ليبيا: جدل بشأن «استقلالية أحكام القضاء» يعمّق انقسام «الرئاسي»

صراع الصلاحيات يحتدم... و«الأعلى للدولة» يدعو البرلمان لحسم «المناصب السيادية»

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي في لقاء سابق مع عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)
محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي في لقاء سابق مع عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)
TT

ليبيا: جدل بشأن «استقلالية أحكام القضاء» يعمّق انقسام «الرئاسي»

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي في لقاء سابق مع عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)
محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي في لقاء سابق مع عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)

اشتعل الجدل مجدداً في ليبيا حول «استقلال القضاء وتوزيع الصلاحيات» بين مؤسسات الدولة، بعد أن فجّرت أحكام المحكمة الدستورية انقساماً داخل المجلس الرئاسي، فيما اتهمته حكومة أسامة حماد، المكلفة من مجلس النواب، بـ«تجاوز صلاحياته والتدخل في شؤون القضاء».

وفي مؤشر على وجود انقسام داخل المجلس الرئاسي، برئاسة محمد المنفي، شدّد بيان أصدره، مساء الاثنين، نائباه عبد الله اللافي وموسى الكوني على مبدأ الفصل بين السلطات، وعدّ أن «استقلال القضاء خط أحمر لا يجوز المساس به، أو توظيفه في الصراع السياسي»، محذراً من أي محاولة لاستعمال القضاء لتصفية الحسابات بين الأطراف.

كما رفض اللافي والكوني الزج بالمجلس الرئاسي في التجاذبات السياسية، مؤكدين أن المجلس يجب أن يظل «مؤسسة جامعة وضامنة لوحدة الدولة لا طرفاً في الخلافات أو الاصطفافات». وبدا البيان كأنه رد غير مباشر على موقف المنفي، الذي أبدى ترحيباً بأحكام قضائية مثيرة للجدل، مما كشف عن تباين واضح في المواقف بين أعضاء المجلس.

اجتماع اللافي وتيتيه في طرابلس الاثنين (البعثة الأممية)

بموازاة ذلك، قالت رئيسة بعثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، في بيان الثلاثاء، إنها بحثت مع اللافي الوضع السياسي وجهود البعثة لدفع خريطة الطريق السياسية قُدماً، من خلال الحوار المُهيكل الذي يشمل قضايا تتعلق بالمصالحة الوطنية.

واستمعت تيتيه ونائبتها للشؤون السياسية، ستيفاني خوري، لوجهات نظر ممثلي منظمات ليبية للأشخاص ذوي الإعاقة بشأن مشاركتهم في العملية السياسية، بما في ذلك الحوار المُهيكل الذي تيسره البعثة.

في غضون ذلك، قال رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، إنه بحث الثلاثاء في طرابلس مع القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيريمي برنت، ومسؤول الشؤون الاقتصادية، جيمس فرومسون، آخر المستجدات السياسية في ليبيا، والخريطة الأممية المقترحة للحل السياسي وآليات تنفيذها، إلى جانب ملف المحكمة الدستورية، وما قد يترتب على تفعيلها من تأثير على وحدة القضاء الليبي. وأكد الجانبان على أهمية استمرار الحوار والتنسيق بين المؤسسات الليبية والمجتمع الدولي، بما يضمن دعم مسار الاستقرار، والوصول إلى انتخابات حرة في أقرب وقت ممكن.

اجتماع تكالة مع مسؤولي السفارة الأميركية (المجلس الأعلى للدولة)

ويأتي هذا اللقاء، الذي يُنظر إليه بوصفه تحركاً دبلوماسياً أميركياً، لدعم الجهود الأممية الرامية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، وليس وساطة مباشرة، بعد ساعات من دعوة علنية وجهها المجلس الأعلى للدولة إلى مجلس النواب لحسم موقفه خلال أسبوعين، بخصوص تسمية المرشحين لـ«المناصب السيادية»، ولا سيما ما تم الاتفاق عليه بشأن المفوضية العليا للانتخابات، مؤكداً أن الإسراع في حسم هذه الملفات يأتي حرصاً على المصلحة الوطنية العليا.

