روبوت يرسم خرائط ثلاثية الأبعاد في ثوانٍ لأماكن الكوارث

نظام جديد مدعوم بالذكاء الاصطناعي لإنقاذ الأرواح

يُنشئ النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي خرائط فرعية صغيرة للمشهد تدريجياً ويُحاذيها بدقة ليدمجها معاً لإعادة بناء خريطة ثلاثية الأبعاد كاملة (MIT)
يُنشئ النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي خرائط فرعية صغيرة للمشهد تدريجياً ويُحاذيها بدقة ليدمجها معاً لإعادة بناء خريطة ثلاثية الأبعاد كاملة (MIT)
TT

روبوت يرسم خرائط ثلاثية الأبعاد في ثوانٍ لأماكن الكوارث

يُنشئ النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي خرائط فرعية صغيرة للمشهد تدريجياً ويُحاذيها بدقة ليدمجها معاً لإعادة بناء خريطة ثلاثية الأبعاد كاملة (MIT)
يُنشئ النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي خرائط فرعية صغيرة للمشهد تدريجياً ويُحاذيها بدقة ليدمجها معاً لإعادة بناء خريطة ثلاثية الأبعاد كاملة (MIT)

عندما تقع الكوارث يصبح عامل الوقت خصماً قاتلاً. في مثل هذه الحالات، قد تكون قدرة الروبوت على التنقّل ورسم خريطة دقيقة للموقع مسألة حياة أو موت. ولهذا، طوّر فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نظاماً جديداً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي يسمح للروبوتات بإنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد دقيقة لبيئات معقدة خلال ثوانٍ معدودة فقط.

الهدف من هذا النظام هو تمكين الروبوتات من العمل في ظروف خطرة بسرعة ودقة غير مسبوقتين؛ من البحث عن ناجين تحت الأنقاض إلى استكشاف الأنفاق أو المناجم المتضررة.

رسم الخرائط وسط الفوضى

لكي يؤدي الروبوت مهامه في بيئات كهذه، يجب عليه أن يحدّد موقعه في المكان، في حين يرسم خريطة للمحيط في الوقت نفسه، وهي مهمة تُعرف في علم الروبوتات باسم «التوطين ورسم الخرائط المتزامن» (SLAM). وقد واجه الباحثون تحديات كبيرة في هذا المجال؛ إذ إن الأساليب التقليدية تعتمد على حساسات مُعايرة مسبقاً وتفشل أحياناً في البيئات المعقدة، في حين أن النماذج المعتمدة على التعلم الآلي يمكنها المعالجة بدقة، لكنها تظل محدودة من حيث عدد الصور التي تستطيع التعامل معها في آنٍ واحد.

من هنا، استلهم الباحثون في «MIT» فكرة مبتكرة، وهي أنه بدلاً من إنشاء الخريطة كاملة دفعة واحدة، يقوم النظام بإنشاء «خرائط فرعية صغيرة» تغطي أجزاء من البيئة، ثم يدمجها معاً لتكوين خريطة ثلاثية الأبعاد كاملة أثناء تحرك الروبوت. وبحسب تقرير «MIT»، فإن النظام «ينشئ هذه الخرائط الفرعية بشكل تدريجي ويُحاذيها بدقة، لتكوين خريطة متكاملة مع تقدير موقع الروبوت في الزمن الحقيقي».

البساطة التي تولّد القوة

ما يميز هذا النظام ليس فقط السرعة، بل أيضاً سهولة التطبيق. فغالبية أنظمة رسم الخرائط تتطلب حساسات باهظة الثمن أو إعدادات معقدة يقوم بها خبراء، في حين يمكن لهذا النموذج أن يعمل مباشرة «خارج الصندوق». يقول دومينيك ماجّو، طالب الدراسات العليا في «MIT» وقائد الفريق البحثي، إنه «لكي تنفّذ الروبوتات مهام أكثر تعقيداً، فهي تحتاج إلى خرائط أكثر تفصيلاً للعالم من حولها. لكننا لا نريد جعل عملية بناء هذه الخرائط أكثر صعوبة. لقد أثبتنا أنه يمكن إنشاء خريطة ثلاثية الأبعاد دقيقة خلال ثوانٍ قليلة باستخدام أداة بسيطة وسهلة التشغيل».

أما لوكا كارلوني، الأستاذ المشارك في قسم الطيران والفضاء بالمعهد والمشرف على المشروع، فيوضح أنه «بمجرد أن توصّل دومينيك إلى فكرة الجمع بين تقنيات الرؤية المعتمدة على التعلم العميق والأساليب الهندسية الكلاسيكية، أصبح التنفيذ مباشراً نسبياً. إن الوصول إلى حل فعّال وبسيط بهذا الشكل يمكن أن يفتح الباب أمام تطبيقات واسعة النطاق».

يسمح توظيف النظام داخل المستودعات والمصانع بتسهيل حركة الروبوتات دون الحاجة إلى حساسات إضافية أو توجيه بشري مستمر (أدوبي)

من المختبر إلى أرض الواقع

رغم أن التجارب الأولى أُجريت داخل بيئات محدودة مثل الممرات أو الغرف المغلقة، فإن نتائجها تَعِد باستخدامات واقعية أكبر بكثير. فبالنسبة لفرق الإنقاذ، يمكن لهذه التقنية أن تمكّن الروبوتات من رسم خرائط كاملة للمناطق المنهارة بسرعة قياسية؛ ما قد يختصر الوقت اللازم للوصول إلى الناجين.

