الشتاء القاسي يغرق غزة في مأساة جديدة... خيام النازحين تنهار ومناشدات للإغاثة

أمطار غزيرة فاقمت الأزمة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع

طفلة تحمل وعائين خاليين في طريقها لجلب المياه وسط أمطار غزيرة على حي الشيخ رضوان بمدينة غزة أمس (أ.ب)
طفلة تحمل وعائين خاليين في طريقها لجلب المياه وسط أمطار غزيرة على حي الشيخ رضوان بمدينة غزة أمس (أ.ب)
TT

الشتاء القاسي يغرق غزة في مأساة جديدة... خيام النازحين تنهار ومناشدات للإغاثة

طفلة تحمل وعائين خاليين في طريقها لجلب المياه وسط أمطار غزيرة على حي الشيخ رضوان بمدينة غزة أمس (أ.ب)
طفلة تحمل وعائين خاليين في طريقها لجلب المياه وسط أمطار غزيرة على حي الشيخ رضوان بمدينة غزة أمس (أ.ب)

اجتاحت الأمطار الغزيرة قطاع غزة، الجمعة، لتغمر خيام النازحين، وتفاقم مأساة الغزيين الذين يكافحون منذ أكثر من عامين تبعات حرب غزة، وسط أزمة إنسانية لم تهدأ رغم مرور أكثر من شهر على اتفاق وقف إطلاق النار، وتحذيرات من أن الشتاء القادم سيزيد حجم المعاناة.

واجتاح المنخفض الجوي الأول هذا الشتاء خيام النازحين، وأتلف الكثير منها، مما أدى إلى تشريد آلاف الأسر، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية. وشكا السكان من غرق المناطق، وتلف مقتنياتهم، وأمتعتهم، بينما هاجمت المياه المناطق التي طالها الدمار في مختلف أنحاء القطاع، وفق وسائل إعلام فلسطينية.

غرق الخيام والدمار المستمر

بدأت الأمطار الغزيرة بالهطول صباح الجمعة، حيث شهدت المنطقة منخفضاً جوياً عميقاً أدى إلى سيول، وبرك مياه حاصرت العديد من الخيام، وتسربت مياه الأمطار إلى خيام أخرى مهترئة تحتوي على ثقوب كبيرة في الأعلى.

ولم تفلح التحذيرات السابقة، أو الاستعدادات البسيطة التي قام بها الأهالي لحماية الخيام من الأمطار، فغرقت الكثير منها، وتشردت أسر عديدة بعد أن أصبحت بلا مأوى.

يحمل سلام موسى 9 سنوات مرتبة أثناء سيره بين الخيام بعد هطول الأمطار في مخيم مؤقت في دير البلح (أ.ب)

كما انهارت سواتر ترابية أقامها الأهالي قرب مناطق سكنهم لحرف مسار مياه الأمطار، ما أدى إلى دخول كميات كبيرة من المياه إلى الخيام، وغرقت المناطق المنخفضة أيضاً بما فيها خيام النازحين.

واشتكت العائلات من ابتلال جميع أمتعتها، وفقدانها لما يقي أطفالها من برد الشتاء، بينما تسببت الرياح الشديدة التي صاحبت المنخفض في تدمير واقتلاع العديد من الخيام، خاصة في المناطق المكشوفة، وقرب سواحل بحر غزة، وتحديداً في مواصي خان يونس جنوبي القطاع.

فتاة فلسطينية تقف أثناء هطول الأمطار بجوار خيمتها الغارقة بالمياه (د.ب.أ)

جهود الأهالي والدفاع المدني

ويحاول السكان استغلال توقف زخات المطر المؤقت لإصلاح الخيام التي اقتُلعت أوتادها، وهو مشهد متكرر في كل مناطق القطاع.

