شراكة استراتيجية بملامح المستقبل... دلالات نتائج زيارة ولي العهد إلى واشنطن

الرياض وواشنطن تدشنان مرحلة النمو الكبرى بصفقات استثمارية قيمتها 575 مليار دولار

صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)
صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)
TT

شراكة استراتيجية بملامح المستقبل... دلالات نتائج زيارة ولي العهد إلى واشنطن

صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)
صورة جماعية لرؤساء كبرى الشركات الأميركية مع ولي العهد والرئيس الأميركي ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (أ.ف.ب)

على مدى 48 ساعة مكثفة، كانت العاصمة الأميركية واشنطن مسرحاً لإطلاق مرحلة جديدة من التحالف الاستراتيجي بين السعودية والولايات المتحدة الذي سوف يربط مصالح البلدين لعقود مقبلة، وذلك تزامناً مع زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، واستكمالاً للأسس التي تم وضعها خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرياض في شهر مايو (أيار) الماضي.

 

اللقاءات هناك لم تكن مجرد استعراض للعلاقات القائمة، بل كانت منصة لإطلاق وثيقة للشراكة الاقتصادية الاستراتيجية التي تم إرساء دعائمها خلال زيارة ترمب للرياض، دافعةً إياها إلى مستويات غير مسبوقة من التكامل التقني والمالي. وقد أبدى ولي العهد ثقته بأن تشهد هذه الشراكة مع الولايات المتحدة نمواً غير مسبوق خلال السنوات المقبلة، داعياً إلى اغتنام الفرص الجذابة التي توفرها هذه الشراكة القائمة على النمو والتنويع الاقتصادي والابتكار.

 

 

وقال ولي العهد إن توقيع اتفاقيات ومشاريع استثمارية تشمل قطاعات مثل الدفاع والطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والتمويل، ستسهم في توفير فرص عمل هائلة في البلدين.

أطول الشراكات الاقتصادية

لقد بلغ إجمالي الاستثمارات والاتفاقيات بين الشركات الأميركية والسعودية 575 مليار دولار، وفق ما أعلن وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح؛ ما يعزز الشراكة التي «تعدّ من أطول الشراكات الاقتصادية وأكثرها ديناميكية في العالم». وشمل ذلك 307 مليارات دولار تم الإعلان عنها خلال زيارة ترمب للرياض في مايو، إضافة إلى التزامات ثنائية لاحقة، وصفقات جديدة بقيمة 267 مليار دولار، تم الكشف عنها في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي 2025.

ولم يقتصر الأمر على توقيع حزمة اتفاقيات ضخمة تجاوزت قيمتها الإجمالية 575 مليار دولار، بل ارتكزت الدلالة الأقوى على تعهد ولي العهد رفع خطط الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى تريليون دولار.

هذا التعهد المالي، الذي وصفه الرئيس دونالد ترمب بأنه يعكس قوة التحالف الاستراتيجي، يرسخ العلاقة كشراكة متكافئة بين أكبر اقتصاد عالمي، وأكبر اقتصاد عربي، ويعكس تحولها الاستراتيجي إلى صفقات واستثمارات في قطاعات المستقبل.

ولي العهد يتحدث مع ترمب خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي في واشنطن (أ.ب)

محاور الزيارة

ثلاثة محاور رئيسية كانت حصيلة الزيارة التاريخية:

الأول: الذكاء الاصطناعي

يمثل توقيع وثيقة الشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي بين السعودية والولايات المتحدة إعلاناً عن تحول محوري في طبيعة العلاقات الثنائية. لم تعد هذه الشراكة مجرد تعاون تجاري، بل هي تأسيس لمرحلة جديدة من الأمن الاقتصادي الشامل وطويل الأمد.

كما أكد البيان المشترك الصادر عن وزيرَي خارجية البلدين، على أن هذا التفاهم يعكس التزاماً راسخاً بتعزيز الابتكار والتقدم التقني، موظفاً التقنيات المتقدمة والمستقبلية لتعميق الالتزامات الأمنية المشتركة.

هذا يضع الذكاء الاصطناعي في صميم المظلة الأمنية، حيث يصبح استقرار سلاسل إمداد البيانات والرقائق في المملكة جزءاً لا يتجزأ من المصلحة الأميركية الاستراتيجية. وأكد البيت الأبيض في بيان أن ما تم التوصل إليه في هذا المجال يهدف إلى منح المملكة وصولاً إلى «الأنظمة الأميركية الرائدة عالمياً» مع «حماية التكنولوجيا الأميركية من النفوذ الأجنبي».