كما شدّد المجلس في بيان، مساء الاثنين، عقب جلسة عقدها بطرابلس، على ضرورة التزام الجهات والمؤسسات السيادية والتنفيذية كافة بعدم الاعتداد بالأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية المستحدثة دون سند قانوني، وعدم ترتيب أي آثار قانونية أو عملية على مخرجاتها، كونها كياناً فاقداً للشرعية.

في المقابل، اتهمت حكومة حماد المجلس الرئاسي بتكرار التدخل في شؤون خارج صلاحياته، وقالت في بيان، مساء الاثنين، إن ما أعلنه «الرئاسي» بشأن تأييد أحكام الدائرة الدستورية يعد «ادعاءات مضللة»، مشيرة إلى أن هذه الدائرة ألغيت قانوناً بموجب القانون رقم 5 لسنة 2023، الذي أنشأ المحكمة الدستورية العليا، وهي الجهة الوحيدة المختصة بالنظر في الطعون الدستورية.

وأكدت الحكومة أن أي أحكام تصدر عن الدائرة الدستورية السابقة «باطلة ولا حجية لها»، وأن استمرارها في العمل «يمثل اعتداءً على وحدة القضاء ومحاولة لجرّه إلى الانقسام». كما عدّت الحكومة أن ولاية المجلس الرئاسي انتهت وفق اتفاق جنيف، وشدّدت على احترام شرعية مجلس النواب، بصفته الجهة التشريعية الوحيدة المنتخبة، محذّرة من استغلال القضاء لتحقيق مكاسب سياسية قد تهدد استقرار الدولة وسيادتها.

صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة لاجتماعه بطرابلس الاثنين

ويتمحور الخلاف السياسي الحاد في ليبيا حول أحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، التي ألغيت قانوناً بموجب القانون رقم 5 لسنة 2023 لإنشاء المحكمة الدستورية العليا بدلاً منها، ويشمل إبطال قوانين صادرة عن مجلس النواب، مثل نقل اختصاص إصدار الجريدة الرسمية إلى المجلس، وتوسيع اختصاص المحاكم العسكرية لتشمل محاكمة المدنيين في قضايا الإرهاب.

وفي إطار احتدام الصراع على الصلاحيات والمناصب، حذّرت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب من محاولات «انتحال الصفات السيادية» من قبل جهات غير شرعية، وأكدت شرعية تعيين الفريق أول عبد الرازق الناظوري مستشاراً للأمن القومي.

ودعت اللجنة في بيان، الثلاثاء، المجتمع الدولي والبعثات الدبلوماسية المعتمدة والمنظمات الإقليمية والدولية إلى احترام قرارات مجلس النواب الليبي، وعدم التعامل مع أي جهة، أو شخص يدعي صفات رسمية، دون تفويض صادر عن السلطة الشرعية، محذّرة من أن مثل هذه التصرفات «تقوض جهود الاستقرار، وتربك المسار السياسي والمؤسساتي في ليبيا».

من جلسة سابقة لأعضاء مجلس النواب الليبي (المجلس)

ويعدّ هذا البيان الثاني من نوعه خلال ساعات قليلة فقط، بعد تأكيد الناطق الرسمي باسم المجلس، عبد الله بليحق، على أن الناظوري هو المستشار الشرعي للأمن القومي وفق قرار المجلس، محذراً من أن أي شخص يدّعي هذه الصفة يعد منتحلاً لها، ويعرّض نفسه للمساءلة القانونية.

وبحسب مراقبين، فقد جاء هذا الموقف رداً على زيارة قام بها مؤخراً وفد رفيع المستوى إلى لبنان، بقيادة إبراهيم الدبيبة، قريب رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الذي اجتمع مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في قصر بعبدا، بصفته «مستشار الأمن القومي الليبي».

لكن هذه الزيارة، التي استهدفت تعزيز العلاقات الليبية اللبنانية بما يسمح بإطلاق سراح هانيبال نجل الرئيس الراحل معمر القذافي المسجون حالياً في لبنان، أثارت غضب مجلس النواب، الذي يرى فيها «انتحالاً للسلطة السيادية»، مما يعكس الصراع على الشرعية في ليبيا.