من جهته، قال المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة محمود بصل بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفلسطينية (صفا)، الجمعة، إنه تلقى مئات نداءات استغاثة من أسر نازحة بعد تضرر خيامها، محذراً من أن كل ثانية في غزة تعرض حياة المواطنين للخطر بسبب المنازل المتهالكة، والآيلة للسقوط. ودعا الدفاع المدني المواطنين، لا سيما النازحين، إلى تثبيت الخيام، ووضع سواتر رملية ما أمكن في محيطها، وأخذ التدابير الوقائية اللازمة لتجنب أضرار المنخفض الجوي.

رجل فلسطيني يقف بجانب الخيام التي أغرقتها الأمطار (رويترز)

النازحون يعيشون واقعاً مأساوياً

وأضاف بصل: «مع أول هطول للأمطار، تعرضت مئات الخيام للغرق خاصة في مدينة غزة، بما فيها مقتنيات المواطنين، وملابسهم التي انتشلوها سابقاً من تحت ركام منازلهم المدمرة».

ويعيش النازحون واقعاً مأساوياً بسبب انعدام مقومات الحياة، وصعوبة الوصول إلى مستلزمات أساسية، ونقص الخدمات الحيوية نتيجة استمرار الحصار الإسرائيلي. وتشير تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن نسبة الخيام التي لم تعد صالحة للإقامة بلغت نحو 93 في المائة، بواقع 125 ألف خيمة من أصل 135 ألفاً، بينما يحتاج القطاع حالياً إلى نحو 250 ألف خيمة، و100 ألف كرفان لتوفير المأوى المؤقت لحين الإعمار.

فلسطينيون يتحركون في شارع موحل جراء الأمطار الغزيرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ب)

نزوح داخلي يقي من برد الشتاء

وأدى المنخفض الجوي إلى نزوح داخلي في القطاع، حيث يبحث الفلسطينيون عن مأوى آمن يقي برد الشتاء، وأمطار الخريف، في ظل انهيار الخيام، والمنشآت المتهالكة، ونقص البدائل، وغياب مراكز الإيواء الكافية.

وأظهرت مقاطع فيديو مصورة حجم المعاناة داخل الخيام، مع محاولات الأهالي إنقاذ ما يمكن من حاجاتهم، وسط حالة من الهلع بين الأطفال.

رجل فلسطيني يزيل الماء من سطح خيمته وسط أول منخفض جوي (رويترز)

تحذيرات من كارثة إنسانية

بدوره، حذر المكتب الإعلامي الحكومي في بيان نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) من تزايد معاناة نحو مليون ونصف نازح في الخيام، مؤكداً أن الكثير منها انهارت، أو تمزقت بفعل مياه الأمطار، وأن آلاف الأسر باتت بلا مأوى يحميها من المطر، والرياح، حتى لو كان المأوى مجرد خيمة متواضعة.

وأضاف المكتب أن سكان القطاع يعانون منذ عامين إبادة جماعية، ومعاناة إنسانية غير مسبوقة، في ظل منع الماء، والغذاء، والإيواء، والرعاية الصحية، وتنصل الاحتلال من التزاماته بإدخال احتياجات المواطنين من المساعدات الإنسانية.

وطالب المكتب الوسطاء، والضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، بالتحرك السريع لإدخال المساعدات الإنسانية، والطبية، والإيوائية.

تداعيات كارثية

من جانبها، حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) السبت، من أن هطول الأمطار يزيد من صعوبة الأوضاع في غزة مع لجوء الناس إلى الخيام التي تغرقها المياه، محذرة من «تداعيات كارثية».

وطالبت الوكالة التابعة للأمم المتحدة عبر منصة إكس بالسماح لها بإدخال مستلزمات الإيواء الموجودة لديها بالفعل إلى غزة لمساعدة الناس على مواجهة الشتاء.

