قلق ليبي من تصاعد «العنف الأسري» وسط تحذيرات من فوضى السلاح

عقب واقعة «انتحار» أب بعد أن «قتل أبناءه السبعة»

اجتماع سابق لفريق العمل الأممي المعني بنزع السلاح في ليبيا (البعثة الأممية)
اجتماع سابق لفريق العمل الأممي المعني بنزع السلاح في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

قلق ليبي من تصاعد «العنف الأسري» وسط تحذيرات من فوضى السلاح

اجتماع سابق لفريق العمل الأممي المعني بنزع السلاح في ليبيا (البعثة الأممية)
اجتماع سابق لفريق العمل الأممي المعني بنزع السلاح في ليبيا (البعثة الأممية)

عبّر ليبيون عن قلقهم من «تصاعد العنف الأسري» في ظل ظاهرة انتشار السلاح بيد المواطنين، وذلك على خلفية واقعة تخلّص أب من أبنائه السبعة، وإنهاء حياته في مدينة بنغازي شرق البلاد.

وبينما تواصل الجهات الأمنية المختصّة، تحقيقاتها حالياً لتحديد ما إذا كان الأب، حسن الزوي، هو من أقدم على قتل أبنائه ثم انتحر، مثلما رجّحت مديرية أمن بنغازي وبعض المقرّبين من الأسرة، يواصل عدد من روّاد مواقع التواصل ومنظمات حقوقية نشر صور ومقاطع من موقع الجريمة، مقرونة بتشكيك في الرواية الرسمية، واحتمال وجود «شبهة جنائية».

وتباينت آراء الخبراء والمختصّين، حيال قراءة الحادث، فمع اتفاقهم على أنها واقعة فردية، رأى بعضهم أنها تعكس أزمات المجتمع الليبي في ظل الانقسام السياسي، وغياب منظومة أمنية موحّدة، واستمرار انتشار السلاح، وتأثير سنوات الصراع على السلوك العام، في المقابل عدّها آخرون جرس إنذار يستدعي مواجهة جرائم العنف الأسري، وسنَّ قوانين تحمي النساء والأطفال.

وقال مستشار الأمن القومي الليبي السابق، إبراهيم بوشناف، إن «جرائم العنف المجتمعي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما شهدته البلاد من فوضى عقب سقوط نظام معمر القذافي عام 2011». وأضاف بوشناف لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن فصل تلك الجرائم عن البيئة الاجتماعية المتوترة، والتراكمات النفسية الناشئة عن الصراعات، ولا عن غياب مؤسسة موحّدة للأمن في عموم البلاد».

ورغم وصف بوشناف الحادثة بأنها «سلوكٌ فرديّ قد يقف خلفه اضطراب نفسي»، دعا إلى «تغليظ العقوبة على حمل السلاح دون ترخيص، والمسارعة في تبنّي مشروع وطني لتوحيد مؤسسات الأمن».

بدوره، ورغم تأكيده أن «جرائم العنف الأسري موجودة في كل المجتمعات»، رأى عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي، علي التكبالي، أن «عوامل عدّة في البلاد غذّت هذه الظاهرة، وتحديداً انتشار السلاح، مما زاد من معدلات الجريمة». وقال التكبالي لـ«الشرق الأوسط» إن «ضعف تطبيق القوانين وتكرار الإفلات من العقاب، سواء بالهرب بين شرق ليبيا وغربها أو إلى خارجها، أو بسبب نفوذ بعض الجناة، زاد الأمر سوءاً». وحذّر من أن «تداعيات الانقسام السياسي لا تقتصر على غياب مؤسسة أمنية موحّدة تعمل على تقنين السلاح، بل تمتد إلى غياب الاهتمام بدراسة تأثير الأزمات المعيشية والخدمية على الاستقرار النفسي للمواطن»، متسائلاً عن «غياب الدراسات الاجتماعية التي ترصد نسب الطلاق أو أسباب السلوك العنيف داخل الأسر».

