رحلة في ذاكرة الحجيج… من دروب الرمال إلى «قطار الحرمين»

«دارة الملك عبد العزيز» ترسم رحلة الحج بـ«مائة عام من العناية بالحرمين»

الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
TT

رحلة في ذاكرة الحجيج… من دروب الرمال إلى «قطار الحرمين»

الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)

في صالة تفيض برائحة التاريخ وصور الملوك والرحالة، تفتح «دارة الملك عبد العزيز» بوابة على قرن من الزمان، لتُعيد رسم ملامح رحلة الحج كما لم تُروَ من قبل.

المعرض الذي يحمل عنوان: «100 عام من العناية بالحرمين الشريفين» ليس مجرد توثيق، بل سردٌ بصري يحكي قصة العطاء والخدمة منذ عام 1925 وحتى يومنا هذا، مروراً بمائة عام من رعاية ضيوف الرحمن والعناية بهم.

صورة خلال مرور الحجاج بقصر المعابدة عام 1931 تُظهر تنوع وسائل السفر حينها (دارة الملك عبد العزيز)

تتوزع أركان المعرض في مسار زمني حيّ، يروي كيف تحوّل الحج في ظل الدولة السعودية من رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر، إلى تجربة روحانية آمنة تُدار بأحدث التقنيات... إنها حكاية وطن جعل من خدمة الحرمين مشروعاً حضارياً، ومن راحة الحاج رسالةً مستمرة عبر الأجيال.

من دروب القوافل إلى أجنحة الطائرات

في المحور الأول من «مؤتمر ومعرض الحج والعمرة»، في نسخته الخامسة بجدة، يستقبل الزائر مشهد سينمائي بالأبيض والأسود يعود إلى عام 1928، يظهر فيه الحجاج على ظهور الرواحل تتهادى فوق رمال صبورة، والشقادف تُظلِّلهم في طريق طويلة نحو الحجاز.

تسود القاعة أجواءُ رهبة ممزوجة بالإعجاب؛ فكل صورة هنا ليست مجرد لقطة، بل شهادة على زمن كانت فيه رحلة الحج امتحاناً للصبر والإيمان.

إحدى الوثائق النادرة المعروضة تعود إلى عام 1926، تكشف عن متابعة الملك المؤسس، عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الدقيقة لشؤون الحجاج، وحرصه على أمنهم وسلامتهم خلال أداء المناسك.

إلى جوارها، صور التقطها الرحالة عبد الله فيلبي عام 1930 تُظهر قوافل الحجاج عند مِنى، تليها لقطات دخول السيارات إلى مكة المكرمة أول مرة، ومن ثَمَّ صور الحافلات المخصصة لنقل الحجاج في خمسينات القرن الماضي، وصولاً إلى «قطار الحرمين الشريفين» في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي اختصر المسافات وجسَّد حداثة خدمة الحج.

هنا يتحوَّل الزمن من مشهد القوافل البطيئة إلى صرير الحديد المُسرع، في قصة نقل بدأت على ظهور الإبل وانتهت على سكك التكنولوجيا.

قصر منى... مقر إقامة الملك عبد العزيز (دارة الملك عبد العزيز)

في حضرة الملوك... إشرافٌ وتفانٍ

يُفضي «الممر التالي» إلى شاشة تُعرض عليها مشاهد من موكب الملك عبد العزيز وهو يشرف بنفسه على موسم الحج عام 1928... يحيي الوفود ويشرف على التنظيم. كما توجد صورة لقصر الملك في مِنى عام 1931، وبجانبها وثيقة نادرة تشير إلى وصوله إلى مشعر مزدلفة عام 1945 بعد أن أتم الحجاج مناسكهم في طمأنينة وسلام.

وثيقة تشير إلى وصول الملك عبد العزيز إلى مزدلفة (دارة الملك عبد العزيز)

تتوالى السلسلة الزمنية لتوثِّق إشراف الملوك على مواسم الحج؛ من الملك المؤسس إلى الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، الذي يُشرف، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، على استقبال كبار الشخصيات في قصر منى.

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد في قصر منى (دارة الملك عبد العزيز)

تُظهر الصور كيف تحوّل الإشراف من مشهد رمزي إلى منظومة مؤسسية تُدار بتخطيط دقيق؛ إذ صارت لكل موسم خطة متكاملة تتجاوز التنظيم إلى التخطيط الحضري والذكاء المكاني والإدارة الرقمية.