طفلة تحتمي بسترتها من مياه الأمطار بينما تسير وسط خيام للنازحين في مدينة غزة (رويترز)

وقالت حركة «حماس» أمس الجمعة إن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تفاقمت بعد غرق خيام للنازحين جراء الأمطار، ودعت الضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار إلى التحرك العاجل لإيصال الإمدادات الإنسانية إلى القطاع.
وأكدت الحركة في بيان أن المخيمات «تحولت إلى برك من الوحل، ووجدت آلاف الأسر نفسها بلا مأوى يحميها من برد الشتاء، في مشهد يجسد حجم المعاناة المتفاقمة التي يمر بها شعبنا في قطاع غزة المحاصر».


مقالات ذات صلة

«حماس» وكوشنر في مصر لإنقاذ «اتفاق غزة»

شمال افريقيا السيسي خلال استقبال كوشنر في مدينة العلمين بمصر يوم 16 أغسطس 2026 (الرئاسة المصرية)

«حماس» وكوشنر في مصر لإنقاذ «اتفاق غزة»

حراك متواصل تحتضنه مصر بشأن استكمال اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة المبرم في أكتوبر (تشرين الأول) 2025

محمد محمود (القاهرة ) «الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (د.ب.أ)

كوشنر يناقش خطة غزة مع الرئيس المصري

ناقش الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والموفد الرئاسي الأميركي جاريد كوشنر، اليوم الأحد، تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الموقع نهاية العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين متراصة قرب ساحل بحر في قطاع غزة (د.ب.أ)

وفد «حماس» يبحث في مصر إلزام إسرائيل بخريطة الطريق

أفاد المتحدث باسم حركة «حماس»، حازم قاسم، بأن لقاءات الحركة في مصر تأتي في إطار مواصلة الاتصالات والجهد الدبلوماسي مع الوسطاء، بهدف بحث تطورات الأوضاع في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون الأضرار في مستشفى الشفاء بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المستشفى في مدينة غزة يوم 1 أبريل 2024 (رويترز)

القطاع الصحي في غزة... أزمات لا تنتهي وواقع ينذر بانهيار تام

لم تكتفِ إسرائيل بالإضرار بالمستشفيات من خلال اقتحامها، وقصفها، بل تواصل تحكمها بالمواد، والمستلزمات الطبية، وكذلك في سفر المرضى إلى الخارج لتلقي العلاج.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية كوشنر في الوسط خلال مصافحة بين نيكولاي ملادينوف (يمين الصورة) وستيف ويتكوف في دافوس 22 يناير 2066 (أ. ف. ب)

اختبار أميركي لنتنياهو بين غزة والضفة والانتخابات

يقوم المفاوض الأميركي، جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترمب، بجولة تشمل إسرائيل ومصر، لن تكون لإنعاش خطة متعثرة في غزة وحسب؛ إذ سيرافقه الممثل الأعلى

إيلي يوسف (واشنطن)

السعودية و7 دول تحمل إسرائيل مسؤولية تقويض الجهود لإنهاء النزاع في غزة

الجيش الإسرائيلي يفجر منزلاً لفلسطيني في قرية تل قرب مدينة نابلس يوم 11 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
الجيش الإسرائيلي يفجر منزلاً لفلسطيني في قرية تل قرب مدينة نابلس يوم 11 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
TT

السعودية و7 دول تحمل إسرائيل مسؤولية تقويض الجهود لإنهاء النزاع في غزة

الجيش الإسرائيلي يفجر منزلاً لفلسطيني في قرية تل قرب مدينة نابلس يوم 11 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
الجيش الإسرائيلي يفجر منزلاً لفلسطيني في قرية تل قرب مدينة نابلس يوم 11 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

أدانت السعودية ومصر والأردن وباكستان وإندونيسيا وتركيا وقطر والإمارات، يوم الأحد، الرفض الإسرائيلي المعلن لخريطة الطريق لاستكمال تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، والتي أيدها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، وكذلك الرفض الإسرائيلي لإقامة الدولة الفلسطينية.

وشددت الدول الثماني على رفضها القاطع لأي محاولة لإنكار إقامة الدولة الفلسطينية أو الحيلولة دون تجسيدها، بما في ذلك من خلال الإجراءات الأحادية.

