«ملتقى هارفارد»: طبّ الأسنان يدخل مرحلة ما بعد الذكاء الاصطناعي

وفود من السعودية والإمارات وقطر قدمت عروضاً حول مشروعات «التوأم الرقمي» و«العيادات الذكية»

العيادة المستقبلية تتنبأ... قبل أن تعالج
العيادة المستقبلية تتنبأ... قبل أن تعالج
TT

«ملتقى هارفارد»: طبّ الأسنان يدخل مرحلة ما بعد الذكاء الاصطناعي

العيادة المستقبلية تتنبأ... قبل أن تعالج
العيادة المستقبلية تتنبأ... قبل أن تعالج

في اليوم الثاني من «الملتقى العالمي للذكاء الاصطناعي في طب الأسنان»، الموافق ليوم أمس (السبت)، بدا أنّ القاعة في جامعة هارفارد لم تعد مجرد ساحة للعرض الأكاديمي، بل منصة تُكتب فيها ملامح الجيل المقبل من المهنة الطبية... فمن هارفارد، التي تحافظ على موقعها بوصفها بيتاً للفكر الطبي منذ 1636، انطلقت سلسلة محاضرات وجلساتٍ علمية حملت مضموناً واضحاً: طب الأسنان لم يعد تخصصاً يقوم على المهارة اليدوية وحدها، بل أصبح علماً هجيناً يربط بين البيانات، والخوارزميات، والذكاء التنبّئي، والإنسان.

البروفسور كريم لَخّاني عميد الذكاء الاصطناعي والبيانات في هارفارد يقدّم محاضرة محورية في المؤتمر الدولي

الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يسلب الإنسان التفكير النقدي

وفي واحدة من أكثر لحظات المؤتمر إثارةً للاهتمام، وقف البروفسور كريم لَخّاني - عميد معهد الذكاء الاصطناعي والبيانات في جامعة هارفارد - ليطلق تحذيراً لافتاً هزّ القاعة. فقد أكّد أن السباق نحو اعتمادٍ مطلق على دقّة الخوارزميات قد يدفع الإنسان، من حيث لا يشعر، إلى تسليم قراراته للآلة دون مراجعة أو تفكير نقدي.

وحذّر من أن هذا «الاطمئنان المفرط» قد يسمح لأخطاء برمجية عميقة بأن تمرّ كحقائق، فقط لأننا نفترض مسبقاً أن الذكاء الاصطناعي لا يخطئ... بينما الحقيقة أن خطأ واحداً غير مُكتشَف قد يغيّر نتائج منظومات كاملة.

«التوأم الرقمي»... حين يصبح للمريض مستقبلان

كانت واحدة من أكثر الجلسات إثارةً تلك التي تناولت مفهوم «التوأم الرقمي الفموي». فقد تحدّث الباحثون عن نموذج ثلاثي الأبعاد يتجاوز حدود التصوير التقليدي، ليحوّل فم المريض إلى نسخة رقمية تتعلم وتتحرك وتتفاعل.

لم يعد الهدف مجرد «رؤية» السن أو العظم، بل التنبؤ بما سيحدث قبل أن يحدث.

تستطيع هذه النسخة الافتراضية محاكاة أي علاج - سواء زرعة، أو تقويم، أو جراحة - ثم تقدِّم للطبيب سيناريوهات دقيقة للنجاح والمضاعفات والوقت المتوقع للشفاء.

في أحد الأمثلة التي عرضها باحثو هارفارد، أُجريت على «التوأم الرقمي» عملية جراحية معقدة استغرقت ساعة ونصف الساعة في الواقع، بينما تمكَّنت الخوارزمية من محاكاتها بدقة خلال 37 ثانية فقط.

ورغم أن القرار يبقى للطبيب، فإن القدرة على رؤية المستقبل قبل رفع الأدوات من الحقيبة تُعد نقلة غير مسبوقة في سلامة العلاج.

الذكاء العاطفي... عندما تفهم الخوارزمية الخوف

أفرز النقاش العلمي محوراً بدا خارج التوقعات التقليدية للطب: الذكاء العاطفي السريري.

قدَّم فريق البحث في معهد ماساتوشيس للتكنولوجيا MIT نموذجاً قادراً على تحليل التوتر عبر حركة العين، وتذبذب الصوت، وتقلبات التنفس، ليقيس مستوى القلق المتوقع بدقة تفوق الملاحظة البشرية.

كان السؤال الأكثر حضوراً بين الباحثين: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أكثر رحمةً من الطبيب؟

بالطبع، لا يستبدل الذكاء العاطفي دور الطبيب في بناء الثقة، لكنه يقدّم له «بوصلة خفية» ترصد ما قد يفوت حتى على أكثر الأطباء خبرة.

تخيّل، مثلاً، طبيباً يعرف أن مريضه يشعر بالخوف قبل أن يتكلم، أو يرى أن مستوى التوتر ارتفع في أثناء الحقن، فيهدّئ الإجراء أو يبطئه... هذا هو المعنى الجديد للطب الإنساني في زمن الذكاء.

الذكاء المُبادِر... خطوة قبل السؤال

تصدَّر مفهوم الذكاء المُبادِر (Proactive Intelligence) المحاوِر البحثية لهذا العام. إذ قدّمت هارفارد نظاماً يستطيع مراقبة البيانات السريرية لحظة بلحظة، لا ليستجيب فقط، بل ليتحرّك قبل صدور القرار.

وإذا لاحظ تغيّراً مجهرياً في الأشعة، أو ارتفاعاً غير مفسَّر في مؤشرات الالتهاب، فيقترح تعديلاً فورياً في الخطة العلاجية.

وهو ما يجعل العيادة تمتلك «وعياً رقمياً» يعمل في الخلفية دون توقّف.

أحد المتحدثين شبّه الأمر بطبيب ثانٍ يقف خلف كتف الطبيب الأصلي، لا ينام، ولا يتعب، ولا يغفل عن إشارة واحدة.

ذكاء الأسنان... لحظة عبور جديدة

الأسنان بوصفها مستشعرات... الفم يتحول إلى شاشة للجسد

اكتسبت جلسة المستشعرات الحيوية زخماً خاصاً. فقد استعرض الباحثون تقنيات دقيقة تُزرع فوق الأسنان، أو تُدمج داخل اللعاب؛ لقياس مستويات السكر، وتركيب المعادن، وأنماط الميكروبيوم، ومؤشرات التوتر.

الفم هنا لا يُستخدم لقياس المرض فحسب، بل لقياس الحياة.

وقال أحد العلماء: «ربما سيأتي اليوم الذي يصبح فيه فم الإنسان جهازاً طبياً يرسل إشعارات تنبيه قبل 48 ساعة من حدوث الالتهاب أو الألم».

السياسات الصحية... وولادة قواعد جديدة

لم تكن جلسات الملتقى علميةً فقط، بل طرحت أسئلة أخلاقية وتشريعية صعبة:

- مَن يملك بيانات «التوأم الرقمي» للمريض؟

- كيف يمكن ضبط الخوارزميات في الدول النامية؟

- ما مسؤولية الطبيب إذا كانت توصية الذكاء الاصطناعي خاطئة؟

- كيف نحمي الهوية الطبية العربية من الهيمنة التقنية الغربية؟

كانت هذه الأسئلة محور نقاش موسّع شارك فيه الحاضرون من الشرق الأوسط، خصوصاً من السعودية والإمارات وقطر، حيث تتقدَّم مبادرات الصحة الرقمية بشكل غير مسبوق.

الحضور العربي... من المتابعة إلى المشارَكة

لفت الحضور العربي في الملتقى الانتباه بشكل واضح، إذ لم يعد وجود الباحثين والمؤسسات من المنطقة يقتصر على متابعة ما ينتجه العالم، بل بات حضوراً فاعلاً يطرح أسئلة ويقدّم حلولاً. فقدّمت وفود من السعودية والإمارات وقطر عروضاً حول مشروعات «التوأم الرقمي»، و«العيادات الذكية»، و«أنظمة التشخيص اللحظي»، في إشارة إلى أن المنطقة لم تعد «مستقبِلة للتقنية»، بل «مُنتِجة» لها أيضاً.

