لبنان: المرشحون السُّنّة أمام خلط الأوراق الانتخابية... والتعاون مع «حزب الله» مستبعد

باسيل يقايض حصرية السلاح بثمن سياسي لتجديد تحالفه مع «الثنائي»

رئيس الحكومة نواف سلام مستقبلا وفدا من النواب الموقّعين على اقتراح قانون تصويت المغتربين (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام مستقبلا وفدا من النواب الموقّعين على اقتراح قانون تصويت المغتربين (رئاسة الحكومة)
TT

لبنان: المرشحون السُّنّة أمام خلط الأوراق الانتخابية... والتعاون مع «حزب الله» مستبعد

رئيس الحكومة نواف سلام مستقبلا وفدا من النواب الموقّعين على اقتراح قانون تصويت المغتربين (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام مستقبلا وفدا من النواب الموقّعين على اقتراح قانون تصويت المغتربين (رئاسة الحكومة)

التحضيرات لخوض الانتخابات النيابية في ربيع 2026 لا تزال خجولة ودون المستوى المطلوب، ويتوقف تحريكها على حسم الخلاف حول القانون الذي ستجري على أساسه، في ضوء إصرار رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون على إنجازها في موعدها، وإن كان يستبعد تخصيص 6 مقاعد نيابية لتمثيل الانتشار اللبناني في بلاد الاغتراب؛ لوجود معوّقات تقنية وتنفيذية تمنع تمثيله.

ومع أن الحراك الانتخابي يفتقد السخونة المطلوبة، فإن الجديد في إنجاز الانتخابات يكمن في أنها محكومة بإعادة خلط الأوراق لدخول لبنان مرحلة سياسية جديدة غير تلك التي كانت قائمة قبل أن يتفرّد «حزب الله» بإسناده غزة، والتي من شأنها أن تضغط باتجاه تبدّل خريطة التحالفات بافتقاد الحزب عدداً من الحلفاء، وبالأخص في الشارع السنّي الذي تتموضع معظم قواه تحت سقف «حصرية السلاح بيد الدولة»، وربط إعادة إعمار البلدات المتضررة، بتطبيقه، وفق الخطة التي أعدتها قيادة الجيش وتبنّاها مجلس الوزراء.

لكن تبدّل خريطة التحالفات الانتخابية يفتح الباب أمام السؤال عن الخيار الانتخابي لـ«التيار الوطني الحر» مع استعداد رئيسه النائب جبران باسيل لأن يعيد ترميم علاقته بـ«الثنائي» الشيعي من خلال احتمال تجديد تحالفه مع «حزب الله»، على خلفية تأييده حصرية السلاح مشروطة بتقديم ثمن سياسي؛ ما يعني أنه يعبّد الطريق أمام استعداده للدخول في خفض منسوب الاشتباك الذي ترتب على استهدافه سابقاً للحزب بحملات إعلامية وسياسية غير مسبوقة.

فباسيل قطع شوطاً على طريق التكيُّف مع إعادة الاعتبار لتحالفه مع الحزب، وإلا لم يكن مضطراً إلى مقايضة تأييده لحصرية السلاح بثمن سياسي، وإن كان تجنَّب الدخول في تفاصيله.

من لقاء سابق بين باسيل والأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله (من مواقع التواصل)

لذلك يقف باسيل أمام إحياء تحالف الضرورة مع «حزب الله»؛ كونه يشكل له رافعة للإفادة من حضوره الانتخابي في الدوائر المشتركة التي لا توجد فيها مقاعد شيعية، في مقابل حاجة الحزب إلى غطاء مسيحي للتعويض عن خروج قوى سياسية أساسية عن تحالفها معه، ولمواجهة تحالف «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«القوات اللبنانية» و«الكتائب»، وتحديداً في عدد من الدوائر في جبل لبنان.

إلا أن خريطة التحالفات لن تكتمل، وتبقى منقوصة ما لم تتوضّح معالم المنافسة في الشارع السنّي الذي تسيطر عليه حالة من الغموض تبقى قائمة إلى حين يتخذ تيار «المستقبل» قراره النهائي بخوض الانتخابات أو تمديد تعليقه العمل السياسي ترشُّحاً واقتراعاً، مع أنه يتريّث، كما تقول مصادره لـ«الشرق الأوسط»، في تحديد خياره الذي لن يرى النور قبل حلول مطلع العام المقبل.

وعلى رغم أن خريطة التحالفات في الشارع السني لم تنضج حتى الساعة، فإن أكثرية المرشحين الذين يتمتعون بنفوذ لا بأس به، ليسوا في وارد التحالف أو التعاون الانتخابي مع «حزب الله»، وإن كانوا بمعظمهم يميّزون بينه وبين حليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ويراهنون عليه لإنزال الحزب من أعلى الشجرة؛ تمهيداً للانخراط في مشروع الدولة ممثلاً بجناحه المدني ومتخلياً عن سلاحه.

