ليبيا: جدل بشأن «استقلالية أحكام القضاء» يعمّق انقسام «الرئاسي»

صراع الصلاحيات يحتدم... و«الأعلى للدولة» يدعو البرلمان لحسم «المناصب السيادية»

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي في لقاء سابق مع عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)
محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي في لقاء سابق مع عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)
TT

ليبيا: جدل بشأن «استقلالية أحكام القضاء» يعمّق انقسام «الرئاسي»

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي في لقاء سابق مع عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)
محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي في لقاء سابق مع عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)

اشتعل الجدل مجدداً في ليبيا حول «استقلال القضاء وتوزيع الصلاحيات» بين مؤسسات الدولة، بعد أن فجّرت أحكام المحكمة الدستورية انقساماً داخل المجلس الرئاسي، فيما اتهمته حكومة أسامة حماد، المكلفة من مجلس النواب، بـ«تجاوز صلاحياته والتدخل في شؤون القضاء».

وفي مؤشر على وجود انقسام داخل المجلس الرئاسي، برئاسة محمد المنفي، شدّد بيان أصدره، مساء الاثنين، نائباه عبد الله اللافي وموسى الكوني على مبدأ الفصل بين السلطات، وعدّ أن «استقلال القضاء خط أحمر لا يجوز المساس به، أو توظيفه في الصراع السياسي»، محذراً من أي محاولة لاستعمال القضاء لتصفية الحسابات بين الأطراف.

كما رفض اللافي والكوني الزج بالمجلس الرئاسي في التجاذبات السياسية، مؤكدين أن المجلس يجب أن يظل «مؤسسة جامعة وضامنة لوحدة الدولة لا طرفاً في الخلافات أو الاصطفافات». وبدا البيان كأنه رد غير مباشر على موقف المنفي، الذي أبدى ترحيباً بأحكام قضائية مثيرة للجدل، مما كشف عن تباين واضح في المواقف بين أعضاء المجلس.

اجتماع اللافي وتيتيه في طرابلس الاثنين (البعثة الأممية)

بموازاة ذلك، قالت رئيسة بعثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، في بيان الثلاثاء، إنها بحثت مع اللافي الوضع السياسي وجهود البعثة لدفع خريطة الطريق السياسية قُدماً، من خلال الحوار المُهيكل الذي يشمل قضايا تتعلق بالمصالحة الوطنية.

واستمعت تيتيه ونائبتها للشؤون السياسية، ستيفاني خوري، لوجهات نظر ممثلي منظمات ليبية للأشخاص ذوي الإعاقة بشأن مشاركتهم في العملية السياسية، بما في ذلك الحوار المُهيكل الذي تيسره البعثة.

في غضون ذلك، قال رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، إنه بحث الثلاثاء في طرابلس مع القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيريمي برنت، ومسؤول الشؤون الاقتصادية، جيمس فرومسون، آخر المستجدات السياسية في ليبيا، والخريطة الأممية المقترحة للحل السياسي وآليات تنفيذها، إلى جانب ملف المحكمة الدستورية، وما قد يترتب على تفعيلها من تأثير على وحدة القضاء الليبي. وأكد الجانبان على أهمية استمرار الحوار والتنسيق بين المؤسسات الليبية والمجتمع الدولي، بما يضمن دعم مسار الاستقرار، والوصول إلى انتخابات حرة في أقرب وقت ممكن.

اجتماع تكالة مع مسؤولي السفارة الأميركية (المجلس الأعلى للدولة)

ويأتي هذا اللقاء، الذي يُنظر إليه بوصفه تحركاً دبلوماسياً أميركياً، لدعم الجهود الأممية الرامية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، وليس وساطة مباشرة، بعد ساعات من دعوة علنية وجهها المجلس الأعلى للدولة إلى مجلس النواب لحسم موقفه خلال أسبوعين، بخصوص تسمية المرشحين لـ«المناصب السيادية»، ولا سيما ما تم الاتفاق عليه بشأن المفوضية العليا للانتخابات، مؤكداً أن الإسراع في حسم هذه الملفات يأتي حرصاً على المصلحة الوطنية العليا.

كما شدّد المجلس في بيان، مساء الاثنين، عقب جلسة عقدها بطرابلس، على ضرورة التزام الجهات والمؤسسات السيادية والتنفيذية كافة بعدم الاعتداد بالأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية المستحدثة دون سند قانوني، وعدم ترتيب أي آثار قانونية أو عملية على مخرجاتها، كونها كياناً فاقداً للشرعية.

