التشيك تخطط لتوسعة نووية بـ 19 مليار دولار لمضاعفة الإنتاج

في ظل إحياء أوروبي واسع للاهتمام بهذه التكنولوجيا الخالية من انبعاثات الكربون

أشخاص يصطادون بالقرب من محطة دوكوفاني للطاقة النووية الشاهقة -في الخلفية- في دوكوفاني (أ.ب)
أشخاص يصطادون بالقرب من محطة دوكوفاني للطاقة النووية الشاهقة -في الخلفية- في دوكوفاني (أ.ب)
TT

التشيك تخطط لتوسعة نووية بـ 19 مليار دولار لمضاعفة الإنتاج

أشخاص يصطادون بالقرب من محطة دوكوفاني للطاقة النووية الشاهقة -في الخلفية- في دوكوفاني (أ.ب)
أشخاص يصطادون بالقرب من محطة دوكوفاني للطاقة النووية الشاهقة -في الخلفية- في دوكوفاني (أ.ب)

تتجه جمهورية التشيك بخطوات ثابتة نحو تبني الطاقة النووية بشكل أوسع، حيث تهدف إلى مضاعفة إنتاجها النووي والاستغناء عن الوقود الأحفوري بشكل كامل بحلول عام 2050. يأتي هذا التوجه ضمن خطة طموحة تقدر تكلفتها بـ 19 مليار دولار لبناء مفاعلات جديدة، مما يعزز مكانة البلاد كواحدة من أكثر الدول الأوروبية اعتماداً على الطاقة النووية، في ظل إحياء أوروبي واسع للاهتمام بهذه التكنولوجيا الخالية من انبعاثات الكربون.

تطل أبراج التبريد الثمانية الضخمة لمحطة دوكوفاني النووية على موقع بناء مفاعلين إضافيين، في إطار خطة التشيك لتوسيع اعتمادها على الطاقة النووية. وتعمل منصات الحفر المتنقلة حالياً على استخراج عينات من عمق 140 متراً تحت الأرض لإجراء مسح جيولوجي لضمان ملاءمة الموقع للمشروع الذي تبلغ تكلفته 19 مليار دولار.

وفازت شركة «كي إتش إن بي» KHNP الكورية الجنوبية على شركة «إي دي إف» الفرنسية في مناقصة بناء المصنع الجديد. وسيحتوي المصنع الجديد على مفاعلين تزيد طاقة كل منهما عن 1000 ميغاواط.

ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل المفاعلات الجديدة في النصف الثاني من عام 2030، لتكملة مفاعلات دوكوفاني الأربعة الحالية التي تعود إلى الثمانينيات (بقدرة 512 ميغاواط لكل منها).

خطط مستقبلية

يمنح اتفاق «كي إتش إن بي» جمهورية التشيك خياراً لبناء وحدتين إضافيتين في محطة تيميلين النووية الأخرى، التي تضم حالياً مفاعلين بقدرة 1000 ميغاواط. وبعد ذلك، من المقرر أن تتبع التشيك خطة لبناء مفاعلات نووية معيارية صغيرة.

وصرح الرئيس التنفيذي لمشروع دوكوفاني، بيتر زافودسكي، لوكالة «أسوشييتد برس»: «ستولد الطاقة النووية ما بين 50 في المائة و60 في المائة من الكهرباء في جمهورية التشيك بحلول عام 2050 تقريباً، أو ربما أكثر بقليل».

وأكد زافودسكي أن التوسع النووي ضروري للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وتأمين إمدادات ثابتة وموثوقة بأسعار معقولة، وتلبية متطلبات الانبعاثات المنخفضة، وكذلك لتلبية الطلب القوي المتوقع على الكهرباء لتشغيل مراكز البيانات والسيارات الكهربائية.

