ترجمة دقيقة ودراسة متأنية لمسرحية ستريندبرغ

«الآنسة جولي» بالعربية من دون وسيط لأول مرة

ترجمة دقيقة ودراسة متأنية لمسرحية ستريندبرغ
TT

ترجمة دقيقة ودراسة متأنية لمسرحية ستريندبرغ

ترجمة دقيقة ودراسة متأنية لمسرحية ستريندبرغ

أقف أمام «الآنسة جولي» بحلّتها العربية الجديدة، حائراً من أين أبدأ في الكتابة عن هذه التراجيديا التي تعكس قساوة الواقع المعيش؟ مِن مؤلفها، شكسبير السويد يوهان أوغست ستريندبرغ، الكاتب والدرامي المتعدد المواهب، في المسرح والرواية والشعر والفن التشكيلي وغيرها، والمثير للجدل أيضاً؟ أم أبدأ من النص؟ من هذه المسرحية المشحونة بالمشاعر والصور والمثقلة بالصراعات الاجتماعية والنفسية في مجتمع أفرز «فئات جديدة عاشت فترتها الانتقالية بسرعة هستيرية، أكثر من سابقاتها»، كما كتب ستريندبرغ في مقدمته للمسرحية؟

أم أبدأ من عرض رؤاي حول هذا الحرث الخصب الذي بذل فيه المترجم جهوداً استثنائية، ليكون أكثر قرباً من نَفَس المؤلف في النص المترجم. أو على الأقل تحقيق النسبة الكبرى من نقل ما يُعرف بروح النص بمصداقية عالية وأمانة؟

نحن هنا أمام كتاب لا يبذل جهداً ليغري القارئ؛ فإنك بمجرد أن تمرِّر بصرك على جملته الأولى، أو لكي لا نبالغ القول، على سطره الأول، في المتن حتى تتولد عندك حالة من الشغف لمتابعة القراءة. وعندما تطالعك جملة «ليس الغرض من هذه التوطئة تقديم الكتاب إطلاقاً»، فلا بد من أن تصبح شغوفاً أكثر لمعرفة المزيد. فإذن لماذا هذه «التوطئة للكتاب من قبل المترجم»؟ ولمعرفة الجواب عن ذلك فلا بد لك من مواصلة القراءة. والمسألة هنا لا تتعلق بحب الاستطلاع فحسب، بل يستهويك الأسلوب وسريان مجرى العبارات المنتقاة وتناسقها، فتعرف من خلالها أن المترجم إبراهيم عبد الملك، وهو شاعر أيضاً، لم يكتفِ بنقل الكتاب من لغة إلى أخرى، بل قام بدراسة متأنية للنص المسرحي «الآنسة جولي»، وللمقدمة التي كتبها المؤلف ستريندبرغ، ببحث رصين ومراجعة جادة لبعض الجمل الصعبة في فهم ماهيتها وقصدية قائلها، المؤلف، وقف فيها عبد الملك على مفصليات النص الذي يحتاج إلى كثير من التفسير والدلالات، لأنه قديم، تجاوز عمره الآن مائة وثلاثين عاماً، وفيه كثير من العبارات التي تجبر المترجم على تقصيها وإظهارها بالشكل الذي يليق بمكانة اللغة العربية، وإنصافاً للمؤلف واحتراماً لذوق القارئ. وللدلالة على ذلك، يأخذ المترجم جملة من مقدمة المؤلف، وهي عبارة يتحدث فيها المؤلف أوغست ستريندبرغ عن تحولات مجتمع القرن الثامن عشر، من خلال مسرحيته «الآنسة جولي»، فيصفها بأنها من بقايا صنف النبلاء المحاربين القديم الذي يتنحى الآن «من أجل نبلاء العصب الجدد أو نبلاء العقل الكبار».

لو تُرِك الأمر هكذا، مجرد ترجمة، لما فهمنا أن هذه العبارة بمثابة أرجوحة فلسفية تتدلى منها أرجل اللغة التي استخدم فيها ستريندبرغ اللعب بالكلمات؛ خصوصاً في تلك الجزئية من الجناس بين كلمتي عقل «-hjärn» وصلب «-järn» بالسويدية، كلتاهما تنطق «يرنْ»، التي قصد بها «تورية وسخرية لاذعة»، كما يقول المترجم، الذي لم يتردد في البوح عن بعض الصعوبات التي شخصت أمامه أثناء ترجمة النص، خصوصاً فيما يتعلق بفهم مطبات قصدية العبارة المذكورة، التي ذللها إبراهيم من خلال البحث والتنقيب بعناد في بيئة النص وجذوره، حد اللجوء للاستعانة بصديق موثوق بقدرته الأدبية، ومن بيئة المؤلف ومنشئه الثقافي، لتوضيح الفكرة وما قصده سترينبرغ بـ«نبلاء العصب الجدد، أو نبلاء العقل الكبار»، ليجيبه الشاعر والناقد ماغنوس ويليام بأن ستريندبرغ كان في هذه الجزئية ساخراً، هازئاً من خصومه المثقفين، بل وحتى من المدافعين عن النساء منهم خاصةً. «ففي كلمة (عصب -nerv) إحالة مباشرة إلى ما هو (أنثوي)، لأن النساء، (في ذلك الزمان) انُتقدن لكونهن واهنات العصب ومتوترات، مرتكبات، وغير جديرات بالثقة، تبعاً لذلك. أما تعبير (نبلاء العقل)، وهو اصطلاح ابتدعه المؤلف نفسه لما فيه من تشابه صوتي باللغة السويدية، بين (Hjärn) عقل و(Järn) صُلب، حديد التي تعبر ضمنياً عن الرجولة (الحقيقية)، حسب ما تربت عليه طبقة النبلاء».

