نور بلوق لـ«الشرق الأوسط»: وثقنا النزوح من جنوب لبنان خلال الحرب الإسرائيلية

بطلة فيلم «حكايات الأرض الجريحة» قالت إن «الصورة لا تموت»

الفنانة اللبنانية نور بلوق (الشرق الأوسط)
الفنانة اللبنانية نور بلوق (الشرق الأوسط)
TT

نور بلوق لـ«الشرق الأوسط»: وثقنا النزوح من جنوب لبنان خلال الحرب الإسرائيلية

الفنانة اللبنانية نور بلوق (الشرق الأوسط)
الفنانة اللبنانية نور بلوق (الشرق الأوسط)

في الفيلم الوثائقي «حكايات الأرض الجريحة» تعود الفنانة التشكيلية اللبنانية نور بلوق للوقوف أمام الكاميرا بعدسة زوجها المخرج العراقي عباس فاضل الذي وثّق حياتهما خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، فعلى مدار أكثر من ساعتين نتابع تفاصيل كثيرة من حياة الفنانة اللبنانية وطفلتها وزوجها، من بينها لحظات صعبة في خلفيتها أصوات الانفجارات، وتفاصيل النزوح من الجنوب اللبناني والعودة بعد وقف إطلاق النار.

الفيلم الذي حصد عنه فاضل جائزة أفضل مخرج في النسخة الماضية من مهرجان «لوكارنو السينمائي» وشارك في مهرجان «الجونة السينمائي»، الشهر الماضي، يواصل جولته بعدد من المهرجانات السينمائية من بينها مهرجان «باري» في إيطاليا الشهر الجاري.

تقول نور بلوق لـ«الشرق الأوسط» إن «فكرة الفيلم لم يكن مخططاً لها منذ البداية، لكون المشروع وُلد من قلب الحرب الإسرائيلية على لبنان، حين اضطرت العائلة للنزوح المفاجئ تحت القصف الكثيف، ولم يكن في مقدورهم سوى أخذ بعض الثياب القليلة معهم، تاركين خلفهم الكاميرات وعدّة التصوير في المنزل»، مشيرة إلى أنها بعد نحو شهر من النزوح، قررت العودة بمفردها إلى البيت رغم المخاطر الكبيرة، لتجلب الكاميرات بنفسها.

رصد الفيلم تعرض العديد من المواقع للتدمير خلال الحرب (الشرق الأوسط)

شعرت الفنانة التشكيلية اللبنانية بأن عليهم توثيق ما يحدث لهم، فلم تكن تعلم ما الذي سيفعلونه، وفق قولها، واستدركت: «لكن كان ضرورياً أن نُسجّل الواقع الذي نعيشه لحظة بلحظة، وفور عودتي بالكاميرات بدأ زوجي المخرج عباس فاضل التصوير ليوثّق كل ما حولنا من تفاصيل الحرب والنزوح، لينطلق العمل الفعلي عقب إعلان وقف إطلاق النار الذي كان أشبه بالوهم مع استمرار القصف».

ترى نور بلوق أن تلك الفترة أتاحَت لهم العودة إلى منزلهم واستئناف التصوير بصورة مكثّفة، وفوجئت عندما أخبرها زوجها برغبته في تصويرها هي وابنتهما ضمن أحداث الفيلم، لكنها تقبّلت الأمر سريعاً لأنها اعتادت المشاركة معه في أعمال سابقة، لكن هذه المرة جرى التصوير بظروف شديدة القسوة والخطورة، «فالقصف لم يكن يتوقف، وكثيراً ما اضطررنا إلى التوقف فجأة والاحتماء داخل البيت خوفاً من سقوط القذائف»، على حد تعبيرها.

تستذكر الفنانة اللبنانية أجواء التصوير بالقول: «كنا نخرج للتصوير، وفجأة نسمع صوت الانفجارات قريبة جداً، فأطلب من عباس العودة إلى الداخل خشية أن يصيبنا شيء، لقد عشنا الخطر بكل تفاصيله»، مؤكدة أن التصوير بعد الحرب لم يكن أقل خطراً؛ إذ زاروا مناطق مدمّرة مليئة بالألغام والزجاج المكسور، وكانت ابنتها ترافقهما طوال الوقت، وتابعت: «كنت أراقبها وأحذرها في كل لحظة؛ لأن المكان كان لا يزال يحمل آثار الدمار والحرائق ورائحة الصواريخ».