الرئيس التنفيذي لمشروع توسعة محطة الطاقة النووية في دوكوفاني بيتر زافودسكي يتحدث لـ«أسوشييتد برس» (أ.ب)

انتعاش التكنولوجيا النووية

يأتي التوسع التشيكي في وقت يشهد فيه الاهتمام بالتكنولوجيا النووية انتعاشاً، مدفوعاً بارتفاع الطلب على الطاقة والمواعيد النهائية للدول والشركات لخفض تلوث الكربون بشكل حاد. وبينما تنتج الطاقة النووية نفايات، إلا أنها لا تنتج انبعاثات غازات الاحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد الكربون، المسبب الرئيسي لتغير المناخ.

وقبِل الاتحاد الأوروبي الطاقة النووية من خلال إدراجها في نظام التصنيف للأنشطة الاقتصادية المستدامة بيئياً، مما يفتح الباب أمام التمويل.

وكان هذا القرار بمثابة دفعة لجمهورية التشيك، وسلوفاكيا، والمجر، وفرنسا (الرائد النووي في القارة) التي اعتمدت بشكل كبير على الطاقة النووية. وقد ألغت بلجيكا والسويد مؤخراً خطط التخلص التدريجي من الطاقة النووية، وتفكر الدنمارك وإيطاليا في إعادة استخدامها.

ومن المقرر أن تنضم بولندا إلى مجموعة من 12 دولة مؤيدة للنووي في الاتحاد الأوروبي بعد توقيع صفقة مع شركة «وستنغهاوس» الأميركية لبناء ثلاث وحدات نووية.

وكان الاتحاد الأوروبي ولّد 24 في المائة من الكهرباء النووية في عام 2024.

عمال يسيرون أمام أبراج التبريد في محطة دوكوفاني للطاقة النووية في دوكوفاني (أ.ب)

ضمانات الحكومة

تقدر تكلفة مشروع دوكوفاني بأكثر من 19 مليار دولار، ووافقت الحكومة على الاستحواذ على حصة أغلبية تبلغ 80 في المائة في المصنع الجديد. وستقوم الحكومة بتأمين قرض للوحدات الجديدة تسدده شركة CEZ (التي تمتلك فيها الحكومة حصة 70 في المائة) على مدى 30 عاماً. كما ستضمن الدولة دخلاً ثابتاً من إنتاج الكهرباء لشركة CEZ لمدة 40 عاماً. ومن المتوقع أن يوافق الاتحاد الأوروبي على هذه الضمانات، في إطار سعيه ليصبح «محايداً مناخياً» بحلول عام 2050.

«نحن في وضع جيد للدفاع عن عدم قدرتنا على الاستغناء عن وحدات نووية جديدة. اليوم، نحصل على حوالي 40 في المائة من الكهرباء من النووي، لكننا نحصل حالياً أيضاً على 40 في المائة أخرى من الفحم. من الواضح أنه يجب علينا استبدال الفحم»، وفق ما قال زافودسكي.

تداعيات جيوسياسية وتأمين الوقود

تسببت حالة عدم اليقين بشأن التمويل في تأخير كبير في التوسع النووي، حيث ألغت شركة CEZ في عام 2014 مناقصة لبناء مفاعلين في تيميلين بعد رفض الحكومة تقديم ضمانات مالية. وتم استبعاد عملاق الطاقة الروسي «روساتوم» وشركة «سي إن جي» الصينية من مناقصة دوكوفاني لأسباب أمنية في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. ووقعت CEZ صفقة مع «وستنغهاوس» وشركة «فراماتوم» الفرنسية لتوريد الوقود النووي لمحطتيها، مما يلغي اعتماد البلاد على روسيا. كما يضمن العقد مع «كي إتش إن بي» إمدادات الوقود لمدة 10 سنوات.

معارضة إقليمية ومحلية

في حين تحظى الطاقة الذرية بدعم عام في التشيك، تُسمع أصوات متشككة في الداخل والخارج. إذ تقول منظمة «أصدقاء الأرض» إن الطاقة النووية باهظة الثمن، ويمكن استخدام الأموال بشكل أفضل لتحسين الصناعة، كما أن البلاد لا تملك حتى الآن تخزيناً دائماً للوقود المستهلك.