وأكد المتحدثون أن الخليج، بما يمتلكه من بنية صحية رقمية متسارعة، ينتقل تدريجياً من مرحلة التطبيق إلى مرحلة التصميم وصياغة النماذج العلمية، وهو تحوّل يضعه في موقع الشريك الحقيقي في رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.

التوصيات... خريطة طريق للمستقبل

خرج الملتقى بتوصيات رئيسية عدة:

- دمج الذكاء التنبّئي في مناهج التعليم الطبي.

- تدريب الطلاب على تحليل البيانات، لا على حفظها فقط.

- اعتماد «التوأم الرقمي» خطوةً إلزاميةً في العمليات المعقدة بحلول 2030 لرفع نسبة النجاح وتقليل المضاعفات.

- تطوير أنظمة ذكاء عاطفي تقدّم للطبيب «مؤشرات نفسية» تساعده على التعامل مع القلق، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن.

- تقليل فجوة الوصول للذكاء الاصطناعي عالمياً عبر مبادرات مشتركة بين جامعة هارفارد ومراكز بحث عربية.

- صياغة أُطر تشريعية جديدة للرقابة على الخوارزميات تحفظ خصوصية المريض، وتضمن سلامة التوصيات السريرية.

خاتمة... بين الطب والإنسان

مع غروب اليوم الأخير، أدرك الحضور أن ما شهدوه لم يكن تطوّراً تقنياً فحسب، بل كان تحوّلاً فلسفياً في معنى الطب. فالطبيب ليس في طريقه إلى الاختفاء كما يتوهّم البعض، بل إلى العودة أقوى... لأن الآلة تزيل عنه الأعباء، وتترك له ما لا تستطيع هي القيام به: الرحمة، والحكمة، واللمسة الإنسانية.

وفي هذا السياق، يعود صوت ابن رشد ليمنحنا ذلك الاتزان الذي نحتاج إليه:

«العلم إنما يُثمر إذا قُرن بالإنسان».


مقالات ذات صلة

دراسة جديدة: استخدامك «واتساب» يكشف أكثر مما تعرف عن نفسك

تكنولوجيا تُظهر الدراسة أن تصور مستخدمي «واتساب» لسلوكهم في المراسلة غالباً لا يتطابق مع بيانات الاستخدام الفعلية (شاترستوك)

دراسة جديدة: استخدامك «واتساب» يكشف أكثر مما تعرف عن نفسك

الدراسة تكشف فجوة بين تصور مستخدمي «واتساب» لسلوكهم الرقمي وواقع بيانات الاستخدام، مؤكدةً أن الأنماط الفعلية أكثر دقة من الانطباعات الذاتية اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
أوروبا البابا لاوون الرابع عشر (إ.ب.أ)

البابا يحذر مجدداً من مخاطر خوارزميات الذكاء الاصطناعي

حذر البابا لاوون الرابع عشر، السبت، مجدداً من مخاطر الذكاء الاصطناعي، مسلطاً الضوء على «غياب الشفافية في تطوير الخوارزميات» التي تُشغّل برامج الدردشة الآلية.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
صحتك شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (إ.ب.أ)

7 طرق يوصي بها المعالجون للاستفادة من «تشات جي بي تي» نفسياً

سواء أحببنا «تشات جي بي تي» أم لم نحبه، فإنه –والذكاء الاصطناعي عموماً– أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ومن المرجح أن يظل كذلك في المستقبل المنظور.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص جانب من إحدى الفعاليات لـ«لينوفو» في السعودية (الرياض)

خاص «لينوفو»: السعودية قادرة على استيعاب صناعات عالية القيمة

تبرز استثمارات «لينوفو» الصينية كشراكة استراتيجية مع الاقتصاد السعودي، حيث اختارت الرياض مركزاً إقليمياً لأعمالها في الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا.

زينب علي (الرياض)
تكنولوجيا العلامة التجارية لشركة «ميتا» (أ.ف.ب)

«ميتا» توقف وصول المراهقين إلى شخصيات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم

قالت شركة «ميتا» إنها ستعلق وصول الفتيان في سن ​المراهقة إلى شخصيات الذكاء الاصطناعي الحالية عبر جميع تطبيقاتها في أنحاء العالم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين
TT

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

مع مطلع الألفية، كان عدد الجينات في جينوم الإنسان لا يزال محل نقاش. وعندما حصلنا أخيراً على أول تقدير رسمي، كان العدد أقل بكثير من التوقعات، مما أسهم في إطلاق حركة لإعادة النظر في عملية التطور.