وعن أصعب اللحظات التي عاشتها أثناء التصوير، قالت نور بلوق إنها كانت تخشى كثيراً على ابنتها، خصوصاً في المشاهد التي صُوّرت بين المقابر، موضحة أن «تلك اللقطات كانت شديدة الوقع عليها نفسياً، كانت ابنتي صغيرة ولا تدرك ما يجري حولها، ورؤيتها تسير بين القبور كانت لحظة قاسية عليّ كأم، لكنها في الوقت ذاته كانت لقطة فنية قوية تعكس التناقض بين الحياة والموت، وبين البراءة والدمار».

وثق مخرج الفيلم رحلة زوجته وطفلته الصغيرة مع الحرب (الشرق الأوسط)

وأكّدت أن «الفيلم لم يكن عملاً تلفزيونياً أو تقريراً إخبارياً، بل تجربة إنسانية حيّة»، مستطردة: «نحن لم نكن نغطي الحدث من الخارج، بل كنّا جزءاً منه، نعيشه بكل تفاصيله، المخرج أراد أن يُظهر الوجع الإنساني قبل أي شيء آخر، لا الإحصاءات ولا الأرقام، بل مشاعر الناس ومعاناتهم الحقيقية؛ لأن هذه اللغة وحدها قادرة على لمس المتفرّج».

وأشارت إلى سعي الفيلم لتقديم صورة داخلية عن الحرب، بعيدة عن النظرة الإعلامية الباردة، موضحة أن «فاضل ركّز في لقطاته على وجوه الناس وانفعالاتهم، وجعلهم يروون حكاياتهم بأنفسهم؛ لأن الكلمة الصادقة تنبع من التجربة لا من التحليل».

أما عن تركيز الفيلم على رصد تدمير البنية الثقافية والمدنية في لبنان، فأوضحت نور أن «هذا الجانب كان حاضراً بقوة في رؤية العمل؛ إذ حرصنا على إظهار أن أهداف الحرب لم تكن عسكرية فحسب، بل طالت الإنسان في جوهره، واستهدفت ذاكرته وثقافته وهويته، وأن القصف لم يميز بين بيت وآخر، فالفنانون والمكتبات والمنازل كانت جميعها في مرمى الدمار، فالحرب لم تكتفِ بتدمير الحجر، بل سعت إلى طمس الروح الثقافية التي تشكّل جوهر المجتمع اللبناني».

وعن اللحظة التي شعرت فيها أن الفيلم اكتمل، لفتت إلى أن عباس فاضل يميل عادة إلى الأفلام الطويلة؛ لذلك حاولوا جعل هذه التجربة أكثر اختصاراً، «لكن حجم المادة المصوّرة كان هائلاً، فاستقرّ الفيلم على نحو ساعتين»، وفق قولها.

وأوضحت: «كل شخصية كانت تحمل وجعها الخاص، فهناك الفنان الذي خسر أعماله، والمثقف الذي فقد مكتبته، وكل بيت في الجنوب كان يحكي قصة ألم إنساني مختلفة».

ورغم أنها ليست من الأشخاص الذين يفضّلون الظهور أمام الكاميرا، لكنها شعرت في هذا الفيلم بأن وجودها ضرورة إنسانية وفنية في آنٍ واحد، مستذكرة عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «لوكارنو» بدورته الماضية بعدما شاهدت الفيلم للمرة الأولى بالسينما في لحظة وصفتها بـ«الصعبة والعاطفية».

تقول نور: «رغم أنني عشت تلك الأحداث لحظة بلحظة، فإن رؤيتها مجدداً كانت مؤلمة؛ لأن كل مشهد يعيد إليك الرعب والحنين معاً»، معتبرة أن فكرة الهجرة من لبنان لم تكن مطروحة بالنسبة لهما رغم امتلاك زوجها جنسية فرنسية، مضيفة: «النزوح الداخلي كان أهون من الهجرة؛ لأنك تبقى قريباً من أهلك وبيتك، أما البعد في الخارج فهو أشد قسوة، فقد جربت الغربة من قبل وعرفت كم هي مؤلمة؛ لذلك اخترنا أن نبقى في لبنان مهما كان الثمن».


مقالات ذات صلة

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
TT

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

بين التطريز وأناقة النساء علاقة حب قديمة. وكانت هذه المهارة، أي الغرز بالخيوط الملونة على القماش، من الأمور التي لا بدّ للفتاة أن تتقنها منذ الصغر ليكتمل تأهيلها وتستحق صفة ربّة بيت. وإلى جانب التطريز يحضر النسيج «التريكو»، وشغل الإبرة «الكروشيه»، و«الدانتيلا». فإذا كان التطريز قد توارى في فترة من الفترات، فإنه يشهد عودة قوية مع فساتين السهرة، وكذلك مع العباءات والقفاطين والجلابيات التي أصبحت مرغوبة ومطلوبة، لا سيما في شهر الصيام.

مطرّزات تاريخية شاهدة على أناقة الزمن (دليل المعرض)

من هنا تأتي أهمية هذا المعرض، الموجود حالياً وحتى أواخر الخريف المقبل، في متحف الموضة في باريس، المعروف باسم «قصر غالييرا».

يتنقل الزوار بين نماذج من الأزياء المطرزة بفخامة عبر العصور. كل شيء هنا يدعوك لأن تشهق من روعة ما ترى: أزاهير، وشجيرات، وبلابل تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها. تتجول بين الصالات وكأنك تتنزه في حديقة فردوسية الألوان: ورد، وخشخاش، وقرنفل، وعناقيد عنب، وفراشات. معرض يقدِّم لك الطبيعة على الحرير، والقطيفة، والتافتا، والكتان، ويروي لك تاريخ فنٍّ من الفنون الجميلة الذي يترك إبداعاته على قماش الفستان المتنقّل، والوشاح، والحقيبة، والقبعة، بدل أن يسجنها على خامة اللوحة حبيسة المتاحف.

فساتين بتطريزات الأمس (دليل المعرض)

يعرض متحف أزياء مدينة باريس تقنيات التزيين وإبداعات المصممين القدامى والصاعدين، وقطعاً من مجموعته أو مستعارة من دور الأزياء الكبرى. ويهيب بنا عنوان المعرض: «دعوا ألف زهرة تتفتح!». وهي مناسبة للاحتفاء بالمهارات النسيجية الثلاث الرئيسية التي تُشكّل جوهر الموضة الباريسية: النسيج، والتطريز، والطباعة. وهي تقنيات يستلهم المصممون إبداعاتهم مما تتيحه من إمكانات. ففي عشرينات القرن الماضي تجرأ بول بواريه على نثر أنماط تُذكِّر بأسلوب الرسام بوتيتشيلي على سترة خضراء. وبعد عقود، غطّى نيكولا غيسكيير، مصمم دار «بالنسياغا»، هيكلاً مرناً من مادة «النيوبرين» بأكمام من الورد. وإذا اقتربنا أكثر من عصرنا الحالي، نجد المصممة اليابانية ري كاواكوبو تجرؤ على ابتكار فستان على هيئة سلة زهور عملاقة.

تطريز أحذية السهرة (دليل المعرض)

ومنذ العام الماضي، أدرج المتحف في منهاجه تنظيم سلسلة من المعارض المخصصة للحِرف اليدوية، تستكشف من زوايا مختلفة المهارات والتقنيات التي ارتبطت بعالم الأزياء. والهدف هو تسليط الضوء على ثراء مجموعاته ومقتنياته، وكذلك إلقاء نظرة جديدة على تاريخ الموضة منذ القرن الـ18 حتى يومنا الحالي. وهذا هو المعرض الأول في السلسلة؛ إذ يضم أكثر من 350 عملاً ما بين الملابس والإكسسوارات والصور الفوتوغرافية وفنون الغرافيك وعُدّة العمل وأدواته.

