برك دماء وجثث مكدسة... صور الأقمار الصناعية تكشف مجازر الفاشر

تظهر هذه الصورة الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية بواسطة «إيرباص دي إس» أجساماً على الأرض بالقرب مما يُحتمل أن تكون مركبات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في حي الدرجة الأولى في الفاشر (أ.ب)
تظهر هذه الصورة الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية بواسطة «إيرباص دي إس» أجساماً على الأرض بالقرب مما يُحتمل أن تكون مركبات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في حي الدرجة الأولى في الفاشر (أ.ب)
TT

برك دماء وجثث مكدسة... صور الأقمار الصناعية تكشف مجازر الفاشر

تظهر هذه الصورة الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية بواسطة «إيرباص دي إس» أجساماً على الأرض بالقرب مما يُحتمل أن تكون مركبات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في حي الدرجة الأولى في الفاشر (أ.ب)
تظهر هذه الصورة الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية بواسطة «إيرباص دي إس» أجساماً على الأرض بالقرب مما يُحتمل أن تكون مركبات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في حي الدرجة الأولى في الفاشر (أ.ب)

رصد تقرير لصحيفة «تلغراف» البريطانية، بعض الصور الملتقطة بالأقمار الاصطناعية بعد سقوط مدينة الفاشر السودانية عاصمة ولاية شمال دارفور (غرب السودان)، التي استولت عليها قوات الدعم السريع. بعد أكثر من عام ونصف العام من حصارها.

وظهرت الرمال الساخنة المحيطة بمدينة الفاشر السودانية ملطخة باللون الأحمر بدماء أكثر من ألفي مدني قُتلوا.

وتذكر الصحيفة أن برك الدماء كثيفة، وأكوام الجثث مكدسة، لدرجة أنها ترى من الفضاء بوضوح، وزعمت الميليشيات التي تدافع عن المدينة إلى جانب الجيش أن قوات الدعم السريع «ارتكبت جرائم شنيعة ضد المدنيين الأبرياء»، وقالت إن معظم القتلى من النساء والأطفال وكبار السن.

واتهمت دول إقليمية ودولية ومنظمات أممية، وتقارير محلية، «قوات الدعم السريع» بارتكاب مجازر مروعة أقرب إلى الإبادة الجماعية، في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور (غرب السودان)، التي استولت عليها بعد أكثر من عام ونصف العام من حصارها.

دماء وجثث ملقاة في شوارع مدينة الفاشر رصدتها الأقمار الاصطناعية (مختبر أبحاث الشؤون الإنسانية في كلية ييل الأميركية)

وحسب تقارير من الفاشر، فإن «قوات الدعم السريع» شنَّت حملة رعب في المدينة، وارتكبت فظائع لا توصف، من بينها «إعدام أكثر من 2000 مدني أعزل» منذ الأحد. كما وردت تقارير مقلقة عن انتهاكات متعددة مدعمة بصور من الأقمار الاصطناعية.

وتشير الصحيفة إلى أن أحد الفيديوهات يظهر فيها جندي طفل يقتل رجلاً بالغاً بدم بارد. ويُظهر آخر مقاتلين من قوات الدعم السريع يُعدمون مدنيين بعد لحظات من تظاهرهم بإطلاق سراحهم.

ولم يتسنَّ التأكد فوراً من إجمالي عدد القتلى، لكن صور الأقمار الاصطناعية التُقطت بعد سقوط المدينة خلال عطلة نهاية الأسبوع إثر حصار دام 18 شهراً أظهرت أدلة على عمليات قتل جماعي.

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر الجثث في حي الدراجة بالفاشر (مختبر أبحاث الشؤون الإنسانية في كلية ييل الأميركية)

وكشف تحليل أجراه مختبر أبحاث الشؤون الإنسانية في كلية ييل الأميركية للصحة العامة، والذي يتتبع الحصار باستخدام صور مفتوحة المصدر وصور الأقمار الاصطناعية، عن مجموعات من الأجسام «تتوافق مع حجم الجثث البشرية» و«تغيرات في لون الأرض مائلة إلى الحمرة» يُعتقد أنها إما دم أو تربة ملوثة، بحسب ما ذكرت صحيفة «تلغراف» البريطانية.

