برك دماء وجثث مكدسة... صور الأقمار الصناعية تكشف مجازر الفاشر

تظهر هذه الصورة الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية بواسطة «إيرباص دي إس» أجساماً على الأرض بالقرب مما يُحتمل أن تكون مركبات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في حي الدرجة الأولى في الفاشر (أ.ب)
تظهر هذه الصورة الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية بواسطة «إيرباص دي إس» أجساماً على الأرض بالقرب مما يُحتمل أن تكون مركبات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في حي الدرجة الأولى في الفاشر (أ.ب)
TT

برك دماء وجثث مكدسة... صور الأقمار الصناعية تكشف مجازر الفاشر

تظهر هذه الصورة الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية بواسطة «إيرباص دي إس» أجساماً على الأرض بالقرب مما يُحتمل أن تكون مركبات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في حي الدرجة الأولى في الفاشر (أ.ب)
تظهر هذه الصورة الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية بواسطة «إيرباص دي إس» أجساماً على الأرض بالقرب مما يُحتمل أن تكون مركبات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في حي الدرجة الأولى في الفاشر (أ.ب)

رصد تقرير لصحيفة «تلغراف» البريطانية، بعض الصور الملتقطة بالأقمار الاصطناعية بعد سقوط مدينة الفاشر السودانية عاصمة ولاية شمال دارفور (غرب السودان)، التي استولت عليها قوات الدعم السريع. بعد أكثر من عام ونصف العام من حصارها.

وظهرت الرمال الساخنة المحيطة بمدينة الفاشر السودانية ملطخة باللون الأحمر بدماء أكثر من ألفي مدني قُتلوا.

وتذكر الصحيفة أن برك الدماء كثيفة، وأكوام الجثث مكدسة، لدرجة أنها ترى من الفضاء بوضوح، وزعمت الميليشيات التي تدافع عن المدينة إلى جانب الجيش أن قوات الدعم السريع «ارتكبت جرائم شنيعة ضد المدنيين الأبرياء»، وقالت إن معظم القتلى من النساء والأطفال وكبار السن.

واتهمت دول إقليمية ودولية ومنظمات أممية، وتقارير محلية، «قوات الدعم السريع» بارتكاب مجازر مروعة أقرب إلى الإبادة الجماعية، في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور (غرب السودان)، التي استولت عليها بعد أكثر من عام ونصف العام من حصارها.

دماء وجثث ملقاة في شوارع مدينة الفاشر رصدتها الأقمار الاصطناعية (مختبر أبحاث الشؤون الإنسانية في كلية ييل الأميركية)

وحسب تقارير من الفاشر، فإن «قوات الدعم السريع» شنَّت حملة رعب في المدينة، وارتكبت فظائع لا توصف، من بينها «إعدام أكثر من 2000 مدني أعزل» منذ الأحد. كما وردت تقارير مقلقة عن انتهاكات متعددة مدعمة بصور من الأقمار الاصطناعية.

وتشير الصحيفة إلى أن أحد الفيديوهات يظهر فيها جندي طفل يقتل رجلاً بالغاً بدم بارد. ويُظهر آخر مقاتلين من قوات الدعم السريع يُعدمون مدنيين بعد لحظات من تظاهرهم بإطلاق سراحهم.

ولم يتسنَّ التأكد فوراً من إجمالي عدد القتلى، لكن صور الأقمار الاصطناعية التُقطت بعد سقوط المدينة خلال عطلة نهاية الأسبوع إثر حصار دام 18 شهراً أظهرت أدلة على عمليات قتل جماعي.

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر الجثث في حي الدراجة بالفاشر (مختبر أبحاث الشؤون الإنسانية في كلية ييل الأميركية)

وكشف تحليل أجراه مختبر أبحاث الشؤون الإنسانية في كلية ييل الأميركية للصحة العامة، والذي يتتبع الحصار باستخدام صور مفتوحة المصدر وصور الأقمار الاصطناعية، عن مجموعات من الأجسام «تتوافق مع حجم الجثث البشرية» و«تغيرات في لون الأرض مائلة إلى الحمرة» يُعتقد أنها إما دم أو تربة ملوثة، بحسب ما ذكرت صحيفة «تلغراف» البريطانية.