وأكد وزراء خارجية الدول الثماني، في بيان مشترك، أن المواقف الإسرائيلية الأخيرة تعكس رفضاً صريحاً للخطة الشاملة، مما يهدد تنفيذها ويقوض بصورة جوهرية الجهود الجماعية المبذولة لتحقيق سلام عادل ودائم. كما أشار الوزراء إلى أن هذا الرفض يؤكد أن إسرائيل تتحمل الآن مسؤولية عرقلة الجهود الرامية إلى إحلال السلام في غزة وبقية الأرض الفلسطينية المحتلة.

التأكيد على أهمية خريطة الطريق

وأشار البيان المشترك إلى أن خريطة الطريق التي قبلتها الفصائل الفلسطينية، تأتي تتويجاً لجهود مكثفة بذلها الوسطاء، وهم مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة، والممثل الأعلى لغزة، و«مجلس السلام» وتشكل خريطة الطريق محطة بالغة الأهمية لحصر السلاح بالتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية، ونشر قوة الاستقرار الدولية، ونقل السلطة الإدارية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وإعادة إعمارها، على النحو المنصوص عليه في الخطة الشاملة.

وشدد البيان على أن رفض خريطة الطريق «يشكل رفضاً صريحاً للمضي قدماً في تنفيذ الخطة الشاملة، ويهدد بصورة مباشرة بإفشال الجهود المكثفة التي بذلها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب في غزة وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام دائم».

وأكد الوزراء في هذا الصدد «أهمية استمرار الانخراط الأميركي الفاعل لضمان وإلزام إسرائيل بالامتثال الكامل للالتزامات والترتيبات المنصوص عليها في الخطة الشاملة وخريطة الطريق التابعة لها، ومنع أي عرقلة إضافية أمام تنفيذهما».

كما شدد الوزراء على أن إسرائيل تتحمل المسؤولية المباشرة والكاملة عن أي تبعات تترتب على استمرار رفضها أو عرقلتها أو تأخيرها أو عدم امتثالها، بما في ذلك أي تدهور ناتج عن ذلك في الأوضاع على الأرض، وأي تعطيل للجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في غزة.

السلام لن يتحقق إلا بتنفيذ حل الدولتين

وجدد الوزراء، عبر البيان، الحاجة الملحة إلى التنفيذ الكامل والفوري للخطة الشاملة، بما يسهم في معالجة الوضع الإنساني الخطير، وضمان الأمن والاستقرار للجميع في غزة، وتمهيد الطريق لإعادة الإعمار والتعافي، والدفع نحو تحقيق سلام عادل ودائم يستند إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته وفقاً للقانون الدولي، بما يمهد الطريق لتحقيق الأمن والاستقرار لجميع دول وشعوب المنطقة.

وأكد الوزراء أن السلام العادل والدائم والشامل لن يتحقق إلا من خلال تنفيذ حل الدولتين، وتجسيد دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على أساس خطوط عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

كما أكدوا أن أي محاولة لإنكار إقامة الدولة الفلسطينية أو الحيلولة دون تجسيدها تقوض بصورة مباشرة آفاق السلام والأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.

وأشار الوزراء إلى أهمية استمرار الدور الذي يضطلع به «مجلس السلام»، ودعوا جميع الأطراف إلى دعم جهوده الرامية إلى تنفيذ خريطة الطريق والمضي قدماً في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب الشاملة.

كما دعا الوزراء «مجلس السلام»، بدعم ومشاركة فاعلين من جانب الولايات المتحدة، إلى اتخاذ تدابير فورية وملموسة في إطار ولايته، بما يكفل الحفاظ على سلامة الخطة الشاملة والحيلولة دون قيام أي طرف بعرقلة تنفيذها.