وهنا لا بد من التنويه إلى أن ما ذكرناه آنفاً من أن ستريندبرغ كان كاتباً مثيراً للجدل، قصدنا في جانب منه ازدواجية العلاقة مع للمرأة التي كانت مزيجاً من الحب والعنف في آن واحد، وقد أشيع عنه كرهه للنساء وهذا غير صحيح؛ فقد أحب ستريندبري امرأة وتزوج مرة أخرى. وقد انعكس ذلك من خلال أعماله الدرامية وقصصه وكتاباته المختلفة، وشكَّل فيه هذه الازدواجية؛ في إحساسه بالزمن، وثنائية الأنا والآخر، والخير والشر، وغيرها من المتضادات التي جاءت نتيجة لفقدانه المكان والإحساس بالواقع الاجتماعي المرّ الذي عاشه وجعله يترك دراسته الجامعية احتجاجاً على طريقة التدريس، بعدما رفضت الأكاديمية الملكية عرض مسرحية «الأسطة أولوف». وقد ألف ستريندبرغ روايته التي تحمل نفس العنوان عام 1879، وضمّنها حياة النخبة المثقفة من المجتمع السويدي، في تلك الفترة، فاضحاً فيها الظواهر السلبية السائدة في المجتمع، كالبيروقراطية وبيئة الكنيسة النتنة.

لكن روايته اللاحقة التي سماها «الغرفة الحمراء» اعتبرها نقاد الأدب الرواية الواقعية الأولي في تاريخ الأدب السويدي.

ومن مجمل نتاجاته الإبداعية التي تجاوزت الخمسين عملاً ألقت حياة ستريندبرغ بتحولاتها المريرة نفسها ظلالاً على الأحداث والتحولات الاجتماعية التي كان شاهداً عليها، منذ صدور روايته الأولى «الأسطة أولوف» 1879، وانتهاء بـ«الآنسة جولي» التي صدرت في عام 1890، والتي صور فيها واقع المجتمع والتناقضات والصراعات الحادة بين طبقات المجتمع الجديدة المتنامية، والتي تتقد فيها الرغبة لكسر القيود والتقاليد البالية.

وقد نقل لنا المترجم إبراهيم عبد الملك هذه الأحاسيس وتلك المكنونات الراقدة في جذور تربتها بطريقة حافظت على روحيتها وألقها.

هذه ليست الترجمة الوحيدة لمسرحية «الآنسة جولي» إلى العربية، لكنها الأولى التي جاءتنا مباشرة من نصها الأصلي، دون أن تمرّ بمسالك وسيطة قد يتعلق بأردانها بعض غبار اللغات المترجم من خلالها، رغم أن المباشرة لا تعطي صكاً لضمان مصداقية الترجمة وأمانتها؛ فثمة تراجم مهمة نُقلت عبر لغات بسيطة وأدَّت مهمتها، غير أن هذه الأعمال نادرة جداً. وبالمقابل هنالك ترجمات نقلت النص من لغته الأم إلى العربية بصورة مباشرة، لكنها تعثرت في دروب الترجمة الحرفية والترادف أو التماثل، لكنه من دون شك؛ فالنص المترجم من لغته الأصلية مباشرة، يحمل دلالات، لنسمِّها مجازاً المصداقية.

مشكلات الترجمة عديدة ومتنوعة تبدأ من الاختلافات الثقافية واللغوية، التي تتطلب من المترجم معرفتها، بالإضافة إلى بنية الجُمل واختيار العبارات المناسبة، ولا تنتهي بفك طُلّسم المفاهيم والمصطلحات الغامضة في النص. إن ترجمة الكلمات والعبارات بصورة حرفية يؤدي ذلك إلى نص ركيك، أو غير مفهوم. وهذا يخص الترجمة بشكل عام، لكن للترجمة الأدبية استحقاقتها؛ فالمطلوب، وإضافة إلى ما تقدَّم، نقل الروح الجمالية للنص المترجم إليه. وهذه مسألة صعبة، لأن الأدب يشكل مزيجاً من الأساليب والثقافات والتاريخ. وعدم قدرة المترجم الأدبي على اختيار المفردة المناسبة سيوقعه في خطأ نقل المعنى. ومن هنا يحتاج مترجم الأدب إلى مهارات إبداعية في التعامل مع النصوص. وهذا الأمر أساسي لما بات يعرف بأمانة الترجمة أو دقة الترجمة.

