تصاعد التهديدات والهجمات الإسرائيلية ضد لبنان

رسائل إلى الرئاسة والحكومة

مواطنون أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في بلدة كفرمان مساء السبت وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
مواطنون أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في بلدة كفرمان مساء السبت وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
TT

تصاعد التهديدات والهجمات الإسرائيلية ضد لبنان

مواطنون أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في بلدة كفرمان مساء السبت وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
مواطنون أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في بلدة كفرمان مساء السبت وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)

يترافق التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل ضد لبنان مع تهديدات إسرائيلية هي الأولى من نوعها منذ اتفاق وقف إطلاق النار، في نوفمبر العام الماضي، وذلك عبر قول رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو: «لن نسمح للبنان بأن يتحول إلى جبهة جديدة ضدنا، وسنتصرف حسب الحاجة»، كما تحذير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن الجيش سيكثف هجماته ضد «حزب الله»، محمّلاً المسؤولية إلى رئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام.

وأتى تحذير كاتس بعد ساعات على إعلان وزارة الصحة اللبنانية مقتل أربعة أشخاص في ضربة إسرائيلية قالت تل أبيب إنهم عناصر في «قوة الرضوان».

وقال كاتس في بيان إن «(حزب الله) يلعب بالنار، والرئيس اللبناني يماطل». وأضاف: «يتعيّن تطبيق التزام الحكومة اللبنانية نزع سلاح (حزب الله)، وإخراجه من جنوب لبنان. التنفيذ بأقصى شدة سيتواصل، بل سيتكثّف»، وقال إنه سيجري الاستمرار في بذل أقصى جهود الإنفاذ، وتكثيفها لحماية سكان شمال إسرائيل.

وبعده بساعات أيضاً، قال نتنياهو إن (حزب الله) يحاول «إعادة تسليح» نفسه، وأضاف خلال الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء: «ننتظر أن تفي الحكومة اللبنانية بالتزاماتها، أي نزع سلاح (حزب الله)، لكن من الواضح أننا سنمارس حقنا في الدفاع عن النفس، بموجب بنود وقف إطلاق النار».

ولم تكن مواقف المبعوث الأميركي إلى لبنان وسوريا، توماس برّاك، بعيدة عن هذه الأجواء، عبر تحذيره من تحرك إسرائيلي لنزع سلاح «حزب الله»، قائلاً: «لم يعد هناك وقت أمام لبنان، وعليه حصر السلاح سريعاً».

ضغط بالنار

وفيما تأتي هذه التهديدات على وقع الحراك السياسي الدبلوماسي باتجاه لبنان للانخراط في مسار التفاوض مع تل أبيب، لا تخفي مصادر وزارية قلقها من هذه الأجواء الإسرائيلية المتصاعدة في الساعات الأخيرة، إن كان سياسياً أو ميدانياً، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «من الواضح أن تل أبيب تضغط بالنار على لبنان، ويبقى احتمال التصعيد العسكري وارداً، لكن لا يعني ذلك عودة الحرب الموسعة، على غرار ما حصل العام الماضي».

وتشير المصادر إلى أن «الحديث المتزايد عن إعادة (حزب الله) بناء قدراته العسكرية قد يؤشر إلى احتمال أو تمهيد لتوسع دائرة الضربات العسكرية، ولا سيما ضد بيئة (حزب الله) والمناطق المحسوبة عليه».

وتضع المصادر تهديدات المسؤولين الإسرائيليين في خانة الضغط على الدولة اللبنانية للذهاب نحو التفاوض المباشر، وهو ما لمح إليه برّاك الجمعة قائلاً: «من غير المعقول ألا يكون هناك حوار بين البلدين».

السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في بلدة كفرمان مساء السبت وأدت إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 3 آخرين (أ.ف.ب)

وبانتظار ما ستنتهي إليه المساعي التي تقوم بها أكثر من جهة لعدم التصعيد في لبنان، تؤكد المصادر استمرار تواصل المسؤولين مع الدول المعنية للضغط على تل أبيب مذكّرة بمواقف الرئيس عون لجهة استعداد لبنان للتفاوض غير المباشر، وهذا ما لم يجد رداً عليه حتى الآن، وبتمسكه كذلك بتطبيق القرار «1701»، كما بدعوة الدول المعنية للضغط على إسرائيل للحد من انتهاكاتها واعتداءاتها اليومية، إضافة إلى انسحابها من المناطق المحتلة التي تعيق انتشار الجيش اللبناني.

قتلى كفرمان

وكانت غارة إسرائيلية استهدفت، مساء السبت، سيارة بـ«صاروخ موجَّه» على طريق دوحة كفر رمان بجنوب لبنان، ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص قالت تل أبيت إنهم عناصر في «قوة الرضوان»، إضافة إلى ثلاثة جرحى.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن القتلى هم: محمد جابر (شقيقه قتل في مجزرة بلدية النبطية في حرب العام الماضي)، وعبد الله غالب كحيل، ومحمد عباس كحيل، وهادي مصطفى حامد (جريح في تفجيرات «البايجر»)، كما أُصيب شخصان آخران كانا على دراجة نارية صودف مرورهما بالمنطقة لحظة الغارة، بحسب «الوطنية»، التي أشارت إلى احتراق السيارة المستهدفة، وتحطم زجاج عشرات المنازل في «الدوحة»، وهي منطقة سكنية بامتياز.

وكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، على حسابه على منصة «إكس» قائلاً: «جيش الدفاع هاجم وقضى على أربعة عناصر إرهابية من (قوة الرضوان)، في (حزب الله)، ومن بينهم مسؤول الدعم اللوجستي للقوة في جنوب لبنان»، مشيراً إلى أنه «كان يروج لعمليات نقل وسائل قتالية، وكان يهم بمحاولات لإعادة إعمار بنى تحتية إرهابية لـ(حزب الله) في جنوب لبنان»، مجدداً التأكيد على «مواصلة العمل لإزالة أي تهديد على دولة إسرائيل».

تصعيد متواصل

وتشهد الحدود اللبنانية الجنوبية تصعيداً عسكرياً في الأيام الماضية، حيث لا يكاد يمر يوم من دون سقوط قتلى وجرحى، كما كان قد سجّل، فجر الخميس، توغّل قوة عسكرية إسرائيلية إلى بلدة بليدا، وقتلت موظفاً كان يبيت داخل مبنى البلدية، ما دفع الرئيس اللبناني جوزيف عون للطلب من الجيش «التصدي» لأي توغل إسرائيلي «في الأراضي الجنوبية المحررة»، في إشارة إلى المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية بعد الحرب الأخيرة مع «حزب الله».

ودعا عون إلى مفاوضات مع إسرائيل، في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، بعدما لعب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دور وساطة ساهم في التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة.

لكن عون اتّهم إسرائيل لاحقاً بالرد على دعوات التفاوض بمزيد من «الاعتداءات»، علماً بأنه لم يصدر عن تل أبيب، كما عن الدول التي تلعب دوراً في هذا الإطار، رد على اقتراح التفاوض فيما تشير المعلومات إلى اقتراحات تقضي بضم مدنيين إلى لجنة مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار (الميكانيزم).

جعجع محذراً

وفي ظل هذا الواقع، حذّر رئيس حزب «القوّات اللبنانيّة»، سمير جعجع، من إضاعة «زمن ثمين»، مؤكداً على أنه «لا خلاص للبلاد من تدهور الأوضاع إلى ما لا تحمد عقباه سوى قرار حازم بحل كل التنظيمات العسكريّة والأمنيّة غير الشرعيّة. وأي أمور أخرى، على غرار البحث في ضم لبنانيين مدنيين إلى لجنة (الميكانيزم)، تمثل مخاطرة بأن تتحوّل إلى إضاعة زمنٍ ثمينٍ على بلد يئنّ تحت وطأة انعدام الاستقرار وتتربّص به في الأفق أخطار جديّة وكبيرة».

ورأى أن «المطلوب في الوقت الراهن القيام بتثبيت وقف دائم للأعمال العدائية، وإخراج القوات الإسرائيلية من أرضنا فعلياً، استكمال عملية ترسيم الحدود البرية والبحرية، إطلاق برنامجٍ عاجل لإعادة الإعمار، وإطلاق نهضة اقتصادية تضمن عيشاً كريماً للمواطنين»، مشدداً: «وهذا كلّه مدخله الوحيد هو حصر السلاح بيد الدولة ولا مدخل آخر له، ومن يرَ حلّاً أو مدخلاً ما قد لا نراه نحن، فليطلعنا عليه؛ ففي أزمنة الخطر المحدق كالتي تمرّ بها البلاد اليوم، الحلول لا تصنعها (الترتيبات الشكلية) بل القرارات الواضحة والحاسمة والشجاعة».


مقالات ذات صلة

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

المشرق العربي تصاعد الدخان في جنوب لبنان إثر غارة إسرائيلية كما بدا من زوطر الغربية (رويترز)

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

توسّع إسرائيل عملياتها في جنوب لبنان على جانبي نهر الليطاني، ما يعني أنه لم يعد حداً فاصلاً بين منطقتين مختلفتين للعمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الحكومة حاضرة في قاعة مجلس النواب خلال جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

مساءلة الحكومة اللبنانية... مبارزة متوقعة بين مؤيدي «اتفاق الإطار» و«مذكرة التفاهم»

تستعد حكومة الرئيس نواف سلام للمثول أمام البرلمان في جلسة صباحية تُعقَد يومي الثلاثاء والأربعاء في 15 و16 سبتمبر (أيلول) الحالي، هي الثانية منذ تشكيلها

محمد شقير (بيروت)
خاص سجن رومية

خاص تعليق العفو العام يشعل غضب نزلاء سجن رومية في لبنان

بدأ السجناء الإسلاميون في سجن رومية إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب، والامتناع التام عن تناول الأدوية داخل السجن، بما في ذلك أصحاب الأمراض المزمنة.

يوسف دياب (بيروت)
عالم الاعمال الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

وقّعت الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» (CMA CGM) شراكة لتأسيس معهد متخصص في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

المشرق العربي طوافة لبنانية تشارك في إخماد الحريق في مرفأ بيروت بعد انفجار 4 أغسطس 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ملف انفجار مرفأ بيروت قيد الحسم... والنيابة العامة تصدر مطالعتها

دخلت قضية انفجار مرفأ بيروت مرحلة حاسمة، مع إنجاز المحامي العام التمييزي، القاضي محمد صعب، مطالعته بالأساس في الملف، تمهيداً لتسليمها الثلاثاء

يوسف دياب (بيروت)

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
TT

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)

مع اقتراب موعد اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق والمحدد بنهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، ما زالت قضية حصر السلاح الموجود خارج إطار الدولة تواجه تعقيدات، وسط معلومات عن أن ترسانة الفصائل باقية حتى 2028.

ووفق مصادر عدة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن الفصائل نجحت بمساعدة إيرانية في «إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ».

وخلال الأسابيع الماضية، قضى أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح، وهم نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهادي العامري، مسؤول «منظمة بدر»، ساعات في أربعة اجتماعات على الأقل، للتفاوض على تسوية أساسها «عدم استخدام السلاح» لكن بشرط «عدم التفريط فيه»، وفق المصادر.

ورغم هذه الصيغة «الصورية»، زرع ممثلو الفصائل «قنبلة موقوتة» في التسوية، تعتبر «أي اتفاق على عدم استخدام السلاح ملغى في ظروف محددة»، بينما توصل الجانبان إلى جدول زمني يستمر حتى مطلع 2028 حتى توافق الفصائل في النهاية على حصر سلاحها.

والحال أن اليأس يطبق على مسؤولين في سلطات مختلفة ببغداد. فخلال اجتماع مع مسؤول أميركي زار العراق أخيراً، خاطبه مسؤول كردي كبير قائلاً: «النظام السياسي الآن يشبه حافلة قديمة تنطلق بسرعة على منحدر من دون مكابح».


اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
TT

اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)

اتسعت المظاهرات الرافضة لقرار رفع أسعار الوقود في سوريا، أمس الاثنين، لليوم الثاني على التوالي، إذ شهدت مدينة الشحيل في ريف دير الزور (شرق) تجدد الاحتجاجات التي جرى خلالها إشعال إطارات، كما قطع محتجون الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرق المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي.

وأغلق الأهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. وشهد معبر باب السلامة مع تركيا في محافظة حلب، إغلاق محتجين للمعبر أمام شاحنات البضائع ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب. وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة (شمال) بينها الشدادي وتل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار الذي أصدره وزير الطاقة الذي طلب منه مجلس الشعب جلسة استماع الخميس المقبل.

ويعتقد مراقبون أن الاحتجاجات جاءت نتيجة عدم تحسن الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملونه أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد، خاصة أن غالبية المحتجين يعدون من الحاضنة الاجتماعية لحكومة الرئيس أحمد الشرع.


توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
TT

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

زيارة قصيرة ولكنها حافلة قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، يرافقه وفد رسمي كبير، إلى باريس، محطته الأوروبية الأولى منذ تسلمه رئاسة الوزراء، في حين ستكون برلين محطته الثانية قبل عودته إلى بغداد. وعكس البيان المشترك الذي وزّعه قصر الإليزيه، عصر الاثنين، المروحة الواسعة من الملفات التي تناولها الطرفان، على مستوى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء علي الزيدي، ولكن أيضاً على المستوى الوزاري بين الجانبين ومع الشركات الفرنسية، ومنها شركة «توتال إنرجيز» الساعية لتوسيع حضورها في العراق.

وقال رئيس الوزراء العراقي، في مقالة له نشرتها صحيفة «لو فيغارو» ظهر الاثنين، إن بلاده تمثل رابع احتياطي نفطي مؤكد في العالم بما يقدّر بـ145 مليار برميل. وفي المقالة ذاتها، عرض الزيدي رؤيته للعلاقات الجديدة التي يريد لبلاده أن تبنيها مع فرنسا بحيث «يكون فيها العراق شريكاً فاعلاً، لا دولة تأتي محمّلة بقائمة من المطالب أو تبحث عن مظلة سياسية». وفي نظره، فإن زيارته «تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها»، ولكن أيضاً لأنها تحل «في مرحلة يسود فيها قدر كبير من عدم اليقين في الشرق الأوسط، حيث باتت فيه الحاجة ملحّة إلى جهود إقليمية وأوروبية ودولية لاحتواء التوترات وإعادة الهدوء إلى المنطقة».

وفي نظر الزيدي، فإن أهمية الزيارة «تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين العراق وفرنسا؛ فهي تتيح للعراق توسيع دائرة شراكاته وانخراطه في أوروبا، وتعزيز دوره في الجهود الجماعية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة».

وبحسب البيان المشترك، فإن الغرض الأسمى للزيارة يكمن في «تعزيز الشراكة الاستراتيجية وعلاقات الصداقة بين فرنسا والعراق».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يشرفان على توقيع عدد من المذكرات والتفاهمات في قصر الإليزيه بعد ظهر الاثنين (أ.ف.ب)

يتكون البيان من عشرين فقرة تتناول كل ما حصل خلال الزيارة، بما في ذلك الاتفاقات وإعلانات النوايا والتفاهمات التي فصّلها بيان منفصل صادر عن الرئاسة الفرنسية، ومنها ستة اتفاقات وُقّعت بحضور ماكرون والزيدي. وكانت لافتة الإشارة إلى «الرؤية المشتركة» للطرفين حول كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط وكيفية تعزيز الأمن والاستقرار فيه «على أساس احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل، وحسن الجوار، وسلامة الأراضي، واحترام القانون الدولي، واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للتعامل مع الأزمات والتهديدات المشتركة التي تواجهها المنطقة». وفي الفقرة تلميح للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ورؤية الطرفين أن الانتهاء منها يجب أن يمر عبر الحلول الدبلوماسية.

وإذ تضمن البيان المشترك إشادة ماكرون بـ«السياسة الخارجية المتوازنة التي ينتهجها العراق»، و«الدور الذي يضطلع به هذا البلد في إقامة الروابط وتعزيز الحوار وتشجيع التعاون الإقليمي»، فإن الزيدي حرص في مقالته على طرح العراق «منصة للحوار»، مضيفاً أنه «لن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى قاعدة لشن تهديدات ضد الدول المجاورة، أو إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية». ووفق ما قاله، فإن العراق «مستعد لاستضافة حوارات مباشرة بين أطراف النزاع متى توافرت الإرادة السياسية اللازمة».

ويشكل الملف الأمني أحد أهم الملفات التي تمت مناقشتها في اجتماع الإليزيه. وجاء في البيان المشترك أنه «نظراً إلى الدور الإيجابي الذي تؤديه فرنسا ضمن (التحالف الدولي)، اتفق رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزراء العراقي على مواصلة وتعميق التعاون العسكري، ولا سيما تعزيز القدرات العراقية بهدف حماية الحدود ودعم سيادة العراق على أراضيه، وذلك في إطار ثنائي يحترم سيادة البلدين، وسيتم الاتفاق عليه لاحقاً، بعد انتهاء مهمة (التحالف الدولي)».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

ويندرج هذا التفاهم في إطار رغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما بالاستناد إلى «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2023»، والتي صادقت عليها فرنسا بالفعل، في حين أن العراق «عازم على المصادقة عليها قريباً». وتبرز أهمية الجانب الأمني في توصل الطرفين إلى «خريطة طريق استراتيجية خاصة باستحواذ العراق على تجهيزات عسكرية فرنسية في إطار سعيه لإعادة بناء وتحديث قدراته العسكرية». كذلك وقّع الطرفان «رسالة نوايا» بشأن «أنظمة الدفاع الجوي الذاتية» بين وزارة الدفاع العراقية والشركة الفرنسية «هارماتان AI». وترى باريس في هذين العنصرين «تأكيداً لرغبة الطرفين في مواصلة تعاونهما في مجال تعزيز القدرات العسكرية ودعم العراق من أجل مهماته السيادية». وجاء في إحدى فقرات البيان المشترك أن الزيدي أعرب عن عزمه على «تشجيع المناقشات بين الشركات الفرنسية ووزارة الدفاع العراقية في مجالات الحركة الجوية، وأنظمة المدفعية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAS)، وأنظمة الدفاع والمراقبة الجوية».

ما سبق يعكس ميلاً عراقياً لتنويع مصادر تسلحه، وباريس تعد مدخلاً ملائماً لهذا الغرض. وإذا كان صحيحاً أنها تسعى إلى تعزيز حضور متعدد الأشكال (سياسياً ودبلوماسياً وثقافياً وصحياً) في العراق، فإنها تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين رئيسيين هما الدفاع من جهة، والطاقة من جهة أخرى.

وكما في القطاع الدفاعي، فقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الكهرباء العراقية ومجموعة «توتال إنرجيز» من أجل تزويد العراق بالغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، استقبل علي الزيدي رئيسَ الشركة النفطية الفرنسية باتريك بويانيه. كذلك وقّع الطرفان مذكرة تفاهم خاصة ببرنامج تأهيل وتعزيز القدرات العراقية في قطاع الطاقة. بيد أن طموحات فرنسا النفطية والغازية في العراق تذهب أبعد من ذلك؛ فقد ورد في البيان المشترك أن العراق اتفق مع شركة «توتال إنرجيز» على الدخول في مناقشات بشأن عدد من مشاريع الطاقة «تقوم على استثمارات واسعة النطاق، وتهدف إلى تعزيز إنتاج النفط العراقي، والمساهمة في زيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز السيادة في مجال الطاقة، ودعم التحول في مجال الطاقة» في العراق. وفي زمن يعاني فيه العالم من أزمة طاقة حادة، فإن اتفاقاً مع بلد يمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً يعد لفرنسا إنجازاً بالغ الأهمية.