رحلة في ذاكرة الحجيج… من دروب الرمال إلى «قطار الحرمين»

«دارة الملك عبد العزيز» ترسم رحلة الحج بـ«مائة عام من العناية بالحرمين»

الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
TT

رحلة في ذاكرة الحجيج… من دروب الرمال إلى «قطار الحرمين»

الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)

في صالة تفيض برائحة التاريخ وصور الملوك والرحالة، تفتح «دارة الملك عبد العزيز» بوابة على قرن من الزمان، لتُعيد رسم ملامح رحلة الحج كما لم تُروَ من قبل.

المعرض الذي يحمل عنوان: «100 عام من العناية بالحرمين الشريفين» ليس مجرد توثيق، بل سردٌ بصري يحكي قصة العطاء والخدمة منذ عام 1925 وحتى يومنا هذا، مروراً بمائة عام من رعاية ضيوف الرحمن والعناية بهم.

صورة خلال مرور الحجاج بقصر المعابدة عام 1931 تُظهر تنوع وسائل السفر حينها (دارة الملك عبد العزيز)

تتوزع أركان المعرض في مسار زمني حيّ، يروي كيف تحوّل الحج في ظل الدولة السعودية من رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر، إلى تجربة روحانية آمنة تُدار بأحدث التقنيات... إنها حكاية وطن جعل من خدمة الحرمين مشروعاً حضارياً، ومن راحة الحاج رسالةً مستمرة عبر الأجيال.

من دروب القوافل إلى أجنحة الطائرات

في المحور الأول من «مؤتمر ومعرض الحج والعمرة»، في نسخته الخامسة بجدة، يستقبل الزائر مشهد سينمائي بالأبيض والأسود يعود إلى عام 1928، يظهر فيه الحجاج على ظهور الرواحل تتهادى فوق رمال صبورة، والشقادف تُظلِّلهم في طريق طويلة نحو الحجاز.

تسود القاعة أجواءُ رهبة ممزوجة بالإعجاب؛ فكل صورة هنا ليست مجرد لقطة، بل شهادة على زمن كانت فيه رحلة الحج امتحاناً للصبر والإيمان.

إحدى الوثائق النادرة المعروضة تعود إلى عام 1926، تكشف عن متابعة الملك المؤسس، عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الدقيقة لشؤون الحجاج، وحرصه على أمنهم وسلامتهم خلال أداء المناسك.

إلى جوارها، صور التقطها الرحالة عبد الله فيلبي عام 1930 تُظهر قوافل الحجاج عند مِنى، تليها لقطات دخول السيارات إلى مكة المكرمة أول مرة، ومن ثَمَّ صور الحافلات المخصصة لنقل الحجاج في خمسينات القرن الماضي، وصولاً إلى «قطار الحرمين الشريفين» في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي اختصر المسافات وجسَّد حداثة خدمة الحج.

هنا يتحوَّل الزمن من مشهد القوافل البطيئة إلى صرير الحديد المُسرع، في قصة نقل بدأت على ظهور الإبل وانتهت على سكك التكنولوجيا.

قصر منى... مقر إقامة الملك عبد العزيز (دارة الملك عبد العزيز)

في حضرة الملوك... إشرافٌ وتفانٍ

يُفضي «الممر التالي» إلى شاشة تُعرض عليها مشاهد من موكب الملك عبد العزيز وهو يشرف بنفسه على موسم الحج عام 1928... يحيي الوفود ويشرف على التنظيم. كما توجد صورة لقصر الملك في مِنى عام 1931، وبجانبها وثيقة نادرة تشير إلى وصوله إلى مشعر مزدلفة عام 1945 بعد أن أتم الحجاج مناسكهم في طمأنينة وسلام.

وثيقة تشير إلى وصول الملك عبد العزيز إلى مزدلفة (دارة الملك عبد العزيز)

تتوالى السلسلة الزمنية لتوثِّق إشراف الملوك على مواسم الحج؛ من الملك المؤسس إلى الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، الذي يُشرف، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، على استقبال كبار الشخصيات في قصر منى.

