آلاف السودانيين في دائرة الخطر... وإعدامات ميدانية في الفاشر وبارا

الأقمار الاصطناعية تكشف المزيد من الفظائع... وازدياد أعداد النازحين في اتجاه الأُبَيِّض والولاية الشمالية

TT

آلاف السودانيين في دائرة الخطر... وإعدامات ميدانية في الفاشر وبارا

النيران تلتهم سوقاً في الفاشر أكبر مدن إقليم دارفور نتيجة المعارك (أ.ف.ب)
النيران تلتهم سوقاً في الفاشر أكبر مدن إقليم دارفور نتيجة المعارك (أ.ف.ب)

بات آلاف السودانيين في دائرة الخطر، بعد تقارير أممية وحقوقية، وصور للأقمار الاصطناعية، تشير إلى استمرار عمليات القتل العشوائي، في مدينتي «الفاشر»، حاضرة إقليم شمال دارفور، التي استولت عليها «قوات الدعم السريع» الأحد الماضي، و«بارا» الاستراتيجية في ولاية شمال كردفان، التي تشهد عمليات نزوح كبيرة في اتجاه مدينة الأُبَيِّض كبرى مدن كردفان، بعد أنباء عن عمليات تنكيل وقتل شنيع.

وأعربت منظمة «أطباء بلا حدود» السبت عن خشيتها من أن آلاف المدنيين عالقون في مدينة الفاشر السودانية ويواجهون خطراً وشيكاً إثر سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها، فيما أظهرت صور جديدة بالأقمار الاصطناعية أن المجازر ما زالت مستمرة في عاصمة ولاية شمال دارفور.

وسيطرت «قوات الدعم السريع» الأحد الماضي على مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور الذي يغطي ثلث مساحة السودان بعد حصار دام 18 شهراً. ومنذ سقوط المدينة، توالت شهادات عن إعدامات ميدانية وعنف جنسي وهجمات على عمال الإغاثة وعمليات نهب وخطف، بينما لا تزال الاتصالات مقطوعة إلى حدّ كبير.

وأفاد ناجون وصلوا إلى بلدة طويلة القريبة من الفاشر، بعمليات قتل جماعية وإطلاق نار على أطفال أمام ذويهم وضرب ونهب للمدنيين في أثناء محاولتهم الفرار. وقالت الأمم المتحدة إن أكثر من 65 ألف شخص فرّوا من مدينة الفاشر منذ الأحد، لكن عشرات الآلاف ما زالوا عالقين هناك، في حين كانت المدينة تؤوي نحو 260 ألف نسمة قبل الهجوم الأخير لـ«قوات الدعم السريع».

وأوضحت منظمة «أطباء بلا حدود» أن «أعداداً كبيرة من المدنيين ما زالت تواجه خطراً شديداً وتُمنع من الوصول إلى مناطق أكثر أماناً من جانب قوات الدعم السريع وحلفائها».

وأضافت المنظمة أن نحو خمسة آلاف شخص فقط تمكنوا من الوصول إلى بلدة طويلة الواقعة على بُعد نحو 70 كيلومتراً غرب المدينة. وقال رئيس قسم الطوارئ في المنظمة ميشال أوليفييه لاشاريتيه إن «عدد الوافدين إلى طويلة لا يتطابق مع حجم الكارثة، في وقت تتزايد فيه الشهادات عن فظائع واسعة النطاق». وتساءل: «أين كل المفقودين الذين نجوا من شهور من الجوع والعنف في الفاشر؟»، مضيفاً: «الاحتمال الأكثر ترجيحاً، والمروّع في الوقت نفسه، هو أنهم يُقتلون أو يُطاردون في أثناء محاولتهم الفرار».