مقالات ذات صلة

قبل حلول رمضان... هموم المعيشة تطغى على السياسة في ليبيا

شمال افريقيا جُل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

قبل حلول رمضان... هموم المعيشة تطغى على السياسة في ليبيا

استثناء بعض صفحات السياسيين والمحللين من أنصار النظام السابق، تراجع اهتمام الليبيين نسبياً بحادث مقتل سيف الإسلام، وعاد الليبيون للانشغال بالقضايا المعيشية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ورئيس جهاز الاستخبارات التركي على ساحل «المتوسط» في طرابلس (مكتب الدبيبة)

العاصمة الليبية تحتضن مشاورات عسكرية دولية لتحصين «المتوسط»

في مشهد غير رسمي، ظهر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الخميس، بصحبة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، على ساحل ليبي مطل على «المتوسط».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة في لقاء مع نائب قائد أفريكوم بطرابلس الأربعاء (مكتب الدبيبة)

توحيد الجيش الليبي يتصدر مباحثات الدبيبة ونائب قائد «أفريكوم»

تصدرت جهود توحيد المؤسسة العسكرية بليبيا أجندة مباحثات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة مع نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» ينفي سيطرة مجموعات مسلحة على شريط حدودي بالجنوب

نفى مصدر عسكري ليبي مسؤول، تابع لـ«الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر، ما تم تداوله عبر صفحات ليبية بشأن فرض مجموعات مسلحة سيطرتها على الشريط الحدود

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس جهاز ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك متحدثاً خلال ملتقى في مدينة جنزور الأربعاء (إدارة الإعلام بالحرس البلدي)

تصنيف ليبيا بين أكثر 5 دول فساداً في العالم يفجر غضب الليبيين

عمَّت أجواء مرارة وغضب واسع بين شرائح كبيرة من الليبيين، بعد تصنيف بلادهم ضمن أكثر خمس دول فساداً في العالم، وفق تقديرات منظمة الشفافية الدولية الصادرة مؤخراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فولكنر لـ «الشرق الأوسط»: استمرار العنف في السودان «وصمة عار»


وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني هيمش فولكنر (الشرق الأوسط)
وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني هيمش فولكنر (الشرق الأوسط)
TT

فولكنر لـ «الشرق الأوسط»: استمرار العنف في السودان «وصمة عار»


وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني هيمش فولكنر (الشرق الأوسط)
وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني هيمش فولكنر (الشرق الأوسط)

أفاد وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني، هيمش فولكنر، بأن الوضع الإنساني في السودان «مروّع للغاية»، مؤكداً أن لندن «تبذل كل ما بوسعها لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مَن يحتاجون إليها».

واستذكر فولكنر، في تصريحات خصّ بها «الشرق الأوسط»، توصيف وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لما يجري في السودان بأنه «فشل دولي»، وقال: «ما دام هذا المستوى من العنف مستمرّاً، فإن هذا الوصف صحيح، إنه فشل يشكّل وصمة عار في ضميرنا جميعاً».

إلى ذلك، وبعد ساعات من اختتام ولي العهد البريطاني الأمير ويليام، جولة له في السعودية، وصف فولكنر الزيارة بـ«الرائعة». كما عدّها «رمزاً مهماً للشراكة بين بلدينا»، مُعرباً عن سعادته بالإعلان عن عام ثقافي مشترك بين البلدين في عام 2029.


مصر تحشد أفريقياً لدعم وحدة السودان والصومال

عبد العاطي خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» بشأن الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» بشأن الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)
TT

مصر تحشد أفريقياً لدعم وحدة السودان والصومال

عبد العاطي خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» بشأن الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» بشأن الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)

كثَّفت مصر حشدها الأفريقي لدعم وحدة السودان والصومال، وذلك على هامش اجتماعات المجلس التنفيذي وقمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا. وأبرزت لقاءات مصرية دبلوماسية، الخميس، جهود القاهرة بشأن استقرار الأوضاع في الخرطوم ومقديشو.

وشدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية»، الخميس، على دعم «بلاده جهود (مفوضية الاتحاد الأفريقي) و(مجلس السلم والأمن) والقرارات والبيانات كافة الداعمة وحدة وسيادة السودان، وشجب جميع الانتهاكات التي ترتكبها الميليشيات ومحاولاتها المستمرة تقسيم السودان».