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد في قصر منى (دارة الملك عبد العزيز)

تُظهر الصور كيف تحوّل الإشراف من مشهد رمزي إلى منظومة مؤسسية تُدار بتخطيط دقيق؛ إذ صارت لكل موسم خطة متكاملة تتجاوز التنظيم إلى التخطيط الحضري والذكاء المكاني والإدارة الرقمية.

إنه تسلسل ملكي لا ينقطع، جعل من خدمة الحجاج مسؤولية سيادية تتوارثها القيادة جيلاً بعد جيل.

وثيقة مرسلة في عهد الملك عبد العزيز من أحد الحجاج إلى أسرته (دارة الملك عبد العزيز)

الأمن الشامل... من البرقية إلى الذكاء الاصطناعي

في زاوية خافتة، تتدلّى وثيقة صغيرة بخط اليد... هي برقية أرسلها أحد الحجاج عام 1927 إلى أسرته، يخبرهم فيها أنه «أدَّى النسك في يسر وأمان»... جملة قصيرة، لكنها تختصر فلسفة المملكة في بناء منظومة أمن شاملة للحج منذ أيامها الأولى.

تتجاور الصور على الجدار: رجال الأمن ينظّمون رمي الجمرات في الثلاثينات، وجنود الحرس الوطني يحيطون بالمشاعر في الثمانينات، ومن ثم مشهد حديث لشاشات القيادة والتحكم في المشاعر المقدسة، حيث تُدار حركة ملايين الحجاج عبر كاميرات وخرائط حرارية وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي ترصد كل خطوة في لحظتها.

تبدو المقارنة مذهلة: من البرقية التي حملها ساعي بريد على جمل، إلى شبكة مراقبة رقمية تربط المشاعر بالأقمار الاصطناعية. إنه تطوّر أمني من الثقة إلى الذكاء، ومن الحراسة إلى التنبؤ؛ يجسّد رؤية المملكة في جعل الحج تجربة آمنة دون ازدحام أو مخاطرة.

قبو زمزم يظهر بصحن المطاف عام 1970 (دارة الملك عبد العزيز)

زمزم... من سبيل الحرم إلى منظومة الاستدامة

في زاوية مضاءة بلون أزرق مائل إلى صورة النور، تتدلّى خريطة قديمة لـ«عين زبيدة»، وتحتها وثيقة ممهورة بأمر ملكي من الملك عبد العزيز بإنشاء سبيل داخل المسجد الحرام لسقيا الحجاج والمعتمرين.

أسبلة زمزم التي أمر الملك عبد العزيز بإنشائها عام 1927 (دارة الملك عبد العزيز)

تتوالى المشاهد لتروي كيف تحوّلت «سقيا زمزم» من عمل وقفي بسيط إلى مشروع وطني ضخم. تُظهر وثيقة عام 1952 تأمين مكعَّبات الثلج للمشاعر، وصورة أخرى عام 1930 تظهر أحد الأسبلة في منى.

مشروع تأهيل بئر زمزم بتوجيه الملك سلمان وإطلاقه عام 2017 (دارة الملك عبد العزيز)

ثم يعرض الجناح فيلماً عن «مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لسقيا زمزم»، أعقبه «مشروع تأهيل بئر زمزم» الذي وجّه به الملك سلمان عام 2017.

تحت الزجاج، يظهر مجسّم حديث يبرز خزانات التبريد والضخ الذكية التي تغذي المسجد الحرام بأكثر من 350 صنبوراً، بطاقة استيعابية تتجاوز نصف مليون حاج يومياً.

إنها رحلة الماء في خدمة الحجيج؛ من دَلو يُغرف منه يدوياً، إلى منظومة ذكية تُدار بمعايير استدامة دقيقة، لتبقى «زمزم» نبعاً يتجدد كما تتجدد رسالة المملكة في خدمة ضيوف الرحمن.