وأشار التكبالي إلى أن «عناصر الأجهزة الأمنية في بعض المناطق تفتقر إلى الخبرات اللازمة للتعامل مع جرائم العنف الأسري، وغالباً لا تتحرك إلا بعد وقوع الجريمة».

وكانت قبيلة الزوي قد عززت رواية مديرية أمن بنغازي، مؤكّدة أن الأب «كان يمرّ بحالة اكتئاب حادة بعد انفصاله عن زوجته، ما دفعه إلى اللجوء للعلاج بالسحر».

ورغم تأكيد بعض المنظمات الحقوقية رصد «ارتفاع معدلات الجرائم الأسرية»، فإن السلطات الرسمية تشير إلى انخفاض نسب الجرائم عموماً؛ إذ أعلن عصام أبو زريبة وزير الداخلية في حكومة أسامة حماد المكلّفة من مجلس النواب، مطلع العام الحالي، أن معدل الجريمة انخفض بنسبة 44 في المائة عن العامين الماضيين.

ويرى الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، الدكتور عبد المنعم الحر، أن «مأساة بنغازي شكّلت صدمة كبيرة للمجتمع، وسلّطت الضوء على خطورة السلاح الفردي المنفلت، وأيضاً على تداعيات ما شهدته البلاد على السلوك العام». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رصدنا قبل حادث بنغازي سقوط 18 ضحية في اشتباكات بمدينة الزاوية جراء استهدافهم بالسلاح الفردي»، داعياً إلى «وضع حلولٍ عاجلة للحدّ من فوضى هذا السلاح، وتأسيس شبكةٍ إلكترونية تدعم تركيب كاميرات المراقبة في الشوارع للحدّ من الجريمة».

أما عضوة ملتقى الحوار السياسي، آمال بوقعيقيص، فرأت أن الحادثة «تعيد تسليط الضوء على ما تتعرض له الشرائح الضعيفة في المجتمع من عنف، خصوصاً المرأة والأطفال»، داعيةً إلى «مراجعة القوانين وتشديد العقوبات».

ووفق رؤيتها، فإن «القوانين المتعلقة بالمرأة تقتصر على حماية حق العمل، بينما تغيب التشريعات التي تحميها من العنف الأسري، وكذلك الأطفال الذين لا يملكون خطاً ساخناً للنجدة من تعرّضهم لأيّ تعذيب نفسي أو بدني».

وانتقدت بوقعيقيص في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عدم وجود قانون لمكافحة العنف ضد المرأة، وغياب مراكز الدعم النفسي والاجتماعي، ودور الأخصائيين في المدارس الذين يكتفون بمراقبة زيّ الفتيات بدل ملاحظة آثار العنف، مشيرة إلى أن «القبيلة كثيراً ما تصطف إلى جانب الزوج مهما اشتدّ عنفه، فيما تُقنع أسر الزوجات بالتنازل عن الشكوى خشية الطلاق، وتحمل أعباء المعيشة وتربية الأبناء».

أما عضوة مجلس النواب الليبي، عائشة الطبلقي، فرأت أن الجريمة دقّت «ناقوس الخطر من تحوّل الخلافات الأسرية إلى مآسٍ يدفع ثمنها الأبرياء». وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن لجنة الشؤون الاجتماعية بمجلسها «دعت إلى إعادة النظر في القوانين وتشديد العقوبات، ودراسة الأسباب لتفادي تكرار مثل هذه الحوادث، سواء كانت خلافات أسرية متعمّقة أو نزوعاً للانتقام من الأم بقتل الأطفال أو نتيجة إدمان المخدرات».