وفي المجال الصناعي، يمكن توظيف النظام داخل المستودعات والمصانع لتسهيل حركة الروبوتات دون الحاجة إلى حساسات إضافية أو توجيه بشري مستمر. ويشير تقرير «Interesting Engineering» إلى أن هذه المقاربة «تمهد لجيل جديد من الروبوتات المستقلة التي يمكنها التعرف على بيئتها باستخدام الكاميرات فقط دون تجهيزات معقدة».

التحدي الهندسي الأكبر

مع ذلك، لم تكن المهمة سهلة. يقول ماجّو إنه في المحاولات الأولى بدا أن دمج الخرائط الفرعية البسيطة فكرة سهلة، لكنه لم يعمل بدقة كافية. وبعد مراجعة أبحاثٍ في مجال الرؤية الحاسوبية تعود إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، توصّل إلى السبب: النماذج القائمة على التعلم الآلي تميل إلى تشويه التفاصيل الدقيقة في الصور، مما يصعّب محاذاة الخرائط الفرعية مع بعضها.

ويضيف كارلوني أنه «لم يكن الحل مجرد تدوير الخرائط أو تحريكها لتتطابق، بل كان علينا التأكد من أن كل خريطة فرعية يتم تشويهها بطريقة متّسقة مع البقية. ولهذا طورنا أسلوباً رياضياً مرناً لتصحيح هذه التشوهات وضمان التوافق الكامل». هذا التعديل سمح للنظام بإنتاج خرائط أكثر دقة دون الحاجة إلى معايرة الكاميرات أو ضبط معقد للبرمجيات.

نتائج واعدة وسرعة مذهلة

في الاختبارات، تمكن الباحثون من إنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد شبه آنية لأماكن معقدة مثل داخل كنيسة «MIT» باستخدام مقاطع قصيرة التُقطت بهواتف جوالة فقط. وبلغ متوسط الخطأ في إعادة البناء أقل من 5 سنتيمترات، وهي دقة مذهلة بالنظر إلى بساطة المعدات المستخدمة. يؤكد «MIT» أن النظام تفوّق على النماذج السابقة من حيث السرعة وجودة النتائج دون الحاجة إلى كاميرات خاصة أو أدوات مساعدة إضافية.

نحو جيل جديد من الذكاء المكاني

يتطلع الفريق الآن إلى اختبار التقنية في بيئات أكثر تعقيداً؛ من الأنفاق الضيقة إلى المباني المنهارة، وجعلها أكثر استقراراً في الظروف القاسية.

ويعد كارلوني أن «الإلمام بالرياضيات الهندسية التقليدية ما زال ضرورياً. فكلما فهمنا بعمق ما يجري داخل النموذج، أصبح بالإمكان تحسين نتائجه وجعله أكثر قابلية للتوسع».

وبدعم من المؤسسة الوطنية للعلوم ومكتب الأبحاث البحرية الأميركي ومؤسسة الأبحاث الوطنية الكورية، يشكّل هذا المشروع خطوة جديدة نحو عالم تصبح فيه الروبوتات أكثر استقلالية وذكاءً، قادرة على «رؤية» العالم من حولها وبنائه رقمياً في لحظة.


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا النظام يمنح الروبوتات ذاكرة طويلة الأمد تربط الأشياء بالأماكن والأوقات التي ظهرت فيها (الجامعة)

تقنية جديدة تمنح الروبوتات ذاكرة للمكان والزمان

النظام يمنح الروبوتات ذاكرة مكانية وزمنية تساعدها على تذكّر الأشياء والمواقع واسترجاعها عبر أوامر بلغة طبيعية بسرعة أكبر.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق الروبوتات أيضاً بدأت تبحث عن أناقتها الخاصة (إ.ب.أ)

روبوتات ترتدي أحدث صيحات الموضة في سيول

راح كلّ عارض بشريّ يطلُّ على المنصة مع رفيقه الآليّ الأقصر...

«الشرق الأوسط» (سيول)
رياضة سعودية فريق جامعة أم القرى على منصة التتويج (الشرق الأوسط)

«أم القرى» تتصدر بطولة العالم للروبوتات البشرية لكرة القدم

حققت فرق جامعة أم القرى المركزين الأول والثالث في نهائيات بطولة العالم للروبوتات البشرية لكرة القدم 2026.

لولوة العنقري (الرياض )
الاقتصاد روبوت بشري من إنتاج مركز بكين للابتكار التابع لشركة الروبوتات البشرية في مجمع بكين الصناعي للروبوتات (رويترز)

صادرات الصين من الروبوتات تبلغ 1.6 مليار دولار خلال الربع الأول

أظهرت إحصاءات رسمية أصدرتها الهيئة العامة للجمارك في الصين أن قيمة صادرات الصين من الروبوتات بلغت 11.32 مليار يوان (حوالي 1.66 مليار دولار) في الربع الأول.

«الشرق الأوسط» (بكين)

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: تطبيقات المراسلة بوابة جديدة للخدمات الرقمية في السعودية

تقيس المؤسسات النجاح بسرعة الاستجابة ودقة الحل وخفض التكلفة وليس بعدد الرسائل فقط (رويترز)
تقيس المؤسسات النجاح بسرعة الاستجابة ودقة الحل وخفض التكلفة وليس بعدد الرسائل فقط (رويترز)
TT

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: تطبيقات المراسلة بوابة جديدة للخدمات الرقمية في السعودية

تقيس المؤسسات النجاح بسرعة الاستجابة ودقة الحل وخفض التكلفة وليس بعدد الرسائل فقط (رويترز)
تقيس المؤسسات النجاح بسرعة الاستجابة ودقة الحل وخفض التكلفة وليس بعدد الرسائل فقط (رويترز)

تمتلك السعودية قاعدة رقمية واسعة تهيئها للانتقال بتطبيقات المراسلة من أدوات للتواصل إلى قنوات متكاملة لتقديم الخدمات. ويصل انتشار الإنترنت في المملكة إلى 99 في المائة، بينما يستخدم 9 من كل 10 بالغين سعوديين تطبيق «واتساب» يومياً، وفقاً للبيانات التي استند إليها تقرير أعدته «بي سي جي».