في عام 2001، أعلن مشروع الجينوم البشري أن لدينا ما لا يزيد على 40 ألف جين مُشفِّر للبروتين -وهو رقم تم تعديله لاحقاً إلى نحو 20 ألفاً. كنا بحاجة إلى آليات أخرى لتفسير تعقيد بيولوجيتنا وتطورنا، كما كتب كولين باراس في مجلة «نيو ساينتست» العلمية البريطانية.

تألق علم التخلق

وهنا حان وقت تألق علم التخلق. وعلم التخلق هو مصطلح شامل يصف كيفية تفاعل مجموعة واسعة من الجزيئات مع الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA) للتأثير في نشاط الجينات دون تغيير الشفرة الوراثية الأساسية. وكذا يمكن لخليتين لهما جينومات متطابقة ولكن بعلامات خلقية مختلفة أن تبدوان وتتصرفان بشكل مختلف تماماً.

ويطلق على علمُ التَّخَلُّق (EPIGENETICS) أيضاً «علم ما فوق الجينات» أو علم التخلق المتعاقب، أو علم التخلق المتوالي.

يُتيح علم التخلق المتوالي هذا، إمكانية استخلاص مزيد من المعرفة من تعقيدات الجينوم، من خلال عوامل مثل العوامل البيئية. ويؤمن بعض علماء الأحياء بقدرته على فعل أكثر من ذلك، بل ربما التأثير في عملية التطور نفسها.

كيف تعرَّف العلماء على الظاهرة؟

في دراسة أُجريت عام 2019، عُرِّضت الخميرة لمادة كيميائية سامة، فقتلت هذه المادةُ الخميرة عندما تفاعلت مع بروتين يُنتجه أحد جينات الخميرة لكن خلايا الخميرة الأخرى التي تمتلك القدرة على إسكات هذا الجين، عبر مسار «فوق جيني»، نجت. وبعد عدة أجيال، طوّرت بعض خلايا الخميرة المزدهرة تلك طفرات جينية عززت وسائل إسكات الجين المُعرَّض للخطر. لقد تطورت الخميرة، وتغيرت شفرتها الوراثية، لكن هذه التغيرات الجينية بدأت بتعديلات «فوق جينية»، أي متخلّقة.

آراء متباينة حول دور التخلّق في اللبائن

وهكذا أصبح علم التخلق المتوالي حجر الزاوية في مسعى توسيع نظرية التطور. ولكن على الرغم من وجود أدلة على قدرة علم التخلق المتوالي على التأثير في تطور النباتات والكائنات الدقيقة، فإنه لا يوجد إجماع على أن هذا ينطبق على نطاق أوسع من الكائنات الحية.

يقول أدريان بيرد، الباحث في علم الوراثة بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة: «أنا متشكك». وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، جادل بيرد بأنه لا توجد طريقة واضحة لتأثير العوامل البيئية، كالجفاف والمجاعة، على جينوم اللبائن (الثدييات). علاوة على ذلك، يمكن أن تنتقل المؤشرات فوق الجينية من الآباء إلى الأبناء، ولكن الكثير منها يُزال في المراحل المبكرة من نمو جنين الثدييات.

في المقابل، يتجاهل آخرون هذه المخاوف. يقول كيفن لالا، عالم الأحياء التطورية بجامعة «سانت أندروز» في المملكة المتحدة: «الوراثة فوق الجينية شائعة في كل من النباتات والحيوانات». وفي كتاب نُشر العام الماضي، قدَّم لالا وزملاؤه قائمة طويلة من الدراسات التي تشير إلى أن علم فوق الجينات يؤثر في التطور عبر شجرة الحياة.

