مصر وإسرائيل تتقاسمان «مزايا جيوسياسية» عبر اتفاقات الغاز

استمرار التوترات وتباين الرؤى السياسية... تحديات تواجه ضمان بقاء الإمدادات

جانب من حقل ظهر للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)
جانب من حقل ظهر للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)
TT

مصر وإسرائيل تتقاسمان «مزايا جيوسياسية» عبر اتفاقات الغاز

جانب من حقل ظهر للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)
جانب من حقل ظهر للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)

بعيداً عن التباينات والاختلافات السياسية في مواقف مصر وإسرائيل، الحاضرة على مدى أكثر من عامين من الحرب على قطاع غزة، تظل «اتفاقيات الغاز» المشتركة تحقق «مزايا جيوسياسية» للطرفين.

فالجانبان يرتبطان باتفاقيات تعاون في مجال الغاز منذ سنوات، عندما وقعت مصر اتفاقية لتصدير الغاز إلى إسرائيل عبر خط أنابيب العريش - عسقلان في عام 2005؛ لكن العمليات توقفت عام 2012 بعد هجمات متكررة على الخط في شبه جزيرة سيناء.

ويشكل العامل الجغرافي والحدود المشتركة بين الطرفين ميزة تنافسية لاتفاقيات الغاز بينهما عن غيرها من اتفاقيات التعاون، حسب تقدير خبراء طاقة وسياسيين مصريين أشاروا إلى أن أسعار الغاز الذي تحصل عليه القاهرة من تل أبيب أقل تكلفة من مثيله، نظراً لتوافر خطوط أنابيب مشتركة لتداوله.

وجرى تدشين خط أنابيب عسقلان - العريش في عام 2005، وهو يمتد بطول 80 كيلومتراً، ويبلغ قطره نحو 26 بوصة، ويمكنه نقل نحو 700 مليون متر مكعب من الغاز سنوياً.

وكان أحدث تعاون مصري - إسرائيلي في مجال الغاز ما أعلنت عنه شركة «شيفرون» الأميركية في سبتمبر (أيلول) الماضي، من توقيعها اتفاقاً مع شركة تشغيل خطوط الأنابيب المملوكة للدولة في إسرائيل لبدء مدّ خط أنابيب «نيتسانا» للغاز الطبيعي، الذي سينقل الغاز من حقل «ليفياثان» إلى مصر في إطار صفقة قيمتها 35 مليار دولار.

وصاحب الإعلان عن هذه الصفقة تصاعد للسجال بين مصر وإسرائيل، على وقع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «عدم تمديد اتفاق الغاز مع مصر»، ما دفع رئيس «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر ضياء رشوان إلى الرد محذراً من عواقب إلغاء الاتفاق.

«ضرورة استراتيجية»

لم تشهد العلاقات المصرية – الإسرائيلية توتراً، منذ توقيع معاهدة السلام عام 1979، كالذي شهدته الفترة الماضية، بسبب رفض القاهرة ما وصفته بـ«الإبادة الممنهجة التي تقوم بها إسرائيل في غزة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

ولم يتأثر ملف التعاون في مجال الغاز بالتوترات السياسية الأخيرة بين الجانبين، حيث تعتمد القاهرة في تغطية جزء من احتياجاتها على الجانب الإسرائيلي، نظراً «لقلة التكلفة والقرب الجغرافي»، وفق دبلوماسي مصري سابق في إسرائيل قال لـ«الشرق الأوسط» إن العامل الجغرافي وتوافر خطوط أنابيب لنقل الغاز «يوفران ميزة تنافسية في مجال الغاز بين الطرفين».

وفي أغسطس (آب) الماضي، أعلنت شركة «نيو ميد»، أحد الشركاء في «حقل ليفياثان» الإسرائيلي للغاز الطبيعي، تعديل اتفاق توريد الغاز لمصر ليمتد إلى عام 2040 بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار. وزود الحقل مصر بالفعل بـ23.5 مليار متر مكعب من الغاز منذ عام 2020، وفق ما أعلنته «نيو ميد».

وهناك حرص مصري وإسرائيلي على استمرار التعاون في مجال الغاز، حسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، طارق فهمي، الذي قال إن «معادلة التعاون بين الجانبين ربحية، لا خاسر فيها».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «رغم توافر أسواق بديلة أمام القاهرة، فإنها ترى أن قضية الغاز مع الجانب الإسرائيلي ضرورة استراتيجية».