وتشير الأرقام إلى أن هذا الاستخدام اليومي لا يقتصر على المحادثات الشخصية، بل يوفر أساساً يمكن للشركات والجهات الحكومية البناء عليه لتقديم خدمات كاملة داخل نافذة واحدة، بدءاً من البحث والاستفسار، مروراً بتنفيذ الطلب، وصولاً إلى حل المشكلة ومتابعتها.

في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، يقول فارس عقّاد، المدير الإقليمي لشركة «ميتا» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، إن المراسلة أصبحت تحتل موقعاً مركزياً في المرحلة الجديدة من التحول الرقمي في السعودية. ويضيف: «إنها تتطور من أداة للتواصل إلى مساحة تحدث داخلها رحلة كاملة، من العثور على الخدمة واستخدامها إلى حل المشكلة، وكل ذلك ضمن محادثة واحدة».

فارس عقّاد المدير الإقليمي لشركة «ميتا» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا (ميتا)

خطط تعكس حجم التحول

حسب البيانات الواردة في التقرير، تخطط 84 في المائة من المؤسسات في المملكة للاستثمار في تقنيات المراسلة الغنية خلال السنوات الخمس المقبلة، متقدمةً بذلك على القنوات التقليدية مثل الرسائل النصية القصيرة والبريد الإلكتروني. وتسمح المراسلة الغنية بتجاوز نموذج الإشعارات أحادية الاتجاه، إذ يمكن للمستخدم أن يطرح سؤالاً، ويتلقى رداً، ويطلب خدمة، ويكمل إجراءً، ثم يعود إلى المحادثة نفسها عند الحاجة، مع الحفاظ على سياق التفاعل.

ويرى عقّاد أن هذا التوجه يرتبط بتغير واضح في توقعات المستخدمين، الذين باتوا ينتظرون تفاعلاً فورياً وشخصياً ومستمراً، بدلاً من الانتقال بين مراكز الاتصال والمواقع والتطبيقات المختلفة.

ويفيد بأن «الأنظمة القديمة التي تعتمد على رسائل أحادية الاتجاه، ومراكز اتصال ذات أوقات انتظار طويلة، وقنوات منفصلة يُفقد فيها السياق عند كل انتقال، تخلق احتكاكاً يشعر به الطرفان».

ولا تقتصر هذه الظاهرة على السعودية. فعالمياً، تشير البيانات إلى أن 72 في المائة من البالغين المتصلين بالإنترنت يفضّلون استخدام المراسلة وسيلة أساسية للتواصل مع الشركات، بينما يتواصل 79 في المائة مع شركة عبر الرسائل مرة واحدة على الأقل أسبوعياً.

ينقل الذكاء الاصطناعي تطبيقات المراسلة من الدعم إلى تقديم خدمات متكاملة داخل محادثة واحدة (د.ب.أ)

ليست وسيلة إشعار فقط

يتمثل التحول الأساسي في الانتقال من استخدام المراسلة لإرسال التنبيهات إلى استخدامها بوصفها قناة رئيسية للخدمة. فالجهة لا تكتفي بإرسال تأكيد أو تحديث، بل تتيح للمستخدم إكمال الإجراء داخل المحادثة نفسها. ويصف عقّاد هذا التغير بأنه أعمق من مجرد تحول في عادات الاتصال، لأنه يؤثر في تصميم الخدمة ذاتها وكيفية وصول الأفراد إليها. ويرى أن «هذا يعكس تغييراً هيكلياً في طريقة تقديم الخدمات وتصميم التفاعل عبر الشركات والوزارات والمنصات الوطنية».

وفي الخدمات الحكومية، يمكن أن تقلل المراسلة الحاجة إلى تعلم استخدام بوابات جديدة أو التنقل بين أنظمة متعددة، خصوصاً عندما تُقدَّم الخدمة عبر تطبيق يستخدمه المواطن أصلاً ويعرف طريقة التعامل معه.

ويضيف عقّاد أن اعتماد القنوات المألوفة «يقلل منحنى التعلم ويخفض حواجز الوصول»، لا سيما بالنسبة إلى المستخدمين الذين قد يواجهون صعوبة في التعامل مع بوابات أو أنظمة جديدة.

الذكاء الاصطناعي يدير الحجم والسياق

يوفر الانتشار الواسع للمراسلة قناة جاهزة، لكن الذكاء الاصطناعي هو العنصر الذي يسمح بإدارة أعداد كبيرة من المحادثات على مدار الساعة، مع فهم المقصود من السؤال وتقديم إجابة أو تحويل الحالة عند الحاجة. وتشير البيانات إلى أن 80 في المائة من صناع القرار يعتقدون أن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيغيرون طريقة التفاعل مع العملاء.

وفي التطبيق العملي، يمكن لهؤلاء الوكلاء فهم نية المستخدم، والرد الفوري على الأسئلة المتكررة، وتقديم المعلومات بالعربية والإنجليزية، ثم تصعيد الحالات الأكثر تعقيداً إلى موظف بشري.