وُجدت أجسام بحجم الجثث متجمعة حول المركبات وعلى طول ساتر رملي أقامته قوات الدعم السريع حول المدينة. ووردت تقارير عن إطلاق النار على مدنيين أثناء محاولتهم الخروج والفرار.

قال مختبر أبحاث الشؤون الإنسانية في كلية ييل الأميركية للصحة العامة إنه وجد أيضاً أدلة على «عمليات تطهير من منزل إلى منزل».

النازحون السودانيون الذين فروا من الفاشر بعد سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» وصلوا إلى بلدة طويلة غرب دارفور (أ.ف.ب)

وخلص إلى أن «الفاشر»، على ما يبدو، تشهد عملية تطهير عرقي ممنهجة ومتعمدة ضد مجموعات عرقية سودانية.

ولجأ أكثر من ربع مليون شخص إلى المدينة تحت وطأة الجوع والقصف، بينما كان آخر معقل للجيش في منطقة دارفور الشاسعة.

ووفقاً للتقرير، أظهرت صور حلّلها المختبر «أجساماً بحجم جسم الإنسان» قرب مواقع الدعم السريع، وحولها «آثار حمراء» على الأرض يشتبه بأنها آثار دم.

ولوحظ أيضاً وجود جثث في أطراف المدينة، مما يعزز صحة المقاطع المصورة المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي منذ الأحد عن إعدامات جماعية للمدنيين أثناء فرارهم. وتظهر صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية حركة نزوح كثيفة للسكان باتجاه الجنوب.

وقال ناثانيال رايموند مدير المختبر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «مستوى العنف وعدد الحوادث في دارفور يتجاوز كل ما شاهدته حتى الآن». وأوضح أن امتلاك قوات الدعم السريع معدات جوية يجعل «من المستحيل على أي شخص الاختباء، فهم قادرون على رؤية كل شيء من الجو».

وقال مختبر البحوث الإنسانية: «ينبغي على العالم أن يتحرك فوراً لممارسة أقصى الضغوط على قوات الدعم السريع وداعميها لوقف القتل»، مشيراً إلى أن هذه الأحداث الموثّقة تشكّل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

وشكَّلت الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في الأشهر الماضية النقطة الساخنة في الصراع المستمر بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023. وقالت القوة المشتركة في بيان إن «(قوات الدعم السريع) ارتكبت جرائم فظيعة بحق مدنيين أبرياء في مدينة الفاشر، حيث أُعدم وقتل أكثر من ألفي مواطن أعزل يومي 26 و27 أكتوبر (تشرين الأول)، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن».


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة تحضّر لمؤتمر دولي لدعم السودان في فبراير

شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الولايات المتحدة تحضّر لمؤتمر دولي لدعم السودان في فبراير

علمت «الشرق الأوسط» من مصادر أميركية أن الولايات المتحدة تُجري تحضيرات لعقد مؤتمر إنساني بشأن السودان في واشنطن، مطلع الشهر المقبل.

رنا أبتر (واشنطن) أحمد يونس
شمال افريقيا شاحنة محمّلة بممتلكات شخصية لعائلات نازحة تنتظر مغادرة نقطة حدودية في مقاطعة الرنك بجنوب السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: 3 ملايين نازح سوداني جراء الحرب عادوا إلى ديارهم

أفادت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، الاثنين، بعودة أكثر من 3 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم على الرغم من تواصل القتال العنيف.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون في القاهرة قبل مغادرتهم إلى أسوان ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (مجلس الوزراء المصري)

الباخرة «سيناء» تُمهد لمضاعفة أعداد السودانيين العائدين من مصر

أكد مسؤولون سودانيون أن العودة الطوعية من مصر ستستأنف رحلاتها قريباً لإعادة آلاف السودانيين الراغبين في العودة، والتي ستشهد نقلة نوعية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا سودانيون أصيبوا جرّاء هجوم بطائرة مسيّرة في منطقة الأُبيّض بشمال كردفان يوم 12 يناير 2026 (رويترز)

الجيش السوداني يستعيد بلدة استراتيجية في كردفان

جنود من الجيش السوداني يبثون مقاطع فيديو يعلنون فيها استيلاءهم على منطقة هبيلا في جنوب كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وصول سفينة تحمل 2428 طناً من المساعدات إلى السودان (رويترز)

