً أكد فيه «أن خيارنا في الحرية وتقرير المصير ليس محلاً للمقايضة ولا للولاءات المشروطة... ومهما حاولت قوى الأمر الواقع فرض وصايتها بالإكراه والتضليل فلن تجد لها مكاناً بيننا، وموقفنا راسخ ومحسوم: لا ولاية ولا قيادة على هذا الجبل إلا لمن يختاره أهله». وأكد أن «الحلفاء والضامنين الدوليين يبذلون جهوداً مشكورة، لترسيخ بنيان إدارتنا وسيادتنا الكاملة على أراضينا في (جبل باشان) كواقع مستقر». وجدّد الهجري توجيه الشكر للدول والمنظمات الداعمة لـ«قضية الدروز»، وخصّ بالشكر «دولة إسرائيل، حكومة وشعباً، وأهلنا وأبناء طائفتنا الأوفياء هناك، الذين لم يتأخروا يوماً عن إسناد إخوتهم».

وأشار إلى أن «جبل باشان» يواجه ما سماه «منظومة ضغوط متكاملة تشمل الحصار الاقتصادي والغزو الإداري وسياسات التجويع الممنهجة»، غير أنه أكد أن «الجبل» يتجاوز هذه الضغوط بوعي مجتمعه الأهلي وتماسك بنيانه.

قوات الأمن السورية بالقرب من لافتة طريق «مدينة السويداء» يوم 15 يوليو 2025 (رويترز)

وأكدت مصادر مقربة من الوساطات لحل أزمة السويداء، «عدم وجود أي جديد حالياً» على صعيد جهود حلّ الأزمة، معربة عن اعتقادها لـ«الشرق الأوسط» أن السبب وراء إصدار الهجري بيانه الأخير هو «انسداد الأفق أمام مشروعه».

وقال ناشط سياسي معارض للهجري في السويداء إن بيانه «لم يقدم حلولاً للأزمات الموجودة، ومنها أزمة امتحانات طلاب الشهادات العامة والمعلمين، وأزمة الفلتان الأمني وانتشار الجرائم». وقال الناشط لـ«الشرق الأوسط» إن البيان يهدف إلى «شد العصب» لدى أتباعه في ظل تضخم تلك الأزمات وعدم إيجاد حلول لها.

وأصدرت وزارة العدل السورية، الخميس، قراراً بإيقاف جميع دعاوى البيوع العقارية الواقعة ضمن محافظة السويداء، لصون الحقوق للمواطنين داخل المحافظة وخارجها، ومنع استغلال الظروف التي تمر بها.

كما تضمن القرار إيقاف جميع الدعاوى الشخصية -مدنية أو جزائية- المتعلقة بأشخاص مقيمين خارج محافظة السويداء، بالإضافة إلى جميع الدعاوى التي تكون الجهات العامة طرفاً فيها، وذلك أمام جميع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها في عدلية محافظة السويداء.

كما أوقفت تنظيم الوكالات العدلية العامة، والوكالات الخاصة المتعلقة ببيع العقارات والمركبات أو التوكيل ببيعها أمام دوائر الكاتب بالعدل في عدلية محافظة السويداء، سواء أكانت قابلة للعزل أم غير قابلة للعزل، وسواء أكانت داخلية أو خارجية.

ورجّحت مصادر محلية سبب إصدار وزارة العدل للقرار بأن هناك عقارات لعشرات آلاف المواطنين المهجرين منها، بالإضافة إلى أملاك للدولة، تحاول المجموعات المسلحة السيطرة عليها وتقاسمها مع نافذين مقربين من الهجري.

ولفتت إلى أن الحكومة السورية، إضافة إلى القرار السابق، اتخذت عدة إجراءات تجاه محافظة السويداء، منها موضوع تقديم امتحانات طلاب الشهادات العامة، حيث أصدرت وزارة التربية والتعليم قراراً بتقديم الامتحانات ضمن محافظتي دمشق وريف دمشق، وافتتاح دائرة للأحوال الشخصية في بلدة الصورة بريف المحافظة، حيث يوجد مبنى المحافظة، وكذلك افتتاح مركز لشرطة الطرق بهدف تأمين طريق دمشق – السويداء، كما سيتم فتح مبنى لمديرية النقل في الصورة.

وبحسب المصادر، تأتي هذه الإجراءات بهدف «سحب كافة دوائر الدولة من منطقة نفوذ إسرائيل، أي المنطقة التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة التابعة للهجري، ونقلها إلى مناطق سيطرة الحكومة».