اكتشاف عشرات التماثيل الجنائزية للملك شوشنق الثالث في دلتا مصر

أحد أبرز ملوك الأسرة 22 وصاحب إسهامات معمارية مميزة في «تانيس»

تماثيل الأوشابتي بمنطقة تانيس (وزارة السياحة والآثار)
تماثيل الأوشابتي بمنطقة تانيس (وزارة السياحة والآثار)
TT

اكتشاف عشرات التماثيل الجنائزية للملك شوشنق الثالث في دلتا مصر

تماثيل الأوشابتي بمنطقة تانيس (وزارة السياحة والآثار)
تماثيل الأوشابتي بمنطقة تانيس (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الخميس، الكشف عن عشرات التماثيل الجنائزية في محافظة الشرقية (دلتا مصر)، تعود للملك شوشنق الثالث، أحد أبرز ملوك الأسرة 22، وصاحب الإسهامات المعمارية المميزة في مدينة «تانيس» التاريخية بمنطقة آثار صان الحجر، مما عُدَّ مؤشراً على احتمال العثور على مقابر ملكية في المنطقة.

وخلال أعمال التنظيف الأثري لأرضية الغرفة الشمالية بمقبرة الملك «أوسركون الثاني» من الأسرة 22، عثرت البعثة الأثرية الفرنسية العاملة في المنطقة على آثار صان الحجر «تانيس»، برئاسة فريدريك بيريدو، من جامعة السوربون، على 225 تمثالاً جنائزياً (أوشابتي) للملك شوشنق الثالث، أحد أبرز ملوك الأسرة 22 وصاحب إسهامات معمارية مميزة في مدينة تانيس، حسب بيان وزارة السياحة والآثار.

وأوضح البيان أن «التماثيل وُجدت في وضعها الأصلي، داخل طبقات متراكمة من الطمي، بالقرب من تابوت غرانيتي غير منقوش كان قد عُثر عليه سابقاً دون تحديد هوية صاحبه».

وعدّ الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بمصر الدكتور محمد إسماعيل خالد، الكشف «إضافةً علميةً فريدةً، إذ يُعد أبرز ما شهدته المقابر الملكية في تانيس منذ عام 1946». وقال إن «الكشف يُعد خطوة حاسمة في حل أحد الألغاز الأثرية طويلة الأمد؛ إذ تشير الدلائل العلمية الجديدة إلى أن التابوت المجهول يعود للملك شوشنق الثالث، وهو ما يفتح المجال أمام دراسات جديدة حول طبيعة الدفن الملكي خلال تلك الفترة، وما إذا كان الملك قد دُفن داخل مقبرة أوسركون الثاني أو أن مقتنياته الجنائزية نُقلت إليها لاحقاً لحمايتها».

وترجع أهمية منطقة «صان الحجر» الأثرية إلى كونها عاصمة مصر القديمة خلال عصر الأسرتين 21 و23، وكانت تلقَّب بـ«طيبة الشمال»، حيث تماثل في التخطيط العمراني مدنية طيبة (الأقصر حالياً) من حيث وجود معبد للآلهة الرئيسية في الشمال، وآخر أقصى الجنوب.

اكتشاف آثار للملك شوشنق الثالث (وزارة السياحة والآثار)

بدوره، قال الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود، لـ«الشرق الأوسط» إن «الكشف يفتح الباب لاكتشاف مقابر ملكية في صان الحجر وربما منطقة تل بسطة أيضاً»، موضحاً أن «تماثيل الأوشابتي عادةً ما توضع إلى جانب تابوت صاحبها، ووجودها إلى جوار التابوت المجهول يشير إلى احتمال أن يكون التابوت للملك شوشنق الثالث».

وأضاف أن «الكشف يطرح تساؤلاً بشأن مكان مومياء الملك شوشنق الثالث، وهل دُفنت في هذا التابوت أم في مكان آخر»، مرجحاً «أن تشهد الفترة المقبلة العثور على اكتشافات ملكية مهمة في صان الحجر، تكشف عن مزيد عن تفاصيل تلك الفترة، فحتى الآن يتم اكتشاف مقابر ملوك الأسرة 22».

