مستقبل العلاقات الفرنسية - الجزائرية رهن تجاوز خلافاتهما العميقة

بادرة الرئيس تبون بالعفو عن صنصال تنتظر لفتة مشابهة من الرئيس ماكرون، فهل ستأتي؟

TT

مستقبل العلاقات الفرنسية - الجزائرية رهن تجاوز خلافاتهما العميقة

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبع بإيطاليا يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبع بإيطاليا يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

السؤال المطروح اليوم على ضفتي المتوسط واحد: هل ستسخّر باريس والجزائر إطلاق سراح بوعلام صنصال، الكاتب مزدوج الجنسية، الذي سجن في الجزائر لفترة تقارب العام الكامل، ولم يخرج من سجنه إلا بفضل وساطة فعالة قام بها الرئيس الألماني بطلب من باريس، للسير نحو تطبيع علاقاتهما المتوترة منذ نحو عام ونصف عام أو على الأقل، استئناف الحوار حول خلافاتهما العديدة والمستحكمة؟

توجه فرنسي جديد

ترى مصادر سياسية في باريس أن «كل طرف بحاجة للطرف الآخر، ولكليهما مصلحة واضحة في إعادة مياه العلاقات إلى مجاريها الطبيعية». بيد أنها تسارع إلى القول إن «الخلافات التي تراكمت بينهما في العامين الأخيرين صعبة ومعقدة إلى درجة أنه قد يكون من السذاجة القول إنهما سيتمكنان سريعاً من قلب صفحة التصعيد». من هنا، فإنها تدعو إلى «ترقب ما قد يصدر عن فرنسا» التي من المنتظر منها أن ترد على بادرة الجزائر الإيجابية التي مرت عبر الوسيط الألماني.

الرئيس ماكرون خلال احتفالية إحياء ذكرى مرور عقد على هجمات 13 نوفمبر 2015 في باريس (أ.ف.ب)

ومن هذه الزاوية، ثمة من يرى أن إقدام الرئيس ماكرون على «تقديم الشكر» لنظيره الجزائري عبد المجيد تبون على لفتته لن يعدّ كافياً، وأن المطلوب بادرة ما فرنسية تقابل البادرة الجزائرية. بيد أن الأنظار تتجه إلى احتمال اجتماع الرئيسين على هامش قمة العشرين في جوهانسبرغ نهاية الأسبوع المقبل، والتي ستسبقها في الأيام القليلة المقبلة زيارة أمينة عام وزارة الخارجية الفرنسية إلى الجزائر، وبعدها الزيارة المرتقبة لوزير الداخلية لوران نونييز التي يتوقع أن تتم قبل نهاية العام الحالي.

وبعد التصعيد المتبادل الذي كان سيد الموقف في الأشهر الأخيرة، والتهديد الفرنسي بإعادة النظر في اتفاقية عام 1968 بين البلدين الخاصة بإقامة وعمل المواطنين الجزائريين في فرنسا، ودعوة وزير الداخلية السابق برونو روتايو إلى اعتماد سياسة «لي الذراع» مع الجزائر، ثمة توجهات جديدة للدبلوماسية الفرنسية تركز على أهمية «الاحترام»، وتدعو إلى «التهدئة والحوار»، وهو ما جاء على لسان ماكرون ورئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو، وأيضاً لوران نونيز. وتربط الأخير «علاقة خاصة» بالجزائر؛ كون عائلته الإسبانية الأصل هاجرت إلى الجزائر ولم تتركها إلا في عام 1062، حيث انتقلت إلى فرنسا.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يلقي خطاباً في وزارة الدفاع 9 أكتوبر الماضي (الرئاسة)

كافة هذه العناصر تبدو إيجابية. لكن قراءة ما حصل بين البلدين في العامين الأخيرين تقلل من وقعها. فإذا كان لقاء ماكرون - تبون يعد علامة فارقة على الرغبة في تخطي حال القطيعة، فإنه لن يكون كافياً. فالرئيسان التقيا في باري «إيطاليا» يوم 13 يونيو (حزيران) من العام الماضي، على هامش قمة السبع، وصدرت عقبها تصريحات تشدد على تنفيذ ما تضمنه إعلان الجزائر الذي صدر بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها ماكرون قبل ذلك بعامين إلى الجزائر ومسائل أخرى. لكن هذا اجتماع لم يحل دون الانعطافة الحادة التي قام بها ماكرون، نهاية يوليو (تموز) 2024، ومعه دبلوماسية بلاده بشأن ملف الصحراء الغربية واعترافه عملياً بسيادة المغرب عليها، الأمر الذي أصاب علاقات البلدين الثنائية بنكسة كبيرة كانت السبب الأول في القطيعة بينهما. ولذا، يجدر التساؤل حول كيفية التغلب على هذه العقبة الكأداء و«الثمن» الذي قد تطلبه الجزائر لتخطيها.

