نيويورك تمنح ممداني فوزاً تاريخياً وتقود تحوّلاً بين الديمقراطيين

شهدت الانتخابات أعلى نسبة إقبال منذ نصف قرن

المرشح الفائز برئاسة بلدية مدينة نيويورك زهران ممداني محتفلاً على مسرح في بروكلين بنيويورك (أ.ف.ب)
المرشح الفائز برئاسة بلدية مدينة نيويورك زهران ممداني محتفلاً على مسرح في بروكلين بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

نيويورك تمنح ممداني فوزاً تاريخياً وتقود تحوّلاً بين الديمقراطيين

المرشح الفائز برئاسة بلدية مدينة نيويورك زهران ممداني محتفلاً على مسرح في بروكلين بنيويورك (أ.ف.ب)
المرشح الفائز برئاسة بلدية مدينة نيويورك زهران ممداني محتفلاً على مسرح في بروكلين بنيويورك (أ.ف.ب)

شكّل فوز زهران ممداني برئاسة بلدية مدينة نيويورك ذروة في سلسلة انتصارات سياسية حققها حزبه الديمقراطي ضد الجمهوريين، من شرق الولايات المتحدة إلى غربها، بعد عام واحد من الانتصار الكبير للرئيس دونالد ترمب في انتخابات عام 2024، وقبل عام واحد من الانتخابات النصفية للكونغرس، التي يمكن أن تقلب المعادلات الراهنة رأساً على عقب.

وفيما يعد تحوّلاً جيلياً في سياسات الحزب الديمقراطي، توّج ممداني البالغ من العمر 34 عاماً صعوده السياسي الخاطف بالفوز برئاسة بلدية نيويورك بعد حملة انتخابية سحر خلالها الناخبين، ولا سيما جيل الشباب بمقاطع فيديو جذابة واظب على نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي وبمنصته الاقتصادية التقدّمية، واعداً بتغيير طريقة حكم المدينة والتصدي المباشر لنهج الرئيس ترمب، الذي سعى بأشكال شتى للحيلولة دون فوز ممداني، بما في ذلك عبر تقديم الدعم على مضض لحاكم الولاية السابق أندرو كومو، علماً أن الأخير ترشح مستقلاً بعدما خسر أمام ممداني نفسه في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين.

أنصار المرشح الديمقراطي زهران ممداني يتفاعلون مع إعلان نتائج انتخابات رئاسة بلدية نيويورك (أ.ب)

ووفقاً لمجلس الانتخابات في المدينة، شارك أكثر من مليوني ناخب من نيويورك في الانتخابات، في أكبر نسبة إقبال على منصب رئيس البلدية منذ أكثر من نصف قرن. وبعد فرز الغالبية الساحقة من الأصوات، تقدم ممداني على كومو بنحو تسع نقاط مئوية، وصار رئيس البلدية الرقم 111 للمدينة الكبرى في الولايات المتحدة.

لكن فوز ممداني لم يكن وحده الاختبار الأول لترمب في ولايته الثانية وشعاراته المحافظة التي قادت الجمهوريين بعد فوزهم في الانتخابات الرئاسية والعامة قبل عام، لأن مرشحي الحزب الديمقراطي هيمنوا أيضاً على انتخابات وعمليات اقتراع في ولايات أخرى، ومنها فيرجينيا حيث صارت أبيغيل سبانبرغر أول حاكمة للولاية، ونيوجيرسي حيث فازت ميكي شيريل على مرشح جمهوري قوي مدعوم من ترمب، وكاليفورنيا حيث فاز الديمقراطيون باستفتاء لإعادة رسم دوائرهم الانتخابية، رداً على مساعي ترمب لكسب المزيد من المقاعد الجمهورية في مجلس النواب بولايات أخرى.

دخل التاريخ

وبفوزه الساحق ضد كومو والجمهوري كورتيس سليوا، دخل ممداني التاريخ بصفته أول رئيس بلدية مسلم ومن أصول جنوب آسيوية مولود في أفريقيا، علماً أنه سيصبح عند تولّي منصبه في الأول من يناير (كانون الثاني) المقبل أصغر رئيس بلدية لنيويورك منذ أكثر من قرن.