وتضم منطقة «صان الحجر» الجبانة الملكية للأسرة 21، إضافةً إلى مجموعة من الآثار ترجع إلى الفترة الممتدة من العصر المتأخر حتى العصر البطلمي، وأنقاض عدد من المعابد وتماثيل للملك رمسيس الثاني تم نقلها من العاصمة القديمة بواسطة ملوك الأسرة 21، حسب موقع وزارة السياحة والآثار.

جاء الكشف الأخير داخل إحدى المقابر الملكية في المنطقة، التي عثر عليها عام 1939، وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار إن «الكشف يؤكد أن موقع تانيس ما زال يحمل الكثير من الأسرار بوصفه أحد أهم المراكز الملكية لعصر الانتقال الثالث».

بدوره، أشار رئيس قطاع الآثار المصرية محمد عبد البديع، إلى أن «البعثة الفرنسية عثرت أيضاً على نقوش جديدة وغير معروفة سابقاً داخل الغرفة نفسها، مما يعزز من فهم الباحثين لتطور استخدام المقابر الملكية وأساليب الدفن في تلك الفترة».

وتعمل البعثة الفرنسية في الموقع منذ عام 1929 في إطار شراكة ممتدة مع المجلس الأعلى للآثار. وأوضح الدكتور هشام حسين، رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري، أن «الكشف الأخير جاء خلال المرحلة التحضيرية لمشروع شامل لحماية المقبرة الملكية، يتضمن إقامة مظلة حديثة فوق المقابر، وأعمال خفض الأملاح وتنظيف العناصر المعمارية داخلها وخارجها».

من جانبه، قال رئيس البعثة الفرنسية، فريدريك بيريدو، إن «المرحلة التالية ستشهد إجراء دراسات أثرية دقيقة للنقوش الجديدة التي عُثر عليها داخل الغرفة الشمالية بمقبرة الملك أوسركون الثاني، إضافةً إلى استكمال أعمال التنظيف التي قد تكشف مزيداً من الحقائق حول ظروف دفن الملك شوشنق الثالث».

وأضاف بيريدو أنه «ما زال من غير الواضح ما إذا كان الملك قد دُفن مباشرةً داخل مقبرة أوسركون الثاني، أم أن مقتنياته الجنائزية نُقلت إلى هذا المكان لحمايتها من السرقة. وما زال أمامنا كثير من العمل للإجابة عن هذه الأسئلة».

وتعد الحفائر الأثرية التي نفَّذها عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت في الفترة من 1860 إلى 1864، وحفائر بتري 1883-1884، وحفائر البعثة الأثرية الفرنسية، من أهم الحفائر الأثرية في المنطقة، والتي أسفرت عن العثور على مقابر لعدد من ملوك الأسرتين 21 و23، بينها مقبرة الملك أوسركون الثاني، وبوسنس الأول، التي تُعرض حالياً في المتحف المصري بالتحرير داخل قاعة تحمل اسم «كنوز تانيس».


مقالات ذات صلة

ملامح تطوير محيط قلعة صلاح الدين بالقاهرة ضمن مسار «آل البيت»

يوميات الشرق أعمال التطوير الجارية في ميدان السيدة عائشة (الشرق الأوسط)

ملامح تطوير محيط قلعة صلاح الدين بالقاهرة ضمن مسار «آل البيت»

يخضع محيط قلعة صلاح الدين وميدان السيدة عائشة بالعاصمة المصرية القاهرة لعملية تطوير وتغييرات كبيرة وجذرية منذ نحو عام.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)

«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

لحين عرضها للجمهور الليبي في 30 يوليو المقبل، قالت وزارة الثقافة بغرب البلاد إن هيئة الآثار تسلمت مومياء الفتاة «تخرخوري» بعد رحلة ترميم في إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تطوير المنطقة التراثية في قلب رشيد (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر لاستغلال مباني رشيد الأثرية سياحياً وترفيهياً