أوشحة مطرّزة من شرق أوروبا (دليل المعرض)

كما يكرِّم قصر غالييرا الحرفيين الذين طوّروا هذه المهارات، والذين غالباً ما تغيب أسماؤهم حين يطغى عليها اسم مصمم الأزياء المرموق. ومن هؤلاء من صنعت أناملهم شهرة المصممين المرموقين؛ فقد ظهرت بيوت تاريخية تخصصت في التطريز مثل «لوساج» و«موريل». وبهذا فإن المعرض يعيد الاعتبار إلى مهن غالباً ما يتم تجاهلها في عالم الموضة: مصمِّم النسيج، والمُطرِّز، وصانع الريش، وفنان الزخارف الزهرية. إن هؤلاء ساهموا في تكريس باريس عاصمة للموضة ومنطقة متميزة بالتجديد والاستمرار.


السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
TT

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

لم يكن الحديث عن الموهبة في «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» نقاشاً تقنياً حول أدوات تعليمية بقدر ما كان عرضاً لتجربة وطنية متكاملة، نضجت عبر عقود، وانتقلت من مبادرات تعليمية مبكرة إلى منظومة مؤسسية باتت اليوم محل اهتمام دولي، وتُعرض من جدة بوصفها نموذجاً قابلاً للنقاش والتطوير.

وفي قلب هذا المشهد، برزت تجربة «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، بوصفها نموذجاً وطنياً ينظر إلى الموهبة لا بكونها استثناءً، بل طاقة كامنة تستدعي الاكتشاف والرعاية والاستدامة.

«الموهبة»... من المفهوم إلى المنظومة

الأمير فيصل بن مشاري آل سعود مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، الأمير الدكتور فيصل بن مشاري آل سعود، قدّم خلال كلمته في المؤتمر قراءة معمّقة لمسار رعاية الموهوبين في المملكة، وأكد أن «الموهبة» ليست مجرد اسم لمؤسسة، بل كلمة عربية تعني الهبة والقدرة الفطرية، وتُشكل جوهر الفلسفة التي قامت عليها التجربة السعودية.

واستعاد الأمير فيصل البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة، متوقفاً عند تأسيس مدرسة «دار التوحيد» في الطائف عام 1945، بوصفها تجربة انتقائية هدفت إلى جمع الطلاب المتميزين من مختلف المناطق وتوفير بيئة تعليمية متكاملة لهم، في وقت كانت فيه المدارس محدودة.

وأوضح الأمير فيصل أن مرحلة التحول الأبرز جاءت في نهاية التسعينات، مع تنفيذ مشروع وطني بحثي لدراسة الموهبة ورعايتها، مهّد لتأسيس «موهبة» عام 1999 بوصفها جهة غير ربحية تُعنى باكتشاف الموهوبين وتمكينهم. ومع إنشاء الوقف الداعم للمؤسسة في عام 2011، انتقلت التجربة من منطق المبادرات إلى منطق الاستدامة، ضمن رؤية طويلة المدى لرعاية الموهبة بوصفها استثماراً وطنياً.

رحلة تمتد من المدرسة إلى سوق العمل

طلاب وطالبات «موهبة» على المسرح أثناء افتتاح أعمال «المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

ما يُميّز النموذج السعودي، كما عُرض في المؤتمر، أنه لا يتوقف عند الاكتشاف المبكر. تبدأ الرحلة من التعليم العام، عبر أدوات علمية مقننة للتعرف على الموهوبين من الصف الثالث حتى المرحلة الثانوية، لكنها تمتد لاحقاً إلى برامج إثراء وبحث علمي، ومسارات جامعية، وربط مبكر بالصناعة وريادة الأعمال.

وشدد الأمير فيصل على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الموهبة فقط، بل في استدامة رعايتها وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تسمح لها بالنمو وتحقيق الأثر عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤكداً أن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الخاص.