حجاج قبالة المحجر الصحي بجدة عام 1928 (دارة الملك عبد العزيز)

الصحة والرعاية... من المحجر إلى العيادة الذكية

في ممر آخر، تتوالى الوثائق لتروي كيف بدأ اهتمام المملكة بصحة الحجاج قبل قرن من الزمان. تُعرض وثيقة صادرة عن الملك عبد العزيز عام 1925 تأمر بإجراء الفحص الطبي الفوري للحجاج الآتين عبر الموانئ، وصورة أخرى تُظهر المحجر الصحي في جدة عام 1928.

توجيه الملك عبد العزيز بإجراء الفحص الطبي الفوري للحجاج الوافدين عبر المنافذ (دارة الملك عبد العزيز)

كانت تلك البدايات نواة لتأسيس «مصلحة الصحة العامة» ثم «جمعية الإسعاف الخيري» التي تحوّلت لاحقاً إلى منظومة طبية متكاملة داخل المشاعر.

يتقدّم الزائر فيرى صورة «مستشفى الملك عبد العزيز» بعد افتتاحه عام 1372هـ، وأخرى لمستشفى ميداني حديث في موسم حج 2020م خلال «جائحة كورونا»، حين تحوّلت إدارة الصحة إلى نموذج عالمي في التوازن بين الشعيرة والحماية.

«مستشفى الملك عبد العزيز» بعد افتتاحه عام 1952 (دارة الملك عبد العزيز)

وعلى الشاشة المقابلة، يظهر تطبيق «صحتي» الذي أُطلق عام 1442هـ، ليجسّد التحول الرقمي في الرعاية الطبية المقدمة لضيوف الرحمن، حيث أصبح التشخيص والاستشارة والخدمة في متناول اليد.

حجاج قبالة المحجر الصحي بجدة عام 1928 (دارة الملك عبد العزيز)

هكذا تمتد منظومة الصحة في الحج من «دار الجرافين» إلى «الطب الذكي»، ومن «التطعيمات الورقية» إلى «التطبيقات الرقمية»، في تجسيد واضح لمسيرة قرن من الرعاية والعطاء.

يقف الزائر طويلاً أمام باب الكعبة المشرفة، الذي أمر بصناعته الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عام 1363هـ، مكسوّاً بالذهب والفضة، ومن إنجاز أيادٍ سعودية صاغت تفاصيله بإتقان وإيمان.

باب الكعبة المشرفة صُنع بأمر الملك عبد العزيز على يد شيخ الصاغة محمود يوسف بدر (دارة الملك عبد العزيز)

ومن هذا الباب المهيب تمتد الحكاية إلى مشروعات التوسعة السعودية للحرم الشريف عبر 3 عهود: الأولى في عهد الملك سعود، موثقة بصور تُظهر اكتمال أعمالها، والثانية شكّلت نقلة عمرانية في تطوير ساحات الحرم، وصولاً إلى التوسعة السعودية الثالثة عام 1436هـ، التي شملت مبنى التوسعة الرئيسي، والساحات والأنفاق ومحطة الخدمات المركزية.

مشهد جوي يظهر تقدم أعمال التوسعة الثانية للمسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)

مشاهد متتابعة تختصر قرناً من إعمار جمع بين الإيمان والهندسة، ليبقى الحرم الشريف شاهداً على مسيرة بناء لا تنتهي.

الكسوة المشرّفة... خيوطٌ من ذهب وسيرة وطن

في القاعة الأخيرة، يهبط الضوء على حرير أسود تتلألأ عليه خيوط الفضة والذهب. هنا تُعرض ستارة باب الكعبة المشرفة التي أمر الملك عبد العزيز بصناعتها عام 1356هـ على أيدي الصناع السعوديين، إيذاناً ببدء عهدٍ جديد في صناعة الكسوة داخل المملكة.