مقالات ذات صلة

«الرئاسي» الليبي يطلق ميثاق «المصالحة الوطنية» وسط «تصاعد الانقسام»

شمال افريقيا المنفي خلال اعتماد «ميثاق المصالحة» بطرابلس (المجلس الرئاسي)

«الرئاسي» الليبي يطلق ميثاق «المصالحة الوطنية» وسط «تصاعد الانقسام»

اعتمد محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، الأربعاء، «ميثاق المصالحة الوطنية»، عادّاً إياه بداية مرحلة جديدة من العمل الجاد نحو تحقيق السلم الاجتماعي.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا دعت مكاتب «المفوضية الوطنية العليا للانتخابات» إلى «تحييد» إدارة المفوضية عن أي تجاذبات (المفوضية)

«المفوضية» تدعو إلى «تحييد» الانتخابات الليبية عن التجاذبات السياسية

دعت مكاتب «المفوضية الوطنية العليا للانتخابات» في مدن ومناطق في شرق ليبيا وغربها إلى «تحييد» إدارة المفوضية عن أي تجاذبات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق للسايح مع رئيسة البعثة الأممية (البعثة)

ليبيا: البعثة الأممية تدعو لوقف التصعيد بين مجلسي النواب والدولة

أعربت البعثة الأممية لدى ليبيا عن قلقها البالغ إزاء ارتفاع وتيرة التصعيد بين مجلسَي النواب و«الدولة» بشأن إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا خالد شكشك يترأس اجتماع ديوان المحاسبة الليبي في طرابلس الأسبوع الماضي (الديوان)

ليبيون يطالبون بتفعيل «التقارير الرقابية» ومحاسبة الفاسدين بعيداً عن الانقسام

يحذّر سياسيون ليبيون من أن تغليب الصراع السياسي الحالي على تفعيل التقارير الرقابية قد يؤدي إلى تحويلها مجرد حدث إعلامي؛ ما يضعف تأثيرها.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة للمجلس الأعلى للدولة في طرابلس الاثنين (قناة الوطنية المحلية)

تصعيد الصراع السياسي والمؤسساتي في ليبيا

انتخب «المجلس الأعلى للدولة» في ليبيا صلاح الدين الكميشي، رئيساً جديداً للمفوضية العليا للانتخابات، بدلاً من رئيسها الحالي عماد السايح المدعوم من مجلس النواب.

خالد محمود (القاهرة)

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب


من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
TT

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب


من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)

بحث رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمس(الأربعاء)، في بورتسودان، مع نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، تطورات الأوضاع في السودان وسبل وقف الحرب في هذا البلد، حسب بيان لمجلس السيادة السوداني.

بدورها، ذكرت وزارة الخارجية السعودية أن الجانبين بحثا «جهود تحقيق السلام في السودان بما يحقق أمنه واستقراره، ويحافظ على وحدته ومؤسساته الشرعية»، مضيفة أن الخريجي «جدّد حرص السعودية على عودة الأمن والاستقرار للسودان، والحفاظ على وحدة أراضيه بما يحقق تطلعات الشعب السوداني».

وتناول اللقاء الترتيبات الجارية لانعقاد «مجلس التنسيق الاستراتيجي» بين البلدين، الذي «يحظى برعاية كريمة من القيادة في البلدين الشقيقين»، وفق إعلام «مجلس السيادة».


«جامعة الغذاء»... تحرك تعليمي مصري لسد «الفجوة الزراعية»

اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
TT

«جامعة الغذاء»... تحرك تعليمي مصري لسد «الفجوة الزراعية»

اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)

في وقت تتجه فيه الحكومة المصرية نحو توسيع مساحات الرقعة الزراعية في محاولة لسد «فجوات الغذاء»، اتخذت خطوات تنفيذية نحو إنشاء أول «جامعة للغذاء»، لتبدأ في استقبال الطلاب اعتباراً من العام الدراسي المقبل، وفقاً لوزارة التعليم العالي.

وبحسب البيان الصادر عن الوزارة، الأربعاء، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي في مصر أيمن عاشور لقاءً مع وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق «لمناقشة الخطوات التنفيذية الخاصة بإنشاء (جامعة الغذاء)، وذلك في إطار توجه الدولة نحو استحداث جيل جديد من الجامعات المتخصصة الداعمة للتنمية المستدامة».

