رسائل آبي أحمد لمصر والسودان وإريتريا... مسار للتعاون أم «خطاب تهدئة»؟

تمسك بعدم وجود ضرر من «سد النهضة»... وأكد أهمية المنفذ البحري لإثيوبيا

«سد النهضة» الإثيوبي بعد تدشينه (إ.ب.أ)
«سد النهضة» الإثيوبي بعد تدشينه (إ.ب.أ)
TT

رسائل آبي أحمد لمصر والسودان وإريتريا... مسار للتعاون أم «خطاب تهدئة»؟

«سد النهضة» الإثيوبي بعد تدشينه (إ.ب.أ)
«سد النهضة» الإثيوبي بعد تدشينه (إ.ب.أ)

بعث رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، رسائل إلى مصر والسودان وإريتريا التي يجمعها ببلاده خلافات بارزة، متعلقة بمخاوف هذه الدول من تهديدات «سد النهضة» لحصهها المائية، ورفض أي وجود لأديس أبابا على أي منفذ بالبحر الأحمر.

تلك الرسائل التي جاءت خلال كلمة آبي أحمد بالبرلمان الإثيوبي، بعد أسابيع من انتقاد مصر وإريتريا لبلاده، كانت موجهة للداخل والخارج، بحسب خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، بهدف تهدئة تكتيكية لكسب مزيد من الشعبية في ظل الضغوط الاقتصادية، وفتح قنوات تواصل مع دول للعالم لتحقيق الوصول لمنفذ للبحر الأحمر كما فعل في ملف «السد».

وتوقع الخبراء والمحللون ألا يبدي رئيس الوزراء الإثيوبي أي تنازلات بالملفين، مع استمراره في «خفض حرارة الخلافات، وشراء وقت لترتيب البيت الداخلي وإعادة ترتيب أوراقه الإقليمية».

وقال أحمد، الثلاثاء، إن التعاون بين دول حوض النيل إثيوبيا والسودان ومصر، هو الطريق الأمثل نحو الازدهار الأفريقي المشترك، مضيفاً: «المصريون والسودانيون إخوتنا، تجمعنا روابط الدم والتاريخ، ومن حقهم أن يجنوا ثمار تنمية إثيوبيا لا أن يمنعوها منها».

وجاءت تلك الرسائل الهادئة بعد خطاب شديد اللهجة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، خلال الجلسة الافتتاحية لـ«أسبوع القاهرة الثامن للمياه»؛ محملاً أديس أبابا مسؤولية ما وصفه بـ«الإدارة غير المنضبطة» لسد النهضة، والإضرار بدولتي المصب مصر والسودان.

تحذيرات السيسي حينها جاءت عقب فيضان أغرق أراضي عدد من القرى على ضفتي النيل بمصر والسودان، بعد فتح أديس أبابا بوابات تصريف المياه من «سد النهضة» بكميات كبيرة أدت إلى ارتفاع مناسيب المياه في نهر النيل.

ودشّنت أديس أبابا مشروع «سد النهضة» في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط اعتراضات من مصر والسودان للمطالبة باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات «تشغيل السد» بما لا يضرّ بمصالحهما المائية، فيما أعلنت مصر في ديسمبر (كانون الأول) 2023 «فشل» آخر جولة للمفاوضات، وإغلاق المسار التفاوضي بعد جولات مختلفة لمدة 13 عاماً.

«رسائل تكتيكية»

خبيرة الشؤون الأفريقية في مصر، أسماء الحسيني، ترى أن رسائل آبي أحمد «تكتيكية، لم يعد أحد يأخذها على محمل الجد»، مؤكدة أن الانخراط في عمل حقيقي وجاد لإنهاء الخلافات مع مصر والسودان أو مع إريتريا هو الحل الوحيد؛ «لأن التصريحات لن تأتي بنتائج أو حل للتعقيدات بسبب السياسات الأحادية الإثيوبية وسياسات فرض الأمر الواقع والهيمنة».

فيما يرى الخبير في الشؤون الأفريقية، عبد الولي جامع بري، أن خطاب أحمد موجه للداخل والخارج، «فهو يتحدث للشارع الإثيوبي الذي يعاني أزمة اقتصادية وضغوطاً سياسية داخلية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته المسجلة في «أسبوع القاهرة للمياه» الشهر الحالي (وزارة الري المصرية)

ويستهدف آبي أحمد، بحسب بري، «توجيه رسائل تهدئة»، مشيراً إلى أنه «تحدث بلغة التكامل وعدم الإضرار، ويسعى لتأكيد أن إثيوبيا ليست خصماً وإنما شريك تنمية في المنطقة». وقال: «هذا خطاب تهدئة تكتيكي أكثر من كونه تحولاً حقيقياً في السياسة الإثيوبية».