إنه تسلسل ملكي لا ينقطع، جعل من خدمة الحجاج مسؤولية سيادية تتوارثها القيادة جيلاً بعد جيل.

وثيقة مرسلة في عهد الملك عبد العزيز من أحد الحجاج إلى أسرته (دارة الملك عبد العزيز)

الأمن الشامل... من البرقية إلى الذكاء الاصطناعي

في زاوية خافتة، تتدلّى وثيقة صغيرة بخط اليد... هي برقية أرسلها أحد الحجاج عام 1927 إلى أسرته، يخبرهم فيها أنه «أدَّى النسك في يسر وأمان»... جملة قصيرة، لكنها تختصر فلسفة المملكة في بناء منظومة أمن شاملة للحج منذ أيامها الأولى.

تتجاور الصور على الجدار: رجال الأمن ينظّمون رمي الجمرات في الثلاثينات، وجنود الحرس الوطني يحيطون بالمشاعر في الثمانينات، ومن ثم مشهد حديث لشاشات القيادة والتحكم في المشاعر المقدسة، حيث تُدار حركة ملايين الحجاج عبر كاميرات وخرائط حرارية وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي ترصد كل خطوة في لحظتها.

تبدو المقارنة مذهلة: من البرقية التي حملها ساعي بريد على جمل، إلى شبكة مراقبة رقمية تربط المشاعر بالأقمار الاصطناعية. إنه تطوّر أمني من الثقة إلى الذكاء، ومن الحراسة إلى التنبؤ؛ يجسّد رؤية المملكة في جعل الحج تجربة آمنة دون ازدحام أو مخاطرة.

قبو زمزم يظهر بصحن المطاف عام 1970 (دارة الملك عبد العزيز)

زمزم... من سبيل الحرم إلى منظومة الاستدامة

في زاوية مضاءة بلون أزرق مائل إلى صورة النور، تتدلّى خريطة قديمة لـ«عين زبيدة»، وتحتها وثيقة ممهورة بأمر ملكي من الملك عبد العزيز بإنشاء سبيل داخل المسجد الحرام لسقيا الحجاج والمعتمرين.

أسبلة زمزم التي أمر الملك عبد العزيز بإنشائها عام 1927 (دارة الملك عبد العزيز)

تتوالى المشاهد لتروي كيف تحوّلت «سقيا زمزم» من عمل وقفي بسيط إلى مشروع وطني ضخم. تُظهر وثيقة عام 1952 تأمين مكعَّبات الثلج للمشاعر، وصورة أخرى عام 1930 تظهر أحد الأسبلة في منى.

مشروع تأهيل بئر زمزم بتوجيه الملك سلمان وإطلاقه عام 2017 (دارة الملك عبد العزيز)

ثم يعرض الجناح فيلماً عن «مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لسقيا زمزم»، أعقبه «مشروع تأهيل بئر زمزم» الذي وجّه به الملك سلمان عام 2017.

تحت الزجاج، يظهر مجسّم حديث يبرز خزانات التبريد والضخ الذكية التي تغذي المسجد الحرام بأكثر من 350 صنبوراً، بطاقة استيعابية تتجاوز نصف مليون حاج يومياً.

إنها رحلة الماء في خدمة الحجيج؛ من دَلو يُغرف منه يدوياً، إلى منظومة ذكية تُدار بمعايير استدامة دقيقة، لتبقى «زمزم» نبعاً يتجدد كما تتجدد رسالة المملكة في خدمة ضيوف الرحمن.

حجاج قبالة المحجر الصحي بجدة عام 1928 (دارة الملك عبد العزيز)

الصحة والرعاية... من المحجر إلى العيادة الذكية

في ممر آخر، تتوالى الوثائق لتروي كيف بدأ اهتمام المملكة بصحة الحجاج قبل قرن من الزمان. تُعرض وثيقة صادرة عن الملك عبد العزيز عام 1925 تأمر بإجراء الفحص الطبي الفوري للحجاج الآتين عبر الموانئ، وصورة أخرى تُظهر المحجر الصحي في جدة عام 1928.

توجيه الملك عبد العزيز بإجراء الفحص الطبي الفوري للحجاج الوافدين عبر المنافذ (دارة الملك عبد العزيز)

كانت تلك البدايات نواة لتأسيس «مصلحة الصحة العامة» ثم «جمعية الإسعاف الخيري» التي تحوّلت لاحقاً إلى منظومة طبية متكاملة داخل المشاعر.