جانب من مؤتمر صحافي عقده ممداني عقب فوزه بانتخابات رئاسة بلدية نيويورك يوم 5 نوفمبر (رويترز)

ومنح الصعود غير المتوقع لممداني صدقية للأصوات الديمقراطية التي حضّت الحزب على احتضان المزيد من المرشحين التقدميين، بدلاً من التجمع خلف الوسطيين على أمل استعادة الناخبين المترددين الذين تخلوا عن الحزب.

وتمكّن ممداني بالفعل من مواجهة تحدّيات الجمهوريين على المستوى الوطني - بمن في ذلك من الرئيس ترمب - الذين صوروه على أنه تهديد يمثل «حزباً ديمقراطياً يجنح أكثر فأكثر نحو التطرف». وهدّد ترمب مراراً بقطع التمويل الفيدرالي عن المدينة، وحتى الاستيلاء عليها، إذا فاز ممداني.

وبعيد إعلان فوزه ليل الثلاثاء، خاطب ممداني أنصاره خلال احتفال صاخب بانتصاره: «يُقال لكم إنني لست المرشح المثالي. أنا شاب رغم كل ما بذلته من جهد لأصير أكبر سناً. أنا مسلم. أنا اشتراكي ديمقراطي. والأهم من ذلك كله، أنني أرفض الاعتذار عن أي من هذا». ووصف فوزه بأنه نعمة للعمال ومحدودي الدخل من ذوي الياقات الزرق الذين يكافحون من أجل لقمة العيش. وقال: «نيويورك، قدمتِ لي الليلة تفويضاً للتغيير»، واعداً «بالاستيقاظ كل صباح بهدف واحد: جعل هذه المدينة أفضل لكم مما كانت عليه في اليوم السابق».

تحذيرات كومو وسليوا

وفي وقت كان فيه أنصار ممداني يحتفلون في أنحاء مختلفة من الضواحي الخمس في المدينة التي يزيد عدد سكانها على ثمانية ملايين نسمة، بدا المزاج أكثر هدوءاً في المقر الرئيسي لحملة كومو على مسرح وسط مانهاتن. وفي خطاب إقراره بالهزيمة، وصف الحاكم السابق حملته الانتخابية بأنها «علامة تحذير تُنذر بمسار خطير للغاية»، مشيراً إلى أن «قرابة نصف سكان نيويورك لم يصوتوا لدعم أجندة حكومية تقدم وعوداً نعلم أنها لن تُنفّذ».

ومع ذلك، زجر مؤيديه عندما بدأوا يُطلقون صيحات الاستهجان عند ذكر اسم ممداني. وقال لهم: «لا، هذا ليس صائباً»، مضيفاً أن «الليلة كانت ليلتهم». وعرض مساعدة رئيس البلدية الجديد بأي شكل من الأشكال.

المرشح الخاسر في انتخابات بلدية مدينة نيويورك أندرو كومو خلال كلمة اعترافه بالخسارة في نيويورك (إ.ب.أ)

أما سليوا، مؤسس فرقة «الملائكة الحارسة» لمكافحة الجريمة، فاعترف بالهزيمة بعد نحو نصف ساعة من إغلاق صناديق الاقتراع، متمنياً لممداني «حظاً سعيداً، لأنه إذا نجح، فسننجح نحن أيضاً». ولكنه أصدر تحذيراً قال فيه: «إذا حاولتم تطبيق الاشتراكية، وإذا حاولتم إضعاف شرطتنا وجعلها عاجزة، وإذا تخليتم عن السلامة العامة للشعب، فسنصير أسوأ أعداء رئيس البلدية المنتخب وأنصاره».

وأشار كومو، الذي استقال قبل أربع سنوات حاكماً للولاية إثر ادعاءات عن تحرش جنسي، وسليوا في تحذيراتهما إلى وعود يعدّها البعض «غير واقعية» و«لا تتماشى مع طبيعة المدينة»، أطلقها ممداني خلال حملته، التي ركّزت على القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، بما في ذلك من خلال السعي إلى فرض ضرائب على الأثرياء لتمويل برامج اجتماعية جديدة واسعة النطاق، واستخدام الأموال لجعل حافلات المدينة مجانية، وفتح متاجر بقالة تديرها المدينة، وتجميد الإيجارات لمن يعيشون في نحو مليون شقة خاضعة لقوانين الإيجار، وتوفير رعاية أطفال مجانية وشاملة، وإنشاء إدارة جديدة للسلامة المجتمعية ترسل اختصاصيي رعاية الصحة النفسية للتعامل مع بعض مكالمات الطوارئ بدلاً من ضباط الشرطة.