وُجدت أجسام بحجم الجثث متجمعة حول المركبات وعلى طول ساتر رملي أقامته قوات الدعم السريع حول المدينة. ووردت تقارير عن إطلاق النار على مدنيين أثناء محاولتهم الخروج والفرار.

قال مختبر أبحاث الشؤون الإنسانية في كلية ييل الأميركية للصحة العامة إنه وجد أيضاً أدلة على «عمليات تطهير من منزل إلى منزل».

النازحون السودانيون الذين فروا من الفاشر بعد سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» وصلوا إلى بلدة طويلة غرب دارفور (أ.ف.ب)

وخلص إلى أن «الفاشر»، على ما يبدو، تشهد عملية تطهير عرقي ممنهجة ومتعمدة ضد مجموعات عرقية سودانية.

ولجأ أكثر من ربع مليون شخص إلى المدينة تحت وطأة الجوع والقصف، بينما كان آخر معقل للجيش في منطقة دارفور الشاسعة.

ووفقاً للتقرير، أظهرت صور حلّلها المختبر «أجساماً بحجم جسم الإنسان» قرب مواقع الدعم السريع، وحولها «آثار حمراء» على الأرض يشتبه بأنها آثار دم.

ولوحظ أيضاً وجود جثث في أطراف المدينة، مما يعزز صحة المقاطع المصورة المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي منذ الأحد عن إعدامات جماعية للمدنيين أثناء فرارهم. وتظهر صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية حركة نزوح كثيفة للسكان باتجاه الجنوب.

وقال ناثانيال رايموند مدير المختبر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «مستوى العنف وعدد الحوادث في دارفور يتجاوز كل ما شاهدته حتى الآن». وأوضح أن امتلاك قوات الدعم السريع معدات جوية يجعل «من المستحيل على أي شخص الاختباء، فهم قادرون على رؤية كل شيء من الجو».

وقال مختبر البحوث الإنسانية: «ينبغي على العالم أن يتحرك فوراً لممارسة أقصى الضغوط على قوات الدعم السريع وداعميها لوقف القتل»، مشيراً إلى أن هذه الأحداث الموثّقة تشكّل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

وشكَّلت الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في الأشهر الماضية النقطة الساخنة في الصراع المستمر بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023. وقالت القوة المشتركة في بيان إن «(قوات الدعم السريع) ارتكبت جرائم فظيعة بحق مدنيين أبرياء في مدينة الفاشر، حيث أُعدم وقتل أكثر من ألفي مواطن أعزل يومي 26 و27 أكتوبر (تشرين الأول)، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن».


مقالات ذات صلة

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز). p-circle

عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

استدعت وزارة خارجية جنوب السودان سفير السودان لدى جوبا احتجاجاً على هجوم بطائرات مسيَّرة استهدف سوقاً بمنطقة أبيي المتنازعة بين البلدين ومقتل العشرات.

أحمد يونس (كمبالا)
العالم العربي نقل جريح أصيب في هجوم بطائرة مسيرة على منطقة أبيي المتنازع عليها على الحدود بين السودان وجنوب السودان (رويترز)

هجوم بمسيّرات يقتل العشرات في منطقة حدودية بين السودان وجنوب السودان

قال وزير الإعلام المكلف في منطقة أبيي على الحدود بين السودان وجنوب السودان، يوحنا أكول نجور، إن ​ما لا يقل عن 73 شخصاً لقوا حتفهم إثر استهداف طائرات مسيرة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة) p-circle

المسيّرات توسّع رقعة المواجهات في السودان

تتزايد التقارير عن استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف مواقع داخل مناطق سيطرة طرفي الحرب في السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

القضاء التونسي يدين ناشطين بيئيين

واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
TT

القضاء التونسي يدين ناشطين بيئيين

واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين

قضت محكمة تونسية، الأربعاء، بأحكام بالسجن تتراوح بين سنة واحدة نافذة وستة أشهر مع وقف التنفيذ بحق عشرة ناشطين بيئيين، شاركوا في اعتصام نُظم عام 2020 بالقرب من مجمع صناعي مثير للجدل في محافظة قابس بجنوب البلاد.

وأوضحت المحامية حميدة الشايب وخير الدين دبيّة، المسؤول في حراك «أوقفوا التلوث» وأحد المتهمين المحكوم عليهم بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن المحكمة الابتدائية في قابس أكدت ثبوت الضرر، الذي لحق بالمجمع الكيميائي التونسي في هذه القضية.