ضرورة التعاون الأمني

بيد أن هذه الصعوبة، رغم أهميتها، ليست الوحيدة التي تسمم العلاقات بين البلدين. فالجانب الفرنسي يبدو محبطاً من كيفية تعاطي وتعاون الجزائر في ملف الجزائريين الذين صدرت بحقهم قرارات ترحيل إلى بلادهم التي لا يمكن أن تتم إلا بموافقة الطرف الجزائري عبر الحصول على الضوء الأخضر من القنصليات الجزائرية في فرنسا.

الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)

وليس سراً أن هذا الملف الذي استخدمه برونو روتايو وسيلةَ ضغط على الجزائر أثار دوماً حفيظة الطرف الآخر الذي رد عليه بإعطاء تعليمات لقناصله برفض التعاون مع السلطان القضائية والأمنية الفرنسية. كذلك وضع الطرف الجزائري حداً للتعاون بين أجهزة البلدين الأمنية خصوصاً فيما يتعلق بالجهاديين وبالأعمال الإرهابية، ما حرم باريس من معلومات ثمينة كانت تصلهم من زملائهم الجزائريين.

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ إن كل طرف اتخذ إجراءات ضد مصالح الطرف الآخر أو هدد باتخاذها. وكان لافتاً لجوء الطرفين إلى عمليات طرد دبلوماسيين وإثارة قضايا مزعجة للطرف الآخر مثل مطالبة الجزائر بإعادة النظر بأوضاع المواقع والأبنية والأرض التي تشغلها فرنسا في الجزائر، أو تفضيل الجزائر تعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية مع إيطاليا وألمانيا على حساب فرنسا. والطرف الجزائري هاله قرار فرنسا إعادة النظر باتفاقية عام 1968 أو إقدامها على خفض عديد تأشيرات الدخول إلى أراضيها، أو التضييق على حملة الجوازات الدبلوماسية الجزائرية التي منحت لمئات الأشخاص الذين لا يحملون صفة دبلوماسية.

ويصعب في هذا المقام إقامة ثبت متكامل للمسائل الخلافية بين الطرفين، وهي صعوبات حقيقية وجدية. وما يضاعف من وقعها الخلفية التاريخية الدامية بين الدولة المستعمرة السابقة والدولة التي حصلت على استقلالها بعد حرب طويلة ومكلفة. لكن، بالمقابل، فإن هذه العلاقة التاريخية هي التي تجعل «القطيعة» بين الطرفين عبثية. ويكفي للتأكد من ذلك، النظر إلى أهمية الجالية الجزائرية الموجودة في فرنسا والعلاقات الإنسانية الوثيقة بين ضفتي المتوسط.

يضاف إلى ما سبق أن للطرفين مصلحة في التعاون في منطقة الصحراء التي اضطرت فرنسا للخروج منها عسكرياً وتباعاً في العامين الأخيرين بعد الانقلابات العسكرية التي ضربت مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتبدل اتجاهات سياسة تشاد إزاء باريس. فالقوات الفرنسية أخلت قواعدها في هذه البلدان التي تعاني من استقواء المنظمات الجهادية، الأمر الذي يقلق الجزائر وفرنسا معاً. وتراقب الأولى ما يحصل في هذه المنطقة ومدى تأثيرها على أمنها الوطني خصوصاً مع مالي التي تتشارك معها حدوداً بطول 1400 كلم. وسبق للجزائر أن عانت من تسلل عناصر جهادية إلى أراضيها، ومن عمليات إرهابية في الأعوام 2013 و2020 و2022 وغيرها. لذا، يبدو طبيعياً أن يعود الجانبان إلى التعاون الأمني والعسكري في المنطقة المعنية؛ كون مصالحهما مهددة معاً.