بين الشعار والتطبيق

ولا يزال من غير الواضح كيف سيُموّل ممداني هذه المبادرات، بالنظر إلى معارضة الحاكمة الديمقراطية للولاية كاثي هوكول الراسخة لدعوات ممداني إلى رفع الضرائب على الأثرياء.

وسيتعين على ممداني أيضاً التعامل مع ترمب، الذي لم يكتف بتهديد المدينة بالانتقام، بل لمّح أيضاً إلى أنه قد يحاول اعتقال ممداني وترحيله إذا فاز، إلى البلد الذي ولد وأمضى فيه طفولته المبكرة، أي أوغندا، علماً أنه نشأ في مدينة نيويورك وصار مواطناً أميركياً عام 2018.

جانب من مؤتمر صحافي عقده ممداني عقب فوزه بانتخابات رئاسة بلدية نيويورك يوم 5 نوفمبر (أ.ف.ب)

وكان ممداني تعرّض لانتقادات شديدة بسبب مواقفه المؤيدة للفلسطينيين في أكبر مدينة يسكنها يهود خارج إسرائيل. ويترقّب كثيرون معرفة ما إذا كان سيواصل انتقاده اللاذع للأعمال العسكرية الإسرائيلية في غزة، علماً أنه اتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، وأكد أنه سيحترم مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وفي خطابه، وجه ممداني كلامه إلى ترمب مباشرة، فقال إن «نيويورك ستبقى مدينة المهاجرين، مدينة بناها المهاجرون، ويدعمها المهاجرون، وابتداء من هذه الليلة، يقودها مهاجر»، مضيفاً أنه «إذا كان في إمكان أحد ما أن يُظهر لأمة خانها دونالد ترمب كيفية هزيمته، فهي المدينة التي أنجبته».

وفيما بدا أنه إقرار بتحديات ممداني، نشر ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» للتواصل: «...وهكذا تبدأ!». وسيسعى ممداني، الذي تعرض لانتقادات طوال الحملة الانتخابية بسبب سيرته الذاتية الضعيفة، إلى البدء في تعيين موظفي إدارته القادمة والتخطيط لكيفية تحقيق الأجندة الطموح، والمثيرة للجدل، التي قادته إلى الفوز.


مقالات ذات صلة

بن غفير المثير للجدل... من أبرز وجوه اليمين الإسرائيلي المتطرف

شؤون إقليمية إيتمار بن غفير زعيم حزب «القوة اليهودية» خلال فعالية انتخابية في مقر حزبه بالقدس 2 نوفمبر 2022 (رويترز) p-circle

بن غفير المثير للجدل... من أبرز وجوه اليمين الإسرائيلي المتطرف

ينتمي إيتمار بن غفير إلى أقصى اليمين الإسرائيلي، وفي حين كان منبوذاً إلى حدّ بعيد، بات اليوم شخصية لا يمكن تجاوزها في السياسة الإسرائيلية ووزيراً للأمن القومي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا تيتيه وسفراء الاتحاد الأوروبي (البعثة الأممية)

الاتحاد الأوروبي يتمسك بدعم المسار الأممي لحلحلة الأزمة الليبية

جدّد الاتحاد الأوروبي تمسكه بموقفه الداعم لمسار الأمم المتحدة لحلحلة الأزمة الليبية، مؤكداً مساندته للقاءات الجارية بين الفاعلين الرئيسيين في الشرق والغرب.

خالد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية صورة من داخل البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) عقب تصويت على حلّه قبل انتهاء ولايته... في مقر الكنيست بالقدس 20 مايو 2026 (رويترز)

البرلمان الإسرائيلي يتخذ أولى خطواته لإجراء انتخابات مبكرة

صوّت البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، الأربعاء، لصالح حل نفسه في أولى الخطوات نحو إجراء انتخابات مبكرة محتملة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

أغلقت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر، أمس الاثنين، عند الساعة صفر، باب إيداع ملفات الترشح للانتخابات التشريعية، المقررة يوم 2 يوليو المقبل

أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مهرجان انتخابي في إشبيلية 15 مايو الحالي (رويترز)

سانشيز... تألق في الخارج وانتكاسات في إسبانيا

مني حزب رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي، بيدرو سانشيز، بهزيمة انتخابية قاسية الأحد في إقليم الأندلس.

