إسرائيل تدفع قانون إعدام الأسرى... فهل يستهدف «قوات النخبة»؟

تزامناً مع بدء إجراءات إنشاء محكمة خاصة لمقاضاة مقاتلي «القسام»

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث رهائن بمساعدة «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في مدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث رهائن بمساعدة «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في مدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدفع قانون إعدام الأسرى... فهل يستهدف «قوات النخبة»؟

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث رهائن بمساعدة «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في مدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث رهائن بمساعدة «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في مدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وافقت لجنة الأمن القومي في «الكنيست»، الاثنين، على المضي قدماً في مشروع قانون يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين، وهو قانون أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأييده له، بعد استعادة جميع الرهائن الأحياء ومعظم الجثامين من قطاع غزة.

ويُلزم القانون القضاة الإسرائيليين بإنزال عقوبة الإعدام بحق كل فلسطيني تثبت مشاركته -بأي شكل- في قتل إسرائيليين، بدلاً من إصدار حكم المؤبد الذي عادة ما يواجه أي فلسطيني يدان بقتل إسرائيلي؛ سواء بنفسه أو بتحريض آخرين على التنفيذ، أو يدان بالتخطيط أو توجيه عملية القتل أو تقديم المساعدة فيها.

جنود إسرائيليون يجلون زميلاً مصاباً في قطاع غزة (أرشيفية)

وإذا كان الفلسطيني محكوماً عليه بالمؤبد، فهذا يعني أنه مدان بقتل إسرائيلي واحد، وإذا كان محكوماً عليه بخمس مؤبدات -مثلاً- فهذا يعني أنه قتل 5 إسرائيليين؛ لكن النتيجة واحدة، وهي السجن مدى الحياة.

ويقف وراء مشروع قانون الإعدام وزير الأمن القومي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، الذي حاول دفع القانون مرات عدة قبل ذلك، ولكنه اصطدم في البداية -وكان ذلك قبل الحرب- بتحفظات من قِبل الحكومة وأجهزة الأمن الإسرائيلية؛ خشية دفع المنطقة إلى تصعيد. واصطدم بعد الحرب بطلبات تأجيل متكررة؛ خشية تعريض حياة المحتجَزين في غزة للخطر.

«واقع مختلف»

وقال غال هيرش، منسق الحكومة الإسرائيلية لشؤون الرهائن والمفقودين في «الكنيست»، إنه عارض مشروع القانون سابقاً؛ لكنه الآن يدعمه، مضيفاً: «بما أن الرهائن الأحياء موجودون هنا، فنحن في واقع مختلف».

وأكد هيرش دعم نتنياهو للقانون كذلك. ولكنه يتوقع أن يتضمن ذلك السماح للجهات المعنية -بما فيها جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) وأجهزة استخبارات أخرى- بتقديم توصيات قبل صدور أي حكم بالإعدام، وهو مقترح رفضه بن غفير فوراً، قائلاً: «هذا لن يحدث»؛ مؤكداً أنه لن يسمح بأي سلطة تقديرية في هذا القانون؛ لأنه «بمجرد منح هذه السلطة التقديرية، يضعف تأثيره الرادع».

وتنص المذكرة التوضيحية لمشروع القانون، على أن أي «إرهابي» يُدان بارتكاب جريمة قتل «بسبب الكراهية العنصرية أو القومية، أو نية إيذاء دولة إسرائيل والشعب اليهودي، سيواجه حُكماً إلزامياً بالإعدام، ليس كخيار أو تقدير؛ بل كحكم إلزامي».

صور قتلى ورهائن إسرائيليين خلال وقفة احتجاجية في برلين بألمانيا بمناسبة الذكرى الثانية لهجوم 7 أكتوبر 2023 الذي شنَّته «حماس» على إسرائيل (إ.ب.أ)

ويُفترض الآن أن يصل التشريع إلى قراءته الأولى في الجلسة العامة، يوم الأربعاء المقبل، ويحتاج إلى موافقة «الكنيست» بالقراءات الثلاث قبل أن يصبح نافذاً.

ووصف رئيس لجنة الأمن القومي في «الكنيست»، النائب تسفيكا فوغل، إقرار القانون، بأنه «لحظة تاريخية». وأضاف: «لن تكون هناك فنادق للإرهابيين، ولن تكون هناك صفقات إطلاق سراح».

ووصف بن غفير القانون بأنه «حلم»، وشكر نتنياهو على دعمه، ولكنه أبدى بعض التحفظات في تغريدة نشرها، كتب فيها: «لا ينبغي للمحكمة أن تتمتع بأي سلطة تقديرية، فكل إرهابي يُقدِم على القتل لا بد من أن يعلم أنه لن يُحكَم عليه إلا بالإعدام. حان وقت تحقيق العدالة».

وقالت النائبة ليمور سون هار ميلخ التي بادرت إلى اقتراح القانون: «هذا القانون اختبار أخلاقي لدولة إسرائيل».

ودعم كل أعضاء اللجنة مشروع القانون، ولكن العضو الوحيد الذي عارضه كان جلعاد كاريف -وهو عضو في حزب «العمل» اليساري- وقد وصف القانون بأنه «شعبوي ومتطرف، لن يؤدي إلى القضاء على الإرهاب القاتل؛ بل إلى تكثيفه».

واتهم كاريف رئيس الوزراء بدعم مشروع القانون «لإرضاء» بن غفير الذي عبَّر عن استيائه من صفقة إطلاق سراح الرهائن، ووقف إطلاق النار في غزة. وقال كاريف إن ذلك دليل على أن «الاعتبارات السياسية تفوق الاعتبارات الأمنية».

إدانة فلسطينية

أما الفلسطينيون فاعتبروا القانون وحشياً، ويمثل جريمة حرب مكتملة الأركان.

وأدان رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح القانون، وقال إنه تشريع «عنصري بامتياز، وجريمة حرب مكتملة الأركان، وجزء لا يتجزأ من مشروع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي تتبناه حكومة الاحتلال».

فلسطينيون يسيرون وسط الخيام بمدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وأضاف فتوح أن إدارة السجون الإسرائيلية تسعى إلى «إضفاء غطاء تشريعي على جرائم الإعدام خارج نطاق القانون، التي تتم بحق الأسرى داخل السجون». وأردف: «هذا التشريع يمثل سابقة خطيرة، ويدشن مرحلة جديدة من القتل المقنن».

وقالت حركة «حماس»، إن قانون إعدام الأسرى «تجسيد للوجه الفاشي القبيح للاحتلال المارق، وإمعان في انتهاك الاحتلال للقوانين الدولية، ولا سيما أحكام القانون الدولي الإنساني، واتفاقية جنيف الثالثة».

وحسب نادي الأسير الفلسطيني: «قتلت إسرائيل داخل السجون الإسرائيلية، منذ بداية الحرب وحتى بداية الشهر الحالي، 81 أسيراً. وهم -فقط- المعلن عنهم، إلى جانب عشرات من معتقلي غزة الذين تم إعدامهم وما زالوا رهن الإخفاء القسري».

وإذا مضى مشروع القانون حتى نهايته، فإنه سيستهدف بدايةً نحو 300 أسير فلسطيني من بين أكثر من 9 آلاف أسير، وهم عناصر «النخبة» في «كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس»، والذين اعتقلتهم إسرائيل خلال الهجوم على بلدات غلاف غزة، أو خلال الحرب على القطاع.

طفل نازح يحمل فروع أشجار لاستخدامها في الطهي شرقي مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وإضافة إليهم، يوجد نحو مائة من أصحاب أحكام المؤبد الذين لم تشملهم صفقات التبادل حتى الآن، وظلوا في السجون.

وليس معروفاً إذا كان القانون سيسمح بإعادة محاكمة معتقلين حوكموا فعلاً.

«قوات النخبة»

ثمة مؤشرات بأن تبدأ إسرائيل في تنفيذ الأحكام بـ«قوات النخبة».

وقالت هيئة البث الإسرائيلية، إن إسرائيل تحتجز ما بين 250 و300 من عناصر «النخبة» الذين شاركوا في هجمات السابع من أكتوبر 2023.

وأكدت تقارير إسرائيلية، هذا الأسبوع، أن إسرائيل تعتزم تسريع محاكمة «قوات النخبة» بعدما وصلت التحقيقات معهم إلى مراحلها النهائية.

وتجري الهيئات المختصة في إسرائيل مشاورات من أجل إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة عناصر «النخبة». ويُفترض أيضاً تشكيل طاقم قضائي خاص، ولجنة توجيهية تُعنى بسياسة محاكمة هذه العناصر.

وتُطلق إسرائيل على مقاتلي «حماس» صفة «مقاتلين غير شرعيين»، وهو ما يتيح احتجازهم لفترة طويلة، ويجردهم بمقتضى القانون من حقوق المراجعة القضائية، والإجراءات القانونية، والمثول أمام محاكمة عادلة.