تبرز، مما سبق، صورة العلاقات الفرنسية - الجزائرية البالغة التعقيد. ورغم قناعة الطرفين بفائدة التعاون وما له من مردود إيجابي عليهما، فإن التداخل بين ذكريات الماضي الأليمة وواقع الحاضر المتشابك يدفعان إلى الحذر في الحكم على ما ستكون عليه علاقاتهما في القادم من الأيام.


مقالات ذات صلة

صعود اليمين المتطرف يهدد بنسف «مصالحة الذاكرة» بين الجزائر وباريس

شمال افريقيا أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

صعود اليمين المتطرف يهدد بنسف «مصالحة الذاكرة» بين الجزائر وباريس

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية يبرز تساؤل مُلحّ: ما مصير سنوات من العمل المشترك بين الجزائر وباريس حول ملف «مصالحة الذاكرتين» بين البلدين؟

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية اتحاد العاصمة توّج بلقب الكونفدرالية الأفريقية (رويترز)

بعد أيام من التتويج بـ«الكونفدرالية»... اتهامات بالخيانة تهز اتحاد العاصمة

أطلق سعيد عليق، المدير الرياضي لنادي اتحاد العاصمة، اتهامات خطيرة بحق أطراف مسؤولة ومحسوبة على الفريق الجزائري.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية منتخب الجزائر يستعد للمونديال بتشكيلة شابة (منتخب الجزائر)

الجيل الجديد يقود طموحات الجزائر في المونديال

يمرُّ المنتخب الجزائري بمرحلة انتقالية واعدة، يقودها جيل جديد من اللاعبين الشبان الذين يجمعون بين الموهبة والخبرة والسن المثالي، للتألق في البطولات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا اجتماع الإعلان عن التغيير في قيادة الأمن الداخلي بإشراف الوزير المنتدب للدفاع (وزارة الدفاع)

الجزائر: إقالة «الجنرال حسان» تفتتح مرحلة «إعادة التموضع» ومواجهة التحديات الإقليمية

أشرف الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، على التنصيب الرسمي للواء منير زاهي مديراً عاماً للأمن الداخلي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

صدور قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» للجزائر في الجريدة الرسمية

صدر في الجريدة الرسمية للدولة الجزائرية قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ 14 يونيو 1830 حتى الخامس من يونيو 1962، وآثاره المباشرة وغير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تضييق فرنسي جديد على «الإخوان» يُعمّق الحصار الغربي للتنظيم

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

تضييق فرنسي جديد على «الإخوان» يُعمّق الحصار الغربي للتنظيم

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

جاء قرار القضاء الفرنسي بحظر إقامة مؤتمر يتبع «جماعة الإخوان المسلمين» في مدينة نانت تعميقاً للحصار الغربي على التنظيم المحظور في عدد من الدول، وهو ما عدَّه خبراء ومحللون مصريون «تطوراً مهماً في مسار حظر أنشطة (الإخوان) في الغرب».

وقد رفضت المحكمة الإدارية في نانت طعناً تقدم به منظمو مؤتمر «لقاء المسلمين في الغرب»، وأيدت قرار محافظة لوار - أتلانتيك ووزارة الداخلية بحظر المؤتمر الذي كان مقرراً عقده يومَي 23 و24 مايو (أيار) 2026 في مسجد السلام بحي مالاكوف في مدينة نانت.

ووصف رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو قرار محكمة مدينة نانت بأنه «خطوة مهمة في مواجهة تسلل (جماعة الإخوان المسلمين)». وقال لوكورنو، في منشور على منصة «إكس»، السبت: «في مواجهة الإسلام السياسي يجب على فرنسا أن تكون حازمة ودقيقة دون أي شائبة قانونية».

وجاء حظر اللقاء ضمن حملة تضييق فرنسية متصاعدة لمواجهة ما تصفه باريس بـ«الإسلام السياسي» وأنشطة التنظيم على أراضيها. وسبق أن اتخذت فرنسا إجراءات مشابهة شملت حل جمعيات، ومنع فعاليات، ومراقبة خطب المساجد.