أفراد من «قوات الدعم السريع» يسيرون وسط الجثث والمركبات المحترقة بالقرب من الفاشر (رويترز)

استمرار القتل الجماعي

وأفاد شهود عيان المنظمة بأن نحو 500 مدني، بينهم جنود من الجيش وقوات حليفة له، حاولوا الفرار الأحد، لكن معظمهم قُتل أو أُسر على أيدي «قوات الدعم السريع» ومجموعات موالية لها. وأشار الناجون إلى أن الفارين فُصلوا بحسب الجنس والعمر والانتماء العرقي المفترض، وأن كثيرين ما زالوا محتجزين مقابل فدية، تتراوح بين 5 ملايين و30 مليون جنيه سوداني (ألف إلى 6 آلاف دولار).

وقالت حياة، وهي أم لخمسة أطفال فرت من الفاشر، إن «الشبان الذين كانوا يسافرون معنا أوقفهم المسلحون في الطريق، ولا نعرف ماذا حلّ بهم» حسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وقالت الأمم المتحدة الجمعة إن عدد القتلى من جراء هجوم «قوات الدعم السريع» على مدينة الفاشر قد يبلغ المئات، فيما اتهمت قوات حليفة للجيش السوداني «الدعم السريع» بقتل أكثر من ألفي مدني.

صور الأقمار الاصطناعية

وقد أظهرت صور جديدة التُقطت بالأقمار الاصطناعية مؤشرات على استمرار عمليات القتل الجماعي داخل مدينة الفاشر ومحيطها في غرب السودان، وفق باحثين في جامعة ييل الأميركية.

صورة التقطت بالقمر الاصطناعي تظهر آثار الدمار والصراع الدائر (أ.ف.ب)

وقال مختبر الأبحاث الإنسانية في الجامعة في تقرير جديد إن الصور الجديدة تُظهر مؤشرات على أن جزءاً كبيراً من سكان المدينة «قُتلوا أو أُسروا أو يختبئون».

ورصد الباحثون ما لا يقل عن 31 مجموعة أجسام يُرجّح أنها لجثث بشرية بين الاثنين والجمعة، في أحياء سكنية وحرم جامعي ومواقع عسكرية.

وأضاف التقرير أن «مؤشرات استمرار القتل الجماعي واضحة للعيان».

روايات للفارين

ووفقاً لتقرير أوردته وكالة «رويترز»، فقد جَمَع مقاتلون على ظهور جِمال نحو مائتي رجل قرب مدينة الفاشر السودانية مطلع الأسبوع، واقتادوهم إلى مكان محدد، وهم يرددون ألفاظاً عنصرية، قبل أن يبدأوا في إطلاق النار، وذلك وفقاً لرواية رجل قال إنه كان بينهم. وأوضح الرجل، ويُدعى الخير إسماعيل، في مقابلة مصورة أجراها معه صحافي محلي في بلدة طويلة بإقليم دارفور بغرب البلاد، إن أحد الخاطفين تعرف عليه من أيام الدراسة وتركه يهرب.

وقال إسماعيل: «قال لهم لا تقتلوه»، حتى بعد أن قتلوا كل من معه بمن فيهم أصدقاء له. وأضاف أنه كان يُحضر الطعام لأقاربه الذين كانوا لا يزالون في المدينة عندما سيطرت عليها «قوات الدعم السريع»، يوم الأحد، وكان، كغيره من المعتقلين، أعزل بلا سلاح.

نازح مصاب بعد فراره من الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها (أ.ب)

وكان إسماعيل واحداً من أربعة شهود، وستة من موظفي الإغاثة أجرت وكالة «رويترز» مقابلات معهم، وقالوا أيضاً إن الفارين من الفاشر جُمعوا في قرى مجاورة، وفُصل الرجال عن النساء، ثم تم إبعادهم. وفي رواية سابقة، قال أحد الشهود إن دويّ إطلاق نار سُمع بعد ذلك.

