السودان يطالب بتصنيف «الدعم السريع» منظمة إرهابية ويتهم العالم بالتواطؤ

تواصل الردود الغاضبة على المجازر... ومنظمة الصحة تعد أكثر من 460 قتيلاً في مستشفى سعودي بالفاشر

TT

السودان يطالب بتصنيف «الدعم السريع» منظمة إرهابية ويتهم العالم بالتواطؤ

نازحون فروا من الفاشر بعد سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» إلى بلدة طويلة القريبة 28 أكتوبر (أ.ف.ب)
نازحون فروا من الفاشر بعد سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» إلى بلدة طويلة القريبة 28 أكتوبر (أ.ف.ب)

طالبت الحكومة السودانية المجتمع الدولي باتخاذ تدابير عاجلة لردع «قوات الدعم السريع»، وتصنيفها منظمة إرهابية، على خلفية ما وصفته بالانتهاكات الجسيمة والمجازر التي ارتكبتها في مدينتي الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، وبارا بولاية شمال كردفان، بعد أن استعادت السيطرة عليهما إثر معارك طويلة مع الجيش والقوات المتحالفة معه، بيد أن «قوات الدعم السريع» تبرأت من الاتهامات واعتبرتها دعاية مضللة نفذها الجيش والقوات الحليفة معه لتشويه سمعتها. في وقت أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 460 قتيلاً في مستشفى سعودي في الفاشر.

نازحون فروا من الفاشر بعد سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» إلى بلدة طويلة القريبة 28 أكتوبر (أ.ف.ب)

ووصف وكيل وزارة الخارجية السودانية، حسين الأمين، في مؤتمر صحافي بالعاصمة المؤقتة بورتسودان، الخميس، ما جرى في الفاشر بأنه «نموذج واضح للإفلات من العقاب»، ودعا المجتمع الدولي لردع الدول الداعمة لـ«قوات الدعم السريع» التي - بحسب قوله - «تغذي الفوضى وتمكن الميليشيا من ارتكاب مزيد من الجرائم». وأضاف: «نؤكد رغبتنا الصادقة في تحقيق السلام في جميع أنحاء البلاد، بما يلبي تطلعات الشعب السوداني، غير أن استمرار المجتمع الدولي في الصمت شجع هذه الميليشيا على مواصلة القتل والتدمير».

واتهمت الحكومة السودانية «قوات الدعم السريع» بارتكاب جرائم قتل على أساس عنصري، وترويع ممنهج للمدنيين العزل في كل من مدينتي الفاشر وبارا اللتين استعادت السيطرة عليهما أخيراً، وأشارت إلى ما أسمته «تجاهل تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (2736) لعام 2024»، واعتبرته تمكيناً لتلك القوات للتمادي في ارتكاب الانتهاكات.

وتوعدت وزارة الخارجية في المؤتمر الصحافي بألا تقف الحكومة مكتوفة الأيدي إزاء ما أطلقت عليه «جرائم الإبادة والتطهير العرقي»، وطالبت بفرض عقوبات صارمة للجهات الداعمة لـ«قوات الدعم السريع».

وزير الثقافة والإعلام المتحدث باسم الحكومة خالد الإعيسر خلال مؤتمر صحافي سابق (أ.ف.ب)

وفي ذات المؤتمر الصحافي، اتهم وزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر القوى السياسية المتحالفة مع «الدعم السريع» بأنها «شريكة في الجرائم المرتكبة في دارفور»، ودعا لمحاسبة الدول الداعمة لـ«الميليشيا»، بقوله: «ما ارتكبته هذه القوات من فظائع، خلال الأيام الأخيرة في الفاشر كفيل بتصنيفها تنظيماً إرهابياً بكل المقاييس».

وانتقد الإعيسر ما وصفه بـ«صمت المؤسسات الدولية وسياسة الكيل بمكيالين» في التعامل مع الأزمة السودانية، وأكد أن حكومته، ترفض تشكيل لجنة تحقيق دولية في الأحداث، متمسكة بإجراء تحقيق وطني، على أن تشارك فيه منظمات محلية مستقلة.

«الدعم» تنفي وتتهم الجيش

في المقابل، نفت «قوات الدعم السريع» تلك الاتهامات، وقالت إن قائد ثاني «قوات الدعم السريع» عبد الرحيم دقلو، اطمأن على أوضاع النازحين من الفاشر، وأن قواته شرعت في تقديم المساعدات الإنسانية لهم. ووصف مستشار قائد «الدعم السريع» «إبراهيم مخير» ما جرى في الفاشر بأنه «تحرير للمدينة من قبضة العنف والفوضى»، وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن قواته تلتزم التزاماً كاملاً بالقانون الدولي الإنساني، وتعمل على تأمين المدنيين، وفتح الممرات الآمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية، وتؤيد تشكيل لجنة تحقيق دولية لتقصي الحقائق.