الغزيون يواصلون العودة إلى القطاع رغم جمود «خطة السلام»

دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
TT

الغزيون يواصلون العودة إلى القطاع رغم جمود «خطة السلام»

دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)

قبل عدة أسابيع، بينما الوضع السياسي متأزم والموقف غامض حول واقع «خطة السلام» في غزة، عاد الفلسطيني فادي أبو قطة، إلى القطاع بعد قضاء نحو عام ونصف العام في مصر للعلاج إثر إصابته خلال الحرب.

عبّر أبو قطة لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادته بالاجتماع مع ذويه، والعودة لأرضه حتى وهي على حالها مدمرة، قائلاً إنه لم يستطع البقاء بعيداً أكثر، فعاد قبل الوصول لمتبرع يتكفل بتركيب طرفين صناعيين له بدلاً من يديه المبتورتين: «كنت أتمنى أقدر أن أحتضن طفلتي لما قابلتها».

الشاب الثلاثيني مثله مثل آلاف الفلسطينيين في مصر، ينتظرون شهوراً من وقت تسجيل أسمائهم للعودة حتى حلول موعد سفرهم، بترقب لا يخففه التعنت الإسرائيلي سواء معهم على المعبر، أو في إتمام خطة السلام التي وصلت إلى حالة من الجمود.

ووصلت الدفعة الـ75 من الفلسطينيين العائدين لقطاع غزة إلى معبر رفح البري صباح الأحد، تمهيداً لعودتهم إلى القطاع، وهي العملية التي تستغرق «ساعات»، حسب مصدر مصري مطلع على سير الإجراءات في معبر رفح، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن العائدين يصلون إلى المعبر فجراً بصحبة مندوب من السفارة الفلسطينية في القاهرة، وينتظرون ساعات حتى يتم التنسيق بين الجانبين المصري والإسرائيلي.

ولفت المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه كونه غير مصرح له التحدث للإعلام، إلى أن «البعض لا يتمكنون من العبور من أول مرة، وتتم إعادتهم من قبل الإسرائيليين لحين الفوج المقبل، الذي قد يستغرق عدة أيام، فتستضيفهم عائلات مصرية في سيناء حتى لا يضطروا للعودة للقاهرة وقطع هذه المسافة مجدداً»، مضيفاً أن «الجانب الإسرائيلي ما زال يتعنت مع مرور المساعدات والفلسطينيين على حد سواء، سواء العائد من مصر للقطاع، أو الخارج من القطاع لتلقي العلاج في مصر».

وبلغ عدد العائدين إلى قطاع غزة في الدفعة الأخيرة، 90 شخصاً، مقابل استقبال 38 مريضاً و36 مرافقاً لهم، وفق موقع «الشروق» المصري.

شاحنة مساعدات من الهلال الأحمر المصري قبل مرورها للقطاع (الهلال الأحمر المصري)

ما زال أبو قطة، يتذكر تفاصيل رحلته الطويلة في يوليو (تموز) الماضي، من القاهرة لشمال سيناء، وانتظاره وقتاً طويلاً أمام المعبر، وقضاء ساعات طويلة والقلق يسيطر عليه، خوفاً من ألا يسمح له بالعبور.

ويرى الخبير الفلسطيني المتخصص في الشؤون الإسرائيلية والأسير الفلسطيني المحرر، أسامة الأشقر، أن استمرار تدفق العائدين من مصر إلى قطاع غزة، رغم التعنت الإسرائيلي وأوضاع القطاع، أكبر دليل على أن الفلسطينيين متمسكون بأرضهم، ومُصرون على العودة بغض النظر عن خطورة الأوضاع، أو احتمالية اتساع العمليات الإسرائيلية والخروقات في ظل تأزم حكومة نتنياهو.

وتواصل إسرائيل خروقاتها يومياً في قطاع غزة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، فيما عُرف بـ«خطة السلام»، أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، التي قامت على 15 بنداً، إذ قُتل أكثر من 1200 فلسطيني وأصيب المئات.