وفي شهادة أخرى أكدت «رويترز» تحققها منها، قالت تهاني حسن، وهي عاملة نظافة سابقة في مستشفى، إنها فرَّت إلى الطويلة في وقت مبكر من يوم الأحد، بعد مقتل زوج شقيقتها وعمها برصاص طائش. وأضافت أنه في الطريق، ألقى ثلاثة رجال يرتدون زي «قوات الدعم السريع» القبض عليها وعلى أسرتها وفتشوهم وضربوهم وأهانوهم. وقالت: «ضربونا بشدة. ألقوا بملابسنا على الأرض. حتى أنا المرأة تم تفتيشي»، مضيفةً أن طعامهم وماءهم سُكبا على الأرض أيضاً.

ووصلوا في نهاية المطاف إلى منطقة أخرى، حيث فَصل المقاتلون النساء والأطفال عن الرجال. ولم يرَ غالبيتهم ذويهم مرة أخرى، بمن في ذلك شقيق تهاني وزوج أختها الثانية. وقالت تهاني: «لا يمكننا أن نقول إنهم أحياء، بسبب الطريقة التي عاملونا بها، إنْ لم يقتلوكم فإن الجوع والعطش سيقتلانكم».

«الدعم» تنفي

ونفت «قوات الدعم السريع»، التي يُمثل «انتصارها» في الفاشر نقطة تحول في الحرب الأهلية السودانية المستمرة منذ عامين ونصف عام، ارتكاب هذه الانتهاكات، قائلةً إن الروايات من نسج خيال أعدائها، ووجَّهت إليهم اتهامات مضادة. ووصف قائد كبير في «قوات الدعم السريع» هذه الروايات بأنها «تضخيم إعلامي» من الجيش والمقاتلين المتحالفين معه «للتغطية على هزيمتهم وفقدانهم مدينة الفاشر».

وقال إن قيادة القوات أمرت بالتحقيق في أي انتهاكات ارتكبها أفرادها الذين تم اعتقال العديد منهم، مضيفاً أن «قوات الدعم السريع» ساعدت الناس على مغادرة المدينة ودعت منظمات الإغاثة إلى مساعدة من بقوا فيها.

وذكر أن جنود الجيش السوداني والمقاتلين الذين تظاهروا بأنهم مدنيون تم «أسرهم» للتحقيق معهم. وقال لوكالة «رويترز» للأنباء رداً على طلب للتعليق: «لم تكن هناك عمليات قتل كما يروج البعض». وأفادت وكالة «رويترز» بأنها تحققت من ثلاثة مقاطع فيديو على الأقل نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر رجالاً يرتدون زي «قوات الدعم السريع»، وهم يطلقون النار على أسرى عزل، ومن 12 مقطعاً آخر تَظهر فيها مجموعات من الجثث بعد إطلاق نار على ما يبدو.

ازدياد أعداد النازحين

إلى ذلك، أعلنت شبكة أطباء السودان، (السبت)، وصول 642 نازحاً من الفاشر إلى منطقة الدبة بالولاية الشمالية. وقالت الشبكة، في بيان صحافي، إنها «تتابع بقلق بالغ ازدياد حركة النزوح من مدينة الفاشر، حيث وصل خلال الساعات الماضية 642 نازحاً إلى الولاية الشمالية بعد رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر من جراء المجازر التي ترتكبها (الدعم السريع) في الفاشر».

 

وأضافت أن «النازحين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية، في ظل انعدام المأوى ونقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب وغياب الخدمات الصحية الأساسية، خصوصاً بين الأطفال والنساء وكبار السن».

وتابعت: «إن هذه الأسر الفارة من ويلات الحرب لجأت إلى الولاية الشمالية بحثاً عن الأمان، إلا أنها تواجه الآن تحديات معيشية خطيرة تفوق قدرة المجتمعات المستضيفة على الاستجابة لها، مع توقعات بأن يتضاعف عدد الوافدين بشكل كبير خلال الأيام المقبلة نتيجة استمرار تدهور الأوضاع في دارفور».

وناشدت شبكة «أطباء السودان» السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية والإغاثية داخل السودان وخارجه، التحرك العاجل لتقديم المساعدات الطبية والغذائية العاجلة، وتوفير المأوى والدعم النفسي والاجتماعي للنازحين، تفادياً لانهيار الوضع الإنساني بشكل كامل. وأكدت أن «الاستجابة السريعة في هذه اللحظة الحرجة قد تنقذ آلاف الأرواح التي أنهكها النزوح والجوع والخوف».


مقالات ذات صلة

تداعيات حرب إيران... ارتفاع كبير في أسعار الخبز والوقود بالسودان

شمال افريقيا سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)

تداعيات حرب إيران... ارتفاع كبير في أسعار الخبز والوقود بالسودان

بدأت موجة من الغلاء تضرب الأسواق السودانية، بعد نحو أسبوع من ارتفاع تكاليف النقل جراء الزيادة «غير المسبوقة» في أسعار الوقود والخبز.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

هز انفجار عنيف وسط العاصمة الخرطوم، ارتجت له حوائط المنازل في عدد من أحياء المدينة، وسُمع صوته المرعب في مناطق بعيدة، بينما تباينت المعلومات حول تحديد نوعه.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيّرة

السعودية تدين استهداف مستشفى الجبلين في السودان

أعربت وزارة الخارجية السعودية عن إدانة المملكة واستنكارها استهداف «قوات الدعم السريع» لمستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض في السودان، مما أسفر عن سقوط…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا عناصر تابعون لـ«الدعم السريع» (فيسبوك)

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، وأسفرت عن مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مساعد مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هاوليانغ شو متحدثاً في المؤتمر الصحافي (الشرق الأوسط)

الأمم المتحدة تعود للعمل في الخرطوم بعد 3 سنوات من الحرب

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، العودة رسمياً للعمل من العاصمة السودانية الخرطوم، بعد 3 سنوات من اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وجدان طلحة (الخرطوم)

الجيش السوداني يعزز تعاونه عسكرياً مع سلطات غرب ليبيا

رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
TT

الجيش السوداني يعزز تعاونه عسكرياً مع سلطات غرب ليبيا

رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

عزّز الجيش السوداني تعاونه مع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا برئاسة عبد الحميد الدبيبة بمحادثات مفاجئة تناولت سبل دعم التعاون العسكري والأمني بين البلدين.

وقالت رئاسة الأركان العامة التابعة لقوات حكومة «الوحدة الوطنية»، الأحد، إن رئيسها الفريق أول صلاح النمروش استقبل مدير الاستخبارات العسكرية للقوات المسلحة السودانية الفريق محمد علي صبير والوفد المرافق له، مشيرة إلى أن «الاجتماع رفيع المستوى خُصص لبحث سبل تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين الشقيقين».

جانب من اجتماع عسكري ليبي - سوداني رفيع المستوى في العاصمة الليبية يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب البلاد)

يأتي هذا اللقاء على خلفية انقسام سياسي وعسكري بين غرب ليبيا وشرقها الذي يسيطر عليه المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويواجه حفتر اتهامات بـ«التعاون» مع «قوات الدعم السريع» برئاسة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وعدّ مصدر مقرب من حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا الاجتماع، «تحركاً مهماً من جانب الجيش السوداني في مواجهة (الدعم السريع) الذي يستفيد من حالة الانقسام العسكري والأمني في ليبيا»، حسب قوله.

وأجرى رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان أول زيارة رسمية إلى العاصمة الليبية طرابلس في 26 فبراير (شباط) 2024، التقى خلالها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، وأجريا حينها مباحثات ثنائية تناولت «سبل تعزيز العلاقات الثنائية الممتدة بين البلدين ودعمها وتطويرها».

