على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

TT

على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

الملك تشارلز يعتني شخصياً بدجاجاته في قصر هايغروف (إكس)
الملك تشارلز يعتني شخصياً بدجاجاته في قصر هايغروف (إكس)

في الـ77 من عمره، ما زال الملك تشارلز يحافظ على كيلوغراماته الـ72 التي رافقته منذ سنوات الشباب. فمن المعروف عن العاهل البريطاني تمسّكُه بحميةٍ صحية، وبنشاطٍ رياضيّ منتظم قائم بمعظمه على السير في الطبيعة لمسافات طويلة، إلى درجة أنّه استحق لقب «الماعز الجبلي» من قبَل زوجته الثانية كاميلا.

يمشي الملك تشارلز مسافات طويلة في الطبيعة (موقع العائلة البريطانية المالكة)

فطور الملك تشارلز

أكان مستيقظاً أم لا وفي تمام التاسعة صباحاً، يعلن مزمار القربة الاسكوتلندي انطلاقة يومٍ جديد من تحت نوافذ غرفة نوم الملك. هكذا يقتضي التقليد الذي ورثه عن أسلافه ووالدته الملكة إليزابيث.

يبدأ يوم الملك بالاستماع إلى نشرة الأخبار عبر الراديو، يليه طعام الفطور. قلّما تتبدّل مكوّنات تلك الوجبة الأساسية في يوم تشارلز، وهي تقوم على فاكهة الموسم الطازجة على رأسها الخوخ عندما يكون متوافراً. تُضاف إليها المكسّرات النيئة والموسلي، أي مزيج الحبوب والفاكهة المجففة، والذي غالباً ما يتناوله مع الحليب أو اللبن.

فاكهة الموسم هي جزء أساسي من فطور الملك تشارلز (أ.ف.ب)

يحضر على مائدة الفطور الملكيّة كذلك الخبز المصنوع في مطابخ القصر، والمكوّن من طحين الشعير الأسود أو من دقيق الحنطة على الطريقة التقليدية. مع هذا الخبز، لا يفوّت تشارلز تناول البيض المسلوق نصف سلقة. هكذا يحبه وهو يصرّ على ألّا تتخطّى مدة السلق الدقائق الـ3.

بيضة مع كل وجبة

في مقره الريفي المفضّل، قصر هايغروف، وضع الملك تشارلز لمساته الخاصة على جنّته العضويّة. هناك تمتدّ على مساحات شاسعة حدائق الزراعات العضويّة من خضار وفاكهة، وهناك أيضاً تعدو الدجاجات التي تبيض بيضه المفضّل.

الملك تشارلز يعتني شخصياً بدجاجاته في قصر هايغروف (إكس)

وفق اثنين من طهاته السابقين، فإنّ الملك تشارلز «ركّز على الإنتاج الغذائي العضوي قبل أن يجري اختراعه حتى». ويضيف دارن ماك غرايدي وكارولين روب، في حوارٍ أجري معهما عام 2023، أنّ مزرعة هايغروف كانت من بين أولى المزارع العضوية المرخّصة في المملكة المتحدة. وفي عام 1990، أطلق تشارلز علامته التجارية الخاصة للأغذية العضوية «داتشي أوريجينالز» والتي ما زالت تُسوّق حتى اليوم في كبرى متاجر إنجلترا.

بالعودة إلى البيض، فهو رفيق كل وجبة يتناولها الملك. غالباً ما يكون مسلوقاً، أما إذا أراد أن يكسر القواعد الصحية، فيطلب طبق البيض المخبوز مع الجبن وهو أحد أطباقه المفضّلة، وفق منشورٍ صادر عام 2020 عن المقر الرسمي للملك «كلارنس هاوس».

غداء تشارلز... نصف حبّة أفوكادو

بمناسبة عيد ميلاده الـ70 في 2018، نشر القصر الملكيّ مجموعة من المعلومات عن تشارلز الذي كان ما زال أميراً حينذاك. من بين تلك المعلومات أنه لا يتناول طعام الغداء، فيكتفي بوجبتَي الفطور والعشاء يومياً. وكان المراسل الملكيّ السابق لصحيفة «تلغراف» قد صرّح نقلاً عن تشارلز، بأنه يعتبر وجبة الغداء ترَفاً تتداخل وجدول أعماله المزدحم.

إلا أنه، ومنذ تشخيصه بنوعٍ حميد من سرطان البروستاتا مطلع 2025، اضطر الملك تشارلز إلى كسر تلك العادة التي رافقته منذ 40 عاماً. لكن رغم نصائح الأطباء، فهو يصرّ على وجبة غداء في غاية البساطة والتقشّف. ووفق صحيفة «ذا ميل أون صنداي»، فإنّ تشارلز بات يأكل نصف حبة أفوكادو على الغداء، إنما «بكثير من التردد».

منذ تشخيصه بنوع حميد من السرطان بدأ تشارلز يتناول وجبة غداء خفيفة (رويترز)

قليلٌ من اللحم... كثيرٌ من النبات

في حوار أجرته معه شبكة «بي بي سي» عام 2021، كشف تشارلز أنه لا يتناول اللحم والسمك أكثر من مرتَين أسبوعياً. كما أنه يمتنع عن الحليب ومشتقّاته مرةً في الأسبوع. أما أحد شروطه المتعلّقة بالطعام، فهو أن تترافق كل وجبة يتناولها مع طبق من السلَطة.

أسبابٌ كثيرة تدفع به إلى اتّباع حميةٍ غذائية نباتية بمعظمها. من بين تلك الأسباب، الوعي البيئي الذي يشتهر به أسلوب حياة تشارلز. إضافةً إلى ذلك فهو حَذرٌ من المضار الصحية التي تتسبب بها اللحوم المصنّعة. وكتأكيدٍ على ميوله النباتيّة، فقد أعلن قصر باكينغهام عن حاجته لطبّاخ متخصص في الأطباق النباتية من أجل الطهو للملك الجديد؛ حدث ذلك خلال الشهر الأول من تولّيه العرش عام 2022.