انطلاقة الوراثة «فوق الجينية»

لماذا تتباين الآراء بشدة؟ ربما يتعلق الأمر بالتوقيت. يقول لالا: «إن الوراثة فوق الجينية مجال سريع التطور للغاية». فعلى الرغم من أنها كانت محط اهتمام الباحثين في علم الأحياء لمدة 80 عاماً، فإن علم الوراثة فوق الجينية لم يصبح محوراً رئيسياً لأبحاث التطور إلا في السنوات الـ25 الماضية -والأفكار الكبيرة تحتاج إلى وقت لتقييمها.


الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات
TT

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

تتجه الأدلة العلمية بشكل متزايد إلى حقيقة صادمة هي أن إساءة معاملة الأطفال لا تُلحق الأذى بالنفس فقط، بل تترك آثاراً بيولوجية دائمة على الجينات وبنية الدماغ، ما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية على امتداد العمر.

الصدمات المبكرة تُنقش بيولوجياً

وقد كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلات نفسية مرموقة عن أقوى الأدلة الجينية واللاجينية حتى الآن على أن الصدمات المبكرة في الحياة تصبح منقوشة بيولوجياً في الجسم، وتؤثر في تطور الدماغ وتنظيم الجينات والصحة النفسية طويلة الأمد.

وتمثل هذه النتائج مجتمعةً نقطة تحوّل في فهم العلم لمشكلة إساءة معاملة الأطفال إذ لم تُعد مسألة اجتماعية أو نفسية فحسب، بل عامل خطر بيولوجي له تبعات جينية قابلة للقياس.

دليل جيني على خطر يمتد مدى الحياة

في دراسة رائدة نُشرت في المجلة البريطانية للطب النفسي «The British Journal of Psychiatry» في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قام باحثون برئاسة برايان هون ين تشونغ من قسم طب الأطفال والمراهقين بكلية الطب السريري في جامعة هونغ كونغ الصينية، بتحليل بيانات جينية ونفسية لأكثر من 500 ألف شخص، إلى جانب بيانات عن إساءة معاملة الطفولة لأكثر من 140 ألف حالة. وباستخدام أساليب جينومية متقدمة أثبت الفريق وجود علاقة سببية بين إساءة معاملة الأطفال واضطرابات نفسية عصبية عدة.

وكانت النتائج مذهلة، إذ إن الأفراد الذين تعرَّضوا للإيذاء أو الإهمال في مرحلة الطفولة واجهوا خطراً أعلى بـ5 أضعاف تقريباً للإصابة بالفصام، وزيادة تصل إلى 9 أضعاف في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، وضعف خطر الإصابة باضطراب الاكتئاب الشديد في وقت لاحق من حياتهم.

التأثير على جينات ترتبط بالأمراض العقلية

وعلى المستوى البيولوجي كشفت الدراسة عن أن سوء معاملة الأطفال يترك آثاراً جينية مستمرة، لا سيما التغيرات في «مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)»، وهي تعديلات كيميائية تُغيِّر طريقة عمل الجينات دون تغيير الشيفرة الوراثية نفسها.

ومن بين آلاف هذه التغيرات، حدَّد الباحثون 10 مناطق جينومية رئيسية بالقرب من 9 جينات مرتبطة بالأمراض العقلية. الجدير بالذكر أن كثيراً من هذه الجينات متورطة أيضاً في أمراض تنكسية عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون، ما يشير إلى وجود مسارات بيولوجية مشتركة بين الصدمات المبكرة والأمراض النفسية والتدهور المعرفي في مراحل لاحقة من العمر.

وتساعد هذه النتائج على تفسير سبب استمرار آثار الإساءة في الطفولة لعقود طويلة حتى بعد زوال الحدث الصادم نفسه.

الصدمة المكتوبة في الدماغ

وتكمل هذه النتائج دراسة ثانية من جامعة فوكوي في اليابان نُشرت في مجلة «الطب النفسي الجزيئي (Molecular Psychiatry)» في 16 سبتمبر (أيلول) 2025 ركّزت على الندوب البيولوجية المباشرة التي تتركها إساءة معاملة الأطفال على الحمض النووي وبنية الدماغ معاً.