إيلون ماسك يتحدث مع الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي بواشنطن (أ.ب)

كما أن هذه الوثيقة تهدف إلى ترسيخ مكانة المملكة كقوة حوسبة عالمية بالاستفادة من التكنولوجيا الأميركية الرائدة:

- التمكين التقني: تدعم الشراكة في الذكاء الاصطناعي وصول المملكة إلى الأنظمة الأميركية المتقدمة، وهو ما ترجمته موافقة وزارة التجارة الأميركية على تصدير رقائق «إنفيديا بلاكويل» المتقدمة؛ ما يحل أكبر قيد على نمو هذا القطاع.

- بناء البنية التحتية: تعزز الشراكة خطط إنشاء مراكز الحوسبة الفائقة العملاقة في المملكة، حيث أعلن عمالقة مثل إيلون ماسك و«إنفيديا» عن مشاريع ضخمة وإنشاء مراكز حوسبة عملاقة (500 ميغاواط وأكثر)، مؤكدين أن السعودية تمتلك المزايا التنافسية (الطاقة والموقع) لتصبح مركزاً عالمياً للحوسبة السحابية وخدمات الذكاء الاصطناعي بفضل وفرة الأراضي ومصادر الطاقة والموقع الجغرافي الاستراتيجي.

- السيادة الرقمية: تضمنت الترتيبات المتعلقة بالشراكة في الأسواق المالية، مذكرة تفاهم في مجال التعليم والتدريب؛ ما يعكس حرص المملكة على توطين المعرفة والقدرات البشرية اللازمة لضمان «السيادة الحسابية» وقيادة تطبيقات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً.

- «هيوماين» في قلب الحدث: تجسد التحول بشكل ملموس في الدور المحوري لشركة «هيوماين» السعودية للذكاء الاصطناعي والتابعة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي كانت في قلب الكثير من الإعلانات المشتركة. فإلى جانب إعلان غيلوم ماسك عن المشروع المشترك بين شركته «إكس إيه آي» و«إنفيديا» و«هيوماين» لتطوير مركز بيانات بقدرة 500 ميغاواط في المملكة، أشاد الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا»، جنسن هوانغ، بتوسع «هيوماين» الـ«هائل» في الأشهر الستة التي تلت تأسيسها، مؤكداً عمله مع السعودية لتدريب الروبوتات المتقدمة وبناء أجهزة الكمبيوتر العملاقة.

ولم يقتصر الأمر على «إنفيديا»، بل تتعاون «هيوماين» أيضاً مع شركتي الرقائق الأميركيتين «إيه أم دي» و«سيسكو» لتطوير مراكز بيانات في الشرق الأوسط، تبدأ بمنشأة بقدرة 100 ميغاواط في المملكة لتلبية احتياجات شركة «أوما إيه آي» (مُصنّع الفيديو التوليدي ومقرها كاليفورنيا). وقادت «هيوماين» جولة تمويلية بقيمة 900 مليون دولار لشركة «لوما إيه آي»؛ ما يعزز جهود المملكة لبناء ما يوصف بـ«هوليوود الذكاء الاصطناعي».

وكشفت «هيوماين» عن تعاونها مع «أدوبي» و«كوالكوم» لإنتاج ذكاء اصطناعي باللغة العربية، كما أعلنت عن شراكة مع شركة «غلوبا إيه آي» الأميركية لبناء حرم جامعي لمركز بيانات في الولايات المتحدة نفسها، مؤكدة بذلك طموحها في التوسع الدولي المتبادل.

من جهتها، أعلنت شركة «أمازون ويب سيرفيسز» و«هيوماين» توسيع شراكتهما الاستراتيجية لنشر ما يصل إلى 150 ألف مسرّع للذكاء الاصطناعي داخل منشأة متقدمة في الرياض تُعرف باسم «منطقة الذكاء الاصطناعي».

وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح خلال افتتاح منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي في واشنطن (واس)

الثاني: الطاقة والمعادن

لم تقتصر الأهمية الاستراتيجية لزيارة واشنطن على قطاع الذكاء الاصطناعي فحسب، بل حققت اختراقات نوعية في قطاعي الطاقة والمعادن، حيث هدفت الاتفاقيات الموقعة إلى تحصين سلاسل الإمداد الحيوية وتأمين مصادر الطاقة للمستقبل:

- التعاون النووي المدني: شكَّل إعلان اكتمال المفاوضات بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية (اتفاقية 123) أهم إنجاز في هذا المحور. هذا الاتفاق يضع الأساس القانوني لـ«شراكة نووية بمليارات الدولارات تمتد لعقود»، وفق البيت الأبيض، ويحقق للمملكة هدفاً استراتيجياً في تنويع مصادر الطاقة النظيفة. وأكد بيان البيت الأبيض أن الاتفاق يضمن أن الشركات الأميركية ستكون «الشريك المفضل» للمملكة في هذا المجال.

- المعادن الحرجة: تم التوقيع على «الإطار الاستراتيجي للتعاون في تأمين سلاسل إمدادات اليورانيوم والمعادن والمغانط الدائمة والمعادن الحرجة. هذا الاتفاق يرسخ الشراكة في مجال الأمن الاقتصادي، حيث يربط المصالح الأميركية مباشرة بالموارد السعودية الجيولوجية، ويهدف إلى تحصين سلاسل الإمداد العالمية لهذه المواد الأساسية عبر مشاريع مثل إنشاء مصفاة للمعادن النادرة بالتعاون مع MP Materials الأميركية ووزارة الدفاع الأميركية و«معادن» السعودية.

وذكر البيت الأبيض صراحة أن توقيع إطار عمل المعادن الحرجة يهدف إلى «تعميق التعاون ومواءمة استراتيجياتنا لتنويع سلاسل إمداد المعادن الحرجة». كما أشار إلى أن الاتفاق «يبني على صفقات مماثلة أمّنها الرئيس ترمب مع شركاء تجاريين آخرين لضمان مرونة سلسلة الإمداد الأميركية للمعادن الأساسية».

- استثمارات «أرامكو»: أعلنت «أرامكو» عن 17 اتفاقية جديدة بقيمة 30 مليار دولار، لتصل قيمة التعاون الإجمالية مع الشركات الأميركية إلى 120 مليار دولار، مع التوسع نحو الغاز الطبيعي المسال والخدمات المتقدمة.

 

الثالث: الاستثمار والأسواق المالية

كان الشق الاقتصادي والمالي حاسماً في تأكيد عمق الشراكة، مدعوماً بتعهد ولي العهد برفع الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى ما يقارب تريليون دولار:

- تسهيل الاستثمارات: تم التوقيع على «إطار العمل الاستراتيجي بشأن تسهيل الإجراءات لتسريع الاستثمارات السعودية» و«ترتيبات الشراكة المالية والاقتصادية». هذه الترتيبات تضمن أن التزامات الاستثمار تتدفق بسلاسة إلى قطاعات النمو الأميركية، بما في ذلك البنية التحتية والتقنية؛ ما يخلق وظائف ذات أجر مرتفع ويدعم الازدهار الأميركي المتبادل.

وقد وقَّعت وزارة الخزانة الأميركية ووزارة المالية السعودية اتفاقيات لتعزيز التعاون بشأن الأسواق المالية ومعاييرها ولوائحها التنظيمية، وهي الخطوة تهدف إلى دمج وتسهيل تدفق رأس المال؛ ما يعزز قوة النظام المالي العالمي. كما اتفق الجانبان على تكثيف الجهود بشأن القضايا التجارية، بما في ذلك خفض الحواجز التجارية والاعتراف بالمعايير الفيدرالية الأميركية لسلامة المركبات؛ ما يمثل فوزاً مباشراً للمصنعين والمصدرين الأميركيين ويدعم جهود المملكة في تحديث قطاعاتها في آن.

- تكامل الأسواق المالية والتجارة: شملت النتائج توقيع «الترتيبات المتعلقة بالتعاون في قطاع الأسواق المالية» لتعزيز الحوكمة والمعايير التنظيمية.