وأسباب ذلك تعود، وفق بري، إلى أن إثيوبيا لا تزال متمسكة بموقفها القانوني والسيادي تجاه «سد النهضة»؛ أي إنها «لا تعترف بضرورة اتفاق ملزم حول ملء وتشغيل السد».

دولة «حبيسة»

وفي قضية أخرى محل خلاف مع دول الجوار، أكد آبي أحمد في كلمته أن إثيوبيا «خاضت نضالاً» استمر أكثر من ثلاثة عقود، وانتهى بفقدانها منفذها إلى البحر الأحمر، بعد انفصال إريتريا عنها واستحواذها على المنفذ وبقاء أديس أبابا «دولة حبيسة»، مؤكداً في الوقت نفسه أن «استعادة هذا الحق المشروع» لن تستغرق 30 عاماً أخرى، فيما أكد أن بلاده لا تسعى للحرب.

وشدد على أن حل هذه المسألة يجب أن يتم بالطرق السلمية، ومن خلال الحوار والتفاهم، «خاصة أن الطريقة التي فقدت بها إثيوبيا منفذها إلى البحر الأحمر لا تستند إلى أي أساس قانوني أو شرعي».

وفي 8 أكتوبر الحالي، قالت الخارجية الإثيوبية في رسالة موجهة للأمم المتحدة، إن إريتريا و«فصيلاً متشدداً من (جبهة تحرير شعب تيغراي)» يقومان بـ«تمويل وتعبئة وقيادة» مجموعات مسلحة خصوصاً في ولاية أمهرة، حيث يواجه الجيش الإثيوبي تمرداً مسلحاً منذ أعوام، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية» آنذاك.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ولم ترد إريتريا بعد، غير أن وزارة إعلامها أوردت في يونيو (حزيران) عقب رسالة إثيوبية مماثلة للأمم المتحدة، أن «إثيوبيا تستخدم أكاذيب لتبرير الصراع وإشعاله»، وذلك بعد اتهام أسمرة لأديس أبابا، في مايو (أيار) الماضي، بـ«السعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلّق بمنفذ على البحر الأحمر».

وبشأن أزمة المنفذ البحري، ترى أسماء الحسيني، أن مصر وإريتريا وكل الدول المشاطئة للبحر الأحمر ترفض وجود أديس أبابا، وبالتالي تلك التصريحات الإثيوبية لن تفيد، و«على آبي أحمد أن يلجأ لسياسات تعاونية بدلاً من هذه المناورات».

فيما قال بري إن حديث آبي عن المنفذ البحري «شعار تعبوي داخلي، يُستخدم لإعادة بناء الإجماع الوطني حول حق إثيوبيا في البحر؛ وهو خطاب رمزي يوحد الداخل، ويصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية الاقتصادية والأمنية والقومية».

ويضيف بري أن آبي أحمد يبعث أيضاً برسالة تجاه إريتريا، يحاول طمأنتها إلى أن المنفذ البحري لا يعني تهديداً لأراضيها بل رغبة في التعاون. ويشير إلى أن التوقيت جاء بعد توترات حدودية واتهامات متبادلة، ما يدل على محاولة آبي خفض حرارة الاختلافات وشراء وقت لترتيب البيت الداخلي وإعادة ترتيب أوراقه الإقليمية.

ولم تعلق الدول الثلاث على خطاب آبي أحمد، لكنها رفضت في بيانات رسمية سابقة أي وجود لإثيوبيا على البحر الأحمر باعتبارها دولة غير مشاطئة، كما ترفض القاهرة والخرطوم تهديد «سد النهضة» لحصتهما المائية وأيدتهما أسمرة في ذلك.

وليس أمام آبي أحمد، بحسب بري، سوى خطابات التهدئة، دون تقديم تنازلات فعلية في ملف السد، مع السعي لعقد تفاهمات اقتصادية أو أمنية مع دول البحر الأحمر مثل الصومال وجيبوتي، وربما إريتريا، لضمان مصالحه البحرية، مع تفضيل المسار التفاوضي أو الشراكة الاقتصادية بدلاً من المواجهة العسكرية.