تسعى مصر لاستغلال مباني رشيد الأثرية في التنمية السياحية، ضمن خطة الدولة لمضاعفة معدلات حركة السياحة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)

خطط مصرية لدعم السياحة بمسار «رحلة العائلة المقدسة»

بالتزامن مع إحياء ذكرى مرور العائلة المقدسة إلى أرض مصر، استضاف المتحف القبطي بالقاهرة ندوة بعنوان «مبارك شعبي مصر» لتسليط الضوء على أحد المسارات الدينية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الإهمال والقمامة يغطيان مساحات من الحمام (صفحة محمد نصر على فيسبوك)

الإهمال يطمس «حمام الطنبولي» التاريخي... وآثاريون يدعون لإنقاذه

يتعرض «حمام الطنبولي» بمنطقة باب الشعرية بالقاهرة الفاطمية لحالة من الإهمال تكاد تطمس معالمه وتؤثر على وجوده.

حمدي عابدين (القاهرة )

مسار جديد لعلاج أمراض الكلى بدواء عمره 75 عاماً

أمراض الكلى يمكن أن تتسبب في مضاعفات خطيرة (مايو كلينك)
أمراض الكلى يمكن أن تتسبب في مضاعفات خطيرة (مايو كلينك)
TT

مسار جديد لعلاج أمراض الكلى بدواء عمره 75 عاماً

أمراض الكلى يمكن أن تتسبب في مضاعفات خطيرة (مايو كلينك)
أمراض الكلى يمكن أن تتسبب في مضاعفات خطيرة (مايو كلينك)

كشف باحثون من مجموعة «مايو كلينك» الطبية الأميركية، عن إمكانية الاستفادة من دواء قديم يعود تاريخه إلى أكثر من 7 عقود لفتح آفاق علاجية جديدة لأمراض الكلى، وعلى رأسها مرض الكلى متعددة الكيسات.

وأوضح الباحثون أن تأثير هذا الدواء قد يمتد أيضاً إلى أمراض أخرى مرتبطة بوظائف الكلى، بما في ذلك اضطرابات توازن السوائل وبعض أشكال أمراض الكلى المزمنة، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية (Journal of Clinical Investigation).

ويُعد مرض الكلى متعددة الكيسات من أكثر الأمراض الوراثية شيوعاً، إذ تتكوّن أكياس مملوءة بالسوائل داخل الكلى، مما يؤدي إلى تضخمها وتراجع كفاءتها الوظيفية تدريجياً مع مرور الوقت. وقد يتسبب المرض في مضاعفات خطيرة، مثل ارتفاع ضغط الدم والفشل الكلوي، كما يمكن أن تمتد الأكياس إلى أعضاء أخرى، من بينها الكبد والبنكرياس.

ويستند الاكتشاف الجديد إلى إعادة توظيف دواء «بروبينسيد» (Probenecid)، الذي حصل على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأميركية عام 1951. وقد استُخدم في الأصل لتعزيز فاعلية بعض المضادات الحيوية من خلال تقليل طرحها عبر البول، كما يُستخدم في علاج مرض النقرس.

وأظهرت الدراسة أن الباحثين اكتشفوا مساراً بيولوجياً جديداً داخل الكلى يسهم في تنظيم توازن الماء في الجسم بصورة مستقلة عن هرمون الفازوبريسين، الذي كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه العامل الرئيسي المسؤول عن التحكم في تركيز البول ومنع الجفاف.

جاء هذا الاكتشاف بصورة غير متوقعة خلال تجارب مخبرية أُجريت على خلايا الكلى، إذ لاحظ الباحثون أن دواء «بروبينسيد»، بدلاً من تحفيز نشاط المرض كما كان متوقعاً، أسهم في إبطاء نمو الأكياس الكلوية.