قطر وتركيا ترسلان سفينة مساعدات تحمل زهاء 2400 طن لإغاثة السودان

وصلت إلى السودان سفينة مساعدات إنسانية تحمل 2428 طناً من المساعدات المقدمة من قطر وتركيا.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

مؤشرات متراجعة للجرائم بمصر... يُجحفها رواج «سوشيالي» لأعنفها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجتمعاً بعدد من القيادات الأمنية قبل احتفالات عيد الشرطة الـ74 (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجتمعاً بعدد من القيادات الأمنية قبل احتفالات عيد الشرطة الـ74 (الرئاسة)
TT

مؤشرات متراجعة للجرائم بمصر... يُجحفها رواج «سوشيالي» لأعنفها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجتمعاً بعدد من القيادات الأمنية قبل احتفالات عيد الشرطة الـ74 (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجتمعاً بعدد من القيادات الأمنية قبل احتفالات عيد الشرطة الـ74 (الرئاسة)

يستنكر الثمانيني محمد منعم «مستوى العنف» الذي تسلل إلى بعض فئات المجتمع المصري، ويقول معلّقاً على مقطع فيديو رائج على «فيسبوك» بعنوان «سفاح كرموز يتجول في الشارع بعد قتله أبنائه الأربعة»، إنه لم يرَ على مدى سنوات عمره «مثل تلك الأعمال الوحشية».

ويتكرر مثل هذا الحديث على الألسن، في وقت تُظهر تصريحات رسمية ومؤشرات دولية «تراجعاً لافتاً» بمعدلات الجريمة في مصر.

أما واقعة «كرموز» التي كان منعم يُعلّق عليها، فتعود إلى جريمة حدثت الأسبوع الماضي بمحافظة الإسكندرية عندما أقدم أب على شنق أبنائه الأربعة وألقى بجثثهم في منطقة الملَّاحات، مُرجعاً دوافع الجريمة إلى «التخلص من عبء الإنفاق عليهم»، حسب التحقيقات التي نشرتها وسائل إعلام محلية.

وفي حين تُخلّف مثل هذه الحوادث شعوراً لدى المواطنين بزيادة معدلات الجريمة، فإنها تتناقض مع مؤشرات رسمية تتحدث عن تراجع معدلها في مصر بنسبة 14.4 في المائة خلال عام 2025، وفق ما ذكره وزير الداخلية محمود توفيق، خلال احتفالية «عيد الشرطة» السبت الماضي.

أسباب التناقض

أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، يُرجع أسباب ما يبدو من تناقض إلى إشكالية شائعة في كثير من الدول تُعرف في علم الاجتماع والجريمة بـ«الفجوة بين الإحصاءات الرسمية وإدراك الجمهور».

ويقول: «رغم تراجع مستوى الجريمة وفق مؤشرات وإشادات دولية، يشعر كثير من المواطنين، خصوصاً في المدن الكبرى بأن العنف والجرائم في ازدياد؛ سواء جرائم الطعن، أو السرقات، أو العنف الأسري، أو التحرش، بسبب مواقع التواصل الاجتماعي في المقام الأول».

صورة لمتهمين في جرائم عنف وتسول ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض عليهم (وزارة الداخلية)

وفسر صادق في حديثه لـ«الشرق الأوسط» دور وسائل التواصل في تضخيم الشعور بالجريمة والعنف، قائلاً: «قبل 10 أو 15 عاماً، كان معظم الناس لا يعرفون إلا الجرائم التي تقع في نطاق منطقتهم؛ أما الآن فأصبحوا يعلمون بأي جريمة في أي محافظة؛ حتى لو ظهر مقطع فيديو قديم فإنه قد ينتشر ويحصل على ملايين المشاهدات في ساعات، بفعل الخوارزميات التي تُفضّل المحتوى الصادم (الجريمة، الدم، الصرخات، الظلم) لجني مزيد من التفاعل».

وهذا في رأيه يخلق «وهم الانتشار والشيوع، الذي يجعلنا نشعر بأن ما نراه شائعاً بدرجة أكبر من الواقع»؛ لافتاً إلى أن مثل هذه المقاطع المصورة تصحبها عادةً «تعليقات مبالغاً بها، مثل أن الأمان انتهى أو نسبة الجريمة زادت 1000 في المائة؛ مما يغذّي الشعور الجمعي بالخوف».