وتقع محطتا دوكوفاني وتيميلين بالقرب من الحدود مع النمسا، التي تخلت عن الطاقة النووية بعد كارثة تشيرنوبيل عام 1986. وتظل النمسا هي الدولة الأكثر تشككاً في الاتحاد الأوروبي، وقد رفض مجلس النواب فيها بالفعل خطة التشيك للمفاعلات المعيارية الصغيرة.


مقالات ذات صلة

مصر تنتقد مساعي فرض «البروتوكول الإضافي» على الأنشطة النووية السلمية

شمال افريقيا وزير الكهرباء المصري محمد عصمت يلقى كلمة أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (وزارة الكهرباء)

مصر تنتقد مساعي فرض «البروتوكول الإضافي» على الأنشطة النووية السلمية

أكدت مصر رفضها القاطع لأي مساعٍ من شأنها اعتبار الانضمام إلى «البروتوكول الإضافي» شرطًا مسبقًا للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أحمد جمال (القاهرة)
الاقتصاد شعار بنك الاستثمار الأوروبي في لوكسمبورغ (رويترز)

بنك الاستثمار الأوروبي ينهي 40 عاماً من عدم تمويل مشروعات الطاقة النووية

وافق بنك الاستثمار الأوروبي على ضخ 40 مليون يورو بشركة فنلندية ناشئة لتطوير مفاعل نووي، منهياً حظراً استمر على مدار أربعة عقود على تمويل مشروعات الطاقة النووية

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد اللقاء بين الأمير عبد العزيز بن سلمان وغروسي على هامش اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (إكس)

غروسي: الوكالة الذرية مستعدة لدعم البرنامج النووي السعودي

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي إن السعودية تمضي قدماً في برنامجها للطاقة النووية ومفاعلها البحثي.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف (إ.ب.أ) p-circle

روسيا تتوعد ليتوانيا إن استضافت أسلحة نووية لأعضاء في «الناتو»

توعّدت روسيا الجمعة بتوجيه رؤوسها النووية نحو ليتوانيا إذا استضافت الدولة المطلة على بحر البلطيق على أراضيها أي أسلحة من الترسانات النووية لحلفائها في «الناتو».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
المشرق العربي علم «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يرفرف خلال دورة استثنائية لـ«مجلس محافظي الوكالة» في فيينا يوم 2 مارس 2026 (أ.ب)

«الطاقة الذرية» تفتح صفحة جديدة مع سوريا لكشفها عن الأنشطة طي الكتمان

بعد 15 عاماً من إعلان «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» عدم تنفيذ سوريا «معاهدة عدم الانتشار النووي» وعدم إخضاع أنشطتها النووية للتحقيق، جاء وقف القرار.

شوقي الريّس (فيينا)

صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
TT

صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

بدأت الأموال اليابانية رحلة العودة من الأسواق الخارجية، لكن موجة إعادة توطين واسعة للأصول لا تزال مؤجلة، إذ ينتظر كبار المستثمرين اتضاح المستوى الذي ستبلغ عنده عوائد السندات الحكومية ذروتها، والمدى الذي سيذهب إليه بنك اليابان في رفع أسعار الفائدة.

ويبدو أن البنك المركزي نجح، مؤقتاً، في كبح موجة جديدة من المضاربات ضد الين، بعد رفع الفائدة الأسبوع الماضي، وتأكيد التزامه بمواجهة التضخم، إلى جانب تقارير عن إجراء السلطات عمليات تحقق من أسعار الصرف، وهي خطوة تُعد عادة مؤشراً إلى احتمال التدخل في سوق العملات.