المنفي مستقبلاً البرهان في فبراير 2024 (المجلس الرئاسي الليبي)

واتفق حينها المنفي والبرهان على تبادل الوفود بين البلدين وتفعيل الاتفاقات الموقعة بينهما، كما تناولت المباحثات - التي حضرها وفدا البلدين - القضايا ذات الاهتمام المشترك، سعياً «لإحلال السلام والاستقرار في السودان والمنطقة»، حسب المجلس الرئاسي حينها.

وفي اللقاء الذي عُقد في مقر رئاسة الأركان في طرابلس (الأحد)، أكد النمروش على «عمق الروابط التاريخية والعلاقات الراسخة التي تجمع الشعبين الليبي والسوداني»، مشدداً على «أهمية تطوير التنسيق المشترك بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة».

ونقلت رئاسة الأركان أن الاجتماع تناول «بحث آليات تفعيل التعاون في مجالات تبادل المعلومات والتنسيق الأمني، بما يعزز من قدرة المؤسستين العسكريتين على مواجهة التحديات المشتركة»، كما اتفق الجانبان «على توسيع برامج التدريب العسكري وتبادل الخبرات، بهدف رفع كفاءة العناصر وتعزيز الجاهزية، في إطار شراكة استراتيجية تعكس متانة العلاقات الثنائية وتطلعاتها نحو مزيد من التعاون البنّاء».

وسبق وتجاهل «الجيش الوطني» الليبي الاتهامات التي تربطه بتقديم دعم لـ«قوات الدعم السريع» في السودان عقب تقارير تحدثت عن استخدام مهبط للطائرات في مطار الكفرة، بجنوب شرق ليبيا، منصة لوجستية لتعزيز السيطرة على مدينة الفاشر، في سياق الحرب الأهلية السودانية.

كانت وكالة «رويترز» قد ذكرت في تقرير لها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن «خط الإمداد عبر الكفرة كان محورياً في تعزيز سيطرة (الدعم السريع) على مدينة الفاشر؛ ما أتاح لها ترسيخ وجودها في دارفور»، وهي الاتهامات التي تجاهلت القيادة العامة للجيش التعليق عليها.

ومنذ بداية الحرب الأهلية في السودان في أبريل (نيسان) 2023، تعرض «الجيش الوطني» الليبي لاتهامات متكررة بتقديم الدعم لـ«قوات الدعم السريع»، إلا أن القيادة العامة سارعت إلى نفي ذلك حينذاك، مؤكدة «استعدادها للوساطة» بين الأطراف السودانية لوقف القتال.


تداعيات حرب إيران... ارتفاع كبير في أسعار الخبز والوقود بالسودان

سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)
سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

تداعيات حرب إيران... ارتفاع كبير في أسعار الخبز والوقود بالسودان

سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)
سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)

عصفت موجة غلاء بالأسواق في السودان، بعد نحو أسبوع من ارتفاع تكاليف النقل جراء زيادة كبيرة في أسعار الوقود، تاركة المواطن العادي يرزح تحت وطأة أسعار وُصفت بأنها «غير مسبوقة».

وقفزت أسعار الخبز بواقع 50 جنيهاً للرغيف الواحد، وحددت السلطات رسمياً سعر أربعة أرغفة بمبلغ 1000 جنيه سوداني، أي ما يزيد على دولارين، وهي زيادة تثقل كاهل المواطن بمزيد من الأعباء المعيشية في وقت لا تزال رحى الحرب تدور في البلاد.

وعزا المتحدث باسم «اتحاد أصحاب المخابز»، عصام الدين عكاشة، هذه الزيادة إلى تأثر البلاد بارتفاع أسعار الوقود عالمياً بسبب الحرب الإيرانية، وقال: «هذه الأوضاع تسببت في ارتفاع تكاليف النقل داخلياً، التي أدت بدورها إلى ارتفاع سعر الدقيق ومستلزمات إنتاج الخبز الأخرى، على نحو دفع باتجاه زيادة سعر رغيف الخبز».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «نخشى في ظل استمرار الحرب بالمنطقة من زيادات أكثر في التكاليف قد تدفع أصحاب المخابز إلى بيع ثلاثة أرغفة بسعر 1000 جنيه».