يقول الدكتور عبد الله الجسار، عضو جمعية الاقتصاد السعودية عضو جمعية اقتصاديات الطاقة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن الاتفاقيات التي رافقت زيارة ولي العهد لواشنطن تمثل انتقالاً جديداً في شكل العلاقة الاقتصادية بين البلدين، خصوصاً في مجالات الطاقة والاستثمار والتقنيات المتقدمة. وأوضح أن هذه الاتفاقيات تفتح الباب أمام استثمارات نوعية ورفع مهارات الكوادر الوطنية في تخصصات متقدمة؛ ما يعزز التنويع الاقتصادي ويرسخ موقع المملكة في أسواق الطاقة العالمية. وقال: «نحن أمام شراكات طويلة الأثر تُسهم في بناء اقتصاد أكثر توازناً واستدامة».

في المحصلة، فإن الأجندة المكثفة للزيارة في واشنطن لم تكن مجرد جولة دبلوماسية ناجحة، بل كانت تدشيناً رسمياً لشراكة الرهانات الكبرى في العصر الجديد. لقد وضعت هذه الاتفاقيات، المملكة والولايات المتحدة على مسار التكامل الاستراتيجي العميق.


مقالات ذات صلة

الشركات الناشئة العربية تجذب المستثمرين رغم ضجيج الحرب

خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

الشركات الناشئة العربية تجذب المستثمرين رغم ضجيج الحرب

رغم التوترات الإقليمية المستمرة، تثبت منظومة الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرونة استثنائية وقدرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والدولية.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)

رئيس كوريا الجنوبية يتعهد بإصلاحات سوق الأسهم وتعزيز ثقة المستثمرين

تعهد الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، يوم الأربعاء، بإجراء إصلاحات جديدة لمعالجة مشكلة الانخفاض المزمن في قيمة الأسهم المحلية.

«الشرق الأوسط» (سيول )
خاص سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)

خاص «مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

تواصل مدينة الرياض تطوير منظومة مواقف السيارات ضمن توجهات رفع كفاءة البنية التحتية الحضرية، وتحسين تجربة التنقل، في خطوة تهدف إلى تنظيم المواقف، وتقليل الازدحام

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)

السعودية تتقدم من المركز 104 إلى العاشر عالمياً في الاستثمار التعديني

واصلت السعودية صعودها في مؤشرات الاستثمار التعديني العالمية للعام الثاني على التوالي، لتصل إلى المركز العاشر عالمياً في مؤشر جاذبية الاستثمار التعديني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية «أبولو سبورتس كابيتال» ستصبح المساهم الأكبر في النادي (أتلتيكو مدريد)

«أبولو» تكمل الاستحواذ على حصة أغلبية في أتلتيكو مدريد

أعلن أتلتيكو مدريد، الخميس، أن شركة «أبولو سبورتس كابيتال»، ذراع الاستثمار الرياضي التابعة لصندوق أبولو الأميركي، أتمت عملية الاستحواذ على حصة أغلبية في النادي.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

«قطر للطاقة»: هجمات إيران تُعطل 17 % من قدرة تصدير الغاز لـ5 سنوات

الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة» سعد الكعبي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة» سعد الكعبي (أرشيفية - رويترز)
TT

«قطر للطاقة»: هجمات إيران تُعطل 17 % من قدرة تصدير الغاز لـ5 سنوات

الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة» سعد الكعبي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة» سعد الكعبي (أرشيفية - رويترز)

أعلن الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي، أن الهجمات الإيرانية أدت إلى تعطيل 17 في المائة من طاقة قطر لتصدير الغاز الطبيعي المسال؛ مما تسبب في خسارة تُقدر بنحو 20 مليار دولار من الإيرادات السنوية، ويهدد الإمدادات إلى أوروبا وآسيا.

يوم الخميس، صرّح سعد الكعبي لـ«رويترز» بأن اثنين من أصل 14 وحدة لتسييل الغاز الطبيعي في قطر، بالإضافة إلى إحدى منشأتي تحويل الغاز إلى سوائل، قد تضررت جراء هذه الهجمات غير المسبوقة. وأوضح، في مقابلة صحافية، أن أعمال الإصلاح ستؤدي إلى توقف إنتاج 12.8 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

وقال الكعبي، الذي يشغل أيضاً منصب وزير الدولة لشؤون الطاقة في قطر: «لم يخطر ببالي قط أن تتعرض قطر - قطر والمنطقة - لمثل هذا الهجوم، لا سيما من دولة شقيقة مسلمة في شهر رمضان المبارك، بهذه الطريقة».