وجدد عبد العاطي التزام بلاده بتحقيق السلام والاستقرار في السودان، مستعرضاً الجهود التي تبذلها مصر من أجل التوصل إلى «هدنة إنسانية شاملة، تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية بشكل عاجل»، موضحاً «انخراط مصر بفاعلية مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية لدعم جهود التسوية»، مشيراً إلى «انفتاح مصر على كل المبادرات التي من شأنها مساعدة أشقائنا السودانيين».

وأكد «إدانة مصر الكاملة للجرائم والانتهاكات التي ترتكبها الميليشيات المسلحة»، مشدداً على «ضرورة دعم مؤسسات الدولة الوطنية السودانية وصون وحدتها وسيادتها، وتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها في حفظ الأمن والاستقرار، باعتبار ذلك الركيزة الأساسية لاستعادة السلم وتحقيق تطلعات الشعوب نحو التنمية والاستقرار».

بدر عبد العاطي يلتقي مفوض الشؤون السياسية والسلم والأمن في الاتحاد الأفريقي الخميس (الخارجية المصرية)

«رفض التقسيم»

وفيما يتعلق بالصومال، رحب وزير الخارجية المصري بالتقدم المُحرَز في مسار بناء مؤسسات الدولة الصومالية، مؤكداً «دعم مصر الثابت لوحدة وسيادة الصومال وسلامة أراضيه، والوقوف ضد أي محاولات خارجية لتقسيم الصومال، إضراراً باستقراره وأمنه وكذا بالسلم والأمن الإقليميين في القرن الأفريقي، وأمن وسلامة البحر الأحمر وخليج عدن».

وشدد على «رفض مصر القاطع أي مساعٍ لدول غير مشاطئة للبحر الأحمر في استغلال الأوضاع الهشة بالقرن الأفريقي لإيجاد موطئ قدم عسكري لها على سواحله، الأمر الذي يمثل انتهاكاً واضحاً لمبادئ السيادة، وحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بما يفاقم من التوترات الإقليمية في المنطقة».

في السياق ذاته، جدد عبد العاطي التزام مصر بمواصلة دعم جهود بناء مؤسسات الدولة الصومالية وتعزيز قدراتها في مجال إرساء الأمن والاستقرار، لا سيما في مواجهة تحديات الإرهاب والتطرف، بما يسهم في دعم الكوادر الوطنية وتعزيز الاستقرار والأمن، مؤكداً «أهمية تنسيق الجهود الإقليمية والدولية للتصدي لهذه الظواهر وتجفيف منابعها».

وقال نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، إن «هناك موقفاً مصرياً واضحاً تجاه الصومال والسودان في الحفاظ على استقرارهما، وكذا وحدة وسلامة أراضي أي دولة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك خطوطاً حمراء أكدت عليها مصر أكثر من مرة، وهي رفض أي كيان موازٍ أو أي تحرك من شأنه تفتيت وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية، بالإضافة إلى المحافظة على مقدرات الشعب السوداني وأيضاً الصومالي، وفي الوقت نفسه أيضاً عدم التدخل في الشؤون الداخلية».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء نظيره الصومالي الخميس (الخارجية المصرية)

«دعم الشرعية»

وتابع حليمة أن «هذه المبادئ تتماشى مع القانون الدولي ومبدأ الاتحاد الأفريقي الخاص بقدسية الحدود المتوارثة»، لكنه يوضح أن «هناك تحركاً من بعض القوى للدفع في (الاتجاه المعاكس) وهو تفتيت وحدة بعض الدول». ويرى أن «مصر تؤيد النظام القائم في السودان باعتباره معترفاً به إقليمياً ودولياً، كما تدعم الشرعية في الصومال».

وترأس وزير الخارجية المصري، الخميس، جلسة المشاورات «غير الرسمية» التي عقدها «مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي» حول تطورات الأوضاع في السودان، مشدداً على أن «استقرار السودان ضرورة إقليمية ملحة لتجنب انتشار الفوضى والسلاح وتصاعد التهديدات الإرهابية». وكذا «أهمية التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق مسار إنساني فعّال يضمن وصول المساعدات دون عوائق، بالتوازي مع تهيئة الظروف لعملية سياسية جامعة بملكية سودانية خالصة، مع دعم جهود (الآلية الرباعية الدولية)».