وطالب بن غفير صراحة بإعدام أسرى «النخبة»، وأكد مقربون من وزير العدل ياريف ليفين أنه يؤيد فرض عقوبة الإعدام على هؤلاء العناصر.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تستحدث منصب منسق للتواصل مع دروز سوريا ولبنان

شؤون إقليمية غسان عليان قائد سابق في الجيش الإسرائيلي ومنسق الحكومة في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة (ويكيبيديا)

إسرائيل تستحدث منصب منسق للتواصل مع دروز سوريا ولبنان

الجيش الإسرائيلي يستحدث منصب منسق للاتصال مع دروز الشرق الأوسط. وتولاه الدرزي غسان عليان الذي كان منسق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون بين أنقاض المباني المدمَّرة بسبب الحرب في مدينة غزة (رويترز) p-circle

المانحون مترددون في تمويل خطة غزة مع تعثُّر نزع سلاح «حماس»

ذكرت مصادر أن أميركا لم تحصل على تعهدات تمويلية لخطة إعادة إعمار غزة، بسبب مخاوف المانحين من أن الخلافات حول نزع سلاح «حماس» قد تدفع إسرائيل إلى استئناف الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا روبوت الدردشة التابع لشركة «إكس» المدعوم بالذكاء الاصطناعي «غروك» (أ.ف.ب)

نيابة باريس تغادر «إكس» بعد استدعاء ماسك للاستجواب

أعلنت النيابة العامة في باريس الثلاثاء عبر إكس أنها غادرت هذه المنصة، مشيرة في رسالتها إلى عملية تفتيش خضعت لها مكاتب المنصة في فرنسا للاشتباه بارتكاب تجاوزات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي مرضى فلسطينيون يجلسون على كراسي متحركة في ساحة مستشفى «الهلال الأحمر» بخان يونس منتظرين إجلاءهم من قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر لتلقي العلاج في الخارج (أ.ف.ب)

«حماس» جاهزة لتسليم السلطة... و«رفح» يفتح أبوابه

أعلنت حركة «حماس» جاهزيتها لتسليم السلطة في القطاع للجنة إدارة غزة ضمن ترتيبات اتفاق وقف النار مع إسرائيل، بالتزامن مع إعادة فتح أبواب معبر رفح الحدودي

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الحصول على غذاء في خان يونس جنوب قطاع غزة 23 يناير الحالي (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يوصي بوقف إدخال المساعدات لغزة... ويحذّر من «تعافي حماس»

كشفت مصادر مطلعة في تل أبيب عن مساعٍ لدى القيادة العسكرية لعرقلة إدخال شاحنات الإمدادات إلى قطاع غزة، بزعم أن الوضع القائم «يخدم حركة حماس».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.


الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
TT

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة، حيث هيمنت ثنائية القوة الميدانية والدبلوماسية المشروطة على العناوين الرئيسية، مع اختلاف في الزوايا والأسلوب بين الصحف.

وأجمعت الصحف الصادرة في طهران، عقب مفاوضات الجمعة، على تقديم الحوار من موقع قوة، وحصر جدول الأعمال بالملف النووي، وربط الدبلوماسية بالجاهزية العسكرية، مع تباين في النبرة بين الخطاب الآيديولوجي لمؤسسة الحكم، والمقاربة الحكومية التي تدعو إلى ضبط التوقعات، وعدم تحويل المفاوضات إلى ساحة صراع داخلي، أو رهان مطلق على النتائج.

الصفحة الأولى لصحيفة «إيران» الحكومية على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

وإلى جانب الصحف التي ركزت على التفاوض من موقع القوة والجاهزية العسكرية، حضرت صحيفة «إيران»، الناطقة باسم الحكومة، بعنوان رئيسي هو «بداية جيدة»، في إشارة إلى انطلاق محادثات مسقط.

وقدمت الصحيفة صورتين متقابلتين في صدر صفحتها الأولى، تظهران لقاء وزير الخارجية الإيراني مع نظيريه العماني والأميركي، معتبرة أن الجولة الأولى تشكل انطلاقة إيجابية حذرة.