وكشفت النتائج عن أن الدواء يؤثر في كيفية تعامل خلايا الكلى مع مادة «اليورات»، التي تعمل داخل الخلايا بوصفها إشارة تنشيطية تساعد على نقل قنوات الماء إلى سطح الخلية، مما يعزز قدرة الكلى على إعادة امتصاص الماء دون الحاجة إلى الاعتماد على هرمون الفازوبريسين.

وفي تجارب أولية شملت مرضى مصابين بمرض الكلى متعددة الكيسات، أظهرت النتائج أن إضافة «بروبينسيد» إلى الخطة العلاجية أسهمت في خفض كمية البول بنحو 30 في المائة، كما قلّلت بصورة ملحوظة من عدد مرات التبول الليلي، وهو ما انعكس إيجاباً على جودة حياة المرضى.

ووفق الباحثين، يكتسب هذا التطور أهمية خاصة في ظل محدودية الخيارات العلاجية الحالية؛ فالعلاج المعتمد حالياً، وهو دواء «تولفابتان»، يُظهر فاعلية في إبطاء نمو الأكياس الكلوية، لكنه يتسبب في زيادة كبيرة في إدرار البول قد تصل إلى عدة لترات يومياً، مما يدفع بعض المرضى إلى التوقف عن استخدامه بسبب صعوبة تحمل آثاره الجانبية.

وأشار الفريق إلى أن الهدف المستقبلي لا يتمثل في اعتماد «بروبينسيد» علاجاً دائماً لهذا المرض، بل في الاستفادة من هذا الاكتشاف لتطوير أدوية أكثر دقة تستهدف المسار البيولوجي المكتشف حديثاً، مع تقليل الآثار الجانبية وتحسين النتائج العلاجية.


خياط في خان يونس يُحوّل الأنقاض إلى فساتين للفرح

من ذاكرة البيوت المهدّمة تُصنع الأحلام (أ.ف.ب)
من ذاكرة البيوت المهدّمة تُصنع الأحلام (أ.ف.ب)
TT

خياط في خان يونس يُحوّل الأنقاض إلى فساتين للفرح

من ذاكرة البيوت المهدّمة تُصنع الأحلام (أ.ف.ب)
من ذاكرة البيوت المهدّمة تُصنع الأحلام (أ.ف.ب)

في محلّ للخياطة في خان يونس بقطاع غزة، تدور طفلة بفستان أبيض مُعدّ لمناسبة خاصة حول نفسها، فتنتفخ طبقات الفستان الرقيقة المصنوعة من التول من حولها.

يصعب التخمين أنّ الفستان الأنيق حيك من أقمشة وفساتين قديمة انتُشلت من تحت أنقاض مئات آلاف المنازل المدمَّرة بسبب الحرب في قطاع غزة.

ألوان تتحدَّى الرماد (أ.ف.ب)

وذاع صيت الخياط أمير الرنتيسي (24 عاماً) في خان يونس جنوب القطاع، منذ أن بدأ صنع فساتين أنيقة للمناسبات الخاصة للفتيات والنساء من خلال إعادة تدوير الأقمشة المستعملة والفساتين القديمة.

ويروي الشاب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أذهب إلى مدينة غزة للحصول على الأقمشة، آخذها من أماكن مدمَّرة، وأحياناً تكون ممزّقة بالشظايا أو احترقت أجزاء منها».

من بين الأنقاض... تولد الألوان (أ.ف.ب)

ويتابع: «أُعيد تدوير الفساتين القديمة، وأحصل على قطع قماش من كلّ شيء نجده، ثم نصنع منها فساتين».

خارج المحل، يعرض الرنتيسي تصاميمه الملوَّنة المصنوعة من أقمشة الحرير والساتان والتول على دمى عرض مصنوعة من قضبان حديدية، بينما يعرض على الجهة المقابلة مجموعة من الفساتين الطويلة الأنيقة على كتل أسمنتية.

وتمنح الألوان الزاهية للفساتين شيئاً من الأمل وسط مشهد الدمار الهائل في المدينة التي تتكدَّس فيها أكوام الركام. ويُقدّر وزن الركام في القطاع بأكثر من 61.5 مليون طن، أي ما يعادل وزن برج إيفل في باريس 6 آلاف مرة.

خيوط ترفض الاستسلام (أ.ف.ب)

وتجذب فساتين لفتيات صغيرات تتدلَّى على حبل غسيل أمام المحل الزبائن. وتعاين زبونة ترتدي عباءة سوداء فستاناً صغيراً قبل أن تدخل المحل الذي يعجّ بالحركة.

فرح رغم المعاناة

على طاولة بجوار جدار منهار، تتراكم فساتين قديمة في انتظار أن تُمنح حياة جديدة على هيئة ملابس احتفالية، في حين تُساعد نسرين، وهي والدة الرنتيسي، ابنها في فرز الأقمشة الملوّنة واختيار المواد المناسبة للتصميم المقبل.

وفي زاوية أخرى، يأخذ مساعد خياط مقاسات طفلة صغيرة قبل أن ينهمك في قَصّ القماش بدقة لتحويله إلى فستان جديد.

خياط فلسطيني في مشغله (أ.ف.ب)

وتشرح نسرين الرنتيسي التحدّيات التي يواجهونها للاستمرار في العمل: «نعاني كثيراً من انقطاع الكهرباء. أحياناً تكون لدينا طلبات أو أعمال لا نستطيع إكمالها».

وابتكر أمير الرنتيسي طريقة للتغلُّب على هذه المشكلة عبر ربط ماكينة الخياطة بدواسة دراجة هوائية قديمة لتوليد الطاقة؛ حلاً بديلاً يتيح له مواصلة العمل خلال انقطاع التيار الكهربائي المتكرّر في القطاع.

وتقول والدته: «الأمر صعب، نُجري الخياطة يدوياً في كثير من الأحيان، كما أنّ أسعار المستلزمات ارتفعت بشكل كبير».

ويوضح الرنتيسي: «بكرة الخيط الأسود هذه لم تعد متوفّرة، وحتى إن وُجدت، فقد كان سعرها سابقاً 7 شواكل، أما الآن فأصبحت بـ50 شيقلاً».

ويريد الرنتيسي أن يُقدّم نموذجاً على قدرة سكان القطاع على التكيّف والابتكار وصناعة لحظات من الفرح والاحتفال رغم قسوة الحرب.


لغز جيولوجي عمره ملايين السنوات يُحلّ في آيرلندا الشمالية

من تشقّقات الأرض وُلد هذا المشهد المهيب (شاترستوك)
من تشقّقات الأرض وُلد هذا المشهد المهيب (شاترستوك)
TT

لغز جيولوجي عمره ملايين السنوات يُحلّ في آيرلندا الشمالية

من تشقّقات الأرض وُلد هذا المشهد المهيب (شاترستوك)
من تشقّقات الأرض وُلد هذا المشهد المهيب (شاترستوك)

توصَّل علماء إلى اكتشاف يُغيّر مفاهيمنا عن «ممر العمالقة». وغيَّرت البحوث التي أجروها، بشكل كبير، فهمنا لتوقيت وقوع أحداث بركانية معينة في آيرلندا الشمالية.

وقد أُعيد النظر بشكل جذري في التسلسل الزمني الجيولوجي لـ«ممر العمالقة» الشهير في آيرلندا الشمالية، وذلك في أعقاب بحث علمي جديد.

وتشير النتائج الجديدة إلى أنّ النشاط البركاني المسؤول عن تكوين الأعمدة البازلتية المميزة، والبالغ عددها 40 ألف عمود، قد وقع خلال مرحلة زمنية مكثَّفة وموجزة إلى حد كبير.

وذكرت «الإندبندنت» أنّ العلماء باتوا يعتقدون الآن أنّ الأحداث البركانية في المنطقة، بما فيها تلك التي شكَّلت «ممر العمالقة»، قد وقعت خلال 5.5 مليون سنة فقط، وهو ما يقلّ بنحو 8 ملايين سنة كاملة عن التقديرات السابقة.

وقال عالم التسلسل الزمني الجيولوجي في هيئة المسح الجيولوجي البريطانية، الدكتور سايمون تابستر: «ما قمنا به من خلال تجميع هذه اللوحة الفسيفسائية من الصخور البركانية في جميع أنحاء شمال المحيط الأطلسي، مع التركيز على آيرلندا الشمالية، مكّننا من إعادة تقييم حدث بركاني رئيسي كان له تأثير عالمي».

وأضاف: «من خلال ذلك، وإعادة تقييم الأطر الزمنية، أثبتنا أن هذا الحدث قد جرى في الواقع خلال مرحلة زمنية أقصر بكثير».

وقد تشكّلت المناظر الطبيعية المميزة لـ«ممر العمالقة» في أثناء نشاط بركاني مكثَّف دفع بالصخور المنصهرة إلى الأعلى عبر شقوق في القشرة الأرضية.

وبردت تدفّقات الحمم البركانية الكثيفة بعد ذلك، ثم انكمشت وتصدَّعت، مما أسفر عن تشكُّل نحو 40 ألف عمود بازلتي.

وأفاد الدكتور تابستر بأنّ هذا البحث الرائد، الذي أجرته هيئة المسح الجيولوجي لآيرلندا الشمالية بالتعاون مع هيئة المسح الجيولوجي البريطانية، قد أعاد بناء تسلسل زمني جديد للنشاط البركاني في جميع أنحاء آيرلندا الشمالية.

وقد أتاح ذلك للباحثين وضع النشاط البركاني الذي أدى إلى تكوين «ممر العمالقة» ضمن سياق عالمي أكثر دقة للمرة الأولى على الإطلاق.

كما أسهمت البحوث بشكل كبير في تحديث الفهم السائد بشأن توقيت وقوع أحداث بركانية معينة في آيرلندا الشمالية.

ونتيجة لذلك، بات بمقدور العلماء ربط تلك الأحداث بثقة أكبر بالأنشطة والمعالم الجيولوجية البارزة في أماكن أخرى، بما في ذلك اسكوتلندا.

كما يربط البحث العمليات التي أدت إلى تطوّر «ممر العمالقة» بحدث بركاني ذي أهمية عالمية، تظهر آثاره في الصخور الواقعة في أماكن بعيدة مثل غرينلاند قبل نحو 60 مليون سنة.

وكان يُعتقد في السابق أنّ التدفّقات الأولى للحمم البركانية في هضبة «أنترم» بآيرلندا الشمالية قد حدثت قبل ملايين السنوات من تشكّل بازلت «ستافا» وكهف «فينغال»، غير أنه يمكن الآن ربطها بصورة أكثر حسماً بوصفها جزءاً من النشاط البركاني نفسه.

وأفاد الباحثون بأن الأمر ينطبق كذلك على «ممر العمالقة» وعلاقته بالتكوينات الجيولوجية في جزيرة «روم»، وجبال «مورن»، والنشاط البركاني في جزيرة «سكاي».

وقال الدكتور تابستر: «من خلال النظر في الأطر الزمنية والخط الزمني عالي الدقة، صرنا قادرين على مطابقة هذا الحدث مع مواقع أخرى مختلفة، لا سيما في جزر (هبريدس) الداخلية في اسكوتلندا، والصخور البركانية في مول، وروم، وجزيرة سكاي، وبنظرة أشمل، مع غرينلاند وجزر فارو».

يأتي هذا البحث جزءاً من مبادرة أوسع نطاقاً تنفذها هيئة المسح الجيولوجي البريطانية لتحسين فهم جيولوجيا المملكة المتحدة، وذلك من خلال تحديد الزمن الجيولوجي في الصخور المحيطة بنا بصورة أكثر دقة.