من جانبه قال فتح الرحمن البدري، صاحب مخبز، لــ«الشرق الأوسط» إن زيادة أسعار الخبز طُبقت في العاصمة الخرطوم وكل ولايات البلاد، مضيفاً: «الزيادات غير المسبوقة في التكاليف أجبرتنا على اتخاذ هذا القرار الصعب بزيادة تسعيرة الخبز لتقليل خسارتنا».

وأشار البدوي إلى أنه خلال الأسبوعين الماضيين ارتفع سعر جوال طحين القمح زنة 25 كيلوغراماً من 59 ألف جنيه إلى 73 ألف جنيه، (الدولار يساوي 3500 جنيه سوداني في السوق الموازية للعملات)، كما زاد سعر كرتونة الخميرة اللازمة لصناعة الخبز من 135 ألف جنيه إلى 166 ألفاً.

وأضاف أن أصحاب المخابز ظلوا طوال الأشهر الماضية يتحملون الزيادات المفروضة على أسعار الغاز من 2500 جنيه إلى 3300 جنيه، دون أن يفرضوا سعراً جديداً للخبز يتحمله المواطن.

وإلى جانب تكلفة الدقيق العالية، لا يزال أصحاب المخابز يواجهون مشاكل مستمرة في استقرار التيار الكهربائي، مما يضطرهم في بعض الأحيان لاستخدام الحطب لتشغيلها.

وعقب اندلاع الحرب في السودان بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، توقف الإنتاج المحلي من القمح، ما دفع الحكومة إلى زيادة حجم استيراد الدقيق لتغطية الاستهلاك المحلي من الخبز.

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

وأرجع خبراء اقتصاديون ارتفاع أسعار الخبز والسلع الغذائية في السودان، مثله مثل كثير من الدول، إلى اضطراب إمدادات الوقود نتيجة للحرب الإيرانية، بجانب استمرار الحرب في الداخل، فضلاً عن تدهور قيمة الجنيه السوداني إلى مستويات «قياسية» مقابل العملات الأجنبية.

وأرجع الخبير الاقتصادي، محمد الناير، ارتفاع أسعار الوقود والخبز وغيره من المواد الغذائية إلى تأثر السودان بزيادة أسعار النفط عالمياً جراء الصراع في المنطقة، مشيراً في الوقت ذاته إلى ما تسببت فيه الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» من تفاقم كبير في الأوضاع الاقتصادية بالبلاد.

وقال الناير لـ«الشرق الأوسط» إن الزيادة الكبيرة في أسعار السلع والخدمات تشكل عبئاً إضافياً على المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب، وإن هذه المتغيرات الاقتصادية ستؤدي إلى ارتفاع نسبة التضخم بقوة، مما سينعكس على أسعار السلع التي يحتاجها السودانيون في معاشهم اليومي.

وفقد ملايين السودانيين وظائفهم ومصادر دخولهم جراء الحرب في الداخل، ما جعلهم يعانون أوضاعاً اقتصادية مريرة زادت قسوة بارتفاع «جنوني» في أسعار السلع والخدمات.

وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من خمسة ملايين سوداني يواجهون خطر المجاعة، بينما يُعد 18 مليوناً آخرون في «مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي».


فرص تنافسية «محدودة» في مقترح نظام انتخابات المحليات المرتقبة بمصر

إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

فرص تنافسية «محدودة» في مقترح نظام انتخابات المحليات المرتقبة بمصر

إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

تبدأ لجان مجلس النواب المصري، الاثنين، مناقشة مشروع قانون انتخابات المجالس المحلية، التي يُرتقب إجراؤها بعد غياب دام 18 عاماً، في ظل اتهامات لمشروع القانون المقدم من الحكومة، باعتماد نظام يخلق تنافسية سياسية «محدودة».