ووصل إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى ذروته بنحو 7.2 مليار قدم مكعبة يومياً عام 2021، وفق إحصاءات وزارة البترول المصرية، قبل أن يتراجع إلى نحو 5.6 مليار قدم مكعبة في منتصف 2024، ما أدى إلى انكماش الفائض القابل للتصدير، ودفع القاهرة للتحول إلى استيراد كميات من الغاز لتلبية الاحتياج المحلي.

ويرى فهمي أن قنوات التعاون بين مصر وإسرائيل مستمرة في بعض الملفات، وفي مقدمتها ملف الطاقة والغاز، مضيفاً أن القاهرة «لديها مصلحة كاملة في استمرار ملف الغاز، لاعتبارات سياسية واقتصادية».

حقل ظهر للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)

وعلى الجهة الأخرى، قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين، في أغسطس (آب) الماضي، إن الغاز الطبيعي «يمثل أصلاً استراتيجياً لإسرائيل»؛ مشيراً إلى أن صفقة الغاز الأخيرة مع مصر «تثبت اعتماد جيراننا علينا، كما تؤكد أهمية قطاع الغاز في استقرار الشرق الأوسط».

الإمدادات والتوترات الإقليمية

تحدث موقع «نتسيف نت» العبري في الأسبوع الماضي عن أن إسرائيل خفّضت صادرات الغاز الطبيعي إلى مصر بسبب أعمال صيانة دورية في حقل «تمار» في البحر المتوسط، وأشار إلى أن «تدفقات الغاز اليومية من إسرائيل إلى مصر انخفضت بنحو الثلث على مدى 12 يوماً، من جرّاء إغلاق جزئي لصمام الغاز من الحقل».

وفي يونيو (حزيران) الماضي، توقف إنتاج الغاز من الحقول الإسرائيلية في البحر المتوسط لأسباب أمنية مرتبطة بتصاعد التوترات الإقليمية مع بدء الضربات الإسرائيلية على إيران، ما أدى إلى انقطاع كامل في إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، قبل أن تعود بعد نحو أسبوعين.

ويشكل الغاز الإسرائيلي نصف الكمية التي تستوردها مصر لتلبية احتياجاتها المحلية، حسب خبير الطاقة المصري، حافظ سلماوي، الذي أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى «وجود فوائد مشتركة في استمرار التعاون بين الطرفين في ملف الغاز، خصوصاً من النواحي الاقتصادية».

ورغم تلك المميزات، يرى سلماوي أن هناك «صعوبات لتعويل مصر على الغاز المستورد من تل أبيب فقط، بسبب تحديات ضمان استمرار الإمدادات، على وقع التوترات المستمرة، وتباين الرؤى السياسية».

وقال زير البترول المصري، كريم بدوي، في تصريحات في سبتمبر (أيلول) الماضي إن الغاز الإسرائيلي «أرخص من المستورد من مناطق أخرى»، مضيفاً أن توقف إمداده لن يؤثر على احتياجات بلاده في هذا القطاع.

ويرى سلماوي أن مصر في حاجة لتأمين مخزون استراتيجي من الغاز «يحقق لها أمن الطاقة بعيداً عن أي اضطرابات تحدث».


مقالات ذات صلة

السيسي: نبذل جهداً كبيراً لإجراء حوار يخفّض تصعيد الأزمة الإيرانية

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال قمة في 13 أكتوبر 2025 في شرم الشيخ بمصر (أ.ب)

السيسي: نبذل جهداً كبيراً لإجراء حوار يخفّض تصعيد الأزمة الإيرانية

حذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الجمعة، من تصاعد حدة التوتر جراء الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، ما قد يؤثر سلباً على المنطقة بأسرها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا بائع ينظّف خواتم من الفضة في متجره (رويترز)

مع ارتفاعات الذهب القياسية... مصريون يستكشفون الفضة كوعاء ادخاري

بعد أن كانت صفاء حسين، وهي موظفة أربعينية، تدخر مبلغاً زهيداً من راتبها لشراء سبيكة ذهبية بعد بضعة أشهر، الآن لم يعد بمقدورها القيام بذلك مع قفزات المعدن الأصفر

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في اجتماع أعضاء مجلس القضاء الأعلى في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

«القضاء الأعلى» المصري يسعى إلى احتواء أزمة «تعيينات النيابة»

انخرط مجلس القضاء الأعلى بمصر في مساعٍ لاحتواء أزمة تعيينات معاوني النيابة العامة التي برزت خلال الأيام الماضية مؤكداً اختصاصه الأصيل في التعيينات.

علاء حموده (القاهرة)
تحليل إخباري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره التركي رجب طيب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي في العاصمة الإدارية الجديدة - 19 ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري كيف يدعم التنسيق السعودي - المصري - التركي التهدئة في المنطقة؟

تطرح الزيارة المرتقبة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى السعودية ومصر الأسبوع المقبل تساؤلات حول مدى تأثير التنسيق الثلاثي إيجاباً في تهدئة أزمات المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا  جانب من مدينة شرم الشيخ المصرية (صفحة منتجع سياحي على فيسبوك)

مصر: العثور على 3 سياح روس «اختفوا» في القاهرة عدة أيام

فتحت السلطات المصرية تحقيقاً في ملابسات ما حدث لثلاثة سياح روس اختفوا بالقاهرة عدة أيام بعدما تخلفوا عن موعد عودتهم إلى بلادهم.

هشام المياني (القاهرة)

السيسي: نبذل جهداً كبيراً لإجراء حوار يخفّض تصعيد الأزمة الإيرانية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال قمة في 13 أكتوبر 2025 في شرم الشيخ بمصر (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال قمة في 13 أكتوبر 2025 في شرم الشيخ بمصر (أ.ب)
TT

السيسي: نبذل جهداً كبيراً لإجراء حوار يخفّض تصعيد الأزمة الإيرانية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال قمة في 13 أكتوبر 2025 في شرم الشيخ بمصر (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال قمة في 13 أكتوبر 2025 في شرم الشيخ بمصر (أ.ب)

حذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الجمعة، من تصاعد حدة التوتر جراء الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، ما قد يؤثر سلباً على المنطقة بأسرها.

وأكد الرئيس المصري خلال تصريحات أن بلاده تتحسب من أن تؤدي الأزمة الإيرانية إلى «تداعيات خطيرة جداً» في حالة نشوب قتال وإلى تداعيات اقتصادية أيضاً.

وشدد السيسي على أن مصر تبذل جهداً كبيراً دون صخب من أجل إجراء حوار يؤدي إلى خفض التصعيد في الأزمة الإيرانية.

وفي الشأن الفلسطيني، أشاد الرئيس المصري بجهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قائلاً إن أزمة غزة لم تكن لتتوقف إلا بتدخل شخصي من الرئيس ترمب «كقائد وزعيم صانع للسلام في العالم».

وطمأن السيسي المواطنين بأن الوضع الداخلي في مصر «في تحسن، سواء على الصعيد الاقتصادي أو فيما يتعلق بفرص الاستثمار»، مشيراً إلى أن الدولة في «حالة تطور مستمرة» مع توافر السلع والاحتياجات رغم الأزمات العالمية.


السودان يسجل أكبر نزوح في العالم

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)
انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)
TT

السودان يسجل أكبر نزوح في العالم

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)
انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

حذّر فرع منظمة «يونيسف» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أمس، من أن السودان سجّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم، حيث نزح نحو 9.5 مليون شخص في 18 ولاية.

وأكّدت المنظمة، في بيان، أن الأطفال يعانون من كارثة إنسانية ناجمة عن الحرب وتفشي الأمراض والجوع، جراء الصراع بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، الذي اندلع منذ نحو 3 سنوات.

وتسبب الصراع، الذي اندلع في أبريل (نيسان) 2023، في تشرد ما يزيد على 12.5 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، من بينهم 4 ملايين اضطروا إلى عبور الحدود باتجاه دول الجوار، حسب الأمم المتحدة. وشددت «يونيسف» على الحاجة لمزيد من التغطية الإعلامية والتمويل للتعامل مع الوضع في السودان.

من جهة أخرى، أعلنت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية ‌في ‌الاتحاد ‌الأوروبي، أمس، ‌أن الاتحاد أقرّ عقوبات جديدة ⁠تستهدف ‌عناصر من «الدعم السريع» والجيش. وقالت كالاس: «لن تنهي ​هذه الإجراءات وحدها الحرب، ⁠لكنها ستزيد من التكلفة على المسؤولين عنها».