وقبل ساعات، شنت إيران سلسلة هجمات على منشآت نفط وغاز في الخليج، رداً على الهجمات الإسرائيلية على بنيتها التحتية للغاز.

وأضاف الكعبي أن شركة «قطر للطاقة»، المملوكة للدولة، ستضطر إلى إعلان «حالة القوة القاهرة» في عقود طويلة الأجل تصل مدتها إلى 5 سنوات لتوريد الغاز الطبيعي المسال إلى إيطاليا وبلجيكا وكوريا الجنوبية والصين؛ وذلك بسبب تضرر وحدتي التسييل.

وقال: «أعني؛ هذه عقود طويلة الأجل، وعلينا إعلان (حالة القوة القاهرة). لقد أعلناها سابقاً، لكن لفترة أقصر. أما الآن، فالأمر يعتمد على المدة».

مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)

«إكسون موبيل» و«شل»

وكانت «قطر للطاقة» أعلنت «حالة القوة القاهرة» على كامل إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال، بعد هجمات سابقة على مركز إنتاجها في رأس لفان، الذي تعرض لقصف مجدداً يوم الأربعاء.

وقال الكعبي: «لاستئناف الإنتاج، نحتاج أولاً إلى وقف الأعمال العدائية».

تُعدّ شركة «إكسون موبيل» الأميركية العملاقة للنفط شريكاً في منشآت الغاز الطبيعي المسال المتضررة، بينما تُعدّ شركة «شل» شريكاً في منشأة تحويل الغاز إلى سوائل المتضررة، التي سيستغرق إصلاحها ما يصل إلى عام.

وأوضح الكعبي أن شركة «إكسون موبيل»، ومقرها تكساس، تمتلك حصة 34 في المائة في وحدة إنتاج الغاز الطبيعي المسال «إس4» وحصة 30 في المائة في وحدة «إس6».

توثر وحدة «إس4» على إمدادات شركة «إديسون» الإيطالية وشركة «إي دي إف تي (EDFT)» في بلجيكا، بينما تؤثر «إس6» على شركة «كوغاس» الكورية الجنوبية وشركة «إي دي إف تي (EDFT)» و«شل» في الصين.

وقال الكعبي إن حجم الأضرار الناجمة عن الهجمات قد أعاد المنطقة إلى الوراء من 10 سنوات إلى 20 عاماً. وأضاف: «وبالطبع، تُعد هذه المنطقة ملاذاً آمناً لكثيرين، حيث توفر لهم مكاناً آمناً للإقامة وما إلى ذلك. وأعتقد أن هذه الصورة قد اهتزت».

وتتجاوز التداعيات قطاع الغاز الطبيعي المسال بكثير؛ إذ ستنخفض صادرات قطر من المكثفات بنحو 24 في المائة، بينما سينخفض ​​إنتاج غاز البترول المسال بنسبة 13 في المائة، وسينخفض ​​إنتاج الهيليوم بنسبة 14 في المائة، وسينخفض ​​إنتاج النافثا والكبريت بنسبة 6 في المائة لكل منهما.

وتمتد آثار هذه الخسائر لتشمل استخدام غاز البترول المسال في المطاعم بالهند، وصولاً إلى شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية في كوريا الجنوبية التي تستخدم الهيليوم.

وقال الكعبي إن تكلفة بناء الوحدات المتضررة تبلغ نحو 26 مليار دولار. وأضاف: «إذا هاجمت إسرائيل إيران، فهذا شأنٌ بين إيران وإسرائيل، ولا علاقة لنا بالمنطقة».

وشدد على أن على جميع دول العالم؛ إسرائيل والولايات المتحدة وأي دولة أخرى، الابتعاد عن منشآت النفط والغاز.