ولفتت أستاذة العلوم السياسية، خبيرة الشؤون الأفريقية، الدكتورة نجلاء مرعي، إلى أن «المشاورات المصرية بشأن السودان والصومال، تأتي في الإطار الثنائي والمتعدد الأطراف؛ نظراً للدور المصري ودور (مجلس السلم والأمن الأفريقي) في متابعة الأوضاع في السودان والصومال، ونظراً لحرص مصر على التواصل المستمر مع المنظمات الإقليمية في القارة الأفريقية».

وأوضحت مرعي لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر لها دور كبير في تحقيق السلام والاستقرار بالسودان، والقاهرة لم تترك باباً إلا وطرقته لمحاولة استقرار الأمن السوداني، وخاصة التأكيد على دعم مؤسسات الدولة السودانية في المجالات كافة».

جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)

«جهود مصرية»

وحسب مرعي، فإن «مصر استضافت عدداً كبيراً من الفعاليات لدعم السودان، منها (ملتقى القوى السياسية المدنية) في يوليو (تموز) 2024، وتشارك في (الرباعية الدولية) مع المملكة العربية السعودية، والإمارات والولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن استضافة الاجتماع التشاوري الخامس حول تعزيز وتنسيق مبادرات وجهود السلام بالسودان في يناير (كانون الثاني) الماضي بالتعاون مع الأمم المتحدة». وتلفت إلى أن «مصر أكدت أكثر من مرة أن الأمن السوداني من ضمن الخطوط الحمراء التي لن تسمح بتجاوزه».

وأشارت مرعي أيضاً إلى أن مصر «تؤكد حرصها على بناء مؤسسات الدولة الصومالية ودورها في دعم وسيادة الصومال، والوقوف ضد أي محاولات لتقسيم الصومال».

وتابعت إن «القاهرة تحركت في مجالات عدة سياسية وأمنية واقتصادية، وهنا أشير إلى الاتفاقيات الأمنية التي وقَّعتها مصر لدعم واستقرار منطقة القرن الأفريقي، منها مثلاً اتفاق التعاون الثلاثي مع الصومال وإريتريا في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 للحفاظ على وحدة الصومال وسيادته، ودعم سيادة إريتريا أيضاً وسلامة أراضيها». وتوضح: «كما تصدت مصر للتحركات الإسرائيلية عقب الاعتراف بإقليم (أرض الصومال)».

في غضون ذلك، عقد وزير الخارجية المصري، الخميس، عدداً من اللقاء مع نظرائه الأفارقة، وأكد خلال لقاء مفوض الشؤون السياسية والسلم والأمن بالاتحاد الأفريقي، بانكولي أديوي «أهمية إعادة تقييم منهج الاتحاد الأفريقي مع السودان، استناداً إلى مبدأ (الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية)»، معرباً عن تطلع مصر لاستئناف عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي.

وأيضاً، أشار خلال لقاء وزير الخارجية الصومالي، عبد السلام عبدي علي، إلى «رفض مصر القاطع أي اعترافات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية؛ لما تمثله من انتهاك للقانون الدولي وتهديد لاستقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».


«مجلس السلم والأمن الأفريقي» يدعو لهدنة إنسانية في السودان

جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان يوم 12 فبراير 2026 (الخارجية المصرية)
جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان يوم 12 فبراير 2026 (الخارجية المصرية)
TT

«مجلس السلم والأمن الأفريقي» يدعو لهدنة إنسانية في السودان

جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان يوم 12 فبراير 2026 (الخارجية المصرية)
جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان يوم 12 فبراير 2026 (الخارجية المصرية)

دعا «مجلس السلم والأمن الأفريقي»، يوم الخميس، إلى هدنة إنسانية عاجلة في السودان، تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، في حين رفض طلباً تقدم به وزير الخارجية السوداني، محي الدين سالم، لرفع تعليق عضوية السودان في «الاتحاد الأفريقي».

