تصعيد حوثي باقتحام مكتب غروندبرغ... وتحذير غربي من عرقلة الإغاثة

مخاوف من استغناء المنظمة الدولية عن الموظفين المعتقلين

موالون للجماعة الحوثية خلال تجمع في صنعاء حيث تتصاعد الحملات القمعية ضد الموظفين الأمميين (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال تجمع في صنعاء حيث تتصاعد الحملات القمعية ضد الموظفين الأمميين (إ.ب.أ)
TT

تصعيد حوثي باقتحام مكتب غروندبرغ... وتحذير غربي من عرقلة الإغاثة

موالون للجماعة الحوثية خلال تجمع في صنعاء حيث تتصاعد الحملات القمعية ضد الموظفين الأمميين (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال تجمع في صنعاء حيث تتصاعد الحملات القمعية ضد الموظفين الأمميين (إ.ب.أ)

حذر مصدر غربي مطلع من مغبة الإجراءات التي يجريها الحوثيون ضد موظفي الإغاثة ومكاتب المنظمة الدولية وأصولها. واستدل المصدر بأن غالبية المستفيدين من عمليات الأمم المتحدة في اليمن الذين يتجاوز عددهم 19 مليون شخص، يعيش معظمهم في مناطق تسيطر عليها الجماعة في اليمن.

وقال المصدر: «إذا توقفت العمليات، فسيصبح الوضع صعباً للغاية، بل وأكثر صعوبة في عكس مساره... يجب السماح للأمم المتحدة بمواصلة عملياتها المنقذة للحياة واستجابتها الإنسانية القائمة على المبادئ دون تدخل أو خوف على سلامة موظفيها».

يأتي ذلك في وقت تُعكس فيه وتيرة التحدي والتصعيد المستمر ضد الأمم المتحدة، حيث اقتحمت الجماعة الحوثية مكاتب تابعة للمنظمة الدولية في صنعاء، واعتقلت دفعة جديدة من الموظفين المحليين بينهم امرأتان، غداة تعيين الأمين العام للأمم المتحدة مسؤولاً رفيعاً لقيادة وتعزيز جهود المنظمة الرامية إلى إطلاق سراح موظفيها المحتجزين ومنع احتجازهم مستقبلاً.

وقال المصدر الغربي: «هذا الهجوم ممنهج ولا يستهدف فقط الأشخاص كما تدعي الجماعة، وهو صادر من أعلى هرم في قيادتها».

ورغم الاقتحام، لم يتم خطف موظفين من مكتب المبعوث الأممي لليمن باستثناء موظف واحد تم احتجازه في يونيو (حزيران) 2025، وما زال محتجزاً حتى الآن.

ووفق مصادر في الحكومة اليمنية، أشرف القياديان الحوثيان محمد الوشلي وصقر الشامي على اقتحام مكتب المبعوث الخاص لليمن هانس غروندبرغ ومكتب منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، كما اعتقلوا دفعة جديدة من الموظفين المحليين.

وكان فرحان حق المتحدث باسم الأمم المتحدة قال إن إجراءات الحوثيين ضد موظفي المنظمة الدولية «تشمل الاقتحام القسري واحتلال مقارّ الأمم المتحدة، والاستيلاء على الأصول، والاحتجاز التعسفي المتكرر لموظفي الأمم المتحدة، حيث لا يزال 55 منهم رهن الاحتجاز، بينهم اثنان تم احتجازهما (يوم السبت)».

وعدّ مصدر في صنعاء هذه الخطوة تحدياً وردّاً على إعلان الأمم المتحدة اختيار معين شريم، المساعد السابق للمبعوث الأممي إلى اليمن، لقيادة وتعزيز الجهود لمتابعة قضية اعتقال الحوثيين للعشرات من الموظفين المحليين، على أن يتولى مهمة إعادة النظر في قواعد عمل المكاتب الأممية في تلك المناطق، بما يضمن إطلاق سراح الموظفين وعدم التعرض لهم مرة أخرى.