الدكتور إبراهيم مخير عضو المكتب الاستشاري لقائد «قوات الدعم السريع» (الشرق الأوسط)

ورفض مخير اتهام قواته بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين الموجهة لقواته، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذه اتهامات باطلة ومضللة، تندرج في إطار حملة الدعاية الممنهجة التي يقودها أنصار النظام السابق وحلفاؤه من جماعة الإخوان المسلمين لتشوية (قوات الدعم السريع)». وأوضح مخير أن «قوات الدعم السريع» أطلقت سراح عشرات الأسرى من الجيش والحركات المسلحة، وقال إنها شرعت في عمليات نزع للألغام وتأمين الطرق والمقار الخدمية تمهيداً لعودة الحياة إلى طبيعتها في المدينة.

وأشار في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الجيش والقوات المتحالفة معه من حركات الكفاح المسلح، هم من «خرق اتفاق الحياد» الذي تم التوصل إليه سابقاً لإدارة الفاشر عبر قوات مشتركة من الجيش و«الدعم السريع» والحركات، وتابع: «ذلك الخرق أجبرنا على التدخل لحماية المدنيين، ومنع انزلاق المدينة نحو الفوضى».

صورة فضائية لأحد أحياء مدينة الفاشر 27 أكتوبر (أ.ب)

وبحسب تقديرات عسكرية موالية للجيش السوداني، خاض الطرفان نحو 268 معركة حول مدينة الفاشر خلال أكثر من 500 يوم من الحصار، انتهت بسيطرة «قوات الدعم السريع» على المدينة، وبذلك أصبحت ولايات دارفور الخمس ومعظم مناطق كردفان تحت سيطرتها.

وفي أول تعليق له بعد سقوط الفاشر، كان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، قد أكد في كلمة بثها التلفزيون الرسمي، يوم الاثنين، أن القيادة العسكرية في المدينة قررت الانسحاب «لتجنيب المدنيين الدمار»، وأكد أن الجيش «قادر على قلب الطاولة واستعادة كل شبر من أرض الوطن».

مجزرة بمستشفى الفاشر

وطالبت منظمة الصحة العالمية، الأربعاء، بوقف فوري لإطلاق النار في السودان، بعد معلومات تحدثت عن مقتل أكثر من 460 شخصاً في مستشفى في مدينة الفاشر. وقالت المنظمة عبر منصة «إكس»، إنها «مستاءة ومصدومة بشدة لمعلومات تحدثت عن مقتل أكثر من 460 مريضاً وأشخاص يرافقونهم في المستشفى السعودي للتوليد في الفاشر بالسودان، إثر الهجمات الأخيرة وخطف عاملين في مجال الصحة». وقال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إنه تلقى تقارير متعددة ومقلقة تفيد بأن «قوات الدعم السريع» ارتكبت فظائع تشمل عمليات إعدام بإجراءات موجزة، في مدينة الفاشر وبارا بولاية شمال كردفان التي استعادت السيطرة عليها الأيام الأخيرة.

وفي ردود الفعل العالمية والإقليمية، جددت منظمة التعاون الإسلامي، الأربعاء، مناشدتها إلى الفرقاء السودانيين بأهمية الحوار بهدف التوصل إلى هدنة لوقف دائم لإطلاق النار.

وأعربت المنظمة، التي تتخذ من جدة غرب السعودية مقراً لها، في بيان، عن بالغ قلقها إزاء التطورات الأخيرة في السودان، واستنكرت بشدة الانتهاكات الإنسانية الخطيرة التي ارتكبت خلال الهجمات التي شنتها «قوات الدعم السريع» على مدينة الفاشر.

ودعت المنظمة، التي تضم في عضويتها 57 دولة مسلمة، إلى الالتزام الصارم بالقانون الإنساني الدولي، وضمان حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين دون عوائق، وشددت على أهمية احترام أحكام إعلان جدة الموقع في 11 مايو (أيار) 2023.


مقالات ذات صلة

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا «الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

أعلنت «قوات الدعم السريع» في ولاية النيل الأزرق السيطرة على محلية الكرمك الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)

مقتل أكثر من 500 مدني بضربات بمسيّرات في السودان هذا العام

أعلنت الأمم المتحدة أنَّ أكثر من 500 مدني قُتلوا بضربات نُفِّذت بمسيّرات في السودان بين يناير (كانون الثاني) ومنتصف مارس (آذار)، قضى معظمهم في منطقة كردفان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.