وعدّ أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، القرار الفرنسي بمنزلة «تطور مهم في مسار حظر أنشطة (الإخوان) في الغرب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القرار «يعكس اتجاهاً لمزيد من التضييق على أنشطة الجماعة أو الكيانات المرتبطة بها أو المحسوبة عليها، حتى تلك التي تسامحت معها العواصم الأوروبية في الماضي».

وأضاف: «القرار له سياق أوسع يتعلق بصعود الاتجاهات اليمينية في أوروبا، وتنامي المخاوف من الانعزالية والمجتمعات الموازية داخل دول القارة العجوز».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي صنّفت واشنطن «جماعة الإخوان» بمصر، وكذلك فرعها في كل من الأردن ولبنان، «منظمات إرهابية»، وتلاه في مارس (آذار) الماضي وضع فرعها في السودان بالقائمة ذاتها.

وسبق أن وافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي في يناير الماضي على دعوة المفوضية الأوروبية لإضافة «جماعة الإخوان» وقادتها إلى قائمة المنظمات الإرهابية.

وفي هولندا بدأت السلطات تتحرك لحظر «الإخوان»، وأشارت تقارير إعلامية محلية الشهر الماضي إلى أن «هناك تصويتاً برلمانياً يفتح باب المواجهة في أوروبا».

وأشار سلطان إلى أن «الحملة الأوروبية ضد (الإخوان) - وفرنسا مركز قيادي في هذه الحملة وإجراءاتها - حفزت دولاً أخرى على اتخاذ خطوات ضد الجماعة، تتسع يوماً بعد يوم، والتفاهمات القديمة التي كانت موجودة بين بعض الدول الأوروبية و(الإخوان) قد انتهت، وأصبح هناك واقع جديد».

وقال: «التنظيم بدوره يتعامل مع هذا الواقع باعتباره عاصفة تستهدف اقتلاعه من جذوره؛ لذا فهو لا يلجأ للوقوف في وجهها، أو الصدام المباشر مع الحكومات الأوروبية، وإنما يلجأ لنهجه العتيق القائم على مبدأ علانية الدعوة وسرية التنظيم».

وتوقع أن يرد التنظيم على القرار الفرنسي بسلك المسار القضائي، والعمل على إلغاء هذه القرارات بالحصول على أحكام قضائية ضدها، وأن يلجأ إلى «مزيد من التشدد والسرية والانعزالية، لكن في نهاية المطاف الخطوات المتخذة ستؤثر عليه حتماً».

وقبل أسابيع ربط تقرير للبيت الأبيض الأميركي بين الجماعة وبين تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش»؛ إذ وصفها بأنها «أصل الإرهاب الحديث».

وقال الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، إن قرار فرنسا «يأتي على خلفية شعورها بأن (الإخوان) يمثلون تهديداً لقيم الجمهورية، وأنها تتسلل بشكل ناعم للداخل الفرنسي»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هذا الشعور بالخطر بدأ منذ عودة الهجمات الإرهابية في عام 2015، وامتد لكل أوروبا».

وأكد أن القرار إلى جانب خطوات أخرى من مختلف دول العالم سيؤثر على التنظيم، متوقعاً تفككه وشبكته المالية خلال عامين نتيجة الحصار الغربي على الجماعة.


الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)
ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)
TT

الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)
ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)

يشتكي الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا من «الإقصاء السياسي» منذ دخول البلاد مرحلةَ البحث عن صيغة جديدة للاستقرار في أعقاب سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عام 2011.

وعلى أثر اجتماعات أحدث اللجان التي شكّلتها البعثة الأممية، والممثلة في لجنة «4+4» المعروفة بـ«المجموعة المصغرة»، لتجاوز خلافات مجلسي النواب و«الدولة» بشأن إيجاد مقاربة للخروج من حالة الانسداد الراهنة، عبّرت ما تعرف بـ«تنسيقية الشعوب الأصلية الليبية» المتحدثة عن الأمازيغ والطوارق والتبو عن انزعاجها من تشكيل اللجنة.

المنفي في لقاء سابق مع اللجنة الاستشارية للمجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا (مكتب المنفي)

وعبّرت التنسيقية، الممثلة للمجلسين الأعلى للأمازيغ والطوارق و«التجمع الوطني التباوي»، في مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مساء السبت، عن «قلقها ورفضها» لما وصفته بـ«المسار الإقصائي الخطير» الذي قالت إنه «جرى من خلاله تشكيل لجنة (4+4) المصغرة المعنية بمناقشة القضايا المصيرية المتعلقة بمستقبل ليبيا وشعبها».