غير أنها أرفقت العنوان المتفائل بمقاربة تحذيرية في افتتاحية حملت عنوان «المفاوضات ليست ساحة للصيد الجناحي - السياسي»، وكتبت أن قرار التفاوض مع واشنطن هو قرار صادر عن مؤسسة الحكم في الجمهورية الإسلامية ككل، وليس قراراً حكومياً أو جناحياً. وأكدت أن تأمين مصالح البلاد عبر التفاوض هو مهمة الحكومة ووزارة الخارجية ضمن هذا الإطار.

إيراني يقرأ عناوين الأخبار لصحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

وأضافت الصحيفة أن ربط جميع شؤون البلاد، أو ما يسمى «حياة وموت الدولة»، سواء في بعدها الإيجابي أو السلبي، بمسار المفاوضات، ليس طرحاً صحيحاً ولا فرضية قابلة للدفاع، محذرة من تحويل المفاوضات إلى أداة للمزايدات الداخلية أو التجاذبات السياسية. وشددت على أن التفاوض هو إحدى أدوات إدارة المصالح الوطنية، لا بديلاً عن بقية عناصر القوة أو المسارات السياسية والاقتصادية للدولة.

وفي تغطيتها الخبرية، ربطت «إيران» استمرار المفاوضات بمدى التزام الطرفين، معتبرة أن «استمرار الحوار واتخاذ قرارات متقابلة يعتمد على سلوك الأطراف»، من دون رفع سقوف سياسية أو الدخول في خطاب تصعيدي، مع إبراز دور سلطنة عُمان بوصفها وسيطاً، والتأكيد على أن الحكم على المسار لا يزال مبكراً.

صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران تبرز صورة المفاوضين الإيرانيين

في المقابل، تصدرت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران، المشهد بعنوان «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مبرزة صورة الوفد الإيراني في مسقط، ومقدمة الجولة على أنها جاءت بعد فشل الضغط العسكري الأميركي. وربطت الصحيفة بوضوح بين المسار التفاوضي ورفع الجاهزية العسكرية، حيث حضر الحديث عن الصاروخ الإيراني في العمود الأيسر للصفحة الأولى، باعتباره أحد عناصر الردع التي تشكّل خلفية مباشرة لأي حوار سياسي.

«عصر الردع الهجومي»

أما صحيفة «فرهيختغان» التي يرأس إدارة تحريرها علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، فاختارت عنوان «المفاوضة في الميدان»، وقدمت المفاوضات باعتبارها محطة تأتي بعد عام من التوتر وتجربة حرب الـ12 يوماً، مشددة على أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك بذاكرة مفتوحة تجاه تجارب الماضي.

وطرحت الصفحة الأولى تساؤلات حول محاولات إعادة إنتاج مسارات الضغط السابقة، مقابل تأكيد أن طهران تدخل الحوار من دون التخلي عن خيارات أخرى إذا فُرضت عليها شروط غير مقبولة.

وذهبت صحيفة «جام جم» التابعة للتلفزيون الرسمي، إلى خطاب أكثر تعبئة تحت عنوان «عصر الردع الهجومي»، حيث أبرزت الصواريخ والتأهب العسكري بوصفهما السند الأساسي للمفاوضات، وربطت بين تطور القدرات العسكرية وارتفاع القدرة التفاوضية، مقدمة الأمن القومي وتوازن الردع إطارين حاكمين لأي تفاوض مع الولايات المتحدة.

من جهتها، عنونت صحيفة «آكاه» المحافظة المشهد بعبارة «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مع صورة جماعية للوفد الإيراني، معتبرة أن جولة مسقط جاءت بعد إخفاق سياسة التهديد والضغط، وقدّمت المفاوضات بوصفها نتيجة اضطرار واشنطن للعودة إلى طاولة الحوار بعد فشل الخيارات الأخرى.

صحيفة «طهران تايمز» التابعة لمؤسسة «الدعاية والتبليغ الإسلامي» تحت عنوان «بداية جيدة لمحادثات إيران - أميركا لكن الطريق لا يزال غير واضح» (إ.ب.أ)

ومن المؤسسة نفسها التي تصدر صحيفة «آكاه»، قدمت صحيفة «طهران تايمز» الصادرة بالإنجليزية، قراءة أكثر توازناً، معتبرة أن الجولة تمثل «بداية جيدة للمحادثات، لكن الطريق لا يزال غير واضح»، مع إبراز استمرار انعدام الثقة بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، أفردت مساحة بارزة للحديث عن تعزيز الوضع الهجومي الإيراني عبر نشر صاروخ «خرمشهر - 4»، مقدمة ذلك رسالةً موازية للمفاوضات.

أما صحيفة «قدس» المحافظة، فركزت على البعد السياسي الخارجي، بعنوان بارز عن «استقلال أوروبا... فعلياً على الورق»، مشككة في جدوى الدور الأوروبي. ورافقت العنوان صورة الوفد الإيراني مع عبارة «دبلوماسية بإصبع على الزناد»، في إشارة إلى أن الحوار يجري مع بقاء أدوات الردع حاضرة، مع تأكيد حصر جدول الأعمال بالملف النووي، ورفض إدراج الصواريخ أو القضايا الإقليمية.

«المنطقة الرمادية»

وفي مقاربة تحليلية مغايرة، عنونت صحيفة «شرق» الإصلاحية صفحتها الأولى بـ«الدبلوماسية في المنطقة الرمادية»، ونأت بنفسها عن الحسم المسبق للنتائج. وكتبت أن استمرار المسار الحالي قد يفتح الباب أمام التوصل إلى إطار تفاهمي لجولات لاحقة، لكنها ربطت بعاملين حاسمين؛ هما طبيعة القرارات التي تتخذ في طهران ومدى توافر الإرادة السياسية لدى الطرف الأميركي، معتبرة أن المفاوضات لا تزال تتحرك في مساحة غير محسومة.

صحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

حسابات حذرة

من جهتها، ركزت صحيفة «اعتماد» في تغطيتها لمحادثات مسقط على توصيف الجولة الأولى بأنها «بداية جيدة» للحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، لكنها رأت أنه لا يعني تجاوز مرحلة الاختبار أو ضمان استمرار المسار.

واعتبرت الصحيفة أن المحادثات تمثل خطوة افتتاحية تهدف إلى جس النيات وتحديد إطار العمل، وليس تحقيق نتائج نهائية سريعة.

وأشارت «اعتماد» إلى أن استمرار الحوار مرهون بقدرة الطرفين على ضبط سقف التوقعات والالتزام بطابع تفاوضي تدريجي، مؤكدة أن الحكم على مسار المفاوضات يجب أن يبنى على ما ستسفر عنه الجولات اللاحقة.

وأظهرت القراءة الحذرة للصحيفة توازناً بين الإشارة إلى إيجابية الانطلاق، والتنبيه إلى أن مسار التفاوض لا يزال في بدايته، وأن نتائجه ستتحدد وفق السلوك العملي للأطراف خلال المرحلة المقبلة.

الميدان والدبلوماسية

أما صحيفة «جوان»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، فقد شددت على تلازم المسارين العسكري والدبلوماسي تحت عنوان «تكامل الميدان والدبلوماسية في مواجهة العدو»، معتبرة أن «يد التفاوض على الطاولة، فيما إصبع الردع على الزناد».

وأشارت إلى زيارة رئيس هيئة الأركان إلى إحدى المدن الصاروخية التابعة لـ«الحرس الثوري»، ووجود الصاروخ الباليستي «خرمشهر - 4» بقدرات عملياتية عالية وقوة تدميرية كبيرة، بوصفه أحد أعمدة منظومة الردع الإيرانية، معتبرة ذلك رسالة مباشرة بأن طهران تدخل الدبلوماسية من موقع اقتدار، لا من موقع ضعف.

وفي سياق أكثر حدة، أفردت صحيفة «كيهان» افتتاحيتها لمفاوضات مسقط بعنوان «أميركا غير قابلة للثقة، ويجب أن تبقى الأصابع على الزناد». وكتب رئيس تحريرها حسين شريعتمداري، أن واشنطن اضطرت للقبول بإطار التفاوض الذي حددته طهران، والقائم على حصر النقاش بالملف النووي، مشيراً إلى تقارير تؤكد خروج الملفات الصاروخية والإقليمية من جدول الأعمال.

ونقلت «كيهان» عن وزير الخارجية عباس عراقجي، قوله إن «انعدام الثقة يشكل تحدياً ثقيلاً أمام المفاوضات»، وربطت ذلك بتحذيرها من تكرار تجارب سابقة لم تلتزم فيها واشنطن بتعهداتها. كما نشرت افتتاحية بعنوان «الحرب الإقليمية... الكابوس الأكبر لواشنطن وتل أبيب»، ربطت فيه بين مسار التفاوض واحتمالات التصعيد.