شوقي الريّس (مدريد)

تقرير: سياسات ترمب تثير جدلاً حول استغلال السلطة لمكاسب خاصة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

تقرير: سياسات ترمب تثير جدلاً حول استغلال السلطة لمكاسب خاصة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

سلطت شبكة «سي إن إن» الأميركية الضوء على سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقالت إنه يركز في ولايته الثانية على مصالحه الشخصية، متجاهلاً معاناة الأميركيين من الغلاء. وأضافت «سي إن إن»، في تحليل، أنه حتى أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون المعروفون بتسامحهم مع ترمب، يرفضون هذا الوضع. ولفتت إلى أن كل رئيس يُمارس سلطته لتحقيق أهداف سياسية، بعضها نابع من هواجسه الخاصة لكن ترمب يتجاوز كل أسلافه في استخداشم منصبه كأداة للسلطة الشخصية.

وقالت إنه في خطوة غير مسبوقة هذا الأسبوع، استغل ترمب سلطته التنفيذية لتحقيق مكاسب شخصية غير مسبوقة؛ حيث منعت وزارة العدل «إلى الأبد» قيام مصلحة الضرائب بمراجعة الشؤون الضريبية السابقة للرئيس وعائلته.

وأضافت أن هذا كان أحد بنود تسوية مثيرة للجدل، ناجمة عن دعوى قضائية رفعها ترمب ضد حكومته بقيمة 10 مليارات دولار بسبب تسريب إقراراته الضريبية. ويتضمن جزء آخر من التسوية إنشاء صندوق بقيمة 1.776 مليار دولار لتعويض المواطنين الذين يدّعون أنهم ضحايا استخدام السلطة كسلاح في إدارة الرئيس السابق جو بايدن. قد يكون هذا المثال الأكثر وضوحاً لشعار حملة ترمب الانتخابية عام 2024، حين قال في تجمعات حاشدة: «أنا انتقامكم».

ويثير هذا الأمر القلق لأنه يبدو وكأنه ينطوي على استخدام الرئيس لسلطته الفريدة لمنح نفسه حقاً غير متاح لبقية المواطنين. وأثارت المخاوف من أن تُثري هذه الخطة مئات الأشخاص المدانين في أحداث شغب واقتحام مبنى «الكابيتول» الأميركي عام 2021، حين اعتدى بعض أنصار ترمب على الشرطة، قلقاً حتى لدى الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ. وقال زعيم الأغلبية الجمهورية السابق في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل: «أعلى مسؤول عن إنفاذ القانون في البلاد يطلب صندوقاً أسود لدفع رواتب مَن يعتدون على رجال الشرطة؟ غباء محض، وخطأ أخلاقي فادح. اختر ما شئت». وذكرت «سي إن إن» أن هذا التمرد لم يكن ليحدث لولا سعي ترمب وراء هدف شخصي صارخ (مكافأة مؤيديه الذين دعموا مزاعمه الكاذبة بتزوير انتخابات 2020).

وقالت إن معظم الرؤساء، إذا اتُهموا بالسعي وراء مشروع شخصي يُدرّ ملايين الدولارات في وقتٍ تُعاني فيه البلاد من ضائقة اقتصادية، قد يُحاولون إخفاء الأمر، لكن ليس ترمب؛ فهو فخورٌ بذلك، كما بدا جلياً عندما اصطحب الصحافيين بحماس في جولة داخل مشروع قاعة الرقص في البيت الأبيض، التي ستُقام قريباً على أنقاض الجناح الشرقي العتيق.