وسبق أن أرجعت نائبة المبعوثة الأممية للشؤون السياسية ستيفاني خوري، إطلاق «المجموعة المصغرة» إلى استمرار الخلافات بين «مجلس النواب» و«المجلس الأعلى للدولة»، وقالت إنهما «لم يحرزا تقدماً كافياً نحو الخطوات اللازمة لخريطة الطريق، منذ إعلان المبعوثة هانا تيتيه عنها أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) من العام الماضي».

ورأت التنسيقية أن «هندسة هذه اللجنة جاءت بصورة تعكس هيمنة مكوّن واحد، والاستمرار المتعمد في تغييب وإقصاء بقية الشعوب الأصلية، مما يعد انحرافاً خطيراً عن مبادئ الشمولية والشراكة الوطنية، ويمثل تهديداً مباشراً لمصداقية العملية السياسية التي ترعاها البعثة الأممية».

وذهبت إلى أن «محاولات فرض هيمنة أحادية على هيكلية المفوضية، وتوزيع مقاعدها وفق محاصصات ضيقة ومغلقة، تمثل مساساً خطيراً بمبدأ الحياد والاستقلالية الواجب توافرهما في هذا الجسم السيادي، وتحوله من مؤسسة وطنية جامعة إلى ساحة صراع سياسي فاقدة للثقة والقبول».

وعقدت لجنة «4+4» اجتماعها الثاني في 12 مايو (أيار) الحالي بمكتب البعثة الأممية في تونس، وقالت إنها «تناولت، عقب نقاشات بنّاءة، الأطر الدستورية والقانونية للانتخابات العامة؛ واتفق المشاركون على الحفاظ على هذا الزخم الإيجابي، واستئناف اللقاء مطلع شهر يونيو (حزيران) المقبل».

وتشدد البعثة عادةً على ضرورة مشاركة جميع الأطياف الليبية في صناعة مستقبلهم السياسي، لكن الأمازيغ والطوارق والتبو أبدوا تخوفهم من مخرجات اللجنة. وقال أعضاء اللجنة إن «الانفراد بصياغة النصوص الدستورية والتشريعية الخلافية، بما في ذلك شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، وتزامن الاستحقاقات، والنصوص المتعلقة بالمكونات الثقافية، دون مشاركة فعلية للشعوب الأصلية، يعد انتهاكاً لحقوقنا السياسية والدستورية، ومحاولة لفرض ترتيبات مفصلة لخدمة قوى بعينها على حساب مبدأ الشراكة الوطنية المتكافئة».

ويضيف أعضاء اللجنة أن «استمرار إقصاء الشعوب الأصلية من هذه الترتيبات المصيرية يرسّخ ثقافة التهميش، ويمنح غطاءً سياسياً لطرف واحد يتجاوز شركاءه في الوطن، الأمر الذي يقوض أسس التوافق الوطني ويهدد مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد».

وكان عميد بلدية نالوت، عبد الوهاب الحجام، قد استقبل هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري، في 12 يونيو (حزيران) 2025، إثر زيارة رسمية إلى مدينة نالوت الواقعة في المنطقة الغربية من ليبيا.

وصعّد الأمازيغ والطوارق والتبو في مواجهة البعثة، وقالوا: «نعلن بوضوح فقداننا الثقة في حياد البعثة الأممية، التي بات دورها للأسف أقرب إلى رعاية ترتيبات المحاصصة السياسية، بدلاً من حماية مبادئ العدالة والشمولية والتوازن الوطني، خلافاً لما تنص عليه المواثيق والمعاهدات الدولية».

الدبيبة مستقبلاً وفداً من قبائل الطوارق يوم 15 يونيو 2025 (مكتب الدبيبة)

وطالب الأمازيغ والطوارق والتبو بـ«الوقف الفوري والكامل» لجميع التفاهمات والمخرجات الأحادية الصادرة عن لجنة «4+4»، والمتعلقة بإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أو تعديل القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، مهددين بمقاطعة الانتخابات العامة حال إجرائها.