مع ارتفاعات الذهب القياسية... مصريون يستكشفون الفضة كوعاء ادخاري

بائع ينظّف خواتم من الفضة في متجره (رويترز)
بائع ينظّف خواتم من الفضة في متجره (رويترز)
TT

مع ارتفاعات الذهب القياسية... مصريون يستكشفون الفضة كوعاء ادخاري

بائع ينظّف خواتم من الفضة في متجره (رويترز)
بائع ينظّف خواتم من الفضة في متجره (رويترز)

اعتادت صفاء حسين ادخار مبلغ من راتبها كل شهر لتشتري به سبيكة ذهبية كلما جمعت ثمنها؛ لكن هذا بات الآن حلماً بعيد المنال مع القفزات القياسية في أسعار المعدن الأصفر.

إلا أن الموظفة المصرية الأربعينية وجدت ضالتها في معدن آخر تتماشى أسعاره مع وضعها الاقتصادي، وترتفع أيضاً قيمته باطّراد... إنه الفضة.

تقول صفاء، وهي أم لثلاثة أبناء، إنها اتجهت لأول مرة إلى أحد محال بيع الفضة القريبة من منزلها بمحافظة الجيزة الأسبوع الماضي، وقصدت شراء سبائك فضية رغم تخوفها من تعرضها لخسائر لم تكن لتتعرض لها مع الذهب؛ غير أنها فوجئت بأنها لم تكن وحدها التي هداها التفكير إلى ادخار الفضة، فالمتجر كان ممتلئاً بزبائن آخرين يسعون مثلها لوعاء ادخاري آمن بعيداً عن الذهب، حتى إن صاحب المتجر كان يطالب بدفع جزء مسبق من الثمن على أن يوفر المطلوب خلال فترة تتراوح من أسبوعين إلى شهر.

وقررت أخيراً خوض التجربة، على أن تغامر بشراء «جنيه فضة واحد» يبلغ سعره 1500 جنيه مصري (نحو 32 دولاراً)، وأن «تستكشف» هذه السوق مع رغبتها بالادخار في المعادن تأميناً لمستقبل أبنائها.

الملاذ الآمن

سجلت أسعار الفضة ارتفاعات قوية في الأسواق المحلية والعالمية، لتتجاوز مستويات قياسية، مدفوعة بتزايد الطلب على «الملاذات الآمنة»، وفقاً لتقرير صادر عن «مركز الملاذ الآمن».

وفي العام الماضي، سجلت الفضة مكاسب تاريخية قدَّرتها «شعبة الذهب المصرية» بأكثر من 150 في المائة؛ في حين حقق الذهب مكاسب بلغت نسبتها نحو 60 في المائة.

وتبقى المشكلة بالنسبة لقطاع كبير من المصريين اعتاد الادخار في الذهب أن سعر الغِرام الواحد من عيار 21 وصل إلى 6735 جنيهاً، فيما وصل غِرام الفضة عيار 999 إلى 193 جنيهاً.

وفي البورصات العالمية، قفز الذهب إلى مستوى قياسي جديد، متجاوزاً 5100 دولار للأونصة (الأوقية)، ومواصلاً ارتفاعه التاريخي مع ⁠إقبال المستثمرين على الأصول ​الآمنة وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية؛ كما ارتفعت أوقية الفضة إلى 113 دولاراً وحققت مكاسب تقارب 58 في المائة منذ بداية العام، وهو أفضل أداء سنوي منذ عام 1979، وفقاً لتقرير صادر عن «مركز الملاذ الآمن».

السبائك الفضية أصبحت ملاذ المصريين الآمن للحفاظ على أموالهم (رويترز)

ويقول محمد عبد الله، وهو صاحب متجر لبيع الفضة في منطقة فيصل الشعبية بمحافظة الجيزة، إن الأقبال على شراء الفضة تضاعف منذ بداية العام؛ مضيفاً أن المصريين بدأوا يستكشفون إمكانية شرائه كسبائك وجنيهات وتخزينها.

ومضى قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن سوق الفضة تشهد إقبالا كثيفاً حتى إنه لم يعد قادراً على توفير سبائك أو جنيهات فضية قبل أن يطلبها مسبقاً من شركات التصنيع؛ مشيراً إلى أن زبائنه من طبقات مختلفة، لكن وجود متجره في منطقة شعبية يجعل أغلب المشترين من الطبقات المتوسطة التي ينصب تركيزها عند الشراء على الجنيهات التي يتماشى سعرها مع قدرتهم الشرائية، إلى جانب سبائك الفضة التي تزن 10 غرامات ويبلغ سعرها 1950 جنيهاً.