ويضيف الأشقر أن أعداد الفلسطينيين المُسجلين بياناتهم للعودة، أكثر من 25 ألف فلسطيني؛ وفق مصادره في السفارة.

وغادر أكثر من 100 ألف فلسطيني قطاع غزة إلى مصر خلال الحرب، من الجرحى ومرافقيهم، وفق تقديرات فلسطينية.

وتابع الأشقر أن «التعنت الإسرائيلي الحالي في تنفيذ بنود اتفاق وقف النار مرتبط بالانتخابات الداخلية، مع تراجع شعبية نتنياهو وحكومته وفق ما توضحه معظم استطلاعات الرأي في الداخل الإسرائيلي».

وتتضمن المرحلة الثانية انسحاب إسرائيل من القطاع، وسحب سلاح حركة «حماس»، وإدارة القطاع من قبل مجلس سلام تم إعلان تشكيله في وقت سابق.

استقبال دفعة جديدة من الفلسطينيين للعلاج في مصر (الهلال الأحمر المصري)

ويضيف الخبير الفلسطيني أن «جهود الوسطاء حالياً سواء في مصر أو قطر أو الولايات المتحدة تعمل على كبح جماح نتنياهو، والحيلولة دون انفجار الأوضاع».

ودخل اتفاق غزة مرحلة جديدة نهاية يوليو (تموز) الماضي، بعد الوصول لتفاهمات بين الوسطاء وحركة «حماس» وفصائل فلسطينية، بشأن ترتيبات تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق الذي تعثر تنفيذه مع اندلاع «حرب إيران».

وأعلن ترمب الشهر الماضي إحراز تقدم فيما يتعلق بخطته لإنهاء حرب غزة التي وافقت عليها إسرائيل وحركة «حماس»، العام الماضي، وهي خطة تتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية ونزع سلاح «حماس»، وتشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار مع قوة شرطة فلسطينية جديدة لتأمين القطاع.


قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
TT

قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)

ضمن رؤية «سوريا بلا مخيمات»، عاد (الأحد) نحو 1077 نازحاً من مخيمات منطقة الدانا في محافظة إدلب شمال غربي سوريا إلى مناطقهم الأصلية في أرياف إدلب وحماة ودمشق. وفي الوقت نفسه، تنخرط الحكومة في دفع مسار عودة النازحين شمال شرقي البلاد إلى مناطقهم الأصلية، بموجب الاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية»، بالتزامن مع احتفال أهالي قرية الغسانية في ريف إدلب بعيد رقاد السيدة العذراء لأول مرة بعد عودتهم إلى قريتهم التي هُجِّروا منها قبل 14 عاماً.

قافلة العودة «217» إلى إدلب (الدفاع المدني السوري)

وضمت قافلة «إدلب 217»، للعودة الطوعية من مخيمات الشمال، 217 عائلة من 79 مخيماً في منطقة الدانا، وتوجهت إلى 30 موقعاً في ريف إدلب، وموقع واحد في ريف حماة، ومثله في ريف دمشق، وفق وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية. وأشارت الوزارة إلى أن هذه القافلة تأتي ضمن الجهود المستمرة لدعم عودة الأهالي إلى مناطقهم وتعزيز الاستقرار في المجتمعات المحلية، في إطار رؤية «سوريا بلا مخيمات»، وتنفيذ المرسوم رقم «59» المتعلق بتأهيل المناطق المتضررة، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة الأهالي إلى مناطقهم الأصلية.

وانطلقت القافلة، الأحد، تحت رعاية محافظة إدلب، وبالتعاون بين مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، ومنظمة «مزن»، و«المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، و«الهلال الأحمر العربي السوري»، ومديرية الطوارئ والكوارث.

ومنذ أكثر من شهر، تستمر حركة قوافل العودة الطوعية من مخيمات الشمال، وفق تصريح مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب، أحلام الرشيد، لوكالة «سانا» الرسمية، لافتةً إلى أن معظم القوافل تتجه إلى ريف إدلب الجنوبي.