وتتفق معه أستاذة علم الاجتماع هالة منصور، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «في السابق كان التعرض للجرائم محدوداً، من خلال صفحات الحوادث أو برامج تلفزيونية قليلة. أما الآن مع وجود السوشيال ميديا، أصبح تداول الجرائم المرتكبة كبيراً ومستمراً».

العدد وليس النوعية

وخلال استعراضه تراجع معدلات الجريمة في احتفالية «عيد الشرطة»، ركَّز وزير الداخلية على جهود مواجهة الجرائم المنظمة مثل المخدرات والهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر والمخططات الإرهابية، دون الإشارة إلى الجرائم التي تثير ذعراً مجتمعياً مع تكرارها، كالقتل، والعنف الأسري، والتحرش أو هتك عرض أطفال في مدارس.

ويعلق أستاذ علم النفس جمال فرويز، قائلاً إن وزارة الداخلية حين تتحدث عن تراجع معدلات الجريمة «فهي تستند إلى بيانات البلاغات والجرائم التي عملت عليها، وليس نوعيتها. لذا قد تتراجع أرقام ارتكاب الجرائم، لكن مع تحقيقها درجة بشاعة غير متوقعة، مثل أب يقتل أبناءه، وغيرها من الجرائم التي لم تكن منتشرة بهذا الشكل».

وفي إحدى الجرائم التي هزت الرأي العام في مصر، تلك التي قتل فيها طفل 13 عاماً زميله في المدرسة، بطريقة وحشية مستخدماً منشاراً كهربائياً، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ويخضع الآن الأب مع الابن للمحاكمة، بعدما أثبتت التحقيقات اشتراك الوالد في محاولة إخفاء الجريمة التي تضمنت وقائعها احتفاظ المتهم بجزء من جثمان المجني عليه وطهوِه.

ويقول صادق: «تغيُّر أنواع الجرائم يفاقم الشعور بها حتى لو تراجع عددها الكلي»، مثل جرائم الطعن والذبح في الشوارع، متذكراً قضية نيرة أشرف التي قتلها زميلها بسكين أمام الحرم الجامعي عام 2022.

المصرية نيرة أشرف ضحية جريمة قتل بسكين زميلها (فيسبوك)

وأضاف: «الأزمات الاقتصادية والضغوط النفسية وغلاء المعيشة والبطالة والتوتر العام؛ كلها أسباب تجعل الجمهور أكثر حساسية لأي حادثة، ويميل إلى تفسيرها على أنها ظاهرة عامة ونتيجة للأزمة الاقتصادية». ولفت أيضاً إلى انخفاض ثقة بعض المواطنين في الإحصاءات الرسمية والتشكيك بها، سواء لأسباب سياسية أو لتوقعهم أن هناك جرائم لا يجري الإبلاغ عنها أو تسجيلها.

بيانات مشجعة وإشادات

وسبق وأشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالأمان في مصر، قائلاً عقب مشاركته في قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «مصر لديها معدل جريمة منخفض، على عكس أميركا... لدينا معدل جرائم مرتفع».

وبالتزامن مع «عيد الشرطة»، نشر مركز معلومات مجلس الوزراء مقطعاً مصوراً يحتفي فيه بتراجع مستويات الجريمة في مصر، إذ بلغت المركز 50 على مؤشر جرائم القتل لكل 100 ألف من السكان، والصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، مقارنةً بالمركز 64 عام 2014؛ بالإضافة إلى تقدم ترتيبها 111 مركزاً على مؤشر تصورات الجريمة في المجتمع، الذي يقيس مدى شعور الناس بالأمان عند السير ليلاً بمفردهم، لتصل إلى المركز 32 عام 2025، بعدما كانت في المركز 143 عام 2014.

ولا يشكك صادق بالإحصاءات الرسمية والمؤشرات الدولية التي قال إنها «تركز عادةً على معدلات الجرائم التقليدية والإرهاب؛ وهي انخفضت نسبياً مقارنةً بالسنوات السابقة»، لكنه يرى أن شعور الجمهور بوجود زيادة في الجرائم «مبرًّر» من الناحية النفسية.

وهو يرى أن الحل ليس في إنكار هذه المشاعر، «بل بالعمل على تقليلها بخفض التعرض للمحتوى الصادم على السوشيال ميديا، ومتابعة مصادر موثوقة أكثر من المقاطع العشوائية».