وتقضي بنود المشروع، التي تداولتها وسائل إعلام محلية، باعتماد نظام انتخابي مختلط يخصص 75 في المائة من مقاعد المجالس المحلية لنظام «القوائم المغلقة المطلقة»، مقابل 25 في المائة لنظام الانتخاب «الفردي». ويدافع مؤيدو هذا التوجه عن جدواه، معتبرين أنه يحقق «تمثيلاً أكثر توازناً»، في ضوء اختلاف طبيعة البيئة الانتخابية بين الانتخابات البرلمانية والمحلية.

في المقابل، أثار المشروع مخاوف لدى عدد من السياسيين من احتمال هيمنة الأحزاب الكبرى على نتائج الانتخابات عبر نظام القوائم، خصوصاً في ضوء التجربة البرلمانية الأخيرة، التي خُصص فيها 50 في المائة من المقاعد لنظام القوائم، وأسفرت عن سيطرة الأحزاب الكبرى الموالية للحكومة، بينها «مستقبل وطن» و«الجبهة الوطنية» و«حماة الوطن»، على التمثيل داخل مجلسي النواب والشيوخ.

يقول مدحت الزاهد، القيادي في «الحركة المدنية» المعارضة، ورئيس حزب «التحالف الشعبي»، إن حزبه سبق أن تقدم بمشروع قانون خلال دورة برلمانية سابقة لمعالجة مخاوف هيمنة الأحزاب الكبرى، عبر تبني نظام انتخابي مزدوج يجمع بين القائمة النسبية وإتاحة الفرصة للمستقلين.

وذهب الزاهد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى اقتراح بديل آخر، وهو «الاستعانة بالنظام الفردي»، مؤكداً «رفض حزبه لما يتم تداوله بشأن مشروع القانون الحالي باعتباره لا يحقق التوازن المطلوب في التمثيل، ولا يضمن تكافؤ الفرص بين القوى السياسية والمستقلين».

وزيرة التنمية المحلية المصرية الدكتورة منال عوض ميخائيل في لقاء مع رئيس لجنة المحليات في مجلس النواب المصري محمود شعراوي في مارس الماضي (مجلس الوزراء المصري)

«التنافسية المحدودة» حال تطبيق هذا المقترح، حذر منها كذلك الدكتور عمرو هاشم ربيع، عضو «مجلس أمناء الحوار الوطني» السابق، ونائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «المقترحات المطروحة داخل البرلمان قد تفتح المجال أمام الأحزاب الكبرى للهيمنة على أغلبية المقاعد».

وأوضح ربيع: «هذا الطرح يعيد إنتاج الإشكاليات التي ظهرت في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ حين منح نظام القوائم نسبة 50 في المائة، ما منح الأفضلية للقوى الأكبر تنظيماً وتمويلاً». وأضاف: «توسيع هذه النسبة إلى 75 في المائة في الانتخابات المحلية قد يؤدي إلى نتائج أكثر اتساعاً من حيث تركّز النفوذ السياسي»، محذراً من تقليص فرص التعددية الحزبية الحقيقية داخل المجالس المحلية.

ويرى ربيع، أن «هيمنة القوائم بهذا الشكل تتيح تشكيل تنافس ومعارضة محدودة التأثير داخل المجالس»، مشدداً على أن ملف الإدارة المحلية مرتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن، ما يستدعي نظاماً انتخابياً يضمن تمثيلاً متوازناً وتنافساً حقيقياً يعزز كفاءة المجالس ودورها الرقابي والخدمي.

وينظر إلى الانتخابات المحلية على أنها مصدر اهتمام لقطاعات واسعة من المصريين، خصوصاً أن آخر انتخابات للمجالس المحلية جرت في أبريل (نيسان) 2008، وتم حل المجالس بحكم قضائي عام 2011 عقب ثورة 25 يناير.