ويتعامل هؤلاء مع بري، على أساس أنه يتمايز عنه بعدم تأييده إسناد الحزب غزة، أو تحريكه الشارع، وامتناعه عن القتال في سوريا إلى جانب الرئيس السابق بشار الأسد، ورفضه إقحام البلد في حرب أهلية كان هدَّد بها أمينه العام الشيخ نعيم قاسم.

البرلمان اللبناني منعقداً في جلسة عامة (إعلام مجلس النواب)

في هذا السياق، يؤكد مصدر سنّي بارز، فضّل عدم ذكر اسمه، بأن لا مجال لقيام تحالف ولو عابراً مع «حزب الله» ولو، حتى اقتصر على تبادل الأصوات. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن معظم الذين يستعدون لخوض الانتخابات يراعون المزاج العام في شارعهم، وليسوا في وارد الاستعصاء على إرادة المجتمع الدولي، أو الخروج عن الإجماع العربي الداعم لحصرية السلاح، وهذا يحتم عليهم تجنّب الدخول بأي تحالف ولو بالواسطة أو من تحت الطاولة، مع الحزب.

لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات البلدية في بيروت مايو 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

ويلفت المصدر، إلى أن الحزب يتحمّل وزر تفرّده بإسناده غزة الذي أوقعه في سوء تقدير لرد فعل إسرائيل، ويعترف، بأن باب الترشيحات لن يُفتح قبل أن يحسم تيار «المستقبل» أمره، وإن كان يتوقع بأن عدد المرشحين سيفوق كل التوقعات، بغياب المرجعية السياسية القادرة على لمّ شمل الشارع السنّي، من دون أن يستبعد تحالف معظمهم في عدد من الدوائر، مع الثلاثي الذي يضم أحزاب «التقدمي» و«القوات» و«الكتائب».

في المقابل، يبدو بأن تبدّل خريطة التحالفات ستنسحب على النواب المنتمين إلى «قوى التغيير» الذين توحّدوا فور انتخابهم في كتلة نيابية، لكنهم سرعان ما تفرّقوا بانضمام بعضهم إلى أطراف المعارضة سابقاً قبل انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، بينما ارتأى بعضهم الآخر الانضواء في كتلة نيابية مستقلة، باستثناء قلة منهم تتعاون على القطعة مع «الثنائي» الشيعي.

مقر البرلمان اللبناني في بيروت (أ.ف.ب)

وعليه، لم يعد من خيار أمام التغييريين سوى توسيع دائرة الانفتاح على المرشحين المستقلين؛ ليكون في وسعهم التأسيس لتحالفات جديدة يخوضون على أساسها الانتخابات، لعلهم يستردون قوتهم ويسجّلون حضورهم في المنافسة، رغم أن بعضهم لا يزال يقيم تحالفاً مع أطراف المعارضة سابقاً (تحالف قوى التغيير)، بينما يراهن «الثنائي» الشيعي على قدرته في منع خصومه من اختراقه بتحريض بيئته للإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع، للتعويض عن تراجع حضوره بدءاً بالشارع السني، وإن كانت مصادره تشدد، على ضرورة الشروع ببدء إعمار البلدات المدمّرة وتشكو، كما تقول لـ«الشرق الأوسط»، من ربط إعمارها بحصرية السلاح بإصرار من المجتمع الدولي لتأليب بيئة الحزب ضده.

سيدة تحمل صورة زوجها الذي قُتل بالحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل خلال إدلائها بصوتها في الانتخابات البلدية بالنبطية جنوب لبنان (أرشيفية - إ.ب.أ)

لذلك؛ لا يمكن وضع الحراك النيابي على نار حامية ما لم يتم التوصل إلى تسوية لإخراج قانون الانتخاب من الاشتباك الذي يحاصره بالتلازم مع مبادرة «المستقبل» لحسم خياره الانتخابي.

لكن حسم النقاط العالقة لا يكفي لضمان إجراء الانتخابات في موعدها ما لم تتأمن الضمانات الأميركية بإلزام إسرائيل بعدم تعطيل إنجازها ووقف ضغطها على لبنان لاستدراجه للدخول في مفاوضات مباشرة، وبالتالي فإن توسيعها خروقها واعتداءاتها، يبقى تحت سقف السيطرة عليها، ما دام أنها محصورة بخضات أمنية يراد منها تسميم الأجواء؛ وهذا ما يضع الولايات المتحدة أمام مسؤوليتها لتوفير شبكة أمان بما أنها تصر على إتمام الاستحقاق النيابي، وتتعامل معه على أنه «الممر الإلزامي لإحداث تغيير سياسي» يؤدي إلى تقليص نفوذ «الثنائي» في المعادلة السياسية.

إلا أن مصادر دبلوماسية غربية تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، بأن واشنطن تعطي الأولوية لمواصلة حصارها المالي لـ«حزب الله»، وتتصرف على أنه أكثر من ضروري؛ لتضييق الخناق عليه، وربما يتقدم، مع الوقت، على حصرية السلاح، الذي سيتحول تلقائياً بمرور الزمن «خردة» لا جدوى منها، وسيصبح خارج الخدمة بالمفهوم القتالي للكلمة.


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».