وقاد الدراسة البروفسورة أكيمي تومودا، والأستاذ المساعد شوتا نيشيطاني، وكلاهما من «مركز أبحاث النمو العقلي للطفل» في الجامعة. واستخدم الفريق نهجاً واسع النطاق لفحص التغيّرات اللاجينية عبر مجموعات متعددة شملت أطفالاً صغاراً ومراهقين خضعوا لتدخلات حماية، إضافة إلى حالات تشريح قضائي. وعلى خلاف الدراسات السابقة التي ركّزت على جينات محددة، مسحت هذه الدراسة كامل «الإبيجينوم» epigenome للكشف عن بصمات جزيئية جديدة للصدمة.

و«الإبيجينوم» هي مجموعة التغيُّرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي (DNA) والبروتينات التي تؤثر على وقت ومكان وكيفية التعبير عن الحمض النووي. ويمكن أن تنتقل هذه التغيُّرات إلى نسل الكائن الحي وراثياً عبر الأجيال.

وحدَّد الباحثون 4 مواقع لمثيلة الحمض النووي ارتبطت بشكل ثابت بإساءة معاملة الطفولة أهمها «FOXP1»، وهو جين يُعد مفتاحاً رئيسياً لتنظيم تطور الدماغ.

وارتبطت زيادة مثيلة الجين «FOXP1» ارتباطاً مباشراً بتغيُّرات قابلة للقياس في حجم المادة الرمادية في مناطق دماغية رئيسية، حيث تُعد هذه المناطق حيوية للتنظيم العاطفي والذاكرة واتخاذ القرارات والإدراك الاجتماعي. وهي وظائف غالباً ما تتأثر لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ من الصدمات النفسية في الطفولة المبكرة.

ومن خلال الربط المباشر بين التغيّرات اللاجينية وبنية الدماغ تقدّم الدراسة دليلاً بيولوجياً قوياً على أن إساءة معاملة الأطفال تعيد تشكيل الدماغ النامي ذاته.

الكشف المبكر والوقاية

والأهم أن الدراستين لا تكتفيان بالتشخيص، بل تفتحان الباب أمام حلول عملية. فقد حدَّدت دراسة هونغ كونغ 3 عوامل رئيسية قابلة للتعديل تتوسط العلاقة بين سوء معاملة الأطفال والمرض العقلي اللاحق. وتشمل هذه العوامل السلوكيات المرتبطة بالإدمان مثل التدخين وتعاطي المخدرات، والسمات المعرفية مثل الوظائف التنفيذية والذكاء، وكذلك العوامل الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما التحصيل العلمي. ويمكن للتدخلات الموجّهة في هذه المجالات أن تقلّل الضرر طويل الأمد بشكل ملموس.

في المقابل طوَّر فريق جامعة فوكوي مؤشر خطر للمثيلة يعتمد على المواقع الـ4 المرتبطة بالصدمة. وقد نجح هذا المؤشر في التمييز بين الأفراد الذين لديهم تاريخ من الإساءة والذين لا يملكون ذلك التاريخ باستخدام بيانات مستقلة؛ ما يفتح المجال مستقبلاً لأدوات فحص موضوعية تساعد على التعرُّف المبكر إلى الأطفال المعرّضين للخطر قبل ظهور الاضطرابات النفسية.

ويرى الخبراء أن هذه الاكتشافات تمثل تحوّلاً جذرياً، إذ لم تعد الجينوميات واللاجينوميات حكراً على الأمراض النادرة، بل أصبحت أدوات أساسية لمعالجة تحديات صحية عامة واسعة الانتشار مثل إساءة معاملة الأطفال.

ضرورة بيولوجية لحماية الطفولة

وتبعث هاتان الدراستان برسالة واضحة هي أن إساءة معاملة الأطفال تترك بصمات بيولوجية عميقة يمكن أن تُشكّل الصحة النفسية طوال الحياة. ورغم أن بعض التغيّرات اللاجينية قد يصعب عكسها فإن البحث يؤكد حقيقة قوية، ألا وهي أن الوقاية هي التدخل الأكثر فاعلية.

ومن خلال فهم الكيفية التي تُكتب بها الصدمة المبكرة في جيناتنا وأدمغتنا يمنحنا العلم إلحاحاً أكبر وأدوات أفضل لحماية الأطفال والتدخل المبكر وكسر حلقة الإساءة التي قد تمتد آثارها عبر الأجيال.


كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»