وسبق أن شهد البرلمان المصري نقاشات بين عامي 2016 و2020 بشأن مشروع قانون المحليات، لكنه لم يقر.

وأمام مجلس النواب 3 مشروعات تشريعية مطروحة، وفق عبد الناصر قنديل، مدير «المجموعة المصرية للدراسات البرلمانية»، الذي يشير إلى أن من بينها مشروعاً حكومياً لا تزال تفاصيله غير واضحة، وأن «جميع هذه المشروعات تتفق على تخصيص 75 في المائة من المقاعد لنظام القوائم».

في هذا السياق، قال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، النائب محمد عبد العليم داود، إن «إقرار مشروع قانون المحليات يتطلب وجود ضمانات قوية تحول دون توظيفه لصالح أحزاب بعينها»، مؤكداً أن «نزاهة العملية الانتخابية تمثل ركيزة أساسية لنجاح التجربة المحلية وتعزيز ثقة المواطنين».

واقترح داود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إطلاق حوار مجتمعي واسع بالتوازي مع المناقشات البرلمانية، يضم الأحزاب والقوى السياسية وخبراء الإدارة المحلية والمحافظين السابقين ومؤسسات المجتمع المدني، من شأنه معالجة أي مخاوف أو سلبيات محتملة قبل إقرار القانون. وشدد على «ضرورة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات لضمان الشفافية والنزاهة، ما يمثل عاملاً حاسماً في بناء مجالس محلية فاعلة».

وتنص المادة 180 من الدستور المصري، على تخصيص ربع المقاعد للشباب دون سن 35، وربع العدد للمرأة، مع ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن 50 في المائة، بما يتضمن تمثيلاً مناسباً للمسيحيين وذوي الإعاقة.

في المقابل، دافعت النائبة البرلمانية سحر عتمان، عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، عن تخصيص 75 في المائة من مقاعد المجالس المحلية لنظام القوائم، معتبرة أن المخاوف بشأن سيطرة الأحزاب الكبرى «تبدو مقاربة غير عادلة»، مشيرة إلى محدودية حضور الأحزاب في القرى والمراكز مقارنة بالبرلمان، وأن نظام القوائم يتيح فرصاً أكبر لذوي الإمكانات المحدودة للانخراط في العمل المحلي.

وعتمان، التي تقدمت بأحد مشاريع القوانين الثلاثة، تعتقد أن التجربة العملية قبل 2011 أثبتت أن «العمل الجماعي ضمن القوائم يعزز فرص المشاركة ويدعم العناصر الجديدة»، مشيرة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التجربة الجديدة يجب منحها فرصة قبل تقييمها وإدخال أي تعديل بعد دورة كاملة للمجالس في ظل المقترح الحالي».

وقلل قنديل من المخاوف المرتبطة بزيادة نسبة القوائم وما قد تثيره من هيمنة محتملة للأحزاب الكبرى عادّاً أنها «مبالغ فيها»، ومشيراً إلى أن الانتخابات المحلية تتم في نطاقات ضيقة وتتنوع جغرافياً، ويصعب على حزب واحد السيطرة على نتائجها، كما أن وجود نواب معارضين سيتيح دعم مرشحين محليين، ما يعزز التعددية ويحد من الهيمنة الحزبية لأحزاب كبرى.

وتحظى انتخابات المحليات باهتمام سياسي رفيع المستوى في مصر، إذ سبق أن وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حكومة مصطفى مدبولي عقب اليمين الدستوري في فبراير (شباط) الماضي إلى استكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية، وهو ما أكد مدبولي الالتزام به.

وتنص المادة 180 من الدستور على اختصاص المجالس المحلية بمتابعة تنفيذ خطة التنمية، ورصد نشاط الأجهزة التنفيذية، وممارسة أدوات الرقابة المختلفة، بما في ذلك سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية وفق القانون.