ليبيا: حكم دستوري يعيد التوتر بين «النواب» والمحكمة العليا

جلسة للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بطرابلس في نوفمبر الماضي (صفحة المحكمة)
جلسة للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بطرابلس في نوفمبر الماضي (صفحة المحكمة)
TT

ليبيا: حكم دستوري يعيد التوتر بين «النواب» والمحكمة العليا

جلسة للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بطرابلس في نوفمبر الماضي (صفحة المحكمة)
جلسة للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بطرابلس في نوفمبر الماضي (صفحة المحكمة)

قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في العاصمة الليبية طرابلس بعدم دستورية تعديل سبق أن أقره مجلس النواب على «قانون نظام القضاء»، في حكم أعاد الجدل حول حدود الفصل بين السلطات، وأثار قلقاً متزايداً من دخول العلاقة بين البرلمان في شرق البلاد والمؤسسة القضائية في غربها مرحلة جديدة من التصعيد والتوتر. جاء ذلك تزامناً مع تصاعد انتقادات داخل البرلمان نفسه لرئيسه عقيلة صالح، على خلفية قرار يتعلق بتمويل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وفي بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً بين شرقه وغربه، وسط مخاوف من امتداد هذا الانقسام إلى المؤسسة القضائية، أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس، الأربعاء، حكماً يقضي بإلغاء جميع الآثار القانونية المترتبة على التعديل، الذي أقره مجلس النواب قبل نحو عامين على أحكام قانون نظام القضاء، وذلك لمخالفته نصوص الإعلان الدستوري، مؤكدةً أن الحكم نهائي ومُلزم للسلطات كافة.

ويعني هذا الحكم، وفق تقديرات قانونيين، إبطال إجراءات إعادة تشكيل «المجلس الأعلى للقضاء»، والعودة إلى الهيكلية السابقة التي توفر هامشاً أوسع من الاستقلالية للسلطة القضائية بعيداً عن تدخلات السلطة التشريعية، فضلاً عن تثبيت مرجعية الدائرة الدستورية في طرابلس بوصفها جهة نهائية للفصل في النزاعات ذات الطابع الدستوري والسياسي، رغم محاولات سابقة من البرلمان لتقليص نطاق صلاحياتها.

وتعود جذور هذا التصعيد إلى محاولة مجلس النواب إدخال تغييرات جذرية على هيكلية السلطة القضائية، شملت محاولة تغيير رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، وربطها بإجراءات إدارية تمنح رئاسة البرلمان نفوذاً غير مباشر على تعيينات القضاة وتحركاتهم.

ولم يصدر على الفور أي تعليق رسمي من مجلس النواب، أو الناطق الرسمي باسمه بشأن الحكم، لكن منصة إعلامية محسوبة على السلطات في شرق البلاد نقلت عن مصدر قضائي، لم تسمه، القول إن هذا الحكم «هدفه سياسي لتقسيم القضاء، وإنهاء أي أمل في الانتخابات وإغلاق ملف الجنسيات المزورة».

المنفي ووزير الدولة الألماني في لقاء بالعاصمة طرابلس الأربعاء (المجلس الرئاسي)

وأوضح المصدر في تصريح لصحيفة «المرصد» الليبية أن هذا الحكم «جاء لتحييد المجلس الأعلى للقضاء مسبقاً من ممارسة أي دور مستقبلي في حل أزمة الانتخابات والانقسامات، بعد المناشدات المتكررة التي تلقاها من المواطنين والنخب».

وينظر محللون إلى هذا التطور بوصفه فصلاً جديداً من تصعيد مستمر بين مجلس النواب والمحكمة العليا، بدأ في أبريل (نيسان) الماضي مع إنشاء البرلمان في بنغازي ما تُعرف بـ«المحكمة الدستورية العليا»، وقراره إلغاء الدائرة الدستورية التابعة للمحكمة العليا في طرابلس.

وبلغ التصعيد ذروته في أعقاب الهجوم الكلامي العنيف، الذي شنه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ضد رئيس المحكمة الإدارية العليا عبد الله أبو رزيزة، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مما حدا ببعثة الأمم المتحدة إلى إطلاق تحذير واضح من مخاطر تعميق انقسام القضاء في البلاد.