لاغارد: «حرب الشرق الأوسط» ترفع مخاطر التضخم وتكبح النمو في 2026

كريستين لاغارد تتحدث خلال مؤتمر صحافي بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (إ.ب.أ)
كريستين لاغارد تتحدث خلال مؤتمر صحافي بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (إ.ب.أ)
TT

لاغارد: «حرب الشرق الأوسط» ترفع مخاطر التضخم وتكبح النمو في 2026

كريستين لاغارد تتحدث خلال مؤتمر صحافي بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (إ.ب.أ)
كريستين لاغارد تتحدث خلال مؤتمر صحافي بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (إ.ب.أ)

قالت رئيسة «المركزي الأوروبي»، كريستين لاغارد، عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك، يوم الخميس، إن مجلس الإدارة، اليوم، قرر الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير عند 2 في المائة. وأضافت: «نحن عازمون على ضمان استقرار التضخم عند هدفنا البالغ 2 في المائة، على المدى المتوسط. لقد جعلت الحرب في الشرق الأوسط التوقعات أكثر غموضاً بشكل كبير، مما خلق مخاطر صعودية للتضخم، ومخاطر هبوطية للنمو الاقتصادي. وسيكون للحرب تأثير ملموس على التضخم، على المدى القريب، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة، بينما ستعتمد آثارها، على المدى المتوسط، على شدة النزاع ومُدته، وعلى كيفية تأثير أسعار الطاقة على أسعار المستهلكين والاقتصاد».

وتابعت: «نحن في وضع جيد يمكّننا من التعامل مع حالة عدم اليقين هذه، فقد استقر التضخم عند مستوى هدفنا البالغ 2 في المائة تقريباً، وتُعد توقعات التضخم، على المدى الطويل، راسخة، وأظهر الاقتصاد مرونة، خلال الأرباع الأخيرة. ستساعدنا المعلومات الواردة، في الفترة المقبلة، على تقييم تأثير الحرب على توقعات التضخم والمخاطر المرتبطة بها. نحن نراقب الوضع من كثب، ونهجنا القائم على البيانات سيساعدنا على تحديد السياسة النقدية المناسبة وفق الحاجة».

وتتضمن توقعات موظفي «المركزي الأوروبي» الجديدة بيانات حتى 11 مارس (آذار) الحالي، متأخرة عن المعتاد. وفي السيناريو الأساسي، يُتوقع أن يبلغ متوسط التضخم العام 2.6 في المائة في 2026، و2 في المائة في 2027، و2.1 في المائة في 2028، بزيادة عن توقعات ديسمبر (كانون الأول) الماضي، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في الشرق الأوسط. أما التضخم باستثناء الطاقة والغذاء، فيتوقع أن يصل إلى 2.3 في المائة في 2026، و2.2 في المائة في 2027، و2.1 في المائة في 2028. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط النمو الاقتصادي 0.9 في المائة في 2026، و1.3 في المائة في 2027، و1.4 في المائة في 2028، مع استمرار انخفاض البطالة واستقرار الميزانيات القطاعية ودعم الإنفاق العام على الدفاع والبنية التحتية للنمو.

النمو والتضخم

نما الاقتصاد بنسبة 0.2 في المائة، خلال الربع الأخير من 2025؛ مدعوماً بالطلب المحلي، وزيادة إنفاق الأُسر مع ارتفاع الدخل وانخفاض البطالة عند مستويات تاريخية. كما ارتفع نشاط البناء وتجديد المساكن واستثمارات الشركات، خصوصاً في البحث والتطوير والبرمجيات. ويظل الاستهلاك الخاص المحرك الرئيسي للنمو، على المدى المتوسط، مع استمرار نمو الاستثمارات العامة والخاصة في التكنولوجيا والبنية التحتية.

وعَدَّت لاغارد أن ارتفاع أسعار الطاقة، الناتج عن الحرب، سيدفع التضخم فوق 2 في المائة، على المدى القريب. وإذا استمر هذا الارتفاع، فقد يؤدي إلى زيادة أوسع للتضخم، من خلال الآثار غير المباشرة والثانوية، وهو أمر يحتاج إلى مراقبة دقيقة.

تقييم المخاطر

تُمثل الحرب في الشرق الأوسط خطراً هبوطياً على اقتصاد منطقة اليورو، عبر رفع أسعار الطاقة وتقويض الثقة وخفض المداخيل، ما يقلل الاستثمار والإنفاق، كما قد تؤثر اضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد على الصادرات والاستهلاك. أما النمو فيمكن أن يكون أعلى إذا كانت التداعيات قصيرة الأمد، أو دعّمتها الإنفاقات الدفاعية والبنية التحتية والتكنولوجيا الجديدة. كما أن التضخم معرَّض للصعود على المدى القريب نتيجة أسعار الطاقة، بينما قد يكون أقل إذا كانت الحرب قصيرة الأمد أو التأثيرات الثانوية محدودة.

«المركزي الأوروبي» يُبقي الخيارات مفتوحة

أبقى البنك المركزي لمنطقة اليورو خياراته مفتوحة، قائلاً إنه يراقب الحرب وتأثيرها على التضخم، سواءً مع احتساب أسعار الطاقة أم دونها، وعلى النمو.

وتتوقع الأسواق المالية، الآن، أن يرتفع التضخم في منطقة اليورو إلى ما يقارب 4 في المائة خلال العام المقبل، ثم يستغرق سنوات للعودة إلى هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة.

ويتوقع المتداولون رفع أسعار الفائدة مرتين أو ثلاث مرات، بحلول ديسمبر المقبل، على الرغم من أن معظم الاقتصاديين لا يزالون لا يرون أي تغيير، ويراهنون على أن البنك المركزي الأوروبي لن يتسامح مع ارتفاع آخر في التضخم مدفوع بالحرب بعد أن عانى تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات.


«إنرجيان» تعلّق توقعات إنتاج الغاز من إسرائيل لعام 2026

سفينة حفر تابعة لشركة «إنرجيان» خلال التنقيب قبالة سواحل إسرائيل عام 2022 (رويترز)
سفينة حفر تابعة لشركة «إنرجيان» خلال التنقيب قبالة سواحل إسرائيل عام 2022 (رويترز)
TT

«إنرجيان» تعلّق توقعات إنتاج الغاز من إسرائيل لعام 2026

سفينة حفر تابعة لشركة «إنرجيان» خلال التنقيب قبالة سواحل إسرائيل عام 2022 (رويترز)
سفينة حفر تابعة لشركة «إنرجيان» خلال التنقيب قبالة سواحل إسرائيل عام 2022 (رويترز)

علقت شركة «إنرجيان»، التي تركز على إنتاج الغاز في شرق البحر المتوسط، الخميس، توقعاتها لإنتاجها في إسرائيل في عام 2026، مشيرة إلى الصراع الدائر في الشرق الأوسط الذي أجبرها على إيقاف تشغيل سفينة إنتاج تابعة لها التي تخدم حقولاً إسرائيلية عدة.

وأدت التوترات الإقليمية المتزايدة إلى إغلاق احترازي لمنشآت النفط والغاز الرئيسية في الشرق الأوسط، ومنها عمليات ‌الغاز الطبيعي المسال ‌في قطر والحقول البحرية في ‌إسرائيل ⁠ومواقع إنتاج في كردستان ⁠العراق.

وقالت «إنرجيان» إنها ستقيّم التأثير على توقعات إنتاجها لعام 2026 بمجرد أن تتضح مدة الإغلاق وتأثيره الكامل، مضيفة أنها بدأت عام 2026 بشكل قوي.

وأغلقت حقول الغاز الإسرائيلية التابعة لها وسفينة الإنتاج التي تخدمها مرتين ⁠خلال العام الماضي.

وتعزز الشركة، التي ‌تدير أصولاً في ‌قطاع الغاز الطبيعي والنفط في المملكة المتحدة وإسرائيل ‌واليونان ومناطق أخرى في البحر المتوسط، استثماراتها ‌وبدأت في استكشاف صفقات لزيادة الإنتاج وتوسيع عملياتها وسط الاضطرابات الجيوسياسية. وتراجع سهم الشركة 3.5 في المائة، لكنه عوض بعض خسائره؛ إذ ارتفع السهم 0.3 في المائة ‌بحلول الساعة 08:48 بتوقيت غرينتش. وأمرت وزارة الطاقة الإسرائيلية في فبراير (شباط) ⁠بإغلاق ⁠جزئي ومؤقت لحقول الغاز في البلاد، في ضوء تقييمات أمنية.

وقال الرئيس التنفيذي ماتيوس ريغاس في بيان: «نحن على اتصال وثيق ومستمر مع السلطات لضمان إمكانية استئناف العمليات بأمان بمجرد أن تسمح الظروف بذلك».

وبلغ متوسط إنتاج الشركة في إسرائيل 113 ألف برميل من المكافئ النفطي يومياً عام 2025، بزيادة واحد في المائة على أساس سنوي، بينما بلغ إجمالي الإنتاج 154 ألف برميل من المكافئ النفطي يومياً.