ويذكر عقّاد خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» أن «الذكاء الاصطناعي يدير الحجم، من الاستفسارات الروتينية والردود متعددة اللغات إلى التوفر على مدار الساعة، بينما يبقى الموظفون البشر في صلب الحالات التي تتطلب حكماً أو حساسية أو تفاعلاً شخصياً».

وتتقاطع هذه الرؤية مع ما وصفته دراسة لهيئة الحكومة الرقمية بمفهوم «وكلاء الذكاء الاصطناعي شركاء للحكومة»، إذ يمكن للوكلاء الحواريين أداء دور موظف رقمي في الخط الأول، يجيب عن الأسئلة الأساسية فوراً، ثم يحيل الحالات التي تحتاج إلى تدخل متخصص.

ولا يعني ذلك إلغاء الدور البشري، حيث إن الخبرة البشرية تظل ضرورية في المواقف المعقدة، وفي القرارات التي تحتاج إلى تقدير، وفي التفاعلات التي لا يمكن اختزالها في إجابة آلية، كما يقول عقّاد.

يتطلب التوسع بيانات جاهزة ونماذج تشغيل متعاونة وشراكات واضحة وأطر قياس مرتبطة بالنتائج (أ.ف.ب)

أكثر من مليار محادثة يومياً

توضح الأرقام العالمية حجم الانتقال الجاري نحو التفاعل التجاري عبر تطبيقات المراسلة. وقال فارس عقّاد إن أكثر من مليون شركة تستخدم حالياً «Meta Business Agent» للرد على العملاء على مدار الساعة.

وأضاف أن «أكثر من مليار محادثة نشطة تجري يومياً بين الشركات والعملاء عبر واتساب وماسنجر وإنستغرام»، في مؤشر على اتساع الاعتماد على هذه المنصات بوصفها قنوات مباشرة للتفاعل وتقديم الخدمات.

ويرى عقّاد أن الاتجاه لم يعد يقتصر على تحويل السؤال إلى الموظف المناسب، بل بات يرتبط بتقديم تجربة أكثر تخصيصاً منذ اللحظة الأولى.

وتابع: «الرؤية هي أن تتمكن كل شركة من الحضور لكل عميل كما لو كان لديها فريق غير محدود يقف خلفها».

ويغيّر هذا الحجم طريقة نظر المؤسسات إلى تطبيقات المراسلة. فبدلاً من اعتبارها قناة إضافية بجانب الهاتف والبريد الإلكتروني، تصبح جزءاً من البنية التشغيلية التي تستقبل الطلبات وتعالجها وتقيس نتائجها.

البريد السعودي «سبل» مثالاً

يقدم البريد السعودي «سبل» مثالاً على النتائج التشغيلية التي يمكن أن تحققها المراسلة عند استخدامها على نطاق واسع. ومع نمو التجارة الإلكترونية وارتفاع الضغط على القنوات التقليدية، انتقلت المؤسسة إلى نموذج يقوده التفاعل عبر الرسائل. يجري اليوم حل 90 في المائة من استفسارات العملاء داخل قناة المراسلة. كما انخفضت أوقات انتظار مراكز الاتصال بنسبة 50 في المائة، وتراجعت التكاليف التشغيلية بنسبة 75 في المائة. وبرأي فارس عقّاد، هذه النتائج لم تأتِ من إضافة قناة جديدة إلى النظام القديم، بل من إعادة تصميم رحلة العميل كاملة.

ويشرح لـ«الشرق الأوسط»: «تجربة (سبل) تُظهر ما يمكن تحقيقه على نطاق وطني، ليس داخل مشروع تجريبي محدود، بل في عمليات حية وكثيفة الاستخدام تخدم الجمهور السعودي».

كما تشير هذه الأرقام إلى أن خفض التكلفة وتحسين الخدمة لا يعملان بالضرورة في اتجاهين متعارضين. ففي هذه الحالة، تراجعت الضغوط التشغيلية في الوقت الذي أصبحت فيه الإجابات أسرع والمعلومات أكثر دقة والتجربة أبسط بالنسبة إلى المستخدم.

يصل انتشار الإنترنت في السعودية إلى 99 % ويستخدم 9 من كل 10 بالغين «واتساب» يومياً (أ.ف.ب)

القيمة تُقاس بالنتائج

لا يكفي قياس نجاح المراسلة بعدد المحادثات أو سرعة إرسال الرد الأول، بل إن المؤسسات تحتاج إلى ربط القناة بنتائج تشغيلية وتجارية واضحة. ويقترح عقّاد تقييم الأداء عبر ثلاثة مستويات: الأول يتعلق بتجربة المستخدم، ويشمل سرعة الرد ودقة الحل ومستويات الرضا. والثاني تشغيليّ، مثل خفض التكلفة ونسبة الاستفسارات التي تُحل بالكامل داخل القناة. والثالث يرتبط بالأداء التجاري أو المؤسسي.

وتُظهر بيانات «بي سي جي» أن المؤسسات التي تنشر استخدامات متعددة للمراسلة تحقق قيمة أعلى للعميل طوال فترة علاقته بالمؤسسة بمقدار 2.1 مرة، إلى جانب كفاءة أفضل في اكتساب العملاء بمقدار 1.5 مرة. وينوه عقّاد إلى أن «القياس الأكثر أهمية هو الذي يربط المراسلة مباشرةً بالنتائج بدلاً من النشاط». ويشمل ذلك معرفة ما إذا كانت القناة تقلل الحاجة إلى الاتصال، وتختصر خطوات إنجاز الخدمة، وتحسن الاحتفاظ بالعملاء، وتخفف تكلفة كل معاملة أو استفسار.