والملاحَظ أن قرارات الدائرة الدستورية لم تتوقف عند أحكام قانون تنظيم القضاء، بل قضت أيضاً بعدم دستورية قانون أقره البرلمان في 2020، ويقضي بإلغاء جميع القوانين والقرارات الصادرة عن المؤتمر الوطني بعد انتهاء ولايته.

وبالتوازي مع هذا التصعيد، برز خلاف داخل مجلس النواب نفسه، بعدما انتقد زايد هدية، رئيس لجنة متابعة الأجهزة الرقابية، رئيس البرلمان عقيلة صالح، على خلفية تخصيص ميزانية للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات بقيمة 210 ملايين دينار ليبي، واشتراط أن يتم الصرف تحت إشرافه المباشر.

ورأى هدية أن هذا الإجراء يتجاوز التشريعات النافذة والقانون المالي للدولة، ويثير تساؤلات حول جدية الدعوات لإجراء الانتخابات، وفق تصريحات بثتها وكالة الأنباء الليبية الرسمية (وال).

وحذّر البرلماني الليبي من أن توقيت القرار، في ظل الانقسام القائم داخل المفوضية ذاتها، يجعل تنفيذ الاستحقاق الانتخابي أمراً بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أن غياب التوافق بين المؤسسات الرسمية من شأنه تعقيد المشهد الانتخابي.

على صعيد آخر، عقدت المحكمة الجنائية الدولية، اليوم الأربعاء، الجلسة الإجرائية الأولى في قضية المتهم الليبي خالد الهيشري، المحتجز لدى المحكمة على خلفية الاشتباه في قيامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب يُزعم وقوعها في ليبيا، وذلك في مقرها بمدينة جنيف السويسرية.

ومثل المتهم الليبي أمام المحكمة بعد أكثر من سبعة أشهر على اعتقاله من السلطات الألمانية، إثر إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه في 10 يوليو (تموز) الماضي.

في سياق موازٍ، أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» شروعها في خطوات عملية لتأسيس شركة قابضة متخصصة في قطاع الطيران، ضمن خطة لتطوير النقل الجوي، بعد اجتماعات مع مسؤولي شركة «بوينغ» الأميركية، ناقشت احتياجات السوق الليبية وبرامج تدريب الكوادر وتطوير المطارات.

عسكرياً، بحثت لجنة بوزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» في غرب البلاد مبادرات التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك المنح المقدمة من السعودية لتعزيز القدرات الدفاعية.

لقاء حفتر وسفير فرنسا في بنغازي (الجيش الوطني)

وفي الشرق، ناقش القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، المشير خليفة حفتر، مع السفير الفرنسي في بنغازي ملفات مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب البشر، وذلك بعد يوم من لقاء مماثل جمع نجله صدام حفتر مع السفير البريطاني، في إطار تنسيق دولي متزايد حول هذه الملفات.


ألمانيا تشيد بالتقدم المحرز في مسار المصالحة الوطنية الليبية

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)
عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا تشيد بالتقدم المحرز في مسار المصالحة الوطنية الليبية

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)
عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)

وصل وزير الدولة الألماني للشؤون الخارجية، فون غاير، إلى العاصمة الليبية طرابلس مع وفد مرافق، الأربعاء، والتقى مع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رفقة السفير الألماني لدى ليبيا، رالف طراف. وحسب المكتب الإعلامي بالمجلس الرئاسي، فقد نقل الوزير غاير تحيات المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، مؤكداً حرص بلاده على توطيد أواصر التعاون والشراكة مع ليبيا في مختلف المجالات، إضافة إلى مناقشة المستجدات السياسية والاقتصادية والأمنية، وملفات الهجرة غير الشرعية، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان.

وأثنى الوزير الألماني على التقدم المحرز في مسار المصالحة الوطنية الليبية، مشيداً باعتماد الميثاق الوطني للمصالحة، بوصفه خطوة نحو تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ السلم المجتمعي.

من جانبه، أشاد المنفي بالدور المحوري الذي تضطلع به الدبلوماسية الألمانية في دعم المسار الليبي، مؤكداً استمرار الجهود الرامية إلى ترسيخ التعاون الدولي، وتكثيف التنسيق المشترك من أجل تحقيق الاستقرار الشامل والمستدام في البلاد.