يتقدّم الزائر فيرى صورة «مستشفى الملك عبد العزيز» بعد افتتاحه عام 1372هـ، وأخرى لمستشفى ميداني حديث في موسم حج 2020م خلال «جائحة كورونا»، حين تحوّلت إدارة الصحة إلى نموذج عالمي في التوازن بين الشعيرة والحماية.

«مستشفى الملك عبد العزيز» بعد افتتاحه عام 1952 (دارة الملك عبد العزيز)

وعلى الشاشة المقابلة، يظهر تطبيق «صحتي» الذي أُطلق عام 1442هـ، ليجسّد التحول الرقمي في الرعاية الطبية المقدمة لضيوف الرحمن، حيث أصبح التشخيص والاستشارة والخدمة في متناول اليد.

حجاج قبالة المحجر الصحي بجدة عام 1928 (دارة الملك عبد العزيز)

هكذا تمتد منظومة الصحة في الحج من «دار الجرافين» إلى «الطب الذكي»، ومن «التطعيمات الورقية» إلى «التطبيقات الرقمية»، في تجسيد واضح لمسيرة قرن من الرعاية والعطاء.

يقف الزائر طويلاً أمام باب الكعبة المشرفة، الذي أمر بصناعته الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عام 1363هـ، مكسوّاً بالذهب والفضة، ومن إنجاز أيادٍ سعودية صاغت تفاصيله بإتقان وإيمان.

باب الكعبة المشرفة صُنع بأمر الملك عبد العزيز على يد شيخ الصاغة محمود يوسف بدر (دارة الملك عبد العزيز)

ومن هذا الباب المهيب تمتد الحكاية إلى مشروعات التوسعة السعودية للحرم الشريف عبر 3 عهود: الأولى في عهد الملك سعود، موثقة بصور تُظهر اكتمال أعمالها، والثانية شكّلت نقلة عمرانية في تطوير ساحات الحرم، وصولاً إلى التوسعة السعودية الثالثة عام 1436هـ، التي شملت مبنى التوسعة الرئيسي، والساحات والأنفاق ومحطة الخدمات المركزية.

مشهد جوي يظهر تقدم أعمال التوسعة الثانية للمسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)

مشاهد متتابعة تختصر قرناً من إعمار جمع بين الإيمان والهندسة، ليبقى الحرم الشريف شاهداً على مسيرة بناء لا تنتهي.

الكسوة المشرّفة... خيوطٌ من ذهب وسيرة وطن

في القاعة الأخيرة، يهبط الضوء على حرير أسود تتلألأ عليه خيوط الفضة والذهب. هنا تُعرض ستارة باب الكعبة المشرفة التي أمر الملك عبد العزيز بصناعتها عام 1356هـ على أيدي الصناع السعوديين، إيذاناً ببدء عهدٍ جديد في صناعة الكسوة داخل المملكة.

فنيون سعوديون مختصون في صناعة الكسوة المشرفة خلال تطريزها يدوياً (دارة الملك عبد العزيز)

وإلى جوارها الكسوة الداخلية التي صُنعت في عهد الملك خالد، ثم أحزمة الكعبة المطرزة بأسماء الملوك؛ من الملك سعود إلى الملك فيصل، وصولاً إلى الكسوة التي نُسجت عام 1441هـ في مصنع «أم الجود» بمكة المكرمة.

كل خيط من حريرها يروي فصلاً من تاريخ دولة جعلت قداسة البيت العتيق جزءاً من هويتها الوطنية، وكل نقش ذهبي هو عهد متجدد بين القيادة والقبلة المشرفة.

أحزمة الكسوة المشرفة في عهود الملك سعود والملك فيصل والملك سلمان بن عبد العزيز (دارة الملك عبد العزيز)

مائة عام من الخدمة... مئوية جديدة من الريادة

وفي المشهد الختامي، يعود الصمت ليسود القاعة، في حين تتوالى على الشاشة صور تختصر قرناً من العطاء؛ من قوافل الإبل إلى قطار الحرمين، ومن سبيل زمزم إلى شبكات المياه الذكية، ومن رعاية الملك المؤسس إلى رؤية وطن يواصل الرسالة.

هنا، يدرك الزائر أن معرض «100 عام من العناية بالحرمين الشريفين» ليس مجرد أرشيفٍ للذاكرة، بل وثيقة حيّة تروي رحلة الحج كما صاغتها المملكة عبر مائة عام من البناء والخدمة، وتفتح باب المستقبل على وعد لا يزال مستمراً: «يبقى الحرم الشريف وقاصدوه في قلب الاهتمام، ما دام في هذه الأرض وطن اسمه المملكة العربية السعودية».