5 قدرات للتوسع الناجح

حدد تقرير «بي سي جي» 5 قدرات تحتاج إليها المؤسسات للانتقال من حالات الاستخدام المحدودة إلى تقديم خدمات متكاملة عبر المراسلة. تبدأ هذه القدرات باعتبار المراسلة قناة أساسية للخدمة، مع اختيار الاستخدامات التي تحقق قيمة مباشرة. ثم تأتي جاهزية البيانات والتقنيات، إذ لا يستطيع وكيل الذكاء الاصطناعي تقديم إجابات دقيقة إذا كانت المعلومات قديمة أو موزعة بين أنظمة لا يتصل بعضها ببعض.

وتشمل القدرة الثالثة تطوير نموذج تشغيلي يسمح بالتعاون بين فرق التقنية وخدمة العملاء والتسويق والعمليات. أما الرابعة فتتعلق بالشراكات بين مزودي التقنية والمنصات ومشغلي الخدمات. وتتمثل الخامسة في وضع إطار واضح للقياس يربط أداء المراسلة بالرضا والكفاءة والنمو. ويقول عقّاد إن هذه القدرات «ستحدد أي المؤسسات العامة والخاصة ستقود المرحلة المقبلة من التحول الرقمي».

تخطط 84 % من المؤسسات السعودية للاستثمار في المراسلة الغنية خلال السنوات الخمس المقبلة (أ.ب)

أخطاء البيانات غير الجاهزة

يمكن أن تفشل مشاريع المراسلة المدعومة بالذكاء الاصطناعي عندما تُعامل باعتبارها نسخة أكثر تطوراً من الرسائل النصية القصيرة. ويرى فارس عقّاد أن استخدام القناة لإرسال إشعارات أحادية الاتجاه لا يمثل استراتيجية متكاملة، لأن القيمة الأساسية تكمن في الحوار المستمر ثنائي الاتجاه، وفي بقاء المستخدم داخل سياق واحد من بداية الرحلة إلى نهايتها.

ويتمثل الخطر الثاني في نشر أدوات الذكاء الاصطناعي قبل تجهيز البيانات التي تعتمد عليها. فإذا لم يتمكن النظام من الوصول إلى معلومات دقيقة ومحدثة، فسوف يقدم إجابات ضعيفة أو خاطئة، بما يؤثر في الثقة. ويقول: «إذا لم يستطع النظام إظهار معلومات دقيقة ومحدثة، تتضرر التجربة، ويؤثر ذلك في الثقة بطرق يصعب التعافي منها».

أما الخطأ الثالث فهو التقليل من أهمية الشراكات، حيث إن تقديم خدمة حوارية على نطاق واسع يحتاج إلى تنسيق بين المنصة ومزودي الحلول والجهة المقدمة للخدمة، إضافةً إلى الفرق التي تدير البيانات والعمليات والتجربة.

تنتقل السوق السعودية من مرحلة توفر القناة إلى مرحلة إعادة تصميم الخدمات حولها، ويحدد نجاح هذا الانتقال مدى قدرة المؤسسات على ربط المحادثة بالبيانات والعمليات والقياس، وليس بمجرد إضافة نافذة جديدة للتواصل.

Your Premium trial has ended


هل يحتاج العالم العربي إلى «ميثاق للوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي»؟

رؤية عربية لمستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي
رؤية عربية لمستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي
TT

هل يحتاج العالم العربي إلى «ميثاق للوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي»؟

رؤية عربية لمستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي
رؤية عربية لمستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي

ماذا لو استيقظ ملايين الموظفين بعد عشر سنوات ليكتشفوا أن جزءاً كبيراً من أعمالهم اليومية أصبح يُنجَز بواسطة خوارزمية ذكية؟ وماذا لو لم يكن التحدي الحقيقي هو فقدان الوظائف، بل تآكل المهارات التي كانت تمنح الإنسان قيمته المهنية ومكانته في سوق العمل؟

هذه الأسئلة لم تعد تنتمي إلى عالم الخيال العلمي. فالذكاء الاصطناعي دخل بالفعل إلى المكاتب والمصانع والمستشفيات والجامعات، وأصبح قادراً على كتابة التقارير وتحليل البيانات وترجمة النصوص ومراجعة العقود القانونية، بل والمساعدة في اتخاذ بعض القرارات المهنية المعقدة. وبينما تتسابق الدول والشركات للاستفادة من هذه الثورة التقنية، يتزايد القلق بشأن مستقبل العمل وطبيعة الوظائف خلال العقد المقبل.

الحائز على نوبل يحذر: الذكاء الاصطناعي قد يوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء

تحذير من الحائز على نوبل

في فبراير (شباط) 2026 أعاد الاقتصادي الأميركي من أصل تركي دارون أسيموغلو، أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إشعال النقاش العالمي حول مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي. وحذّر من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في الكيفية التي تُوجَّه بها وتُوظَّف داخل الاقتصادات الحديثة.

ويرى أسيموغلو أن كثيراً من الشركات باتت تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لاستبدال العامل البشري بدلاً من تمكينه وتعزيز إنتاجيته، وهو توجه قد يقود إلى ارتفاع معدلات البطالة، واتساع فجوة عدم المساواة، وتركيز مزيد من الثروة والنفوذ في أيدي عدد محدود من الشركات التقنية العملاقة.