مقالات ذات صلة

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

شمال افريقيا جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

استهدف قصف جوي الثلاثاء والأربعاء، مناجم للتعدين عن الذهب في أقصى شمال السودان مع الحدود المصرية أسفر عن قتلى وجرحى وسط صمت رسمي بشأن الجهة المنفذة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
رياضة عربية حسام حسن كان غاضباً في بعض فترات المباراة (رويترز)

حسام حسن يشكو رضا عبد العال لـ«تشويه سمعته»

صَعّد حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، صدامه مع المحلل الرياضي واللاعب السابق، رضا عبد العال، بداعي «الإساءة إليه وتشويه سمعته».

محمد عجم (القاهرة)
المشرق العربي ميناء طرطوس (سانا)

سوريا تصلح الكابل البحري المتضرر بين طرطوس والإسكندرية

أعلنت الشركة السورية للاتصالات إنجاز أعمال إصلاح الكابل البحري المتضرر الناقل لحركة الإنترنت بين طرطوس والإسكندرية وإعادة تشغيله بشكل كامل بجهود كوادرها الوطنية

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا لقاء الرئيسين المصري والأميركي على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا (الرئاسة المصرية)

لقاء السيسي وترمب... دفعة محتملة لاتفاق غزة ووساطة سد النهضة

تصدر ملفا اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة وأزمة «سد النهضة» الإثيوبي، مناقشات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء

محمد محمود (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان الراحل محمد مرزبان

وفاة الفنان المصري محمد مرزبان بعد تعرضه لحادث سير

غيَّب الموت صباح اليوم (الأربعاء) الفنان المصري محمد مرزبان وفقاً لما أعلنه الفنان أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العنف الجنسي سلاح حرب في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
TT

العنف الجنسي سلاح حرب في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، مُثقلة بقصص عن انتهاكات وأهوال تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة بنساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكنها نجاة لن تكتمل إلا بمحاسبة الجناة وعدم تمكينهم من الإفلات.

بين تجربة مثقلة بصدمة الاختطاف، والاغتصاب، ثم الخوف من الوصمة الاجتماعية، تمتد معاناة الناجيات إلى ما بعد لحظة الانتهاك، لتتحول إلى رحلة طويلة من الألم والعزلة وانعدام الاستقرار.

وفي بلد تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية، والدعم النفسي، وآليات المحاسبة القانونية، يتحول العنف الجنسي من فعلٍ حربي يقع في سياق عسكري إلى أزمة مجتمعية ممتدة، وتتقاطع فيها الجريمة مع الصمت، والانتهاك مع العجز عن إنصاف الضحايا.

«الشرق الأوسط» رصدت معاناة ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في السودان، وتحدثت إلى عدد من الناجيات. كما وثّقت إحصاءات، وجمعت آراء خبراء قانونيين ونفسيين، مع الحرص على حجب أسماء النساء، وبعض التفاصيل التعريفية، حفاظاً على سلامتهن، وخصوصيتهن.


انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
TT

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

تتواصل موجة الانشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، وكان أحدثها إعلان القيادي البارز فارس النور استقالته من جميع مناصبه في «قوات الدعم السريع» وتحالف «تأسيس» الداعم لها.

وأكد النور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قراره بالانشقاق، قائلاً إنه استقال بهدف البحث عن فرص جديدة للسلام والحوار. ويشغل فارس النور عضوية المجلس الرئاسي في تحالف «تأسيس»، كما عينته الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا مقراً لها حاكماً لإقليم الخرطوم. وشغل لسنوات منصب مستشار قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان من أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال مفاوضات جدة عام 2023.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكونها تختلف عن معظم حالات الانشقاق السابقة التي شهدها معسكر «الدعم السريع» خلال الفترة الأخيرة؛ ففي حين ارتبطت الانشقاقات السابقة بقادة ميدانيين يمتلكون قوات أو نفوذاً عسكرياً على الأرض، ينتمي فارس النور إلى خلفية سياسية ومدنية، وارتبط اسمه بالمشروع السياسي لتحالف «تأسيس» أكثر من ارتباطه بالعمليات العسكرية المباشرة.