مقالات ذات صلة

خادم الحرمين يرعى «مؤتمر ومعرض الحج 6» نوفمبر المقبل في جدة

الخليج يجمع المؤتمر القيادات وصناع القرار والمختصين لاستعراض الحلول والممارسات وتبادل الخبرات (واس)

خادم الحرمين يرعى «مؤتمر ومعرض الحج 6» نوفمبر المقبل في جدة

يرعى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، النسخة السادسة من «مؤتمر ومعرض الحج» الذي تستضيفه جدة خلال الفترة بين 8 و11 نوفمبر المقبل.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل مترئساً اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة (واس)

«لجنة الحج» السعودية تناقش المشروعات المستهدفة لخدمة ضيوف الرحمن

ناقشت «اللجنة الدائمة للحج والعمرة» السعودية، في اجتماع موسع، الثلاثاء، خطط وترتيبات الجهات لموسم حج هذا العام، والمشروعات والخدمات الجديدة المستهدف تنفيذها.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج تعزيز التكامل والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة بما يمكّن الحجاج من أداء مناسكهم بيسر وطمأنينة (واس)

السعودية تبدأ التحضير المبكر مع 75 دولة لموسم الحج المقبل

بدأت وزارة الحج والعمرة في السعودية عقد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية مع مكاتب شؤون الحجاج في أكثر من 75 دولة حول العالم؛ استعداداً لموسم الحج المقبل (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
يوميات الشرق تهدف «البوابة» إلى تنظيم عمليات التكامل وتوحيد إجراءاتها ضمن إطار موحد (واس)

«الحج» السعودية تطلق «بوابة رقمية» للتكامل بين الجهات المحلية والدولية

أطلقت وزارة الحج والعمرة السعودية، الأربعاء، «بوابة التكاملات» لتكون حلاً رقمياً موحداً لإدارة وتنسيق التكامل مع الجهات الحكومية والخاصة محلياً ودولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي مزارعان سوريان بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف دمشق بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

أعلنت إدارة الحج والعمرة بوزارة الأوقاف السورية إعادة جدولة رحلتين مخصصتين لعودة الحجاج، الاثنين، وتحديد وجهتهما إلى «مطار الملكة علياء الدولي» في الأردن...

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
TT

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

عاد المخرج والمصوِّر السينمائي السعودي بلال البدر من لوس أنجليس عام 2017، وفي ذهنه درسٌ ظلَّ يرافقه طيلة 5 سنوات من العمل في هوليوود: لا تكفي المعدات الجيدة لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها. وحين أنجز «علكة» بعد نحو عامين من الكتابة والتحضير، اختبر ذلك الدرس بحكاية سعودية راهن فيها على الإنسان قبل الصورة.

شكسبير يكتب «شيلة»

مشروع بلال المقبل سيكون نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم (الشرق الأوسط)

أول قاعدة تعلّمها البدر خلال دراسته في لوس أنجليس هي أن القصة، أو السيناريو، تسبق كل شيء. ويقول: «منذ بداية دراستي السينما، كان التركيز على اتصال الفنان بذاته وثقافته، وأن يروي القصص التي يعرفها ويشعر بها».

ويضيف: «أتذكّر أول درس في مبادئ الإخراج، حين قال الأستاذ: أنا لا أستطيع أن أُخرج فيلماً يابانياً؛ لأنني لم أزر اليابان ولا أتحدث لغتها. بقيتْ هذه الجملة معي؛ لأنني أؤمن بأن السينما، في أبسط تعريفاتها، هي أن تروي قصة بالضوء. ولا تستطيع أن تروي قصة لا تعرف تفاصيلها، أو كما أحب أن أقول: ما تجيب (تُحضر) شكسبير يكتب (شيلة)».

ويؤكد البدر أنه خلال 5 سنوات قضاها في هوليوود، وجد أن كثيراً من الأفلام التي عمل فيها كانت تُصنع بمعدات واستوديوهات أقلّ بكثير مما هو متاح محلياً اليوم، لكن الاهتمام الأكبر كان بالكتابة والقصة. ويضيف: «عندنا أحياناً يحدث العكس؛ نبدأ بالكاميرا والاستوديو والتقنية، ثم نبحث عن القصة».