لماذا يهم الأمر العالم العربي؟

رغم أن هذا النقاش انطلق في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن تداعياته على العالم العربي قد تكون أكثر عمقاً وأبعد أثراً. فالمنطقة تشهد في الوقت نفسه تحولاً رقمياً متسارعاً واستثمارات غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي ضمن رؤى التنمية الوطنية ومشاريع المستقبل.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟ بل: كيف نضمن أن تبقى الكفاءات العربية قادرة على التطور والتكيف والمنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي؟

التكنولوجيا تغيّر الوظائف

يعلمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي العمل البشري بقدر ما تعيد تشكيله. فقد اختفت مهن كثيرة خلال القرنين الماضيين، لكن مهناً جديدة ظهرت مكانها. غير أن سرعة التحول الحالية تبدو مختلفة عن كل ما عرفه العالم من قبل. وبينما احتاجت الثورة الصناعية إلى عقود طويلة لإعادة رسم سوق العمل، بينما تستطيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي اليوم تغيير طبيعة بعض الوظائف خلال سنوات قليلة فقط.

الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الطبيب

الطب نموذجاً للمستقبل

يظهر هذا التحول بوضوح في القطاع الصحي، الذي ظل يُنظر إليه طويلاً بوصفه أحد أكثر المهن مقاومة للأتمتة. فالذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على تحليل الصور الشعاعية، والمساعدة في اكتشاف الأورام، وتقييم صور الشبكية، وقراءة بعض نتائج الفحوص المرضية، بل والمساهمة في تخطيط العلاجات ومتابعة المرضى.

وقد شهدت تخصصات مثل الأشعة، وطب العيون، وعلم الأمراض، والأمراض الجلدية، وأمراض القلب، والأورام، وطب الأسنان الرقمي توسعاً متسارعاً في استخدام الأنظمة الذكية. ومع ذلك لم يتراجع دور الطبيب، بل أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالخوارزمية تستطيع تقديم التحليلات والتوصيات، لكنها لا تستطيع تحمل المسؤولية الأخلاقية أو استيعاب الظروف الإنسانية والاجتماعية والنفسية التي تحيط بكل مريض.

مهارات جديدة لعصر جديد

وينطبق الأمر نفسه على التعليم، والقانون، والهندسة والإدارة. فالمطلوب في المستقبل لن يكون الشخص القادر على حفظ المعلومات واسترجاعها فحسب، بل القادر على تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، وفهم حدودها، وتوظيفها بصورة، واعية ومسؤولة.

وبعبارة أخرى، فإن قيمة الإنسان في سوق العمل لن تُقاس بما يعرفه فقط، بل بقدرته على توظيف المعرفة التي تنتجها الأنظمة الذكية، وتحويلها إلى قرارات وحلول ذات معنى وقيمة.

الجسر إلى وظائف المستقبل

5 مبادئ لميثاق الوظائف

من هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم جديد يمكن تسميته «ميثاق الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي». والمقصود به ليس إنشاء مؤسسة جديدة أو إضافة المزيد من اللوائح، بل صياغة إطار استراتيجي يضمن أن يبقى الإنسان محور التحول الرقمي وصانعاً له، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

ويمكن لهذا الميثاق أن يقوم على خمسة مبادئ أساسية: التعلم المستمر، وإعادة التأهيل المهني، وتعزيز قدرات الإنسان بدلاً من استبداله، ودمج مهارات الذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب، وتقييم الأثر الوظيفي للتقنيات الجديدة، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد الاقتصادية وفرص المستقبل.

فرصة عربية لا تتكرر

تزداد أهمية هذا النقاش في العالم العربي لأن المنطقة تمتلك فرصة تاريخية نادرة قد لا تتكرر كثيراً. فالكثير من الدول العربية ما زالت في مرحلة بناء استراتيجياتها الرقمية وتطوير منظوماتها للذكاء الاصطناعي، وهو ما يمنحها فرصة الاستفادة من تجارب الآخرين وتجنب بعض التحديات التي بدأت تظهر في الاقتصادات المتقدمة.

ولا ينبغي أن يقتصر الهدف على بناء اقتصادات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بل أن يمتد إلى بناء مجتمعات قادرة على العمل معه والتكيف معه وتوجيهه بما يخدم الإنسان والتنمية معاً.

ميثاق الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي

الإنسان شريك لا ضحية

ربما لا يحتاج العالم العربي اليوم إلى المزيد من الخوارزميات فحسب، بل إلى رؤية إنسانية واضحة لمستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بعدد النماذج الذكية التي نطورها أو نمتلكها، بل بقدرتنا على ضمان أن يبقى الإنسان شريكاً في هذا المستقبل، لا ضحية له.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر الوظائف، بل ما إذا كنا مستعدين لإعداد الإنسان لعالم تتغير فيه المهن بوتيرة غير مسبوقة، وتظهر فيه وظائف لم تُولد بعد، ولم تُكتب أوصافها الوظيفية حتى الآن.

فمستقبل العمل لن تحدده الخوارزميات وحدها، بل القرارات التي نتخذها اليوم بشأن الإنسان الذي سيعمل معها غداً.