في المقابل، اتهمت حكومة حماد المجلس الرئاسي بتكرار التدخل في شؤون خارج صلاحياته، وقالت في بيان، مساء الاثنين، إن ما أعلنه «الرئاسي» بشأن تأييد أحكام الدائرة الدستورية يعد «ادعاءات مضللة»، مشيرة إلى أن هذه الدائرة ألغيت قانوناً بموجب القانون رقم 5 لسنة 2023، الذي أنشأ المحكمة الدستورية العليا، وهي الجهة الوحيدة المختصة بالنظر في الطعون الدستورية.

وأكدت الحكومة أن أي أحكام تصدر عن الدائرة الدستورية السابقة «باطلة ولا حجية لها»، وأن استمرارها في العمل «يمثل اعتداءً على وحدة القضاء ومحاولة لجرّه إلى الانقسام». كما عدّت الحكومة أن ولاية المجلس الرئاسي انتهت وفق اتفاق جنيف، وشدّدت على احترام شرعية مجلس النواب، بصفته الجهة التشريعية الوحيدة المنتخبة، محذّرة من استغلال القضاء لتحقيق مكاسب سياسية قد تهدد استقرار الدولة وسيادتها.

صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة لاجتماعه بطرابلس الاثنين

ويتمحور الخلاف السياسي الحاد في ليبيا حول أحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، التي ألغيت قانوناً بموجب القانون رقم 5 لسنة 2023 لإنشاء المحكمة الدستورية العليا بدلاً منها، ويشمل إبطال قوانين صادرة عن مجلس النواب، مثل نقل اختصاص إصدار الجريدة الرسمية إلى المجلس، وتوسيع اختصاص المحاكم العسكرية لتشمل محاكمة المدنيين في قضايا الإرهاب.

وفي إطار احتدام الصراع على الصلاحيات والمناصب، حذّرت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب من محاولات «انتحال الصفات السيادية» من قبل جهات غير شرعية، وأكدت شرعية تعيين الفريق أول عبد الرازق الناظوري مستشاراً للأمن القومي.

ودعت اللجنة في بيان، الثلاثاء، المجتمع الدولي والبعثات الدبلوماسية المعتمدة والمنظمات الإقليمية والدولية إلى احترام قرارات مجلس النواب الليبي، وعدم التعامل مع أي جهة، أو شخص يدعي صفات رسمية، دون تفويض صادر عن السلطة الشرعية، محذّرة من أن مثل هذه التصرفات «تقوض جهود الاستقرار، وتربك المسار السياسي والمؤسساتي في ليبيا».

من جلسة سابقة لأعضاء مجلس النواب الليبي (المجلس)

ويعدّ هذا البيان الثاني من نوعه خلال ساعات قليلة فقط، بعد تأكيد الناطق الرسمي باسم المجلس، عبد الله بليحق، على أن الناظوري هو المستشار الشرعي للأمن القومي وفق قرار المجلس، محذراً من أن أي شخص يدّعي هذه الصفة يعد منتحلاً لها، ويعرّض نفسه للمساءلة القانونية.

وبحسب مراقبين، فقد جاء هذا الموقف رداً على زيارة قام بها مؤخراً وفد رفيع المستوى إلى لبنان، بقيادة إبراهيم الدبيبة، قريب رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الذي اجتمع مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في قصر بعبدا، بصفته «مستشار الأمن القومي الليبي».

لكن هذه الزيارة، التي استهدفت تعزيز العلاقات الليبية اللبنانية بما يسمح بإطلاق سراح هانيبال نجل الرئيس الراحل معمر القذافي المسجون حالياً في لبنان، أثارت غضب مجلس النواب، الذي يرى فيها «انتحالاً للسلطة السيادية»، مما يعكس الصراع على الشرعية في ليبيا.


مقالات ذات صلة

مقربون من سيف القذافي يحسمون الجدل بشأن وفاته: رأينا جثمانه

شمال افريقيا آلاف الليبيين في وداع سيف القذافي بمدينة بني وليد (صفحات تابعة لسيف القذافي)

مقربون من سيف القذافي يحسمون الجدل بشأن وفاته: رأينا جثمانه

حسم مقربون من الراحل سيف الإسلام القذافي الجدل بشأن وفاته، مؤكدين أنهم شاهدوا جثمانه بأنفسهم، وتأكدوا من موته.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جموع من المشيّعين يطوّقون سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان سيف القذافي في مطار بني وليد (صفحات مؤيدة لسيف)