لكن المؤسسات الاستثمارية الكبرى لا تزال مترددة في ضخ أموال كبيرة في السندات المحلية بينما تستمر العوائد في الارتفاع. كما زاد الغموض بعد تصويت عضوين في بنك اليابان لصالح موقف أكثر ميلاً للتيسير خلال الاجتماع الأخير، بالتزامن مع استمرار عمليات بيع السندات هذا الأسبوع.

وقال شوكي أوموري، استراتيجي الدخل الثابت في «دويتشه بنك» بطوكيو، إن تجارة العائد التي تنفذها الأموال السريعة «جرى تفكيكها بالفعل»، لكن تحرك «الأموال البطيئة» لم يبدأ بعد، في إشارة إلى صناديق التقاعد والأسر اليابانية التي تحتفظ بأصول خارجية من دون تحوط للعملة.

وتم تداول الين قرب 159 مقابل الدولار، الجمعة، بعدما فقد معظم مكاسبه الحادة التي سجلها في مطلع سبتمبر (أيلول). ومع ذلك، لا تتجاوز خسائره منذ بداية العام نحو 1 في المائة، بعدما سجل في يوليو (تموز) أدنى مستوى في نحو أربعة عقود عند أقل بقليل من 164 يناً للدولار.

وتشير بيانات مراكز المضاربين إلى تراجع الرهانات على انخفاض العملة بصورة كبيرة، إذ تحولت المراكز من صافي بيع قوي إلى أكبر صافي شراء منذ يوليو 2025، بقيمة 9.7 مليار دولار خلال أول أسبوعين من سبتمبر.

غير أن اتساع موجة رفع أسعار الفائدة عالمياً لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن حرب الشرق الأوسط يعني أن فروق العائد بين اليابان والاقتصادات الكبرى قد لا تضيق سريعاً، ما يحد من قدرة الين على تحقيق ارتفاع مستدام.

وفي سوق السندات، تغيرت الحسابات جذرياً. فقد ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بنحو نقطتين مئويتين خلال أقل من عامين، ليتجاوز 3 في المائة ويسجل أعلى مستوى في 30 عاماً. ووفق «دويتشه بنك»، أصبح الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية بعد التحوط من مخاطر العملة يقدم للمستثمر الياباني عائداً أقل من السندات المحلية.

وبدأت هذه المعادلة بالفعل في جذب الأموال. فقد اشترى المستثمرون سندات سيادية يابانية بقيمة 4.8 تريليون ين الشهر الماضي، وهي أكبر مشتريات صافية في ثلاثة أشهر، وفق تحليل «باركليز»، مع مشاركة البنوك وشركات التأمين في الشراء.

وتقدر «إتش إس بي سي» أن البنوك اليابانية باعت نحو 70 مليار دولار من السندات الأجنبية هذا العام، بعدما اشترت ما قيمته 35 مليار دولار في العام الماضي، وهو تحول يمكن أن تمتد آثاره إلى أسواق الدين في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة.

لكن شركات التأمين على الحياة، التي تدير أصولاً تبلغ 438.6 تريليون ين، نحو 2.78 تريليون دولار، تتحرك بوتيرة أكثر بطئاً. وقال آرون هيرد، مدير المحافظ لدى «ستيت ستريت غلوبال أدفايزرز»، إن إعادة الأموال اليابانية لا تزال في مرحلة مبكرة، متوقعاً أن تكتسب زخماً أكبر خلال 2027، بعد أن يقتنع المستثمرون بأن عوائد السندات اليابانية بلغت ذروتها.

وقد يشكل صندوق استثمار معاشات التقاعد الحكومي، الذي يدير نحو 1.8 تريليون دولار، عاملاً حاسماً. فقد شجع وزير المالية الصندوق على زيادة مخصصاته للأسواق المحلية، ويرى محللون أن أي تغيير رسمي في توزيعه للأصول قد يدفع مؤسسات يابانية أخرى إلى التحرك في الاتجاه نفسه.