وتهدف الجامعة، وفقاً للأمينة العامة لصندوق تطوير التعليم رشا سعد، إلى «ربط الدراسة الأكاديمية باحتياجات الدولة الفعلية، خصوصاً في مجالي الأمن الغذائي، وإدارة الموارد المائية، إلى جانب التنمية المستدامة»، وذلك مع وجود فجوة غذائية تظهر في فاتورة استيراد السلع الاستراتيجية من الخارج، وفي مقدمتها القمح، والذرة، والزيوت.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الغذاء يمثل 21 في المائة من إجمالي الواردات المصرية، وبلغت قيمته نحو 78 مليار دولار في عام 2024.

وفي الآونة الأخيرة قالت وزارة الزراعة إنها تسعى لزيادة الرقعة الزراعية بنسبة تقترب من 40 في المائة خلال 5 سنوات، بغرض زيادة الإنتاج الزراعي، وتلبية الاحتياجات المحلية والتصديرية المتزايدة.

وأكدت رشا سعد، بحسب بيان صادر عن صندوق تطوير التعليم، الأربعاء، أن الجامعة المرتقبة «تعكس توجّهاً نحو جيل جديد من المؤسسات التعليمية القائمة على العلوم البينية، وتهدف إلى دعم المشروعات القومية من خلال إعداد كوادر مؤهلة، وتقديم استشارات فنية، وعلمية، والمساهمة في تحديد المحاصيل الاستراتيجية، بما يرفع كفاءة الإنتاج الزراعي، ويواكب التطورات العالمية في علوم الغذاء».

ووفق التصور المطروح، ستضم «جامعة الغذاء» خمس كليات متخصصة هي «الزراعة الذكية»، و«الإنتاج الحيواني»، و«إدارة الموارد المائية»، و«تكنولوجيا العمليات الغذائية»، و«الميكنة الزراعية»، إضافة إلى «مركز بحوث للغذاء»، و«حاضنة لريادة الأعمال».

ويجري تنفيذ المشروع بالشراكة مع جامعة هيروشيما اليابانية، وبالتعاون مع جامعتي القاهرة، وبنها، بهدف تقديم تعليم يجمع بين الجانب الأكاديمي، والتدريب العملي.

وقال مصدر مسؤول بوزارة التعليم العالي إن الجامعة الجديدة تعد نموذجاً للجامعات المتخصصة التي تتوسع فيها الحكومة المصرية بالشراكة بين وزارات وهيئات متخصصة في مجالات بعينها وبين وزارة التعليم العالي، وإن «جامعة الغذاء» تأتي على غرار «جامعة النقل» التي بدأت عملية إنشائها فعلياً في سبتمبر (أيلول) الماضي بالشراكة بين «التعليم العالي» ووزارة النقل.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «جامعة الغذاء» ستعمل على تحقيق أهداف اقتصادية تتعلق بتقليل «الفجوة الزراعية»، وستخدم تطورات الإنتاج الزراعي، والتسميد، وترشيد استخدام المياه، وستضم مراكز بحث تستفيد من الإمكانيات البحثية لدى وزارة الزراعة، متوقعاً التوسع في مثل هذا النوع من الجامعات على مستويات وزارات أخرى مثل التجارة، والصناعة، والري والموارد المائية.

ويرى وزير التعليم العالي عاشور أن الجامعات المتخصصة «تُعد أحد محاور تطوير منظومة التعليم العالي، وتهدف لإعداد كوادر مؤهلة بمهارات رقمية، وتخصصات دقيقة عبر برامج مرنة».

وأوضح في البيان الصادر عن الوزارة، الأربعاء، أن الخطة تتضمن «إنشاء جيل جديد من الجامعات المصرية المتخصصة بالتعاون مع الجامعات الدولية، والوزارات»، ومن المقرر أن تشمل أيضاً جامعات «علوم الرياضة» و«السياحة» بالتنسيق مع الوزارات المعنية.