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (رويترز)

وقال، الثلاثاء، وهو يستعرض تصاميم المبنى الفخم، كاشفاً عن نبأٍ مثيرٍ للدهشة مفاده أن السطح سيضم أيضاً «أكبر إمبراطورية طائرات من دون طيار» لحماية واشنطن: «أفضل ما أجيده في الحياة هو البناء». وانتقد معارضو ترمب قاعة الرقص بشدة، واصفين إياها بالفساد وإساءة استخدام السلطة، كما نددوا ببرنامجه لتشويه واشنطن بمبانٍ تهدف إلى ضمان إرثه الشخصي، الذي سيُهيمن على المدينة لفترة طويلة بعد مغادرته منصبه، ويُعد قوس النصر الضخم، الذي سيُشوه رؤية المعالم الأثرية، مثالاً آخر على ذلك.

ويُصر ترمب على أن هذه المشاريع لا تتعلق به وحده، بل هي جزءٌ من مشروع تجميلٍ طال انتظاره، سيُجسد أمة فخورة وطموحة، وعاصمة سمح لها الرؤساء السابقون بالتدهور. وقال: «أُهدي قاعة الاحتفالات...»، في إشارة إلى التبرعات الخاصة من الشركات التي قال إنها ستُموّل المشروع، متجاهلاً المشكلات الأخلاقية العديدة التي يثيرها هذا الأمر. لكن ترمب يُريد أيضاً تحويل ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب إلى جهاز الخدمة السرية لتمويل بناء ملجأ وتجهيزات أمنية تحت قاعة الاحتفالات. ويُصرّ على أن الأمر ليس تبذيراً للمال، بل خدمة للأمة، من شأنها حماية البلاد، وقال ترمب يوم الخميس: «إننا نقدم هدية للولايات المتحدة، ليس لي، لأني سأرحل، كما تعلمون، سأرحل وسيخلفني شخص آخر». وإذا كانت قاعة الرقص تُعتبر هبة، فإن معظم الأميركيين يمكنهم الاستغناء عنها، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته صحيفة «واشنطن بوست» و«إيه بي سي نيوز» و«إيبسوس»، في نوفمبر (تشرين الثاني)، الذي أظهر معارضة 56 في المائة لقرار هدم الجناح الشرقي وبناء قاعة رقص.

هل يمكن أن تأتي سياسات ترمب الشخصية للغاية بنتائج عكسية؟ تُهدد الضجة المُثارة حول قاعة الاحتفالات وصندوق التعويضات بتفاقم مأزق ترمب السياسي، إذ يُعاني من أدنى مستويات التأييد الشعبي تاريخياً، وتُظهر استطلاعات الرأي أن الأميركيين يُحمّلون سياساته مسؤولية تدهور أوضاعهم الاقتصادية. ويُعتبر أحياناً عدو نفسه الأكبر؛ فقد طغت موجة النقاشات التي شهدها هذا الأسبوع على الجهود التي يبذلها البيت الأبيض لإقناع الأميركيين بأنه يُدرك حقاً إحباطاتهم. وتشمل هذه الجهود توسيع موقع «ترمب آر إكس» الإلكتروني المُصمم لخفض أسعار الأدوية، الذي سيضم الآن 600 دواء عامّ، بما في ذلك علاجات الكوليسترول والسكري.

واختتمت الشبكة تحليلها بقولها إن هذه الانتقادات لن تُزعزع ولاء أشد مؤيدي ترمب، الذين يُجلّونه باعتباره الشخصية السياسية الوحيدة التي استمعت إلى شكواهم من نظام سياسي واقتصاد عالمي يعتقدون أنهما تخلّيا عنهم، لكن منتقديه يعتقدون أنه يسعى لمصلحته الشخصية، ويُقدّم الرئيس الأميركي لهم أدلة كثيرة على ذلك في ولايته الثانية التي تتسم بالاهتمام بذاته.


مهاجما المركز الإسلامي في سان دييغو استلهما هجومهما من جرائم سابقة

صورة جوية تظهر المركز الإسلامي في سان دييغو الولايات المتحدة 19 مايو 2026 (أ.ب)
صورة جوية تظهر المركز الإسلامي في سان دييغو الولايات المتحدة 19 مايو 2026 (أ.ب)
TT

مهاجما المركز الإسلامي في سان دييغو استلهما هجومهما من جرائم سابقة

صورة جوية تظهر المركز الإسلامي في سان دييغو الولايات المتحدة 19 مايو 2026 (أ.ب)
صورة جوية تظهر المركز الإسلامي في سان دييغو الولايات المتحدة 19 مايو 2026 (أ.ب)

في كتابات مطولة ومضطربة مليئة بالكراهية تجاه طيف واسع من الناس، لم يترك المراهقان اللذان هاجما المركز الإسلامي في سان دييغو في الولايات المتحدة هذا الأسبوع وأدى إلى مقتل ثلاثة رجال ومقتلهما، أي شك بشأن النماذج التي استلهما منها عنفهما.