البيانات الصحية للأجهزة القابلة للارتداء... هل يهتم الأطباء بها حقاً؟

يلجأ بعض المرضى إلى عيادات أطبائهم حاملين لقطات شاشة لبيانات أجهزتهم أو أسئلة حول قراءات محيرة
يلجأ بعض المرضى إلى عيادات أطبائهم حاملين لقطات شاشة لبيانات أجهزتهم أو أسئلة حول قراءات محيرة
TT

البيانات الصحية للأجهزة القابلة للارتداء... هل يهتم الأطباء بها حقاً؟

يلجأ بعض المرضى إلى عيادات أطبائهم حاملين لقطات شاشة لبيانات أجهزتهم أو أسئلة حول قراءات محيرة
يلجأ بعض المرضى إلى عيادات أطبائهم حاملين لقطات شاشة لبيانات أجهزتهم أو أسئلة حول قراءات محيرة

وصف روبرت ف. كينيدي، الابن، وزير الصحة الأميركي، الأجهزة القابلة للارتداء -مثل الساعات أو الخواتم الذكية- بأنها وسيلة تتيح للأفراد «السيطرة على صحتهم» و«مفتاح» لمبادرة «جعل أميركا صحية مجدداً (Make America Healthy Again)».

استخدام متزايد

يمكن لهذه الأجهزة -التي تُعرف غالباً باسم «الأجهزة القابلة للارتداء» (wearables)- أن توفر تدفقاً مستمراً من البيانات المفيدة، بما في ذلك عدد الخطوات، ومعدل ضربات القلب، ومؤشرات جودة النوم، والسعرات الحرارية المحروقة. وقد أظهرت استطلاعات الرأي في السنوات القليلة الماضية أن نحو 40 في المائة من الأميركيين يستخدمون نوعاً ما من هذه الأجهزة، وأن معدلات اقتنائها كانت أعلى بين المستهلكين الأصغر سناً والأكثر تمتعاً بالصحة واهتماماً باللياقة البدنية. وقال كينيدي في جلسة استماع بالكونغرس العام الماضي: «تتمثل رؤيتي في أن يرتدي كل أميركي جهازاً قابلاً للارتداء في غضون أربع سنوات».

كثير من المؤشرات لا يرقى إلى المعايير الطبية

غير أن عديداً من الأطباء يُبدون تشككاً أكبر؛ إذ يرون أن بعض المؤشرات التي توفرها هذه الأجهزة فقط هي التي تتمتع بفائدة سريرية، ولا يزالون بصدد تحديد أي منها هو الأهم وفي أي سياق. ويقول الدكتور زاهي فياض، مدير معهد الهندسة الطبية الحيوية والتصوير في مستشفى «ماونت سيناي» بنيويورك، إن هذه الأجهزة يمكن أن تساعد الأطباء على مراقبة المرضى من بُعد والكشف عن العلامات المبكرة للأمراض. لكنه أشار إلى أن عديداً من المؤشرات التي توفرها هذه الأجهزة لا ترقى حالياً إلى المعايير الطبية، كما تتوفر بيانات قليلة تثبت أن استخدامها يؤدي إلى تحسين النتائج الصحية.

ومع ذلك، يلجأ بعض المرضى -بحثاً عن إجابات- إلى عيادات أطبائهم حاملين لقطات شاشة لبيانات أجهزتهم أو أسئلة حول قراءات محيرة. كما بدأ بعض الشركات المصنِّعة لهذه الأجهزة بالسماح للمستخدمين باستشارة إخصائيين طبيين عبر تطبيقاتها.

جعلت الأجهزة القابلة للارتداء مراقبة العمليات الداخلية للجسم أسهل من أي وقت مضى

ما المؤشرات التي تهم الأطباء في الأجهزة القابلة للارتداء؟

* مراقبة الغلوكوز. غالباً ما يصف الأطباء أنواعاً محددة من الأجهزة القابلة للارتداء -مثل أجهزة المراقبة المستمرة لمستوى الغلوكوز- التي تخضع لمعايير طبية صارمة. أما بالنسبة إلى الأجهزة التي يمكن شراؤها عبر الإنترنت، فيميل الأطباء إلى التركيز فقط على عدد قليل من المؤشرات ذات الدلالة الطبية أو الأهمية التشخيصية.

* الرجفان الأذيني. على سبيل المثال، تقول الدكتورة إريكا سباتز، مديرة برنامج صحة القلب والأوعية الدموية الوقائية في كلية الطب بجامعة ييل، إن بعض الأجهزة القابلة للارتداء يمكنها رصد «الرجفان الأذيني atrial fibrillation»، وهو اضطراب في نظم القلب قد ينطوي على مخاطر صحية. وفي دراسة أُجريت على ساعة «أبل»، قارن الباحثون بين التنبيهات المتعلقة بعدم انتظام النبض وبين قراءات متزامنة تم الحصول عليها بواسطة لاصقة طبية متخصصة لتخطيط كهربائية القلب، ووجدوا أن تنبيهات الساعة كانت تتوافق مع حالات الرجفان الأذيني بنسبة 84 في المائة من الحالات.

عدد الخطوات... ومؤشرات النوم

* عدد الخطوات. وهناك مقاييس أخرى، مثل عدد الخطوات، يمكن أن توضح للأطباء مدى نشاطك البدني أو نمط حياتك الخامل. ربطت الدراسات بين قطع نحو 7000 خطوة يومياً وانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري من النوع الثاني، والخرف.