وفي المقابل، يظل ارتفاع العوائد الأميركية وتوقعات المزيد من التشديد من مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» عقبة أمام بنك اليابان والين. ويرى محللون أن التحول الحقيقي قد يبدأ عندما تقتنع شركات التأمين والمؤسسات طويلة الأجل بأن دورة رفع الفائدة اليابانية تقترب من نهايتها، فتسرع إعادة الأموال إلى الداخل.

وحتى ذلك الحين، تبدو اليابان أمام مرحلة انتقالية؛ حيث إن جاذبية السندات المحلية ترتفع، والمضاربات ضد الين تتراجع، لكن المستثمرين الكبار لا يريدون شراء السندات بينما أسعارها لا تزال تهبط وعوائدها تصعد. وعندما تستقر العوائد، قد تتحول إعادة توطين رؤوس الأموال اليابانية إلى قوة مؤثرة ليس فقط في الين، بل في أسواق السندات العالمية أيضاً.


أوروبا تحشد الدعم والضرائب لاحتواء صدمة أسعار الوقود

أنابيب في محطة لضغط الغاز في مالنو - ألمانيا (رويترز)
أنابيب في محطة لضغط الغاز في مالنو - ألمانيا (رويترز)
TT

أوروبا تحشد الدعم والضرائب لاحتواء صدمة أسعار الوقود

أنابيب في محطة لضغط الغاز في مالنو - ألمانيا (رويترز)
أنابيب في محطة لضغط الغاز في مالنو - ألمانيا (رويترز)

تدفع الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا حكومات أوروبية إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات، تشمل الدعم المالي والضرائب وتعديل السياسات، في محاولة لحماية اقتصاداتها وشركاتها، وتهدئة استياء المواطنين المزداد من الارتفاع القياسي في أسعار البنزين والديزل.

وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن حكومات حول العالم تدخلت للحد من التداعيات الاقتصادية الناجمة عن تراجع إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب مع إيران. وأوضحت المنظمة في تقرير نشرته الأربعاء أن سبعاً من الدول العشر الأكثر نشاطاً في احتواء الأضرار الاقتصادية تقع داخل الاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ففي ليتوانيا، خُفضت أسعار تذاكر القطارات إلى النصف. وأرجأت إيطاليا الموعد المقرر لإغلاق محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم، وخففت متطلبات الإجراءات الورقية لمشروعات النفط والغاز الطبيعي. كما زادت هولندا التمويل المخصص لبرنامج يقدم خدمات مجانية لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في المنازل، في حين اقترحت بولندا فرض ضرائب مرتفعة على الأرباح القياسية التي يحققها بعض منتجي الوقود وبائعيه.

وقبل الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، كانت الحرب الروسية في أوكرانيا قد عطلت إمدادات الطاقة العالمية وأثارت اضطرابات في أوروبا. ويستورد الاتحاد الأوروبي نحو كامل احتياجاته من النفط و85 في المائة من الغاز الطبيعي، بينما تغطي الواردات إجمالاً 57 في المائة من احتياجاته من الطاقة، وفقاً لمكتب الإحصاء التابع للاتحاد الأوروبي. ويأتي جزء كبير من الطاقة المنتجة محلياً من المصادر المتجددة والطاقة النووية.

ويزداد استياء الأوروبيين مع تجاوز أسعار الوقود في محطات التعبئة ما يعادل 12 دولاراً للغالون في بعض الدول. وينفق مواطنو الاتحاد الأوروبي 203 ملايين يورو (231.13 مليون دولار) إضافية يومياً على وقود الديزل وحده، وفق منظمة «النقل والبيئة» الأوروبية.

وقال أنتوني فروغات، المحلل لدى المنظمة: «إنها مفارقة مؤلمة أن تكون الولايات المتحدة الأقل تعرضاً لأزمة ساهمت في صنعها، بينما يتلقى الاقتصاد الأوروبي الضربة مجدداً».