وكان أبرز تلك النماذج مطلق النار الذي قتل 51 شخصاً في مسجدين بمدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا عام 2019، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وقد لاحظ الباحثون الذين يدرسون التطرف منذ فترة طويلة، التأثير الكبير لهجوم كرايستشيرش على منفذي الاعتداءات اليمينية المتطرفة، وعزوا ذلك إلى حجم العنف الذي شهده الهجوم، والوثيقة التي نشرها القاتل موضحاً فيها أفكاره وأفعاله، والأهم من ذلك قراره بثّ المجزرة مباشرة عبر الإنترنت. ومن بين الذين يبدو أنهم استلهموا هجمات من كرايستشيرش، مسلح قتل بعد أشهر 22 شخصاً في متجر «وولمارت» بولاية تكساس الأميركية.

وقالت كاثرين كينيلي، مديرة تحليل التهديدات والوقاية منها في معهد الحوار الاستراتيجي، وهو منظمة مناهضة للتطرف: «جزء مما نراه في مجتمعات التطرف العنيف على الإنترنت هو الرغبة في محاكاة الهجمات التي حققت أكبر عدد من القتلى، وهو أمر مقزز قوله، لكنه الواقع». وأضافت: «هناك هوس بهذا الأمر، وكأن الهجمات تحولت إلى نوع من المنافسة أو اللعبة».

اقتحم كاين كلارك (17 عاماً) وكاليب فاسكيز (18 عاماً) المركز الإسلامي يوم الاثنين، قبل أن يجبرهما حارس أمن على التراجع إلى الخارج بعدما تبادل إطلاق النار معهما أثناء بدء إجراءات الإغلاق الأمني، ما ساعد على حماية 140 طفلاً، بحسب ما ذكرت السلطات.

وقتل الاثنان الحارس أمين عبد الله ورجلين آخرين قبل أن ينهيا حياتهما داخل مركبة قريبة.

شرطي يقف حارساً خارج مسجد النور في كرايستشيرش مكان وقوع هجوم في نيوزيلندا 22 مارس 2019 (رويترز)

كتابات مشبعة بالكراهية والمظالم

ترك المهاجمان وراءهما وثيقة من 74 صفحة، وهو نفس عدد صفحات الوثيقة التي كتبها منفذ هجوم كرايستشيرش برينتون تارانت. ومثل وثيقة تارانت، استشهدت الوثيقة بمجموعة من مصادر الإلهام الآيديولوجية اليمينية المتطرفة، بما في ذلك فكرة أن السكان البيض يجري استبدالهم بمجموعات سكانية أخرى، كما تضمنت مقابلات ذاتية شرحا فيها دوافعهما وأهدافهما.

وأطلقا على نفسيهما اسم «أبناء تارانت»

وتضمنت الكتابات خطاباً مليئاً بالكراهية تجاه اليهود والمسلمين والإسلام، إضافة إلى السود، والنساء، وكذلك اليسار واليمين السياسيين. وأشارت إلى أنهما كانا يسعيان إلى تسريع انهيار المجتمع. وفي الجزء الذي كتبه فاسكيز، تحدث عن معاناته من «بعض مشكلات الصحة النفسية» وعن تعرضه للرفض من النساء.

وفي بيان صدر الخميس، قالت عائلة فاسكيز إن كاليب فاسكيز كان ضمن طيف التوحد وإنه أصبح مع مرور الوقت ناقماً على بعض جوانب هويته.

وأضاف البيان، الذي صدر عبر محامي العائلة كولين رودولف: «نعتقد أن ذلك، إلى جانب تعرضه لخطاب الكراهية والمحتوى المتطرف والدعاية المنتشرة عبر أجزاء من الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ومنصات إلكترونية أخرى، ساهم في انجرافه نحو آيديولوجيات متطرفة ومعتقدات عنيفة».

وأوضح البيان أن عائلته شجعته على طلب المساعدة، وقضى فترة في مراكز لإعادة التأهيل.

وأشار براين ليفين، المدير المؤسس لمركز دراسة الكراهية والتطرف في جامعة ولاية كاليفورنيا في سان برناردينو، إلى أن كتابات تفوّق العرق الأبيض منذ سبعينيات القرن الماضي قدّمت نموذجاً سردياً للهجمات الإرهابية اللامركزية، غير أن النازيين الجدد في العقود السابقة كانوا يفضلون نهجاً يُعرف أحياناً باسم «دعاية الفعل»، حيث كان يُفترض أن يكون الهجوم بحد ذاته كافياً لإلهام مقلدين، حتى من دون تفسيرات مكتوبة.

وقال ليفين إن الإنترنت جعل نشر كتابات منفذي الهجمات أكثر سهولة، ومنذ أن قتل مهاجم يميني متطرف 77 شخصاً في النرويج عام 2011 وأصدر وثيقة من 1500 صفحة، أصبح من الشائع أكثر أن ترافق مثل هذه الفظائع كتابات تفسيرية. وغالباً ما تقتبس هذه الكتابات من نصوص سابقة لتفوق العرق الأبيض.

وأضاف: «إن استراتيجية تقديم النفس كحلقة جديدة في سلسلة مستمرة من التطرف لا توحي فقط بأن الحركة أكبر مما هي عليه فعلاً، بل تبرز أيضاً قدرتها على الاستمرار، إذ تعود للظهور مراراً مع مجموعة مختلفة من الفاعلين العنيفين، بعضهم يلقى حتفه أثناء ذلك».


«البحرية الأميركية»: مبيعات الأسلحة لتايوان عُلِّقت بسبب حرب إيران

طائرة من دون طيار تايوانية الصنع تظهر خلال جولة إعلامية في تايتشونغ بتايوان (رويترز)
طائرة من دون طيار تايوانية الصنع تظهر خلال جولة إعلامية في تايتشونغ بتايوان (رويترز)
TT

«البحرية الأميركية»: مبيعات الأسلحة لتايوان عُلِّقت بسبب حرب إيران

طائرة من دون طيار تايوانية الصنع تظهر خلال جولة إعلامية في تايتشونغ بتايوان (رويترز)
طائرة من دون طيار تايوانية الصنع تظهر خلال جولة إعلامية في تايتشونغ بتايوان (رويترز)

قال القائم بأعمال وزير البحرية الأميركي الخميس إن مبيعات الأسلحة لتايوان «عُلِّقت» لضمان حصول الجيش الأميركي على ذخائر كافية لعملياته في إيران.

وردا على سؤال في جلسة في الكونغرس حول صفقة شراء الأسلحة المتعثرة التي تبلغ قيمتها 14 مليار دولار من قبل تايوان، قال هونغ كاو إنها عُلّقت «للتأكد من أن لدينا الذخائر التي نحتاج إليها لعملية إيبك فيوري (الغضب الملحمي) والتي لدينا منها الكثير». وأضاف «لكننا نريد التأكد فقط من أن لدينا كل شيء، ثم ستُستأنف مبيعات الأسلحة عندما ترى الإدارة ذلك ضروريا».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية ووزارة الدفاع على الفور على طلبات وكالة الصحافة الفرنسية للتعليق على تصريحات كاو. ولم يلتزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب إتمام عملية البيع، ما أثار مخاوف بشأن التزامه دعم تايوان التي تعتبرها الصين جزءا من أراضيها وتعهدت ضمها ولو بالقوة إلا لزم الأمر.

وقبل زيارته الرسمية الأخيرة للصين، قال ترمب إنه سيتحدث مع الرئيس شي جينبينغ بشأن صفقة الأسلحة، ما يمثل خروجا عن إصرار واشنطن السابق على أنها لن تستشير بكين في هذا الشأن. وبعد ذلك، قال إنه لم يقدم أي التزامات لشي بشأن تايوان، وأنه سيتخذ قرارا بشأن مبيعات الأسلحة في غضون فترة زمنية قصيرة.