فنيون سعوديون مختصون في صناعة الكسوة المشرفة خلال تطريزها يدوياً (دارة الملك عبد العزيز)

وإلى جوارها الكسوة الداخلية التي صُنعت في عهد الملك خالد، ثم أحزمة الكعبة المطرزة بأسماء الملوك؛ من الملك سعود إلى الملك فيصل، وصولاً إلى الكسوة التي نُسجت عام 1441هـ في مصنع «أم الجود» بمكة المكرمة.

كل خيط من حريرها يروي فصلاً من تاريخ دولة جعلت قداسة البيت العتيق جزءاً من هويتها الوطنية، وكل نقش ذهبي هو عهد متجدد بين القيادة والقبلة المشرفة.

أحزمة الكسوة المشرفة في عهود الملك سعود والملك فيصل والملك سلمان بن عبد العزيز (دارة الملك عبد العزيز)

مائة عام من الخدمة... مئوية جديدة من الريادة

وفي المشهد الختامي، يعود الصمت ليسود القاعة، في حين تتوالى على الشاشة صور تختصر قرناً من العطاء؛ من قوافل الإبل إلى قطار الحرمين، ومن سبيل زمزم إلى شبكات المياه الذكية، ومن رعاية الملك المؤسس إلى رؤية وطن يواصل الرسالة.

هنا، يدرك الزائر أن معرض «100 عام من العناية بالحرمين الشريفين» ليس مجرد أرشيفٍ للذاكرة، بل وثيقة حيّة تروي رحلة الحج كما صاغتها المملكة عبر مائة عام من البناء والخدمة، وتفتح باب المستقبل على وعد لا يزال مستمراً: «يبقى الحرم الشريف وقاصدوه في قلب الاهتمام، ما دام في هذه الأرض وطن اسمه المملكة العربية السعودية».


مقالات ذات صلة

«الحج» السعودية تطلق «بوابة رقمية» للتكامل بين الجهات المحلية والدولية

يوميات الشرق تهدف «البوابة» إلى تنظيم عمليات التكامل وتوحيد إجراءاتها ضمن إطار موحد (واس)

«الحج» السعودية تطلق «بوابة رقمية» للتكامل بين الجهات المحلية والدولية

أطلقت وزارة الحج والعمرة السعودية، الأربعاء، «بوابة التكاملات» لتكون حلاً رقمياً موحداً لإدارة وتنسيق التكامل مع الجهات الحكومية والخاصة محلياً ودولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي مزارعان سوريان بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف دمشق بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

أعلنت إدارة الحج والعمرة بوزارة الأوقاف السورية إعادة جدولة رحلتين مخصصتين لعودة الحجاج، الاثنين، وتحديد وجهتهما إلى «مطار الملكة علياء الدولي» في الأردن...

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الخليج تتيح البوابات الإلكترونية في المطارات إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» (واس)

السعودية تتيح للحجاج إنهاء إجراءات مغادرتهم لبلدانهم «ذاتياً»

تتيح تقنية البوابات الإلكترونية (E-gates) في المطارات، إنهاء إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن «ذاتياً» من خلال مطابقة البيانات الحيوية في ثوانٍ معدودة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين: الجهود المتميزة أسهمت في نجاح «الحج» رغم ظروف المنطقة

أعرب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عن سروره بحرص وتفاني الجميع في نيل شرف خدمة ضيوف الرحمن.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص حجاج إيرانيون خلال أداء مناسك الحج هذا العام (السفارة الإيرانية) p-circle

خاص عنايتي لـ«الشرق الأوسط»: بدء عودة 30 ألف حاج إيراني من السعودية جواً

قال السفير الإيراني لدى السعودية الدكتور علي رضا عنايتي إن نحو 30 ألف حاج وحاجة من إيران أدوا مناسك الحج هذا العام، وحظوا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)