وأوضح النور أسباب استقالته قائلاً: «قدمت استقالتي نتيجة قناعة متزايدة بأن الأزمة السودانية وصلت إلى مرحلة من الانسداد السياسي والجمود. ومع استمرار الحرب وتفاقم معاناة المواطنين، أصبح من الضروري إيجاد مساحات جديدة للعمل. ومن هذا المنطلق اتخذت قرار الاستقالة حتى أتمكن من إدارة حوار مع مختلف الأطراف السودانية، بعيداً عن أي تصنيف سياسي أو عسكري، والمساهمة في الوصول إلى حل شامل للأزمة السودانية».

ويأتي انشقاق فارس النور ضمن سلسلة من الانشقاقات التي شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال الأشهر الماضية.

ففي شهر مايو (أيار) الماضي أعلن بشارة الهويرة، الذي كان يتولى مسؤولية العمليات العسكرية بمحور مدينة بارا في ولاية شمال كردفان، انشقاقه عن القوات.

كما سبقه إعلان القائد الميداني البارز النور آدم، المعروف باسم «النور القبة»، انسحابه من «قوات الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش السوداني بعد مغادرة قواته مواقعها في شمال دارفور.

وقبل ذلك أعلن أبو عاقلة كيكل، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» في ولاية الجزيرة، تعاونه مع الجيش السوداني في خطوة اعتبرت من أهم الانشقاقات خلال الحرب نظراً للنفوذ الكبير الذي كان يتمتع به في وسط السودان.

كما أعلن مؤخراً القيادي علي رزق الله، المعروف باسم «السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» والتحاقه بالجيش.

ورغم تفاوت الوزن العسكري والسياسي لكل حالة من هذه الحالات، فإن تكرار الانشقاقات خلال فترة زمنية قصيرة أثار تساؤلات متزايدة حول مدى تأثيرها على تماسك «قوات الدعم السريع» ومستقبل تحالفاتها السياسية والعسكرية.


ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
TT

ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)

على الرغم من التأكيدات المصرية الرسمية على الالتزام بسداد الديون الخارجية وعدم التأخر في أي قسط مستحق، فإن الأرقام تُظهر ارتفاع الدين الخارجي باستمرار، وهو ما أرجعه خبراء ومحللون إلى أن عمليات السداد تقابلها قروض مستمرة من مؤسسات مانحة، وأن أقل هذه القروض من صندوق النقد الدولي.

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات البنك المركزي المصري.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.

الديون الجديدة

ويُرجع الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، سبب ارتفاع الديون رغم الالتزام بالسداد إلى أن جدول سداد التزامات الديون على مصر يتضمن أقساط القروض الأساسية وفوائدها، مضيفاً: «في حال وجود دين ثابت، فإن سداد التزامات الأقساط والفوائد يقود بالضرورة لخفض الديون بمقدار ما تم سداده؛ ولكن في الحالة المصرية الأمور مختلفة، فمصر فعلاً ملتزمة في سداد الأقساط والفوائد ولا يوجد أي تأخير فيها، ولكن في الوقت نفسه تتم إضافة ديون جديدة من المانحين، سواء دول أو مؤسسات دولية».

واستطرد عبد المطلب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تركيز واهتمام المراقبين دائماً يكون منصباً على قروض صندوق النقد الدولي، في حين أن أقل القروض تأخذها منه مصر، ولكن هناك قروضاً من بنك التنمية الأفريقي، وقروضاً من البنك الدولي، وهي قروض ممتدة لأكثر من 25 عاماً، بجانب قروض من مؤسسات أخرى ومن الاتحاد الأوروبي وكذلك من بعض الدول. ومن هنا، نجد أن ما يُضاف من قروض جديدة أكبر مما يُسدد، ولذلك نجد أن الدين يزيد رغم الالتزام بالسداد».

محافظ البنك المركزي المصري قدّم تطمينات للسيسي حول سداد الالتزامات قصيرة المدى من الديون (الرئاسة)

وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة في مايو (أيار) الماضي إلى أن التزامات مصر الخارجية تبلغ حتى نهاية العام الحالي نحو 38.65 مليار دولار، تتضمن نحو 12.7 مليار دولار ودائع لدى «البنك المركزي» لصالح دول الخليج.

اليورو أحد الأسباب

الخبير الاقتصادي محمد أنيس أشار إلى أن عملية الإصلاح الاقتصادي التي تعمل الحكومة المصرية على تنفيذها، سواء أكانت في شكل إجراءات تستهدف إعادة الهيكلة أو الاستمرار في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، تقابلها أعباء مالية تستلزم الحصول على قروض جديدة، خاصة أن معظم المشروعات القومية ليست لها عوائد مالية سريعة أو مباشرة لسداد القروض أو الأعباء المحملة عليها من فوائد.

وتقدر أعباء خدمة الدين في الموازنة العامة المصرية للعام المالي الحالي بنحو 5.27 تريليون جنيه (105.4 مليار دولار)، تشمل أقساط الديون وفوائدها.

وحدّد الخبير المصرفي طارق إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أسباب الارتفاع المستمر للدين الخارجي في عدة نقاط. منها «تحليل سلة العملات للديون الخارجية المصرية، ما يشير إلى أن اليورو ثاني أكبر عملة من حيث حجم الدين، بما يقارب 19 في المائة من حجم الدين الخارجي».

وتابع قائلاً: «وفق أداء العملات عام 2025، فإن الدولار انخفض عالمياً بما يوازي ارتفاع اليورو أمام الدولار بنحو 14 في المائة تقريباً، والدين الخارجي المصري مقوِّم بالدولار الأميركي. وعليه، فكل مليار يورو تم اقتراضه أثَّر بالزيادة على حجم الدين بنحو 140 مليون دولار بنهاية العام. الأمر نفسه تكرر مع عملات أخرى، ولكن بنسب أقل لانخفاض حجم تمثيلها في محفظة الدين الخارجي المصري، مثل العملات الآسيوية».

ومن ضمن الأسباب أيضاً، بحسب إسماعيل، أن «فكرة تدوير الديون عند استحقاق آجالها قائمة بقوة؛ فمثلاً عند استحقاق سداد سندات خارجية عادة تقوم مصر بطرح سندات جديدة لسداد المستحقة، نتيجة لأن هناك فجوة ضخمة بين إيرادات الدولة ومصروفاتها، ما يضطر الدولة لتمويل عجز الموازنة عن طريق الاقتراض، وأيضاً زيادة اقتراض القطاع الخاص للاستفادة من التمويلات الإنمائية الميسرة التي توفر مكوناً دولارياً بشروط أقل صرامة من البنك المركزي».

جانب من جلسة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

وكان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قد قدم تطمينات رسمية بشأن سداد الالتزامات قصيرة المدى خلال اجتماعه، الشهر الماضي، مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيراً إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، التي بلغت نحو 53 مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي، تعادل نحو 158 في المائة من الديون الخارجية قصيرة الأجل.

وتحدث نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، الشهر الماضي، عن ملف الديون، ووصف وضع الدَّين العام بأنه «مأساوي»، مؤكداً أن «خدمة الدين تلتهم نحو 60 في المائة من إيرادات الدولة».

الحلول المقترحة

يحدد عبد المطلب سبل الحلّ في «التوقف نهائياً عن الحصول على قروض جديدة أياً كان مصدرها، والعمل على زيادة موارد النقد الأجنبي حتى يمكن تقليل رصيد الدين الخارجي، وترويج فرص الاستثمار في مصر، بما يسمح بزيادة فرص تحويل جزء من القروض إلى استثمارات».

بينما يكمن الحلّ، بحسب أنيس، «في تحديد الحكومة سقفاً للدين يجب ألا تتخطاه، وليكن 168 مليار دولار، وهو أعلى رقم وصل إليه الدين الخارجي لمصر، وأيضاً إعادة ترتيب الأولويات بالنسبة للمشروعات التي يتم تنفيذها بحيث تعاد جدولة تنفيذها مرة أخرى، وإطالة أمد التنفيذ بما لا يضطر البلاد لاستمرار الاقتراض في الوقت الذي تسدد فيه الديون القديمة».

وفي ظل الاتهامات المستمرة له بأنه أكثر أعضاء الحكومة حصولاً على القروض، ردّ وزير النقل كامل الوزير، خلال جلسة لمجلس النواب، الثلاثاء، على اعتراضات بعض أعضاء المجلس على التوسع في الاقتراض لصالح وزارته، قائلاً: «لا نقترض لنستهلك، بل نقترض لننمو. نحن لا ننظر لتكاليف اليوم فقط، وإنما للعائد في المستقبل»، مؤكداً أنه يسدد قروض وزارته، ويحقق فائضاً بالدولار لخزينة الدولة.