ويتابع: «إن كان هناك شيء واحد بقي معي من تلك التجربة، فهو أن الوصول إلى العالمية لا يكون بتقليد الآخر، ولا بجعل الآخر يروي قصصنا. العالمية تأتي عندما نحكي قصصنا نحن؛ من ثقافتنا وهويتنا، وهذا ما فعلته السينما الكورية حين جعلت قصصها محلية في أصولها، لكنها عالمية في وصولها».

«علكة»... رهان على الإنسان

«علكة» كان المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي (الشرق الأوسط)

يرى بلال البدر في فيلم «علكة» المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي. أنتج الفيلم على نفقته، ويسمّي الأمر «زكاة الفن»، وأمضى نحو عامين في إعداده.

واختار لبطولة قصة الحب طفلاً من ذوي «متلازمة داون»، وحرص على تقديمه بطلاً يقود الأحداث؛ لا حالة تستدعي شفقة المشاهد. يقول: «ركّزت عليه بصفته بطل فيلم سينمائي»، مضيفاً: «كان هو من يقود سرد القصة».

ويقول: «أعتقد أن (علكة)، الذي حصد 7 جوائز وأكثر من 35 ترشيحاً مهرجانياً، نجح في الوصول إلى العالم، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إيصال رسالته إلى قطاع الأفلام في السعودية: أنك تستطيع الوصول إلى العالم بإمكانات بسيطة، إذا ركّزت على القصة وقدّمت شيئاً حقيقياً نابعاً من ثقافتك وهويتك».

امتد اهتمام المخرج السعودي بالإنسان؛ من شخصيات أفلامه إلى من يقفون أمام كاميرته... ففي «حكاية إنسان»، حقّقت حلقة ظهر فيها مندوب توصيل أكثر من مليون مشاهدة خلال أقل من 24 ساعة. ثم اتصل المندوب طالباً حذفها، رغم أنه وافق على التصوير، فاستجاب البدر فوراً.

ويقول إن فريقه أعدّ، في مناسبة أخرى، مادة تضمّ مندوبي توصيل تحدّثوا معه، لكنه امتنع عن نشرها بعدما رفضوا الظهور فيها. ويفسّر ذلك بقوله: «الإنسان أهم من المحتوى، ولا أريد أن أستغل أحداً لصناعة حلقة أو تحقيق مشاهدات».

صورة تخدم الحكاية

في «سِوار» كانت رواية القصة بإيقاع درامي هادئ وحركة الكاميرا محسوبة (الشرق الأوسط)

لا يمنح البدر الكاميرا حقّ قيادة الفيلم. ففي «سِوار»، الذي تولّى تصويره سينمائياً، يربط محدودية حركة الكاميرا بإيقاع القصة الهادئ. يقول: «في (سِوار) كنا نروي القصة بإيقاع درامي هادئ، ولذلك كانت حركة الكاميرا محسوبة ومحدودة. السؤال بالنسبة إليّ ليس: لماذا تتحرك الكاميرا؟ بل: لماذا تتحرك الآن؟».

ويضيف: «منذ بداية الفيلم كان الأسلوب البصري واضحاً؛ الكاميرا توثّق القصة، ولا تقترب منها كثيراً ولا تبتعد كثيراً إلا عندما يكون هناك دافع في القصة. تحرّكت الكاميرا عندما كان هناك حدث يستدعي الحركة، وثبتت عندما كان دورها أن تراقب. كثرة حركة الكاميرا تفقد الحركة معناها».

ورداً على سؤال عن أول قرار سيتخذه لو عاد إلى بداياته، يقول البدر: «سألغي محاولة ملاحقة (الترند) وتقليد نجاحات الآخرين. سأبدأ من ثقافتي وهويتي، ومن القصص الإنسانية التي تحرّكني وتشبهني، وأبحث عن الحكايات القريبة مني؛ عن الناس والتفاصيل التي أعرفها وأشعر بها، ثم أحاول أن أرويها بطريقتي».

يخطط البدر لأن يكون مشروعه المقبل نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم. يقول: «أريد أن أصنع فيلماً يشبهنا، ويحمل ثقافتنا، وفي الوقت نفسه يكون قادراً على المنافسة في شباك التذاكر والوصول إلى الجمهور العالمي».

ويرى أن المملكة تضمّ اليوم جيلاً جديداً من صنّاع الأفلام، ومواهب درست السينما وعاشت تجارب مختلفة، إلى جانب جمهور تغيّر كثيراً.


8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».