وكان المجمع الكيميائي بقابس (حكومي) قد تقدم بشكوى ضد عدد من الناشطين، بتهمة «عرقلة حرية العمل» خلال اعتصام نُظم في ديسمبر (كانون الأول) 2020 بالقرب من المجمع، وفقاً لما أفادت به حميدة الشايب. وأُوقف الناشطون حينها ثم أُفرج عنهم.

وقال خير الدين دبيّة: «قيل لنا إن القضية ستُحفظ». غير أنه تبين للناشطين في مارس (آذار) الماضي أنهم أُدينوا غيابياً منذ عام 2023 بالسجن لمدة سنة واحدة.

وأكدت المحكمة الابتدائية في قابس، الأربعاء، الحكم بالسجن النافذ لمدة عام بحق متهمين اثنين، مع خفض العقوبة بالنسبة للثمانية الآخرين إلى ستة أشهر مع وقف التنفيذ.

وندّدت جمعية «تقاطع من أجل الحقوق والحريات»، في بيان، الأربعاء، بهذه الأحكام، منتقدة «اللجوء إلى المقاربات الزجرية في التعاطي مع المطالب الاجتماعية والبيئية، لما يمثّله ذلك من خطر على حرية الاحتجاج السلمي والمشاركة المدنية».

وأُنشئ المجمع الكيميائي التونسي، وهو مؤسسة عامة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للاقتصاد الوطني، سنة 1972 على الساحل البحري لقابس. ويُتّهم هذا المجمع بانتظام من قبل المدافعين عن البيئة بالمساهمة في تلويث كبير للمنطقة، نظراً لتخصصه في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.

وفي أواخر فبراير (شباط) الماضي، رفض القضاء طلب الوقف المؤقت لإنتاجه. وتم رفع الدعوى على خلفية العديد من حالات التسمم، التي سجلت العام الماضي في محيط هذا المجمع.

وفي 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، تظاهر آلاف السكان للمطالبة بإغلاق هذا المصنع، كما شلّ إضراب عام هذه المدينة التي يقطنها نحو 400 ألف نسمة.


السيسي: الجهد العسكري مع السعودية دفاعي ولا يشمل هجوماً على اليمن

الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: الجهد العسكري مع السعودية دفاعي ولا يشمل هجوماً على اليمن

الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

أكّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «الجهد العسكري المصري هو للدفاع عن أراضي المملكة العربية السعودية، ولا يشمل هجوماً على اليمن». وقال، مساء الأربعاء، إن «المقصود هو الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها، وأراضي أي دولة عربية أخرى إذا طلب من مصر ذلك». وأشار إلى أن «الجهد العسكري المصري لا يمتد إلى خارج حدود مصر أو أي دولة شقيقة تكون مصر حريصة على أمنها واستقرارها».

كما لفت السيسي إلى أن «وقوف مصر مع دول الخليج يأتي امتداداً للأمن القومي العربي المشترك». وقال إن «الأمن القومي العربي لا يتجزأ»، وشدّد على أن «استقرار أشقائنا في الخليج أمر يخص مصر من منظور الأمن القومي، وعلى ضرورة استعادة الاستقرار في كل الدول العربية، بما في ذلك في السودان وليبيا والصومال».

ومن المقرر أن ينعقد مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين المقبل، بشأن تفويض الرئيس السيسي لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم السعودية.

وشارك الرئيس السيسي، الأربعاء، في جلسة «أمن الوطن والمواطن» ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء.

الرئيس المصري يشدد على ضرورة استعادة الاستقرار في كل الدول العربية (الرئاسة المصرية)

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي، فقد تحدث وزير الداخلية محمود توفيق عن الجهود المبذولة لتطوير منظومة الأمن، والتصدي للجريمة الجنائية، مشيراً إلى أن «الداخلية وضعت خطة متكاملة في إطار جهودها لإعادة صياغة العمل الأمني، خاصة مع تطور أساليب ارتكاب الجرائم، ارتكزت على محاور، من بينها تكوين كوادر في مجال الجريمة الإلكترونية والملكية الفكرية، والرصد المبكر لحركة التنظيمات الإرهابية، وتنمية وعي المواطن، كونه حائط الصد أمام مساعي النيل من استقرار الوطن، وتحديث السياسة العقابية بالنسبة للمحكوم عليهم».