لا يتناول الملك تشارلز اللحم والسمك سوى مرتين في الأسبوع (إنستغرام)

وفق الشيف غراهام نيوبولد الذي عمل سابقاً في القصر الملكي البريطاني، فإنّ تشارلز اعتاد منذ سنوات طويلة أن يأخذ طعامه النباتيّ معه خلال جولاته الطويلة داخل إنجلترا. وفي حديث صحافي، قال نيوبولد إنّ سلّة الطعام غالباً ما ترافق الملك من محطة إلى أخرى، وهي تحوي الخبز المصنوع على الطريقة التقليدية، والفاكهة والعصائر الطازجة، إضافةً إلى مكسّراته وفاكهته المجففة، و6 أنواع من العسل.

فطيرة طائر الدرّاج

إلى جانب قائمة طعامه اليومية المكوّنة من الفاكهة والبيض والحبوب الكاملة والخضر والأفوكادو، تدخل أطعمة أخرى إلى حمية تشارلز. لدَيه علاقة خاصة بالفطر، وهو لا يكتفي بأكله بل يخصص رحلاتٍ إلى الغابة المحيطة بمقرّه في هايغروف لقطفه شخصياً. كما أن الملك هو من محبّي سمك السلمون، والجبن الذي غالباً ما يتناوله مع البسكويت.

علاقة تشارلز بالأرض والزراعة العضوية تعود لسنوات طويلة (موقع قصر هايغروف)

من بين المطابخ العالمية، يحب الملك تشارلز المطبخ الإيطالي مع أفضليّة واضحة لطبق الريزوتو مع الفطر. وفي الأيام التي لا يمتنع فيها عن تناول اللحم، يطلب من الطهاة أن يعدّوا له هذا الطبق مع لحم الخروف.

لكن تبقى فطيرة طائر الدرّاج طبقه المفضّل على الإطلاق. هذا ما كشفه ضمن حوار أجراه مع مجلة «كاونتري لايف» البريطانية بمناسبة عيد ميلاده السبعين قبل سنوات. فقد وصف تشارلز تلك الفطيرة المقرمشة والمكوّنة من لحم طائر الدرّاج والخضار والصلصة البيضاء، باللذيذة جداً واضعاً إياها في صدارة أطباقه المفضّلة.

فطيرة طائر الدرّاج طبق تشارلز المفضّل (فيسبوك)

شاي ورَقيّ للملك تشارلز

لا يحب الملك تشارلز القهوة فهو، كما كل بريطاني، من عشّاق الشاي. يفضّل احتساءه برفقة البسكويت، مع العلم بأنّه ليس من هواة الشوكولا.

إلا أنّ شاي الملك ليس كأي شاي آخر. وفق صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، فإنّ صنفه المفضّل هو «دارجيلنغ» وهو شاي فاخر يُزرع في منطقة دارجيلنغ الهندية عند سفوح جبال الهيمالايا، ويتميز بنكهة الزهور وبعطره الشبيه برائحة المسك. يعلم كل طهاة القصور الملكية البريطانية أن شاي الملك مصنوع من الأوراق وليس من الأكياس الجاهزة. أما الرفيقان الدائمان لفنجان شاي تشارلز، فالقليل من الحليب والعسل.


مقالات ذات صلة

تقرير: الأمير ويليام يرفض التخلي عن هواية تثير قلق كيت ميدلتون

يوميات الشرق الأمير البريطاني ويليام وزوجته كاثرين يغادران مراسم يوم الرباط لعام 2026 في قلعة وندسور (رويترز)

تقرير: الأمير ويليام يرفض التخلي عن هواية تثير قلق كيت ميدلتون

في حياة العائلات الملكية، قد تبدو التفاصيل اليومية بعيدة عن الواقع المألوف، إلا أن بعض القضايا الشخصية تظل مشتركة بين الجميع، مهما اختلفت المكانة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق كيت ميدلتون أميرة ويلز (إ.ب.أ)

بريطانيا: عامل صحي سابق حاول بيع سجلات أميرة ويلز الطبية

تم تحذير عامل رعاية صحية سابق في بريطانيا بعد محاولته الحصول على السجلات الطبية لكيت ميدلتون أميرة ويلز وبيعها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير البريطاني ويليام ونجله الأمير جورج (رويترز)

قصر كنسينغتون يعلن وجهة الأمير جورج التعليمية

كشف قصر كنسينغتون عن المرحلة التعليمية المقبلة للأمير جورج، في خطوة تعكس استمرار تقاليد العائلة المالكة البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الشرطة عند مدخل «رويال لودج» وهو عقار يقع ضمن ممتلكات قلعة وندسور غرب لندن (رويترز)

عيون ساهرة على حماية العائلة المالكة في بريطانيا... غفت

‌قالت شرطة لندن إن أكثر من 20 من أفرادها المكلفين بحماية العائلة ​المالكة أوقفوا عن العمل بعد اتهام بعضهم بالنوم في قلعة وندسور، وترك مواقعهم من دون مراقبة.

«الشرق الأوسط» (لندن )
يوميات الشرق دخل الملك كأنه جزء من العرض (رويترز)

الملك تشارلز يُفاجئ جمهور شكسبير... وظهور يُشعِل «العاصفة»

خطف الملك تشارلز الثالث أنظار جمهور مسرحية «العاصفة» بعدما ظهر بشكل مفاجئ خلال العرض الذي قدَّمته «فرقة شكسبير الملكية».

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».