وبحسب المصدرين الحكومي والغربي، فإن الحوثيين صادروا محتويات المكتبين وخوادم التخزين الرقمية لكاميرات المراقبة، وتمركزوا فيهما كما فعلوا مع بقية المكاتب الأخرى من قبل، كما استأنفوا حملة الاعتقالات بحق موظفين إضافيين لدى مكاتب الأمم المتحدة، ومن بينهم موظفة علاقات عامة لدى برنامج الأغذية العالمي كانت تتلقى العلاج بعد عملية ولادة مبكرة، حيث داهمت عناصر الشرطة النسائية الحوثية المعروفة باسم «الزينبيات» منزلها، وتم اقتيادها إلى جهة مجهولة.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مسؤول حوثي تأكيده أنه «تم توقيف امرأتين تعملان في برنامج الأغذية العالمي من منزليهما، السبت، كما تم توقيف رجل يمني يعمل في المنظمة نفسها مساء السبت».

وزعم المصدر في حديثه للوكالة، أنه لا تزال لدى الجماعة قائمة لم تنتهِ في توقيف المتورطين بالتخابر مع إسرائيل وأميركا.

اقتحام الحوثيين لمكتب المبعوث الأممي يضعف آمال استئناف مسار السلام (إعلام محلي)

ويقرأ المصدر من صنعاء إقدام الحوثيين على هذه الخطوة بعد يوم واحد فقط من تكليف شريم بقيادة جهود الأمم المتحدة للإفراج عن موظفيها المعتقلين، بمثابة انتقاص من القرار الأممي الذي تعدّه الجماعة «خطوة شكلية»، وقال المصدر الذي لا يستطيع الكشف عن هويته: «المشكلة أعمق من مجرد تعيين مبعوث أو وسيط، لأن الحوثيين لا يعترفون بأي التزامات دولية».

مخاطر متعددة

بالتزامن مع هذه التطورات، دعا ناشطون يمنيون، الموظفين المحليين الحاليين والسابقين لدى الأمم المتحدة أو المنظمات الإغاثية، إلى سرعة مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين، لأنهم سيكونون عرضة للاعتقال.

واتهم الناشطون الأمم المتحدة بالتخلي عن المعتقلين المحليين، وقالوا إنه وبمجرد أن احتجز الحوثيون موظفين أجانب تابعين للأمم المتحدة، جنّ جنون العالم وسارع إلى إطلاق سراحهم، أما الموظفون المحليون فلا أحد يهتم لأمرهم.

وأكدت مصادر مطلعة في صنعاء أن مكاتب الأمم المتحدة، وعلى الأخص برنامج الغذاء العالمي، تفكر جديّاً في تسريح الموظفين المعتقلين لدى الحوثيين وإنهاء عقودهم.

تقديرات بأن عدد المعتقلين لدى الحوثيين من موظفي الأمم المتحدة يزيد على 60 شخصاً (إ.ب.أ)

وذكرت المصادر أن البرنامج أنهى عقود 4 موظفين حاليين غير معتقلين، ما يفقدهم الحماية الأممية، ويجعلهم عرضة فورية للاعتقال من قبل الحوثيين.

وبحسب عاملين في مجال الإغاثة، فإن مثل هذا الإجراء يمثل تنصلاً واضحاً من المسؤولية، ومحاولة للتهرب من التبعات القانونية والمالية والأخلاقية، ويجعل الموظفين المحليين المعتقلين منهم، أو من لم يُعتقلوا في مواجهة مباشرة مع تهم خطرة؛ مثل «التجسس والعمالة لإسرائيل»، وهي تهم زائفة تُستخدم عادة لتبرير إصدار الحوثيين أحكاماً بالإعدام، أو السجن لسنوات طويلة.