وبدوره، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن «مصر محاطة بدول تشهد أزمات وصراعات، وهي أوضاع تتعلق بالأمن القومي المصري»، لافتاً إلى أن «بلاده لديها علاقات وشراكات استراتيجية مع مختلف القوى العالمية، وتدير تلك العلاقات والشراكات بحكمة وفقاً لعقيدة (الاتزان الاستراتيجي) التي أرساها الرئيس السيسي».

وحول ما يتعلق بأمن منطقة البحر الأحمر، أشار عبد العاطي إلى أن «مصر تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار في تلك المنطقة، بالتعاون مع الدول المتشاطئة، من خلال التعاون وإقامة الشراكات مع تلك الدول في المجالات المختلفة لوجستياً واقتصادياً وفي مجال التنمية السياحية».

كما أكد أن «الأمن المائي قضية وجودية، ولا يمكن رهن حياة 110 ملايين مصري بإرادة أحادية لأي طرف»، مشدداً على أن «مصر تطلب تطبيق قواعد القانون الدولي فقط»، مشيراً إلى أن «هناك قواعد تحكم السياسة المصرية تجاه دول القرن الأفريقي، وأولاها عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول والتأكيد على وحدة الدول واستقلاليتها والرفض الكامل لانفصال وتقسيم وتفكيك الدول في القرن الأفريقي، ومسألة النفاذ البحري بالتنسيق والاتفاق مع الدول المجاورة».

الرئيس السيسي أكد أن وقوف مصر مع دول الخليج يأتي امتداداً للأمن القومي العربي المشترك (الرئاسة المصرية)

وأوضح عبد العاطي أن «مصر لن تسمح بتقسيم السودان، ولا السماح بسقوط مؤسسات الدولة السودانية، والجهد المصري متواصل مع الأطراف الإقليميّة الأخرى لإيجاد حل سياسي في السودان».

وعقب الرئيس السيسي خلال الجلسة، مساء الأربعاء، مؤكداً «ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة، لأن عدم الحفاظ على مؤسسات الدول هو الذي يؤدي إلى سقوطها، وسقوط الدول يتسبب في مشكلات كبيرة جداً»، منوهاً بأن «الواقع الموجود بالمنطقة يشير إلى ذلك».

وتحدث السيسي عن ثوابت السياسة الخارجية المصرية منذ عام 2014، وقال إنها «تقوم على مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم التآمر، والحفاظ على وحدة الدولة الوطنية ومؤسساتها، وعدم التعامل مع الميليشيات المسلحة، والتعاون من أجل البناء والتنمية والتعمير، والانخراط الإيجابي في علاقات متوازنة مع الجميع».


الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تتمسك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بضرورة تحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي، قبل حسم ملف الدستور الدائم، في وقت تتجدد فيه مطالب ليبيين بطرح مشروع الدستور المنجز عام 2017 للاستفتاء الشعبي، باعتباره مخرجاً من دوامة المراحل الانتقالية، التي تعاقبت على البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.

وبدا التباين واضحاً خلال لقاء عقدته نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، مع أكاديميين وأعيان وشيوخ قبائل في جامعة غريان (غرب)، حيث انصب حديث المشاركين على ضرورة الاحتكام إلى الشعب بشأن المسودة الدستورية، وفق بيان للبعثة الأممية، مساء أمس الثلاثاء.

في المقابل، ركزت المقاربة الأممية على الخيارات التي طرحتها اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، وما خلصا إليه من توصيات تربط استكمال الاستحقاق الدستوري بتهيئة ظروف سياسية أكثر استقراراً.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

ولا تزال ليبيا تُدار بموجب الإعلان الدستوري، الصادر عقب إسقاط النظام السابق، فيما بقي مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة التأسيسية المنتخبة في يوليو (تموز) 2017 معلقاً، من دون عرضه على استفتاء عام، وهو ما أبقى الخلاف بشأن الأساس الدستوري الدائم للدولة مفتوحاً طوال سنوات الانقسام السياسي.

وخلال لقاء غريان، عبّر المشاركون عن إحباطهم من استمرار الأزمة، وتكرار المراحل الانتقالية، معتبرين أن بقاء المؤسسات السياسية في مواقعها، وسط الخلاف على شرعيتها، يطيل أمد الأزمة ويؤجل الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.

ورأى أحد الأكاديميين المشاركين أن تكرار تجربة الحكومات الانتقالية يقود إلى إعادة إنتاج المحاولات الفاشلة، في ظل استمرار الهيئات السياسية في تمديد ولاياتها، من دون إتاحة الفرصة أمام المواطنين لتحديد مستقبل النظام السياسي. واعتبر أن الاستفتاء على الدستور «يمثل مدخلاً ضرورياً لتمكين الليبيين من التعبير عن إرادتهم بشأن شكل الدولة ونظام الحكم».

واستحضر أحد الأعيان المحليين مؤتمر غريان لعام 1920، بوصفه محطة في تاريخ الحركة الوطنية الليبية، مشدداً على أن بناء الدولة لا يمكن أن يكتمل من دون دستور دائم يحظى بقبول الشعب. واختصر مشارك آخر مطلب الحاضرين في عبارة «دولة دستور يعني دولة قانون»، في إشارة إلى ارتباط إنهاء المرحلة الانتقالية بإقامة إطار قانوني مستقر، ينظم السلطات والعلاقة بينها.

أعضاء بالهيئة الدستورية لصياغة الدستور الليبي خلال مؤتمر صحافي عام 2014 (الصفحة الرسمية للهيئة)

في المقابل، نقلت خوري إدراك البعثة بأهمية التوصل إلى دستور دائم، موضحة أنها دعمت وستواصل دعم الجهود الليبية لتحقيق هذا الهدف، مع التشديد على أن تقرير مستقبل البلاد الدستوري يظل قراراً سيادياً لليبيين. لكن مقاربة البعثة تستند إلى ما خلصت إليه مساراتها السياسية (اللجنة الاستشارية الليبية والحوار المهيكل) من ضرورة معالجة التحديات القائمة، وتهيئة ظروف أكثر استقراراً قبل حسم الخيارات الدستورية.

وكانت اللجنة الاستشارية، التي شكلتها البعثة، قد خلصت في مايو (أيار) 2025 إلى أربعة خيارات دستورية وانتخابية، شملت إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، أو انتخاب البرلمان أولاً، ثم اعتماد دستور دائم، أو إقرار الدستور قبل الانتخابات، أو تشكيل لجنة حوار سياسي تتولى استكمال القوانين الانتخابية، وتحديد السلطة التنفيذية ومسار الدستور.

أما الحوار المُهيكل، الذي اختتم أعماله في يونيو (حزيران) الماضي، فقد أوصى مسار الحوكمة فيه بوضع إطار دستوري انتقالي توافقي وملزم، مع تأجيل حسم الدستور الدائم إلى حين استقرار الأوضاع السياسية. وتضمنت التوصيات مراجعة خبراء وطنيين لمسودات الدستور السابقة، وإحالة نتائج المراجعة إلى مجلس الشيوخ بعد انتخابه.

وفي ظل استمرار هذا التباين، يرى نوح عبد السيد، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي، أن المشكلة لا تكمن في غياب مشروع دستوري جاهز، بل في عدم اتخاذ خطوات عملية لعرضه على المواطنين، رغم إنجازه من هيئة منتخبة.

واستغرب عبد السيد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، عدم تحرك الأمم المتحدة والدول المنخرطة في الأزمة الليبية لدفع الاستفتاء على مشروع 2017، معتبراً أن تجاهله يثير تساؤلات بشأن جدية المواقف الدولية إزاء إنهاء الخلاف الدستوري. وشدد على أن الإشادة بأهمية الدستور لا تكفي ما لم تقترن بإجراءات تتيح لليبيين إبداء رأيهم فيه.

وتساءل عبد السيد عما إذا كانت التصريحات الأممية بشأن دعم الدستور تستهدف احتواء المطالب المحلية، أم تعكس توجهاً عملياً نحو إنهاء حالة الجمود، مشيراً إلى أن الاختبار الحقيقي للمواقف الدولية يتمثل في مدى استعدادها لدعم الاستفتاء على مشروع أنجزته هيئة تأسيسية منتخبة.

وانتهى عضو الهيئة التأسيسية إلى الربط بين استمرار التعثر الدستوري وحسابات القوى الخارجية، معتبراً أن بعض الدول قد تفضل التعامل مع سلطة مركزية مستقرة، حتى وإن اتسمت بطابع سلطوي، على دعم نظام ديمقراطي يتيح تداول السلطة، وتغيير الحكومات عبر الانتخابات.