وتنفق حكومات أوروبية عدة مليارات الدولارات لمساعدة اقتصاداتها على تجاوز أزمة الطاقة الحالية.

منظر عام لخطوط الأنابيب في منشأة لتخزين الغاز تابعة لشركة تجارة الغاز «في إن جي إيه جي» في باد لاوخشتادت - ألمانيا (رويترز)

وفي بروكسل، منح قادة الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء مرونة مؤقتة لتقديم مساعدات حكومية للأسر والقطاعات كثيفة استهلاك الطاقة، مثل الزراعة والنقل وصيد الأسماك. كما أتاحوا هامشاً محدوداً لتجاوز قواعد الإنفاق الأوروبية بهدف تمويل استثمارات تعزز أمن الطاقة وتحد من اعتماد الاتحاد على واردات النفط والغاز الطبيعي على المدى الطويل.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في خطابها السنوي، عن حالة الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي: «إن الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض بدأت تثقل كاهل الأفراد والشركات». وأضافت أن الاتحاد بحاجة إلى مضاعفة الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والميسورة التي ينتجها محلياً، سواء الطاقة المتجددة أو النووية أو الميثان الحيوي وغيرها، بما يعزز الاستقلالية ويسهم في خفض أسعار الطاقة.

فرنسا توسع الدعم للديزل والسائقين

اعتمدت فرنسا مجموعة متزايدة من الإجراءات الموجهة للتخفيف من تأثير ارتفاع أسعار الوقود على المستهلكين والشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وأعلنت الحكومة الفرنسية الثلاثاء حزمة بقيمة 450 مليون يورو (512.35 مليون دولار) لتوسيع إجراءات الدعم، شملت توسيع نطاق المساعدات القائمة على مستوى الدخل للأشخاص الذين يقطعون أكثر من 30 كيلومتراً ذهاباً وإياباً إلى العمل، أو أكثر من 8 آلاف كيلومتر سنوياً لأغراض مهنية. وقالت الحكومة إن التوسع سيجعل 5.5 مليون عامل مؤهلين للحصول على مدفوعات بقيمة 100 يورو للمساعدة في تغطية تكاليف الوقود حتى نهاية العام.

كما مددت الحزمة الجديدة دعم الوقود للمزارعين والصيادين وشركات البناء حتى نهاية العام، وقررت إتاحة قسائم الطاقة، التي تتراوح قيمتها بين 48 و277 يورو، قبل موعدها بثلاثة أشهر لمساعدة 5.8 مليون أسرة على سداد فواتير الطاقة خلال فصل الشتاء.

وطلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من فون دير لاين الدفع باتجاه تخفيف قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بجودة الوقود، بما يشمل الكثافة ونسبة الكبريت ومعايير أخرى، بهدف زيادة إنتاج الديزل والكيروسين في أوروبا. وكان الاتحاد قد اتخذ خطوة مماثلة خلال جائحة «كوفيد - 19».

سيارة تُزوَّد بالبنزين في محطة وقود بباريس (رويترز)

وفي رسالة إلى المفوضية الأوروبية اطلعت عليها «أسوشييتد برس»، حذر ماكرون من أن سوق النفط العالمية قد تشهد «زيادات قوية في الأسعار» قريباً إذا لم يُستأنف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز قبالة السواحل الإيرانية. كما دعا إلى رفع الحد الأقصى المسموح به في الاتحاد الأوروبي لمحتوى الديزل الحيوي التقليدي في وقود الديزل من 7 إلى 10 في المائة.

ألمانيا وإسبانيا تخفضان ضرائب الوقود

انتهت في ألمانيا نهاية يونيو (حزيران) جولة خفض لضرائب الوقود استمرت شهرين. ووافقت الحكومة الأسبوع الماضي على تمديد الخفض، بما سيؤدي إلى تقليص أسعار البنزين والديزل بنحو 17 سنتاً للتر، اعتباراً من الأول من أكتوبر (تشرين الأول) وحتى نهاية العام. وقالت الحكومة إن تكلفة التخفيض الجديد ستبلغ 2.5 مليار يورو (2.85 مليار دولار).

