طارق العريان: «السلم والثعبان 2» يعالج الملل والاعتياد في الحياة الزوجية

المخرج المصري قال لـ«الشرق الأوسط» إنه تمسّك بمعايير فنية صارمة

طارق العريان مخرج فيلم «السلم والثعبان» (صفحته على «فيسبوك»)
طارق العريان مخرج فيلم «السلم والثعبان» (صفحته على «فيسبوك»)
TT

طارق العريان: «السلم والثعبان 2» يعالج الملل والاعتياد في الحياة الزوجية

طارق العريان مخرج فيلم «السلم والثعبان» (صفحته على «فيسبوك»)
طارق العريان مخرج فيلم «السلم والثعبان» (صفحته على «فيسبوك»)

قال المخرج المصري، طارق العريان، إن فكرة تقديم جزء ثانٍ من فيلم «السلم والثعبان» لم تكن مطروحة في البداية، موضحاً أن المشروع بدأ كفكرة رومانسية مختلفة تماماً، ولم يكن في ذهنه ربطها بالفيلم الأصلي، لكن في أثناء الكتابة والتطوير، اكتشف وفريقه أن الخطوط الإنسانية والعاطفية تتقاطع مع «السلم والثعبان»، فقرر أن يحمل العمل اسمه بوصفه امتداداً فكرياً لا درامياً للفيلم الأول.

وأضاف العريان لـ«الشرق الأوسط» أن «الفكرة مرت بعدة مراحل، تعود بدايتها إلى سنوات مضت حين كان هناك تصور أولي لفيلم يشبه التكملة لحكاية حازم وياسمين في فيلم (السلم والثعبان)، وعُرضت الفكرة وقتها على هاني سلامة، لكنها لم تكتمل وبعد مرور الوقت وابتعادي عن المشروع لسنوات، فكرت مجدداً في تقديم فيلم رومانسي بطابع أكثر نضجاً يعكس علاقات ما بعد الزواج، وهي المساحة التي شعرت أنها تستحق معالجة جديدة بعيدة عن التكرار».

وتستقبل دور العرض في مصر والعالم العربي الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، فيما يقوم ببطولة الجزء الجديد عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان.

طارق العريان (الشركة المنتجة)

ويؤكد العريان أن «الفيلم لا يقوم على إعادة إنتاج الشخصيات القديمة أو استنساخ الخط الدرامي السابق، وإنما يقدّم رؤية مختلفة تستلهم مواقف واقعية يعيشها كثير من الأزواج بعد سنوات من ارتباطهم، حين يتسلل الملل أو الاعتياد إلى العلاقة»، عادّاً أن هذه الحالة الإنسانية هي محور الفيلم الذي يحاول تفكيكها بصدق، بعيداً عن المبالغة أو التجميل.

وعُرض فيلم «السلم والثعبان» في جزئه الأول عام 2001 من بطولة هاني سلامة وأحمد حلمي وحلا شيحة ورجاء الجداوي، من تأليف وإخراج طارق العريان، وشهد نجاحاً لافتاً وقت عرضه.

وبيّن العريان أن «القصة مستوحاة من مشاهداته وتجارب المحيطين به أكثر من كونها تجارب شخصية»، لكنه أقر بأن بعض المشاعر التي تمر بها الشخصيات قريبة من أحاسيس عاشها أو لمسها في الواقع، مشيراً إلى أن الفيلم يسعى إلى طرح تساؤلات صادقة عن طبيعة التغيير في العلاقات مع مرور الزمن، وكيف يمكن للأزواج استعادة وهج العلاقة بعد أن يختفي بريق البدايات.

المعالجة التي سيشاهدها الجمهور بالصالات السينمائية مختلفة عن الأفكار التي طرحت سابقاً، سواء عند العمل على إحياء المشروع للمرة الأولى أو عن الأفكار التي جرت مناقشتها مع منتج الجزء الأول محمد حفظي قبل فترة، لتقديم جزء جديد يقوم ببطولته كريم عبد العزيز ومنى زكي، وقد حالت الظروف دون تنفيذه آنذاك قبل أن يستقر في النهاية على المعالجة والفكرة اللتين قدماها عمرو يوسف وأسماء جلال، بحسب العريان.

أسماء جلال وعمرو يوسف في العرض الخاص بالرياض (الشركة المنتجة)

واختار المخرج، الفنان عمرو يوسف لبطولة الفيلم لكونه «يمتلك طاقة تمثيلية كبيرة وروحاً منضبطة في العمل، ما يجعله شريكاً مريحاً في مواقع التصوير، بجانب حرصه بصفته فناناً على فهم كل تفصيلة في الشخصية التي يقدمها»، وفق العريان، مؤكداً أن تعاونهما السابق في تجربة رومانسية عبر إحدى حكايات مسلسل (نمرة اثنين) قبل أكثر من 5 سنوات لعبت دوراً في اقتناعه بقدرته على تقديم الشخصية.