وطالب الناشطون اليمنيون الأمم المتحدة بالتراجع فوراً عن قرار فصل الموظفين، أو التفكير في تسريح المعتقلين، وتفعيل وضعهم الوظيفي، وتوفير الحماية القانونية والدعم النفسي اللازم لهم.

ورأوا أن التفكير الجدي في فصل الموظفين المعتقلين، يمثل ضربة قاضية لمبدأ الحياد الإنساني، ويؤكد أن المنظمة لم تعد قادرة على حماية أولئك الذين يحملون رايتها في أخطر بقاع الأرض، ووصفوه بأنه اختبار لمصداقية المنظمة الأممية في التعامل مع أشد الانتهاكات في حقوق موظفيها.

تهديدات متصاعدة

في خضم هذه الانتهاكات، أكدت الجماعة الحوثية أنها تعكف على مراجعة وتقييم الاتفاقيات والتفاهمات المبرمة مع المنظمات الدولية، وإعادة النظر فيها، للتعامل مع المستجدات والمهددات أمنياً وسياسياً، لضمان تعزيز الإشراف على الأنشطة الإنسانية، وعدم تكرار حادثة استهداف حكومتها الانقلابية.

وأعاد الحوثيون ترديد المزاعم التي نفتها الأمم المتحدة والحكومة المعترف بها دولياً، بأن بعض الموظفين شاركوا في استهداف حكومتهم من خلال رصد الاجتماع الحكومي وإبلاغ تل أبيب ومواكبة العملية.

الجماعة الحوثية تسعى للسيطرة الكلية على الإغاثة وتوجيهها لخدمة أنصارها (إعلام محلي)

وادّعت الجماعة المتحالفة مع إيران أنها ضبطت لدى المكاتب الأممية «أجهزة ووسائل رصد واستهداف وأجهزة تقنية لاختراق الاتصالات الوطنية وإمكانات تجسسية تستخدمها أجهزة الاستخبارات العالمية».

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، إن الجماعة تواصل تصعيد حملتها التحريضية الممنهجة ضد موظفي الأمم المتحدة ووكالاتها الإغاثية والمنظمات الدولية العاملة في مناطق سيطرتها، «عبر فبركة التهم وتلفيق الأكاذيب، في إطار مخطط واسع لتضليل الرأي العام المحلي وتبرير حملات الاختطاف والإخفاء القسري بحق العاملين في المجال الإنساني».

ورأى الوزير في تصريح رسمي، أن الادعاءات الحوثية تأتي امتداداً لحملة التحريض التي شنها قادة الجماعة باتهام الأمم المتحدة وموظفيها بالتجسس، مؤكداً أن هذه المزاعم «تكشف عن نية مبيتة لإخضاع المنظمات الدولية لابتزاز الميليشيا السياسي والمالي».


مقالات ذات صلة

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

العالم العربي وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

حل اليمن في المرتبة 177 عالمياً ضمن مؤشر الفساد لعام 2025، في حين تعهدت الحكومة بإصلاحات مؤسسية في مواجهة تحديات اقتصاد الحرب بينما ينتظر السكان تحسن المعيشة

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الحوثيين في اليمن يدعو للتضامن مع إيران جماهيرياً وإعلامياً والاستعداد للتطورات دون التصريح بخوض الحرب، وسط تحذيرات حكومية من الانخراط في الصراع.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي تعسف الحوثيين حرم ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (رويترز)

طوابير الجوعى في مناطق سيطرة الحوثيين تثير فزع اليمنيين

طوابير الجوع في إب تكشف عن تدهور إنساني متسارع مع اتهامات للحوثيين بمنع الصدقات والاستحواذ على الزكاة وفرض الجبايات، وسط تقلص المساعدات واتساع رقعة الفقر.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي  يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

فساد الحوثيين أدى لازدياد التسول وطوابير الوجبات المجانية، وهو ما يعكس تفاقم الأزمة المعيشية واتساع الفقر، وسط تحذيرات من تداعيات اجتماعية وإنسانية خطرة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.