كما أعلنت الحكومة أنها ستجري محادثات مع شركات النفط لبحث فرض سقف لأسعار الوقود اعتباراً من الأول من يناير (كانون الثاني). وتطبق بلجيكا ولوكسمبورغ المجاورتان إجراءات مماثلة منذ عقود.

ومددت الحكومة الإسبانية بدورها خفض الضرائب على البنزين والديزل الذي بدأ تطبيقه في مارس (آذار)، ضمن حزمة بقيمة 5 مليارات يورو لمواجهة تداعيات الحرب مع إيران على أسعار الطاقة المحلية.

وبلغ الإعفاء الضريبي 5 سنتات للتر خلال الشهر الحالي، فيما تتيح آلية تلقائية رفعه إلى 20 سنتاً للتر إذا تجاوز التضخم في أسعار الوقود 15 في المائة على أساس سنوي. كما مددت الحكومة دعم الوقود لشركات النقل والمزارعين ومربي الماشية والصيادين.

الولايات المتحدة تصبح مورداً رئيسياً للطاقة للاتحاد الأوروبي

إلى جانب برامج الدعم الوطنية، لجأت دول الاتحاد الأوروبي إلى احتياطياتها الاستراتيجية، في إطار اتفاق بين الدول الأعضاء الـ32 في وكالة الطاقة الدولية لإتاحة 400 مليون برميل من النفط من مخزوناتها الطارئة في الأسواق.

ويعمل الاتحاد الأوروبي على تقليص اعتماده على الطاقة المستوردة من روسيا من خلال زيادة إنتاج الطاقة المتجددة وتحويل الأنظمة والقطاعات الصناعية للعمل بالكهرباء بدلاً من الوقود الأحفوري.

وقالت فون دير لاين إن زيادة الاعتماد على الكهرباء يمكن أن تخفض فاتورة الاتحاد السنوية لواردات النفط والغاز بنحو 260 مليار يورو (296.03 مليار دولار) بحلول عام 2040.

وفي الوقت الذي سعى فيه الاتحاد إلى تقليص اعتماده على الطاقة الروسية، ازداد اعتماده على الولايات المتحدة. وكانت فون دير لاين قد أبرمت شخصياً اتفاقاً مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب العام الماضي، تضمن التزام الاتحاد الأوروبي بشراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات.

وقد جعلت الحرب مع إيران هذه العلاقة أكثر أهمية وتعقيداً بالنسبة للاتحاد الأوروبي، الذي لجأ بشكل متزايد إلى الولايات المتحدة لتأمين إمدادات الديزل. وأثار دعم ترمب هذا الأسبوع لفكرة حظر صادرات الديزل بهدف خفض الأسعار داخل الولايات المتحدة مخاوف أوروبية، إذ سيضطر الاتحاد في هذه الحالة إلى البحث عن مصادر بديلة للوقود.

وتضغط بروكسل على واشنطن للتراجع عن فكرة تعليق صادرات الديزل إلى الخارج.

وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أولوف غيل، الخميس: «نعتقد أن هذه فكرة سيئة. التعاون بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجال الطاقة قوي ومستقر ويحقق منفعة متبادلة. وأي اضطراب في هذا التعاون قد يؤثر سلباً على الجانبين».


«هانغ سنغ» عند أدنى مستوى في شهرين 

مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
TT

«هانغ سنغ» عند أدنى مستوى في شهرين 

مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)

تراجعت أسهم هونغ كونغ، الجمعة، في تعاملات ضعيفة بسبب العطلات، وقادت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الخسائر، بينما ظلّ المستثمرون في انتظار مزيد من الوضوح بشأن نتائج القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في واشنطن.