* أنماط النوم الأساسية. وتشير الدكتورة شيري ماه -وهي طبيبة مختصة في طب النوم ومحاضرة مشاركة في مركز طب النوم بجامعة ستانفورد- إلى أن أنماط النوم الأساسية (مثل موعد الخلود إلى النوم، وموعد الاستيقاظ، وإجمالي ساعات النوم) تلعب دوراً مماثلاً في الأهمية؛ إذ يُعد كل من انتظام النوم ومدته أمراً جوهرياً. وقد قارن باحثون دقة ثلاثة أجهزة قابلة للارتداء شائعة الاستخدام بنتائج دراسة معيارية دقيقة للنوم (تُعد المرجع الذهبي في هذا المجال)، ووجدوا أن هذه الأجهزة تتطابق مع نتائج الدراسة بنسبة تزيد على 90 في المائة في التمييز بين حالتي النوم واليقظة.

قياسات غير دقيقة

ومع ذلك، توضح سباتز أن بعض المؤشرات -بما في ذلك ضغط الدم، ومستوى الأكسجين في الدم، ومراحل النوم- لا تُقاس بدقة بواسطة الأجهزة القابلة للارتداء. وتضيف أن مؤشرات أخرى، مثل الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين (VO2 max) وتغير معدل ضربات القلب، قد توفر تقديرات تقريبية لمستوى اللياقة البدنية والتعافي، لكنها لا تزال غير صالحة للاستخدام في اتخاذ قرارات طبية.

كما يوفر عديد من الأجهزة القابلة للارتداء «درجات» أو مؤشرات للصحة العامة والعافية، حيث تدمج مصادر بيانات متعددة في رقم بسيط يعبر عن مقاييس مثل العمر البيولوجي، أو مستوى التوتر، أو جودة النوم. ويشير الدكتور جاغ سينغ -الأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد، والرئيس السابق لقسم أمراض القلب في مستشفى ماساتشوستس العام- إلى أن كل شركة تحسب هذه الدرجات بطريقة مختلفة، مستخدمةً خوارزميات خاصة بها؛ ولذا لا يستطيع الأطباء معرفة ما تقيسه هذه الدرجات فعلياً أو ما إذا كانت تعكس نتائج صحية حقيقية. ويضيف سينغ: «قد تكون هذه الأجهزة مفيدة على المستوى الفردي فيما يتعلق بالعافية، لكنني لا أعتقد أنها مفيدة للطبيب المعالج».

استخدام الأجهزة القابلة للارتداء بشكل صحيح

وقال فياض إن أفضل طريقة لاستخدام الأجهزة القابلة للارتداء هي النظر إلى الاتجاهات طويلة المدى بدلاً من الانشغال المفرط بالتقلبات اليومية. قد يكون للتغير المفاجئ أهمية إذا تزامن مع ظهور أعراض معينة، مثل الشعور بخفقان القلب في أثناء ارتفاع معدل ضربات القلب. ولكن بشكل عام، فإن قراءة واحدة غير معتادة لا تعطي دلالة قوية مقارنةً بتغير مستمر يمتد لأسابيع أو أشهر. وأضاف قائلاً: «لا تكمن قيمة الجهاز القابل للارتداء في الرقم ذاته، بل في المسار أو الاتجاه الذي يظهره».

ازدياد قلق المستخدمين بسبب قراءات الأجهزة

وأشار سينغ إلى أن الحذر نفسه ينطبق عند مقارنة بياناتك ببيانات الآخرين؛ فالأشخاص يختلفون اختلافاً كبيراً في مقاييس مثل «تباين معدل ضربات القلب» (HRV) أو «الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين» (VO2 max)، حتى وإن كانوا يتمتعون بمستويات لياقة بدنية متماثلة. وعادةً ما يكون «المستوى المرجعي» الخاص بك أكثر فائدة من أي معيار خارجي.

وذكر فياض أن الجهاز القابل للارتداء قد يكون مفيداً إذا كان يحفزك على زيادة عدد خطواتك اليومية أو يساعدك على ملاحظة أن تناول الكحول يؤثر سلباً على معدل ضربات القلب في أثناء الراحة. ولكن إذا أدى تتبع البيانات بشكل قهري إلى شعورك بالقلق أو الإحباط، فقد يكون ضرر الجهاز أكبر من نفعه. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي هذه الأجهزة أحياناً إلى تدهور جودة النوم، وذلك وفقاً لما ذكره الدكتور إيزكيل جيه. إيمانويل، خبير السياسات الصحية بجامعة بنسلفانيا ومؤلف كتاب «Eat Your Ice Cream» (تناول الآيس كريم).

هوس «غير صحي»

وقد كشف استطلاع حديث عن أن نحو 30 في المائة من الأشخاص الذين يتتبعون بيانات نومهم كانوا عرضة لخطر الإصابة بـ«أورثوسومنيا» (orthosomnia)، وهي حالة من الهوس غير الصحي بالحصول على نوم مثالي. ويرى إيمانويل أن المقياس الأفضل هو مدى شعورك بالنشاط والحيوية في الصباح.

إذا كان القلق الناجم عن بيانات الأجهزة القابلة للارتداء يمثل مشكلة، فقد يكون الحل ببساطة هو التوقف عن تتبع هذه البيانات. ويشير سباتز إلى حل آخر يتمثل في استخدام الجهاز لأغراض محددة وقصيرة المدى -مثل زيادة مستويات النشاط أو تحسين انتظام النوم -ثم التوقف عن استخدامه بعد ذلك.

لقد جعلت الأجهزة القابلة للارتداء مراقبة العمليات الداخلية للجسم أسهل من أي وقت مضى. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث وأدوات أفضل لدمج هذه الأرقام ووضعها في سياقها الصحيح، وتحديد ما يستحق اهتمام الأطباء واتخاذ إجراء بشأنه.

* خدمة «نيويورك تايمز».