وذهبت كيهان أبعد من ذلك في أحد تقاريرها، معتبرة أنه «ليس مستبعداً أن يقدم الكيان الإسرائيلي على تصفية ترمب نفسه»، مشيرة إلى دور جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره المقرب، وواصفة إياه بأنه يتمتع بنفوذ واسع داخل البيت الأبيض، ويؤدي دوراً محورياً في صياغة خطابات الرئيس الأميركي وتعيينات إدارته.

وختمت الصحيفة طرحها بالتساؤل عمن تتجه إليه ولاءات كوشنر، معتبرة أن استمرار ترمب، في حال انتهاء «دوره الوظيفي»، قد يشكل عبئاً أمنياً على إسرائيل، في طرح يعكس النبرة التصعيدية التي طبعت مقاربة كيهان لمفاوضات مسقط.


عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
TT

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاتفاق مع واشنطن لعقد الجولة المقبلة من المحادثات النووية في وقت قريب، لكنه أشار إلى أنه ‌لم ⁠يتم بعد ​تحديد ‌موعد للجولة التالية من المحادثات، وذلك ⁠بعد يوم ‌من إجراء الجانبين محادثات في سلطنة عُمان.

عراقجي صافح الوفد الأميركي في محادثات مسقط

وقال عراقجي، في مقابلة تلفزيونية، إن ⁠طهران وواشنطن تعتقدان أنه يجب عقد الجولة الجديدة قريباً. وأكد عراقجي الاستعداد للتوصل لاتفاق «مطمْئِن» مع واشنطن حول تخصيب اليورانيوم، غير أنه أكد أن برنامج إيران الصاروخي «غير قابل للتفاوض» في المحادثات. وأضاف «هذا موضوع دفاعي بحت بالنسبة لنا، لا يمكن التفاوض بشأنه ليس الآن ولا في المستقبل».

وتابع وزير الخارجية الإيراني أن المحادثات التي جرت مع الولايات المتحدة في مسقط كانت «غير مباشرة»، لكنه صافح خلالها الوفد الأميركي.

وقال: «على الرغم من أن المفاوضات كانت غير مباشرة، فقد سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي».

وأكد عراقجي أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا هاجمت واشنطن الأراضي الإيرانية. وقال: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية إذا هاجمتنا واشنطن، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة».

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، إن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» خلال توجهه إلى مارالاغو في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً»: وأضاف: «يبدو أن إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق»، موضحاً أن الطرفين سيلتقيان مجدداً «مطلع الأسبوع المقبل».

وأحضرت الولايات المتحدة قائدها العسكري الأعلى في الشرق الأوسط إلى طاولة المفاوضات، في خطوة فُسّرت على أنها رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري متواصل في المنطقة.

وجاءت المحادثات التي عقدت أمس في مسقط بسلطنة عمان، في أعقاب تهديدات واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، على خلفية قمع الاحتجاجات الواسعة النطاق التي شهدتها البلاد، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى.

وعزّزت واشنطن قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، مع نشرها حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها البحرية الضاربة في المنطقة، بينما توعدت إيران باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة إن تعرضت لهجوم.

وتشدد إيران على أن تقتصر المحادثات على الملف النووي من أجل التوصل إلى رفع العقوبات الدولية التي تخنق اقتصادها، بينما تشدد الولايات المتحدة على ضرورة أن تتناول أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية ودعمها تنظيمات مسلحة في المنطقة.

التوسع الإسرائيلي وأمن المنطقة

وفي وقت سابق، صرّح عراقجي بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

وأكد على أن «الحصانة والإفلات من العقاب اللذين منحا لإسرائيل» أخلا بالنظام القضائي الدولي.

وأضاف عراقجي في مؤتمر منتدى الجزيرة في العاصمة القطرية الدوحة أنه «لو استمر الوضع في غزة وفق ما تخطط له إسرائيل، فالضفة الغربية ستكون التالية».

وشدد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية كباقي القضايا، بل هي «بوصلة لمدى فاعلية القانون الدولي»، موضحاً أن «ما نراه بغزة ليس حرباً، ولا نزاعاً بين أطراف متكافئة، بل هو تدمير متعمد للحياة المدنية، وإبادة».

وتابع أن المشكلة ليست فلسطين وحسب، و إنما هناك كيان ينتهك القوانين، ولا يردعه شيء، وأن ما قامت به «إسرائيل كان له أثر في زعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها».

وفي إشارة إلى الدور الأميركي في المنطقة، قال وزير خارجية إيران إنه لا يمكن فرض السلام والاستقرار على المنطقة عبر «لاعب واحد».