وشهد حفل الافتتاح لحظة رمزية لافتة مع صعود 19 طالباً وطالبة من «موهبة» إلى المسرح، ضمن فقرة حملت عنوان «ثمرة التمكين»، عكست بصورة مباشرة نتائج الاستثمار الوطني في اكتشاف الموهبة ورعايتها.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» في جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة بوصفه امتداداً طبيعياً لتجربة وصلت إلى مرحلة العرض والمساءلة الدولية.

المؤتمر، الذي انطلق برعاية وزير التعليم، وبمشاركة أكثر من 40 دولة، وبحضور أكثر من 1000 شخصية من الخبراء وصنّاع القرار، أصبح منصة لتبادل النماذج والخبرات، ومناقشة مستقبل تعليم الموهوبين في عالم سريع التحول.

دكتور عبد الله صادق دحلان رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وأكد رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، الدكتور عبد الله دحلان، في كلمته أن الاستثمار في الموهبة يُمثل الاستثمار الأسمى في مستقبل الأوطان، مشدداً على أن قوة الدول باتت تُقاس بما تستثمره في عقول أبنائها وبناتها، لا بما تمتلكه من موارد فقط.

من جانبها، أشارت رئيسة الاتحاد الآسيوي للموهبة، الدكتورة كيونجبين بارك، إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي تفرض إعادة التفكير في تعليم الموهوبين، ليس من حيث التسريع الأكاديمي فحسب، بل من حيث بناء الحكمة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع التحديات العالمية المعقدة.

من الرعاية إلى القياس

وجاء الإعلان خلال المؤتمر عن إطلاق أول مؤشر عالمي لتقييم رعاية الموهوبين ليُشكّل محطة مفصلية في هذا المسار، ناقلاً النقاش من «كيف نرعى الموهبة؟» إلى «كيف نقيس أثر هذه الرعاية؟»، ومؤكداً انتقال التجربة السعودية من التطبيق المحلي إلى الإسهام في صياغة أدوات تقييم عالمية.

وبين تجربة وطنية تبلورت عبر الزمن، ومؤتمر دولي جمع الخبرات والتجارب في جدة، تتضح ملامح قصة واحدة: قصة بلد اختار أن يجعل من الموهبة ركيزة للتنمية، لا عبر مبادرة عابرة، بل عبر منظومة تُبنى، وتُراجع، وتُقدَّم للعالم اليوم بوصفها نموذجاً مفتوحاً على المستقبل.

Your Premium trial has ended


معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك، لا بوصفه فعلاً اقتصادياً وحسب، بل نظام يومي متأصل في ثقافة الحياة المعاصرة، وسلوك مكرّس يُعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا، وذلك ضمن المعرض الذي يستضيفه غاليري «ياسين» بالقاهرة حتى 19 فبراير (شباط) الحالي.

يعتمد جعيصة في أعماله على الأثر بوصفه مدخلاً جمالياً لطرح مفهومه الفني، معتمداً على ما يخلّفه الإنسان وراءه من بقايا، ما يجعلها تتحوّل داخل اللوحات إلى ما يُشبه مروّية بصرية تشهد على تراكمية استهلاكية متنامية، فالإنسان لا يظهر هنا باعتباره فاعلاً مرئياً، بل من خلال نتاج سلوكه، وما يخلّفه من مفردات استهلاكية تتكدّس وتفرض حضورها.

تزاحم عناصر الطعام داخل اللوحة (الشرق الأوسط)

ويُكثّف الفنان من هذا الأثر عبر الاشتغال على الحشد والتكرار، أو ما يصفه هو نفسه بـ«الزخم المقصود بوصفه أداة تعبيرية تنقل حالة الاستهلاك داخل المساحة التصويرية، كما في استهلاك مواد مثل الكاميرات والأحذية والصحف وغيرها من المفردات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