ليبيا تطوي صفحة سيف القذافي... وأنصاره يجددون «العهد»

وسط هتاف «نحن جيل بناه معمر... ولاّ يعادينا يدمّر»، جرت مراسم تشييع سيف القذافي إلى مثواه الأخير في مدينة بني وليد، وسط مشاركة وفود وأعداد كبيرة من المواطنين.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا صورة أرشيفية للرئيس الراحل مع بعض أفراد عائلته (الشرق الأوسط)

عائلة القذافي... من «القبضة الحديدية» إلى صراع البقاء

لحق سيف الإسلام القذافي بوالده وأشقائه الثلاثة خميس وسيف العرب والمعتصم بالله، الذين قتلوا في أعقاب «ثورة 17 فبراير»، فيما لا يزال الباقون مشتتين في العواصم.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع للأجهزة الأمنية والاجتماعية والصحية في بني وليد لبحث ترتيبات جنازة سيف الإسلام (مستشفى بني وليد العام)

سيف القذافي «يوارى» في بني وليد... وأنصاره: «لن نفرط في الدم»

تتأهب مدينة بني وليد شمال غربي ليبيا لتشييع جثمان سيف القذافي، الجمعة، في جنازة يتوقع أن يشارك فيها أطراف عديديون من أنحاء عدة بالبلد، وسط استنفار أمني واسع.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا 
آخر ظهور لسيف الإسلام القذافي رفقة ناشط سياسي من أقاربه بالزنتان في ديسمبر الماضي (صفحة الناشط الليبي أحمد القذافي)

ليبيا: صدمة لمقتل نجل القذافي ودعوات إلى «تحقيق شفاف»

عاشت ليبيا حالة من الصدمة، أمس (الأربعاء)، غداة مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، في حديقة منزله بالزنتان (غرب) برصاص مسلحين لم تحدد.

خالد محمود (القاهرة)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
TT

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

وقالت الوزارة في بيان، إن استهداف قوافل الإغاثة يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي ويقوض جهود إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

وجددت الخارجية السودانية دعمها الكامل بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية لتأمين وصول المساعدات لمستحقيها دون عوائق.

وكانت شبكة أطباء السودان قد أفادت في وقت سابق بمقتل شخص وإصابة ثلاثة في قصف لقوات الدعم السريع على قافلة إغاثة لبرنامج الأغذية العالمي بشمال كردفان.


ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)

شيّعت جماهيرُ ليبية غفيرة، جثمانَ سيف الإسلام القذافي الذي ووري الثَّرى في مدينة بني وليد، أمس (الجمعة)، لتُطوى بذلك صفحةٌ من تاريخ ليبيا، كانت حافلةً بالجدل والصخب السياسي.

وجرى نقل الجثمان من مستشفى بني وليد، محمولاً على عربة إسعاف إلى ساحة مطار المدينة، حيث نُصبت هناك خيمة بيضاء كبيرة أقيمت فيها صلاة الجنازة عقب صلاة الجمعة. وصاحَبَ خروج الجثمان من المستشفى هتافاتٌ مدوّية ردّدها آلاف المشاركين الذين «جدّدوا العهد» لنجل العقيد الراحل معمر القذافي. كما خطب بعض رموز النظام السابق، أمام الحشود المشارِكة، مطالبين بالكشف عن قتلة سيف القذافي ومحاسبتهم.

وحصرت مديرية أمن بني وليد المشاركة في دفن سيف القذافي بجوار شقيقه خميس، وجدّه لأبيه إحميد بومنيار، على أشخاص محدودين، وعزت ذلك إلى «دواعٍ تنظيمية وضمان سَير المراسم وفق ما جرى الاتفاق عليه».


رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
TT

رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)

قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، اليوم الجمعة، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة، لكن يجب ألا تكون الهدنة «فرصة لتمكين العدو مجدداً»، في إشارة إلى «قوات الدعم السريع».

وأضاف البرهان، في تصريحات أدلى بها، خلال زيارة لولاية الجزيرة، ونقلها بيان مجلس السيادة، أنه يرحب «بأي شخص يضع السلاح وينحاز لطريق السلام». وأكد أن «من يحرّض ضد البلد والجيش ستجري محاسبته».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال، أمس الخميس، إن بلاده تسعى سعياً حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان، وإنها توشك على تحقيق ذلك.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بعد صراع على السلطة خلال فترة انتقالية كان من المفترض أن تُفضي إلى إجراء انتخابات للتحول إلى حكم مدني.