وأشارت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى وصول عدد الجامعات في مصر إلى 128 جامعة، موزعة بين 28 جامعة حكومية، و32 أهلية، و37 جامعة خاصة، و12 جامعة تكنولوجية، إلى جانب 9 فروع لجامعات أجنبية، و10 جامعات أُنشئت وفق اتفاقيات تعاون دولي.

وأشار أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة جمال صيام إلى تحديات قال إنها بحاجة إلى خطط قومية، وتفعيل الأدوات البحثية الموجودة لسد «الفجوة الغذائية الهائلة».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تُعد المستورد الأول للقمح في العالم، ولم تحقق اكتفاء ذاتياً من الذرة، والزيوت، كما أن العدس اختفى تقريباً من الدورة الزراعية».


مصر لتعميق العلاقات مع دول حوض النيل على خلفية نزاع «سد النهضة»

نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

مصر لتعميق العلاقات مع دول حوض النيل على خلفية نزاع «سد النهضة»

نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)

في ظل استمرار نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، أكدت مصر «مواصلة تعزيز العلاقات، وأواصر التعاون مع دول حوض النيل»، وذلك خلال اجتماع مشترك عقده وزير الخارجية بدر عبد العاطي ووزير الري هاني سويلم لتنسيق الجهود في قضايا المياه على المستويين الإقليمي، والدولي.

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، أكد الوزيران تمسك مصر بتحقيق المصالح التنموية لدول حوض النيل، مع الحفاظ على أمنها المائي، وذلك من خلال الالتزام بالقانون الدولي، والأُطر الحاكمة لنهر النيل.

كما شدد الوزيران على رفض الإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي في حوض النيل الشرقي، وأشارا إلى أن مصر «مستمرة في متابعة التطورات عن كثب، وستتخذ كافة التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية المقدرات الوجودية لشعبها».

وتعترض مصر والسودان على مشروع «سد النهضة» الذي دشنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتطالبان بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية».

مخاطر السد

نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، قال إن مصر تنفذ مشروعات في إطار علاقتها بدول حوض النيل، وإن هناك لجنة استشارية تحاول أن تجد نوعاً من التقارب بين الدول الأعضاء في «اتفاقية عنتيبي»، مشيراً إلى أن هذا يأتي في ظل استمرار نزاع سد النهضة، «خصوصاً أن المخاطر التي تترتب على المشروع قائمة، ولا يزال الموقف الإثيوبي المتعنت على ما هو عليه».

ولفت إلى أن مخاطر السد تتمثل في فترات الجفاف، والجفاف الممتد في السنوات الشحيحة، واحتمالات انهياره «لأن معيار الأمان لا يتفق مع المعايير الدولية، إضافة إلى التصريفات المائية غير المحسوبة، ومن دون إخطار مسبق، مثل التي وقعت منذ أشهر، وأحدثت أضراراً في السودان؛ ومصر استطاعت أن تحتوي الموقف».

اجتماع مشترك لوزيري الخارجية والري المصريين الأربعاء لتنسيق الجهود في قضايا المياه (مجلس الوزراء)

وأوضح حليمة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن تعميق التعاون هدفه اتخاذ دول حوض النيل موقفاً يدعم الموقف المصري، باعتبار أن هذا التعاون هو سعي أن تكون المصالح مشتركة، وليست أحادية.

وقال أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، نادر نور الدين، لـ«الشرق الأوسط» إن تعميق التعاون «يأتي ضمن بروتوكولات قديمة بين مصر وحوض النيل، ويتم تطويرها من وقت لآخر، وهو نوع من تبادل المصالح بهدف حل أي نزاعات بالطرق الدبلوماسية».

وعرض «مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، عدداً من محطات الرفع، وحفر آبار المياه الجوفية التي دشنتها مصر، ومن بينها 28 محطة رفع بجنوب السودان، و180 بئراً جوفية في كينيا، و10 آبار بالسودان، و75 بئراً في أوغندا، و60 في تنزانيا، فضلاً عن إنشاء مراكز للتنبؤ بالأمطار في الكونغو الديمقراطية.