احتفالات أهالي قرية الغسانية في ريف إدلب بعيد رقاد السيدة العذراء (سانا)

من جهة أخرى، احتفل أهالي قرية الغسانية التابعة لمنطقة خان شيخون بعيد رقاد السيدة العذراء في 15 أغسطس (آب) الحالي، للمرة الأولى بعد عودتهم رسمياً من النزوح القسري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025. وكان أهالي القرية قد نزحوا منها بشكل جماعي مع اشتداد المعارك في منطقتهم بين عامي 2011 و2012، واتجهوا إلى محافظات اللاذقية وحلب ودمشق أو إلى خارج البلاد. ووفق مصادر إعلامية محلية، كان الاحتفال مميزاً، إذ جاء بعد أشهر من العودة والعمل على ترميم المنازل والأبنية المهدمة.

مخيم في إدلب عام 2023 (أرشيفية الأمم المتحدة)

ولا يزال التدمير وتضرر البنى التحتية للخدمات الأساسية، مثل شبكات المياه والكهرباء، دون عودة آلاف المهجرين إلى مناطقهم. ويقيم نحو مليون سوري في نحو 1150 مخيماً شمال سوريا، ضمن ظروف معيشية قاهرة، منها 801 مخيم في ريف إدلب، و349 في ريف حلب.

وأطلق الرئيس السوري، أحمد الشرع، في مايو (أيار) الماضي خطة «سوريا بلا مخيمات» بوصفها استراتيجية شاملة تهدف إلى إنهاء كامل لملف النزوح الداخلي، وتفكيك كل مخيمات النازحين في البلاد، والوصول إلى حلول مستدامة بحلول عام 2027.

وتدعم الأمم المتحدة خطة «سوريا بلا مخيمات»، حسب تصريح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، برهم صالح، الذي تعهد خلال زيارته مخيمات الشمال في الحادي عشر من شهر أغسطس (آب) الحالي بالعمل وبالتعاون مع المنظمات الدولية الأخرى والدول المانحة على «استحصال الدعم المطلوب لتمكين سوريا من التعافي، والسوريين من تجاوز تحديات الماضي».

برهم صالح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين (الأمم المتحدة)

ووفق أرقام «الأمم المتحدة»، عاد أكثر من 3 ملايين سوري إلى مناطقهم بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، علماً بأن إجمالي المهجرين قسرياً داخل وخارج سوريا خلال سنوات الحرب تجاوز 13.5 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من 50 في المائة من إجمالي عدد السكان.

وحسب تقارير حقوقية ودراسات دولية، شهدت سوريا خلال فترة الصراع مشروعات تغيير ديموغرافي ممنهجة، ولم تكن حركة النزوح واللجوء عارضاً جانبياً للمعارك، بل وظّفتها أطراف عدة لإعادة رسم الخريطة السكانية والسياسية على أساس طائفي وقومي تنسجم مع واقع تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ تتبع لأطراف النزاع المحلية والإقليمية.

ولا تزال رغبة النازحين واللاجئين السوريين في العودة تواجه معوقات معقدة، وبالإضافة إلى الدمار تبرز قضايا نزاعات الملكية العقارية، في المناطق التي تم فيها الاستيلاء على الملكيات وفق قوانين استثنائية أو توطين نازحين من منطقة في منازل نظرائهم في منطقة أخرى.

وفيما تعمل الحكومة، بالتعاون مع منظمات وجهات دولية، على إزالة الركام وإعادة تأهيل البنى التحتية، تعمل هيئات حقوقية حالياً على إبطال مفاعيل قوانين استثنائية سابقة لتمكين العائدين من استعادة منازلهم وأراضيهم التي جرى الاستيلاء عليها أو إعادة تخصيصه. فهل تتمكن سوريا من اجتياز هذه العوائق المعقدة، وتطوي فعلياً صفحة ما خلفته مشروعات التغيير الديموغرافي.