وأكد أن «أسماء جلال قدّمت في الفيلم أداء مختلفاً أظهر قدراتها التمثيلية، خصوصاً أنها مزجت بين الرقة والقوة في شخصية مركبة تحمل تناقضات إنسانية»، موضحاً أن العمل معها للمرة الثانية بعد «ولاد رزق 3» يبرز «تطوراً كبيراً في أدواتها بوصفها ممثلة قادرة على التجسيد بعمق»، على حد تعبيره.

وأضاف أن الفيلم استغرق وقتاً طويلاً في الكتابة، إذ توقف العمل عليه أكثر من مرة بسبب إحساسه بأن السيناريو يحتاج إلى مراجعة وتطوير، إلى أن وصل إلى الصيغة النهائية التي أرضته فنياً، مؤكداً أن «الفيلم لم تكن به مساحة للارتجال لذا دخل التصوير والسيناريو مكتمل ولم يجر عليه أي تعديلات».

مع صناع الفيلم خلال العرض الخاص في الرياض (الشركة المنتجة)

وتحدث عن الصعوبات التي واجهها في أثناء التصوير، لافتاً إلى أن «السلم والثعبان: لعب عيال» من الأفلام التي تعتمد على الأداء التمثيلي الدقيق، ما جعله حريصاً على أن يكون كل مشهد محكوماً بإحساس منضبط، لأن الحوار والانفعالات هما العمود الفقري للفيلم، مؤكداً أن «مثل هذه النوعية من الأفلام لا تسمح بالارتجال، بل تحتاج إلى ضبط إيقاعي وانفعالي يراعي تطور المشاعر بدقة».

وأرجع العريان بطء وتيرة إنتاجه السينمائي إلى تمسكه بمعايير فنية صارمة، موضحاً أنه لا يرضى بالدخول في أي تجربة لمجرد الوجود في السوق، مع إيمانه بأن الفيلم يجب أن يكون جيداً من جذوره وليس معتمداً على نجاحات سابقة أو أسماء تجارية.

وتطرق إلى تجربته مع فيلم «ولاد رزق 3» الذي حقق إيرادات بالوطن العربي تجاوزت 260 مليون جنيه، عادّاً أنه محطة مهمة في مسيرته، لأنها (التجربة) أثبتت إمكانية الجمع بين الجماهيرية والجودة الفنية في الوقت نفسه، عادّاً المقارنة بين الأعمال أمراً طبيعياً، لكن معيار النجاح الحقيقي بالنسبة له هو رضا الجمهور وتفاعله وليس فقط حجم الإيرادات.

وأوضح العريان أن «النجاح يُقاس بمدى تأثير الفيلم واستمراره في ذاكرة المشاهدين وتحقيق إيرادات تغطي تكلفته الإنتاجية»، مشيراً إلى أن الإيرادات لا يمكن فصلها عن حجم الإنتاج باعتبار أن المنتج يجب أن يربح أو يغطي على الأقل تكلفة الفيلم مالياً.

وقال العريان إن مشروع «ولاد رزق 4» مازال في مرحلة الفكرة، وإن فريق العمل يناقش حالياً أكثر من تصور، لكنه لا يريد الاستعجال في التنفيذ قبل أن يجد «الفكرة التي تضيف للعمل وتبرر استمراره»، وفق تعبيره.


مقالات ذات صلة

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

إعلام وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته...

ميشال أبونجم (باريس)
يوميات الشرق الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)

دُرة لـ«الشرق الأوسط»: أحلم بتجسيد «شجرة الدر»

قالت الفنانة التونسية درة إنها شعرت بالخوف من شخصية «ميادة الديناري» التى جسدتها في مسلسل «علي كلاي» الذي عُرض خلال موسم دراما رمضان الماضي.

مصطفى ياسين (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان شريف منير قدم أدواراً متعددة في الدراما (الشرق الأوسط)

شريف منير: الهجوم على «رأس الأفعى» يؤكد قوة تأثيره

أكد الفنان المصري، شريف منير، أنه لم يلجأ لتقليد شخصية الإرهابي محمود عزت التي أداها بمسلسل «رأس الأفعى»، بل أخذ روح وتفاصيل الشخصية وعمل عليها طويلاً.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)

محمد رجب: سعيت لتغيير جلدي الفني في «قطر صغنطوط»

قال الممثل المصري محمد رجب إنَّه يستعدُّ للعودة إلى السينما خلال الفترة المقبلة من خلال فيلمَين جديدَين سيقدمهما مع المنتج أحمد السبكي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق هبة مجدي شاركت في «المداح» و«نون النسوة» (صفحتها على «فيسبوك»)

هبة مجدي: «المدّاح» محطة مهمة بمشواري الفني

قالت الممثلة المصرية، هبة مجدي، إن حماسها للجزء السادس من مسلسل «المداح» كان كبيراً منذ البداية، موضحة أن هذا الموسم يحمل اختلافاً واضحاً عن الأجزاء السابقة.

أحمد عدلي (القاهرة )

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.