مبادرة حوض النيل

أكد الاجتماع الذي عقده وزيرا الخارجية والري على «دعم مصر التاريخي والمستمر لجهود التنمية في دول حوض النيل الشقيقة، لا سيما دول حوض النيل الجنوبي، حيث تم إطلاق آلية تمويلية بميزانية قدرها 100 مليون دولار لتمويل دراسات ومشروعات تنموية بدول حوض النيل الجنوبي، بالإضافة للدور البارز الذي تقوم به (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، و(المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل) في تعزيز التعاون، بما يحقق المنفعة المشتركة، والحفاظ على الموارد المائية».

جانب من خزان أسوان في مصر (الشرق الأوسط)

وحول «مبادرة حوض النيل»، أكد حليمة أن هناك محاولات لتعديل البنود الخاصة باتفاقية عنتيبي، التي قال إنها «لا تتفق مع القانون الدولي الخاص بالمجاري المائية».

وقال: «الاتصالات المصرية القائمة توحي بأن هناك نوايا إيجابية». وتابع: «النوايا الإيجابية أن يكون أي قرار في أي اتفاق متماشياً مع القانون الدولي؛ والقانون الدولي يشير إلى ضرورة أن يكون هناك توزيع منصف وعادل للمياه».

واتفاقية عنتيبي هي الاتفاق الإطاري الذي قدمته إثيوبيا في عام 2010 لدول حوض النيل للموافقة عليها. وتُنهي الاتفاقية الحصص التاريخية لمصر والسودان المقررة في اتفاقيات المياه مع دول حوض النيل، وأعلنت أديس أبابا دخولها حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعد تصديق ست دول عليها هي إثيوبيا، وأوغندا، وكينيا، وتنزانيا، ورواندا، وجنوب السودان، وسط رفض مصري، وسوداني.

«سد النهضة» الإثيوبي (أ.ف.ب)

ويقول نور الدين: «منذ إنشاء مباردة حوض النيل وهي تصدر أبحاثاً وإحصائيات؛ وأحياناً يحدث خلل فيها نتيجة أن بعض دول المنبع، خاصة إثيوبيا، ترغب في السيطرة على حصص حوض النيل. والادعاء بأن مصر والسودان تأخذان مياه النيل غير صحيح طبقاً لقانون الأمم المتحدة، حيث يشير إلى أن الموارد المائية عبارة عن أمطار، ومياه جوفية، وما يجري بين ضفتي النهر من المياه».

ويضيف: «عندما وُقعت عنتيبي أُلغيت جميع الاتفاقيات السابقة عن حوض النيل. وكان رأي مصر البناء على الاتفاقيات السابقة، وعدم إلغائها؛ ومن ضمن ذلك إلغاء الإخطار المسبق، عبر السماح لأي دولة تريد بناء سد أن تقوم ببنائه من دون النظر إلى ضرر دولتي المصب». وأكد أن «مصر قامت بجهود بعد اتفاقية عنتيبي، وبعض الدول بدأت تقتنع بأن إثيوبيا لها أطماع في مياه النيل».

وفيما يتعلق بالحلول المتاحة لأزمة «سد النهضة»، يرى حليمة أن على إثيوبيا «أن تعيد النظر في موقفها، وتلتزم بالقوانين، والمواثيق الدولية ذات الصلة، أو أن تقوم دولة ما بدور الوسيط لدفع الأطراف إلى التوصل لاتفاق». وأضاف: «هناك اتصالات تجري الآن، ومن قبل، لإمكانية تفعيل الدور الأميركي في هذا الشأن».

وتحدث أيضاً عن مسار آخر، وهو «لجوء مصر مجدداً للأمم المتحدة، ومجلس الأمن باعتبار أن هناك خطراً جسيماً».