وهبط مؤشر «هانغ سنغ» القياسي 1.7 في المائة ليغلق عند 24343.19 نقطة، مسجلاً أدنى مستوى في شهرين، فيما خسر مؤشر «هانغ سنغ للشركات الصينية»، الذي يتتبع أداء شركات البر الرئيسي المدرجة في المدينة، نحو 2 في المائة.

وكان الضغط أكثر وضوحاً في أسهم التكنولوجيا؛ إذ تراجع مؤشر «هانغ سنغ للتكنولوجيا» بأكثر من 2 في المائة إلى أدنى مستوى في ثلاثة أشهر، بينما هبطت أسهم قطاع الذكاء الاصطناعي بنحو 3 في المائة.

وجاءت الخسائر وسط أحجام تداول محدودة قبيل عطلة مهرجان منتصف الخريف في هونغ كونغ، بينما ظلت الأسواق المالية في البر الرئيسي الصيني مغلقة، الجمعة، على أن تستأنف التداول الاثنين.

كما أغلقت أسواق في تايوان وكوريا الجنوبية أبوابها بسبب العطلات، في حين استقر مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان دون تغير يُذكر.

وتحول اهتمام المستثمرين بصورة رئيسية إلى زيارة شي للولايات المتحدة ومحادثاته مع ترمب، في ظل استمرار الخلافات بين أكبر اقتصادين في العالم بشأن التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وقضايا جيوسياسية أخرى.

ولم تظهر حتى الآن اختراقات كبيرة في الملفات الرئيسية، وهو ما أبقى المستثمرين حذرين تجاه زيادة تعرضهم للأصول الصينية. وكانت الأسواق قد دخلت القمة بتوقعات محدودة بشأن إمكانية التوصل إلى تسويات واسعة، خصوصاً بعد سنوات من القيود التجارية والتكنولوجية المتبادلة.

وقال خون غوه، رئيس أبحاث آسيا لدى «إيه إن زد»، إن الأسواق لم تكن تتوقع تحقيق اختراق كبير، لكن الأهمية تكمن في وضع «أرضية» للعلاقات بين واشنطن وبكين تحد من احتمالات تدهورها بصورة أكبر.

وأضاف أن العلاقات تتحرك في الاتجاه الصحيح، معتبراً أن توفير قدر أكبر من الاستقرار في العلاقة الثنائية يمثل في حد ذاته تطوراً يمكن للأسواق الترحيب به. وتأتي خسائر الجمعة امتداداً لحالة الحذر التي سيطرت على الأصول الصينية في الجلسة السابقة. وكانت أسهم البر الرئيسي قد سجلت، الخميس، أكبر تراجع يومي لها في شهر؛ إذ هبط مؤشر «سي إس آي 300» بنسبة 1.7 في المائة، بينما خسر مؤشر "شنغهاي المركَّب" 1.2 في المائة. ويعكس الهبوط الأشد في أسهم التكنولوجيا حساسية القطاع بصورة خاصة لأي تطورات في العلاقات الأميركية - الصينية، نظراً إلى استمرار القيود الأميركية على تصدير الرقائق والتقنيات المتقدمة إلى الصين، إلى جانب المنافسة المتصاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت نفسه، ساهمت العطلات في تضخيم حالة الحذر، مع انخفاض السيولة وغياب عدد من الأسواق الإقليمية الكبرى عن التداول، ما دفع المستثمرين إلى تجنب بناء مراكز كبيرة قبل اتضاح نتائج المحادثات في واشنطن.

وبذلك، أنهت سوق هونغ كونغ الأسبوع تحت ضغط مزدوج من تراجع أسهم التكنولوجيا وعدم وضوح المسار التالي للعلاقات بين الصين والولايات المتحدة. ورغم أن استمرار الحوار بين ترمب وشي يوفر قدراً من الاستقرار، فإن المستثمرين ينتظرون خطوات ملموسة في ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا قبل عودة شهية المخاطرة بصورة أقوى إلى الأسهم الصينية.