وواحد من أهم الأسباب التي أدَّت إلى ضعف الترجمات السابقة لمسرحية «الآنسة جولي»، هي أنها تُرجمت عبر لغات أخرى وسيطة، عن الإنجليزية أو الفرنسية، تحديداً ولم تترجم من السويدية مباشرة. وهذا الأمر دفع إبراهيم عبد الملك إلى ترجمتها من نصها الأصلي، كما كتبه المؤلف الصادر في عام 1888. وهذه مسافة زمنية طويلة نسبياً محاولاً بذلك «إعادة شيء من حق المؤلف المستلب».

كما يرى مشيراً إلى أن تلك «الترجمات، بما في ذلك الترجمة الإنجليزية، استهانت بالمؤلف يوهان ستريندبرغ، حد الانتقاص والتشويه»، كما يقول في مقدمته لترجمة الكتاب. ويوجز هذا الطرح في عدد من النقاط التي تتعلق بإشكاليات هذه الترجمات.

فيبدأ باسم المؤلف. إن اسمه «ستريندبرغ»، وليس ستراندبرغ، كما جاء في التراجم السابقة. والمسرحية عنوانها «الآنسة جولي»، وليس الآنسة جوليا. فـ«جولي» هو اسم «الشخصية» الرئيسية في المسرحية، ويأتي اسمها هكذا باللفظة الفرنسية، حيث كانت الطبقة الأرستقراطية في السويد تحاكي مظاهر الأبهة الفرنسية، بالملبس والمشرب وفي لفظ الكلمات، وفي تبني الطبقات الأرستقراطية في القرن التاسع عشر بعضاً منها. كما هو الحال في بلدان أوروبية كثيرة أخذت هذا المنحى. ولهذا السبب أبقى المترجم بعض الكلمات والعبارات التي تنطق بها الآنسة جولي بالفرنسية، كما جاء بها النص الأصلي.

النقطة الأخرى التي يثيرها المترجم هي تصنيف هذه الدراما ضمن تيار «الحركة الطبيعية»؛ إذ تعكس نمو وتطور هذه الحركة والمدرسة التي برزت في المسرح والأدب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بهدف محاكاة الواقع بدقة متناهية وخلق وهم بالحياة كما هي.

من خلال تصوير الطبقات الدنيا في المجتمع وتحدياتها، مركزين على العوامل البيئية والوراثية التي تُشكّل مصير الشخصيات، مع تجنُّب التكلّف والتصنّع في الأداء التمثيلي لخلق شخصيات طبيعية قدر الإمكان. وكان من أبرز فرسانها الفرنسي إميل زولا والنرويجي هنريك ابسن والروسي قسطنطين ستانيسلافسكي. وبهذا السياق، يشير المؤلف بأنه «لا يؤمن بالشخصيات المسرحية البسيطة».

أما أحكام المؤلف التلخيصية على البشر، فإنها لحمقاء، وإنها لغاشمة، وإنها لبخيلة... إلخ، واستهجانها لزام على الطبيعيين الذين يدركون مدى غنى نسيج النفس البشرية ويشعرون بأن للوِزر وجهاً آخر أشبه ما يكون بالطّهر، حسب ستريندبرغ.

ملمح آخر جدير بالاهتمام هو ورود عبارة «الطحّان»، في النص الأصلي، في حوار بين بطلي المسرحية يقول فيه جان لجولي «ضعي الطحان في الكيس»، ملمحاً إلى الحكاية المشهورة في السويد «حكاية ابنة الطحان»، ويقصد بها تذكير جولي بأن جدها كان طحاناً، ومن باب المغايرة؛ إذ إن العبرة من هذه الحكاية ما يقال بالترجمة الحرفية عن السويدية: «الصمت أفضل من سيئ الكلام». ولأن ترجمة التلميح إلى اللغة تفتقر إلى العبرة منها في هذا السياق، يتدخل هنا المترجم ليعتمد المثل القائل: «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب»، ويحل هذا الإشكال بعبارة «أكرميني بذَهَبِ سِكوتك».

في هذه الإثارة لتحليل العمل الدرامي المُترجم يوغل إبراهيم عبد الملك، في صلب الفكرة التي أراد لها المؤلف أن ترافق المسرحية؛ فنحن أمام نص مترجم، لمسرحية تجسدت فيها جميع الدلالات اللغوية والحسية ومذاقات الذائقة وإيقاعات المشاعر، بجميع تجلياتها وانحداراتها، وعنفوانها الذي جال بأرواح مهشمة وصولاً إلى نهايتها الدموية. لقد كان نوعاً من التحدي المغامرة في ترجمة هذه المسرحية الشكسبيرية بامتياز، كما وصفها المخرج العراقي جواد الأسدي، حين جاء إلى السويد خصيصاً لإخراجها، في نهاية القرن الماضي، وتحديداً في عام 1998، لجمهورها السويدي ولكن بنكهة عربية، تركت انطباعاً رائعاً لدى رواد المسرح.


مقالات ذات صلة

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

ثقافة وفنون النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون قصر هشام في أريحا

قصر هشام في أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون ماهر شفيق فريد

ماهر شفيق فريد... ناقداً

لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل…

لؤي عبد الإله

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.