لا يعمل الزخم داخل اللوحات بوصفه ازدحاماً شكلياً فحسب، بل حالة بصرية ضاغطة تعكس منطق الاستهلاك ذاته، فالتداخل الكثيف للعناصر المادية ينتج عنه ثقل بصري ودلالي، ويجعل العين في مواجهة مباشرة مع فائض لا يُتيح مسافة للراحة أو التأمل، ويتجلّى ذلك بوضوح في اللوحات التي ترصد تكدّس الكراتين، في إحالة مباشرة إلى تصاعد معدلات الشراء عبر الإنترنت وشركات الشحن، في حين تتخذ أعمال أخرى منحى أكثر إدهاشاً، بفعل الكم الفانتازي لاستهلاك الطعام والحلوى، وأكواب القهوة، والمشروبات الغازية؛ حيث تتحول الوفرة إلى مشهد إشكالي، لا إلى علامة رخاء.

الاعتماد على الزخم والتكدس في تناول موضوع المعرض (الشرق الأوسط)

وعبر 28 لوحة، تتحوَّل السلعة المستهلكة إلى بطل للمشهد، فلا يحضر الإنسان بجسده بقدر ما يحضر بسلوكه، ويبدو اختيار الفنان لأحجام لوحات كبيرة مقصوداً، ليصبح المنتج المستهلك هو صاحب السطوة والسيطرة في مقابل الإنسان، وكأن اللوحة تعكس انقلاب الأدوار بين الفاعل والمنتَج، فلا يعمل التكديس عنصراً شكلياً، بل استراتيجية فنية تكشف تحوّل الاستهلاك من فعل مؤقت إلى نظام ضاغط، يحوّل الكثرة إلى عبء بصري ودلالي.

ورغم هذا الغياب شبه الكامل للجسد البشري في اللوحات، فإن العنصر الإنساني يتصدّر عدداً محدوداً من الأعمال، كما في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء»، ويُشير جعيصة إلى هذه اللوحة بوصفها تعبيراً عن «حالة من الاستهلاك العكسي، عن أصدقاء يدخلون حياتنا ثم لا يلبثون أن يختفوا»، وهو ما يوسّع أفق قراءة الاستهلاك، بحيث لا يعود محصوراً في بُعده المادي، بل يمتد إلى علاقاتنا الإنسانية نفسها، وإلى منطق الاستبدال والتخلّي الذي يحكمها أحياناً.

ظهور العنصر البشري في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء» (الشرق الأوسط)

ويلعب اللون دوراً أساسياً في تعميق هذا المعنى، فاختيارات الفنان اللونية عبر خامتي الزيت والأكريليك تعزّز من الإحساس بالزخم، وتتدرّج اللوحات بين ألوان داكنة ومحايدة تحيط بمفردات مثل الأحذية والقهوة، وألوان زاهية ومشبعة تطغى على لوحات استهلاك الأغذية والألعاب، في تدرّج بصري يعكس تفاوت أنماط الاستهلاك وحدّتها، وما تحمله من إغواء بصري متعمّد.

أما مفردات مثل «البيوت» و«السيارات»، فتفتح مسارات دلالية إضافية داخل المعرض؛ تحيل البيوت إلى فكرة البدايات والحميمية التي تتآكل مع كثافة التنقل والاستهلاك، في حين تشير السيارات إلى الاقتناء بوصفه نمطاً اجتماعياً وربما وجاهة رمزية، ولا تسعى الأعمال إلى تقديم إجابات مغلقة بقدر ما تترك للمتلقي مساحة للتفاعل مع قصته الشخصية مع الاستهلاك، بوصفه «كائناً استهلاكياً» قد يشترك مع غيره أو يختلف في طبيعة هذا النمط ومستواه.

جانب من معرض «استهلاكي» (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، تتحول لوحات المعرض إلى مساحة مساءلة بصرية، تضع المتلقي أمام مفارقة أساسية: «أصبح الشخص الواحد يستهلك اليوم ما كانت تستهلكه أسرة كاملة في السابق؛ فهل صار الاقتناء رغبة أم غريزة أم شرهاً؟»، وهو السؤال الذي يطرحه جعيصة لا بوصفه إدانة، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء، وبما نكدسه أو نتخلص منه، وبما يكشفه ذلك عنا.