كما شددوا على ضرورة «إعادة هيكلة المسار التوافقي والسياسي بشكل عاجل، بما يضمن تمثيلاً مباشراً وكاملاً ومستقلاً للأمازيغ والتبو والطوارق، باعتبارهم شركاء أصيلين في صياغة الحل الوطني»، مؤكدين أهمية «الالتزام الصريح بعدم اعتماد أو تمرير أي نصوص أو ترتيبات سياسية أو قانونية لا تستند إلى مبدأ الشراكة الوطنية الشاملة والتمثيل العادل».

واختتموا «مؤكدين بشكل قاطع أن أي وثيقة، أو قانون، أو تشكيل للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ينتج عن سياسة الإقصاء وهيمنة المكوّن الواحد، لن يحظى بأي شرعية سياسية أو قانونية أو قبول مجتمعي من قبلنا، وسنعتبره كأن لم يكن».

وفي السابع من الشهر الحالي، استقبل رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، في العاصمة طرابلس، اللجنة الاستشارية للمجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، وتطرقت المناقشات إلى ملف حقوق المكونات الثقافية والاجتماعية في ليبيا، حيث جرى التأكيد على أهمية حماية التنوع الوطني باعتباره إحدى ركائز الوحدة الوطنية، مع ضمان مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبل البلاد دون تهميش أو إقصاء.


«الأعلى للدولة» الليبي يفشل في عزل رئيس «الرقابة الإدارية»

اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا (المكتب الإعلامي للمجلس)
اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا (المكتب الإعلامي للمجلس)
TT

«الأعلى للدولة» الليبي يفشل في عزل رئيس «الرقابة الإدارية»

اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا (المكتب الإعلامي للمجلس)
اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا (المكتب الإعلامي للمجلس)

وسط انقسام واضح بين أعضاء المجلس الأعلى للدولة في ليبيا بشأن المكلّف برئاسة هيئة الرقابة الإدارية، عبد الله قادربوه، تحولت الجلسة المقرر عقدها، الأحد، في العاصمة طرابلس إلى جلسة تشاورية بعد فشل اكتمال النصاب القانوني.

وكان 75 عضواً قد طالبوا بعقد جلسة طارئة لمناقشة ما اعتبروه «تجاوزات» من قبل قادربوه و«استغلاله لمنصبه»، إلا أن خلافات داخلية حالت دون اكتمال النصاب المطلوب لعقد الجلسة بشكل رسمي.

وقال مصدر في المجلس لـ«الشرق الأوسط» إن الجلسة التشاورية، التي عقدت الأحد، وكان يفترض أن تناقش ملف قادربوه، الذي سبق وكلفه الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة خالد المشري، لم تتخذ أي قرارات ملزمة، بإقالة قادربوه أو تعيين وكيل يحد من صلاحياته.

اجتماع سابق لقادربوه وأعضاء من المجلس الأعلى للدولة (الرقابة الإدارية)

ويأتي هذا التطور بعد موجة استياء واسعة داخل المجلس وخارجه، إثر تكريم هيئة الرقابة الإدارية لهدى بن عامر المسؤولة السابقة في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، التي ارتبط اسمها بوقائع إعدام مواطنين، وذلك خلال إعلان تقريرها السنوي، وهو ما اعتبره العديد من الأعضاء والناشطين خطوة استفزازية.

ويُظهر فشل اكتمال النصاب عمق الانقسام داخل المجلس حول ملف رئاسة الهيئات السيادية، خاصة هيئة الرقابة الإدارية، التي تعد من أبرز المؤسسات المسؤولة عن مكافحة الفساد.

ومن المتوقع، بحسب مراقبين، أن يستمر الجدل حول مستقبل قادربوه في الأيام المقبلة، في ظل صعوبة توحيد المواقف بين التيارات المختلفة داخل المجلس، وسط جهود متواصلة ومتعثرة للتوافق مع مجلس النواب بشأن القوانين الانتخابية و«المناصب السيادية»، التي غالباً ما تعرقل الخلافات المزمنة بشأنها أي تقدم في المسار الانتخابي.

ويخشى هؤلاء من أن يؤدي أي قرار بإقالة قادربوه أو تقييد صلاحياته إلى مزيد من التوتر بين مجلس الدولة وخصومه السياسيين، خاصة في ظل الانقسام الواضح بين المؤسسات الشرقية والغربية.