طفرة الفضة... وعرش الذهب

وأمام الرغبة في استكشاف فرص الادخار في الفضة، وجَّه أحد المتابعين عبر منصة «إكس» تساؤلاً إلى رجل الأعمال نجيب ساويرس عن نظرته إلى مستقبل الفضة خلال الفترة المقبلة، وهل ستشهد طفرة، أو سيبقى الذهب متربعاً على عرش المعادن النفيسة؟ فأجاب ساويرس: «الفضة حققت بالفعل طفرتها، فيما سيظل الذهب على العرش».

وهو ما اتفق معه أيضاً الخبير في أسواق الذهب، وليد فاروق، الذي أشار إلى أنه في حين دفعت ارتفاعات الذهب القياسية المواطنين لادخار الفضة، يبقى الذهب أكثر ثباتاً بوجه عام، فيما تخضع الفضة لتقلبات السوق بدرجة كبيرة.

وأشار فاروق إلى أن انجذاب المصريين في الوقت الحالي نحو الفضة يرجع لمكاسب العام الماضي القياسية، «فمن ادخر مبلغ 100 ألف جنيه أضحى معه بنهاية العام 250 ألفاً، وهو ما عزز الطلب على السبائك وعزز أيضاً من التسويق للفضة كوعاء ادخاري».

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن تسعير الفضة في الأسواق المحلية والعالمية ظل على مدى سنوات أقل من قيمتها الحقيقية، كما أنها ظلت ترتبط بكونها مكوناً صناعياً ولم يكن هناك إقبال عليها كوعاء ادخاري؛ غير أن قفزات الذهب والاضطرابات الجيوسياسية في كثير من دول العالم جعلتها تحظى باهتمام المستثمرين، وأضحى هناك عجز في المعروض محلياً وعالمياً، وهو أقل من الطلب المتزايد عليها الآن ما يجعل أسعارها مرشحة للارتفاع مجدداً.

لكنه في الوقت ذاته يرى أن قفزات الفضة التي حققت مكاسب تصل لما يقرب من 60 في المائة في شهر واحد لا تخلو من المضاربات، متوقعاً بدء اتجاه البنوك المركزية لشراء الفضة كما الوضع بالنسبة للذهب، إلى جانب مشتريات الأفراد والمستثمرين، ما يجعلها «تحافظ على النمط التصاعدي».

وتبقى احتمالات الانخفاض واردة أيضاً بحسب فاروق، عبر ما يمكن تسميته «جولات تصحيحية» بعد الارتفاعات القوية، وقد يكون ذلك على المدى القصير خلال الشهرين المقبلين على أن تسترد عافيتها قبل نهاية العام.

الفضة النقية

وتشير استطلاعات الرأي إلى تفاؤل واسع بين المستثمرين الأفراد، حيث يتوقع أكثر من نصفهم أن تواصل الفضة ارتفاعاتها خلال 2026. ويرى هؤلاء أن أي موجة صعود جديدة للذهب مدعومة بخفض أسعار الفائدة وضعف الدولار ستنعكس بشكل مضاعف على أسعار الفضة، بحسب التحليل الفني «لغولد بيليون» لحركة الفضة .

معروضات داخل أحد متاجر الفضة بالقاهرة (رويترز)

ووجه رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية في القاهرة، هاني ميلاد، نصائح لمن يرغبون في ادخار الفضة، قائلاً: «يجب أن يكون الشراء على المدى الطويل، والتركيز على شراء للغِرامات النقية والفضة العالية العيار (999)، مع أهمية تجنب الشراء العشوائي بحيث لا يتأثر المدخرون بالانخفاضات اليومية».

ولفت ميلاد أيضاً إلى أهمية التعرف على سعر الغِرام في السوق المحلية ومقارنته بالأسعار العالمية، مؤكداً أنه «يجري تسعيره الآن بأعلى من قيمته، مع وجود شح في السبائك نتيجة عمل أربع شركات فقط في إنتاج الفضة داخل مصر».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن الإقدام على شراء مشغولات الفضة يكاد يكون متوقفاً تماماً رغم زيادة الإقبال على المعدن، ويرجع ذلك إلى ارتفاع قيمة «التصنيع».

وأشار إلى أن قيمة تصنيع الفضة تفوق كثيراً الذهب مقارنة بقيمة الغِرام الواحد. كما نفى تعرض الفضة للأكسدة ما دامت من عيار 999، أي فضة نقية، كما أنه يسهل بيعها كما الوضع بالنسبة للذهب.