وقال سالم لدى مخاطبته الجلسة التشاورية لـ«مجلس السلم والأمن» التي عُقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إن «الاتحاد الأفريقي» اتخذ قراراً متعجلاً بتعليق عضوية السودان، داعياً إلى تقديم المزيد من الدعم للسودان لاستكمال الانتقال السياسي وإعادته إلى «الاتحاد الأفريقي» بدلاً من إقصائه.

وأكد وزير الخارجية السوداني أن الجيش يتجه لاستعادة سيطرته على كل أرجاء الوطن. وجدد بيان «مجلس السلم والأمن الأفريقي» رفضه أي كيانات موازية أو ترتيبات تمس شرعية الدولة السودانية، مؤكداً ضرورة وقف فوري لإطلاق النار، ورفض التدخلات الخارجية التي تؤجج النزاع في السودان.

وشدد المجلس على أنه لا حل عسكرياً للنزاع، داعياً إلى أهمية التوصل إلى تسوية سلمية للصراع في السودان، حفاظاً على استقرار البلاد والحيلولة دون تمدد النزاع إلى دول الجوار الإقليمي.

وشارك في الجلسة، التي ترأسها وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، وزراء خارجية كل من دول: تنزانيا، وسيراليون، ونيجيريا، وإثيوبيا، وأنغولا، وبوتسوانا، وكوت ديفوار، وغينيا الاستوائية، والكاميرون، وإسواتيني.

وشدد عبد العاطي على أن الاستقرار في السودان يمثل أهمية كبيرة في الإقليم، مؤكداً موقف بلاده الثابت في دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته.

بدوره، أفاد تحالف «صمود»، بقيادة رئيس وزراء السودان السابق عبد الله حمدوك، بأن «مجلس السلم والأمن الأفريقي» رفض بإجماع واسع مقترح فك تجميد عضوية السودان في «الاتحاد الأفريقي».

ورحب تحالف «صمود»، في بيان نُشر على صفحته الرسمية في «فيسبوك»، برفض القادة الأفارقة التراجع عن قرار «الاتحاد الأفريقي» تعليق عضوية السودان بعد الانقلاب العسكري في أكتوبر (تشرين الأول) 2021. وذكر أن البيان الأفريقي جدد التأكيد على أنه لا حل عسكرياً للنزاع في السودان، وحض الأطراف المتقاتلة على الالتزام بتنفيذ هدنة إنسانية فورية في كل أرجاء البلاد، كما دعا في الوقت نفسه إلى ضرورة التوصل لحل سياسي توافقي بقيادة وملكية سودانية، بالتنسيق بين المبادرات الدولية، وعلى رأسها «الآلية الرباعية» ومساعي «الآلية الخماسية».

وشدد تحالف «صمود» على أهمية أن يحافظ «الاتحاد الأفريقي» على حياده وعدم تبني أي مبادرات أحادية تؤدي لإطالة أمد النزاع، وزيادة حدة الاستقطاب الداخلي.

سودانيون فرّوا من الفاشر يستريحون لدى وصولهم إلى مخيم «الأفاد» للنازحين بمدينة الدبة شمال السودان (أ.ف.ب)

وأكد تحالف «صمود» المناهض للحرب في السودان، استعداده للانخراط مع كل الجهود الأفريقية والدولية لإحلال السلام في السودان، ووقف نزيف الدم، ومعالجة الأزمة الإنسانية وحماية المدنيين.

وفي أكتوبر 2021 علق «الاتحاد الأفريقي» عضوية السودان بعد الانقلاب الذي قاده الجيش و«قوات الدعم السريع» على حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، واشترط لفك التجميد استعادة الانتقال الديمقراطي بقيادة مدنية.

من جهة ثانية، اعتبر حزب «الأمة للإصلاح»، بقيادة مبارك الفاضل، بيان «مجلس السلم والأمن الأفريقي» تطوراً مهماً في اتجاه معالجة الأزمة الوطنية، تأكيداً على أهمية العودة إلى النظام الدستوري عبر إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

وقال في بيان إن دعوة المجلس إلى هدنة إنسانية تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار تمثل أولوية وطنية عاجلة؛ إذ لا يمكن إطلاق عملية سياسية ذات مصداقية في ظل استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية.