«اتفاق غزة» يتباطأ بسبب «أزمة الجثامين»... وغموض حول «المرحلة الثانية»

نتنياهو يدعو لبحث «توسيع السيطرة»... والوسطاء يكثّفون التحركات

يقف أعضاء «الصليب الأحمر» وسط أنقاض المباني المدمرة في حين تعمل الآلات الثقيلة في حي التفاح بمدينة غزة (أ.ف.ب)
يقف أعضاء «الصليب الأحمر» وسط أنقاض المباني المدمرة في حين تعمل الآلات الثقيلة في حي التفاح بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة» يتباطأ بسبب «أزمة الجثامين»... وغموض حول «المرحلة الثانية»

يقف أعضاء «الصليب الأحمر» وسط أنقاض المباني المدمرة في حين تعمل الآلات الثقيلة في حي التفاح بمدينة غزة (أ.ف.ب)
يقف أعضاء «الصليب الأحمر» وسط أنقاض المباني المدمرة في حين تعمل الآلات الثقيلة في حي التفاح بمدينة غزة (أ.ف.ب)

يواصل الوسطاء تحركاتهم المكثفة لضمان صمود وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تلويح إسرائيلي بتوسيع السيطرة والتراجع خطوات للخلف عن انسحابات المرحلة الأولى، بسبب أزمة عدم تسلُّم جثامين الرهائن المتبقية لدى «حماس».

ويرى خبراء تحدّثوا لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الأزمة ستُهدد صمود الاتفاق، الذي انطلق في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وستؤخر المرحلة الثانية التي بات «مصيرها غامضاً»، وسط تباين بينهم بشأن كون إسرائيل و«حماس» من مصلحتهما استمرار الأزمة لتحقيق مكاسب سياسية، سواء في تأخير مرحلة نزع السلاح أو الوصول لانتخابات الحكومة الإسرائيلية العام المقبل بفرص أكبر.

وأفاد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في بيان، الثلاثاء، بأنه «بعد استكمال عملية التعرف تبيّن أنه جرى مساء الاثنين إعادة بقايا رفات تعود للمختطف أوفير تسرفاتي، الذي أُعيد من قطاع غزة في عملية عسكرية قبل نحو عامين. وتم تسليم رسالة إلى عائلته».

وعَدّ مكتب نتنياهو ذلك «انتهاكاً واضحاً للاتفاق من قِبل (حماس)»، كاشفاً أن رئيس الوزراء سيجري نقاشاً أمنياً مع رؤساء الأجهزة الأمنية لمناقشة خطوات إسرائيل في مواجهة هذه الانتهاكات.

وذكرت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، الثلاثاء، أن نتنياهو سيعقد اجتماعاً طارئاً لبحث «الردّ على انتهاكات (حماس) للمرحلة الأولى من اتفاق غزة»، وبحث عدة «ردود» محتملة، بما في ذلك توسيع الخط الأصفر في غزة، ووضع مزيد من الأراضي تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي.

وأعلنت السلطات الإسرائيلية، الثلاثاء، أنه وفق التقييم فإن الرفات الذي سُلّم من جانب «حماس» ليل الاثنين-الثلاثاء، لا يعود لأي من بين 13 رهينة لا تزال في قطاع غزة، ومن ثم فقد انتهى التسليم الذي جرى أمس من دون إعادة أي رفات بعد نحو أسبوع من الانتظار، وفق ما نشر موقع «واي نت».

وسلّمت حركة «حماس» إلى الآن 15 من 28 جثة تعود إلى رهائن قُتلوا خلال احتجازهم منذ بدء تنفيذ وقف إطلاق النار في القطاع في العاشر من أكتوبر.

وسمحت إسرائيل، الاثنين، بدخول فريق فني مصري للعمل مع «الصليب الأحمر» لتحديد مكان الجثث. وسيستخدم الفريق جرافات وشاحنات للبحث وراء ما يُسمى الخط الأصفر في غزة، الذي انسحبت القوات الإسرائيلية خلفه في البداية بموجب خطة ترمب، وفق تصريح المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية شوش بدرسيان للصحافيين.

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتأخر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة الذي وافقت عليه «حماس» وإسرائيل في 9 أكتوبر الحالي، ودخل حيّز التنفيذ في اليوم التالي، وتشمل ترتيبات أمنية وإدارة بشأن قطاع غزة، من بين أبرز بنودها نزع سلاح الحركة الفلسطينية، وتولي لجنة تكنوقراط تسيير شؤون القطاع.

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور عبد المهدي مطاوع، قال: «نتنياهو يبدو أن لديه دلائل أن الجثث معلومة لدى (حماس) وتتباطأ في التنفيذ، وهذا يخلق أزمة تُهدد الاتفاق وتؤخر المرحلة الثانية التي بات مصيرها غامضاً»، مشيراً إلى أن فكرة الحرب كما كانت لن تعود، ولكن يبدو أن من مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي و«حماس» أن يستمرا في المرحلة الأولى، لافتاً إلى إن إسرائيل قد تتخذ إجراءات، ولكن ليست موسعة.

وأوضح أن «حماس» فيما يبدو لا تريد أن تدخل المرحلة الثانية حتى لا تدفع أثمان أزمة نزع السلاح، وتُحاول كسب الوقت ربما أملاً في فرض شروط بشأن لجنة إدارة قطاع غزة الحالية، ومن ثمّ، تسعى إلى تأخير تسليم الجثث مقابل مكاسب أكبر، في حين نتنياهو يريد أن يهدد ويتوعد بوصف ذلك نوعاً من المزيدات وصولاً إلى انتخابات 2026 للحفاظ على فرص فوزه.

بينما رأى الأمين العام لـ«مركز الفارابي للدراسات السياسية»، الدكتور مختار غباشي، أن نتنياهو يُحاول أن يناور بهذه التهديدات؛ لكنها في النهاية محكومة بإرادة أميركية، وواشنطن، عقب إرسال 4 شخصيات بارزة أخيراً من نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية مارك روبيو، والمبعوث ستيف ويتكوف، وصهر ترمب جاريد كوشنر، تؤكد أن لديها رغبة في عدم العودة للحرب.

وأضاف غباشي: «لكن إسرائيل مهما حاولت التهديد الفعلي فأقصى ما تفعله هو إعادة نموذج لبنان الأخير المتمثل في ضربات نوعية، وستُكرر ذلك في غزة ضد أهداف وليس أكثر من ذلك»، متوقعاً أن يلعب الوسطاء دوراً في ذلك المسار للتهدئة، واحتواء أي تهديدات لصمود الاتفاق المرجحة حالياً.

حفار يعمل في حي التفاح بمدينة غزة لإزالة الركام من المنازل المدمرة (أ.ف.ب)

في المقابل، قال المتحدث باسم «حماس»، حازم قاسم، في تصريحات، الثلاثاء، إن «نتنياهو يحاول خرق اتفاق وقف الحرب بمبررات واهية»، وفق ما نقلته «قناة الأقصى» التابعة للحركة.

وذكرت «كتائب القسام» الذراع العسكرية للحركة، في بيان، الثلاثاء، أنها «ستقوم بتسليم جثة أحد أسرى الاحتلال التي جرى العثور عليها في مسار أحد الأنفاق بقطاع غزة».

وعن ردّ فعل «حماس» عقب تهديدات نتنياهو، رأى غباشي أن «هناك اجتهادات حسنة النية، ترى أن (حماس) بالفعل لديها أزمة في الوصول لتلك الجثامين، ورأيٌ آخر يرى أنها تعرف أماكنهم وتناور لتحسين مكاسب فلسطينية بالاتفاق».

فيما أكد مطاوع أن «(حماس) كلما شعرت بتهديد ستقوم بتبريد الموقف، وتفرج عن جثث، لكن الأزمة أن المرحلة الثانية ستتأخر أكثر، وهذا قد يقودنا لبداية العام المقبل من دون جديد، والبقاء بين تهديد ومماطلات يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني».


مقالات ذات صلة

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

العالم متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

استخدمت الشرطة بمدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم، مع متظاهرين مشاركين بمَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

قال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه قتل أربعة مسلحين فلسطينيين عند خروجهم من نفق في رفح بجنوب قطاع غزة، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلقون النار على جنود إسرائيليين

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)

غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

انطلقت عاصفة حادة من ردود الفعل الغاضبة عقب تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتوالت الاتهامات عليه بالكذب

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي رجل فلسطيني يدفع نقالة تحمل جثتَي شخصين في مستشفى «الأقصى» قُتلا في غارة جوية شنها الجيش الإسرائيلي على مخيم في دير البلح وسط قطاع غزة يوم 4 فبراير 2026 (أ.ب)

مقتل 3 فلسطينيين بنيران إسرائيلية في وسط وجنوب غزة

قُتل 3 مواطنين فلسطينيين اليوم (الأحد) بنيران إسرائيلية وسط وجنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended