كريبتوس... اللغز الذي أفلت من المخابرات وسقط في الأرشيف

خطأ يُهدد مزاداً بقيمة نصف مليون دولار

 منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
TT

كريبتوس... اللغز الذي أفلت من المخابرات وسقط في الأرشيف

 منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)

فتح النحات جيم سانبورن حساب بريده الإلكتروني في أحد أيام الشهر الماضي، متوقعاً الرسائل المعتادة من أشخاص يدّعون حل لغزه الشهير الذي يعود تاريخه إلى عقود. يقع منحوتة كريبتوس، أشهر أعمال سانبورن الفنية، في فناء بمقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا.

ويُجسّد كريبتوس، وهو منحوتة تُثير الأسرار وتُجسّدها، أربع رسائل مُشفّرة بحروف محفورة عبر صفيحة النحاس المُقوّسة. منذ أن كرّسته الوكالة عام 1990، نجح خبراء التشفير، سواءً كانوا محترفين أو هواة، في حل ثلاثة من هذه المقاطع، المعروفة باسم K1 وK2 وK3. لكن المقطع الرابع، K4، ظلّ صامداً دون فكّ.

كان سانبورن، البالغ من العمر 79 عاماً، في المراحل الأخيرة من بيع حل اللغز في مزاد علني. وقدّرت دار المزادات أن نص هذا المقطع، إلى جانب أوراق وقطع أثرية أخرى متعلقة به، سيُباع بما يتراوح بين 300 ألف و500 ألف دولار. وقال إنه ينوي استخدام العائدات لتغطية نفقاته الطبية في حال تعرضه لأزمات صحية محتملة، ولتمويل برامج للأشخاص ذوي الإعاقة. إلا أن رسالة البريد الإلكتروني التي تلقاها في 3 سبتمبر (أيلول) هددت هذه الخطة. حيث احتوى سطر موضوعها على الكلمات الأولى من المقطع الأخير من K4، وأظهر نص الرسالة بقية النص الذي تم حله.

ما أدى إلى تلك اللحظة هو مزيج من سوء التعامل مع الأوراق ومهارة التجسس المهووسة. وجد خبير تشفير هاوٍ وصديقه الحل أمام أعين كل من يرغب في التنقيب في أرشيفات مؤسسة «سميثسونيان». تم الكشف عن النص المخفي، مع ما قد يترتب على ذلك من آثار ضارة على عملية البيع، فما قيمة سر يعرفه شخص آخر؟ الشخص الذي تتبع الحل، جاريت كوبيك، صحافي وروائي مفتون منذ فترة طويلة بأعمال سانبورن.

في إعلان دار مزادات «آر آر»، الشركة التي تدير عملية البيع، رأى كوبيك إشارة إلى نسخ من «مخططات التشفير» المستخدمة لتشفير الرسالة، وذكر الإعلان أن النسخ الأصلية موجودة في «سميثسونيان». يعيش كوبيك في كاليفورنيا، لذلك طلب من صديقه في منطقة واشنطن، ريتشارد بيرن، وهو صحافي وكاتب مسرحي، طلب أوراق سانبورن من أرشيف «سميثسونيان» للفنون الأميركية.

منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)

قضى بايرن ساعات في تصوير وثائق في الأرشيف يوم 2 سبتمبر. في ذلك المساء، وبينما كان كوبيك يراجع الصور التي أرسلها صديقه، رأى قصاصات ورق، بعضها مثبت بشريط لاصق مصفر، فصدم قائلاً: «مهلاً - مكتوب عليها (ساعة برلين)!».

كانت هاتان الكلمتان دليلاً على لغز K4 الذي نشره سانبورن عامي 2010 و2014. واحتوت قصاصة أخرى على المزيد مما بدا أنه الرسالة الأصلية غير المشفرة، والمعروفة في علم التشفير باسم النص العادي، بما في ذلك كلمتا «شرق شمال شرق»، وهما دليلان نُشرا عام 2020. بلغ مجموع الأحرف 97 حرفاً، وهو عدد الأحرف في K4، جمعها كوبيك في نص مقروء.

قال كوبيك في مقابلة، مشيراً إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات التي تشكل أساس التشفير: «هذه مشكلة لطالما تناولها الجميع باعتبارها مشكلة تتعلق بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات». وجادل بأن علم التشفير لا يستطيع حل لغز كريبتوس، «لكن علم المكتبات يستطيع ذلك». قارن بايرن ما توصلوا إليه بمعلومات استخباراتية مفتوحة المصدر. في 3 سبتمبر (أيلول)، أرسل الرجلان بريدهما الإلكتروني إلى سانبورن، متضمناً تأكيداً بأن «اهتمامهما الرئيسي» هو «المضي قدماً دون تعريض مزادك القادم للخطر». وأجريا مكالمة هاتفية استمرت نصف ساعة أكد فيها سانبورن أن لديهم الحل. ووصف كوبيك تلك المحادثة بأنها «محادثة رائعة».

أرشيف جيم سانبورن المعروض للبيع في المزاد (آر آر للمزادات)

لكن في وقت لاحق من ذلك المساء، استعاد كوبيك ذكرياته مع محادثة ثانية، حيث قال إن سانبورن اقترح عليهما توقيع اتفاقيتي عدم إفصاح، ومن ثم الحصول على جزء من عائدات المزاد. قال كوبيك وبيرن إنهما اضطرا لرفض العرض، جزئياً، خوفاً من أن يجعلهما ذلك «طرفين في عملية احتيال» في المزاد. انتهت المكالمة إلى طريق مسدود: «لم يُرِد سانبورن أن يتحدثا، وشعرا بالإهانة من اقتراحه بتوقيع اتفاق التزام الصمت. كما أثار عرض المال استياءهما». قال بيرن: «إنه خط أحمر تماماً. غير قابل للتنفيذ. لن يحدث».

أوضح سانبورن في مقابلة أنه هو من جهّز قصاصات الورق التي عثر عليها الرجلان لمشاركة النص مع وكالة المخابرات المركزية. أدرجها عن طريق الخطأ في المجلدات التي جمعها قبل نحو عشر سنوات. حدث هذا في أثناء علاجه من مرض السرطان. قال: «لم أكن متأكداً من المدة التي سأبقى فيها على قيد الحياة، فجمعت جميع أوراقي على عجل» للأرشيف. صُدم عندما أدرك، بعد سنوات أن تلك القصاصات قد انتهت في المجموعة. تبادل سانبورن الرسائل منذ ذلك الحين مع كوبيك وبايرن، لكنهما لم يتوصلا إلى حل.

تجسّد منحوتة كريبتوس أربع رسائل مُشفّرة بحروف محفورة عبر صفيحة النحاس المُقوّسة (آر آر للمزادات)

بالتوازي مع ذلك، أثار كتالوج المزاد، على أكبر منتدى إلكتروني لعشاق كريبتوس، نقاشاً حول كنز «سميثسونيان». في 5 سبتمبر، أشار أحد الأعضاء إلى أن الوثائق قد أُغلقت ولم تعد متاحة. كان هذا من عمل سانبورن، الذي نجح، بعد حديثه مع كوبيك وبايرن، في إقناع المؤسسة بحظر الوصول إلى المواد حتى عام 2075.

ولكن دار المزادات لم تقف مكتوفة الأيدي. في الأسبوع الماضي، تلقى كوبيك وبايرن رسالة بريد إلكتروني من محامي دار مزادات «آر آر»، هددوا فيها باتخاذ إجراء قانوني في حال نشرهما النص، مشيرين إلى انتهاك حقوق النشر والتدخل في العقود. بلهجة مختلفة تماماً، ذكرت الرسالة أيضاً أنه إذا لم ينشرا النص، «فسيُنظر إليكما كأبطال في مجتمعات التشفير والاستخبارات»، وهي «قصة» سيسعد موكلهما «بمساعدتكما في الترويج لها».

يرى الرجلان أن المنطق القانوني مشكوك فيه، وقد عيّنا محامين. لكنهما يُقرّان أيضاً بالتكلفة الباهظة للدفاع عن نفسيهما. يقولان إنهما لا يخططان لنشر الحل. لكنهما أيضاً لا يميلان إلى توقيع وثيقة ملزمة قانوناً تتعهد بعدم القيام بذلك. كان من المقرر أن يبدأ المزاد يوم الخميس، وينتهي في 20 نوفمبر (تشرين الثاني). وقد كشفت دار المزادات عن اكتشاف الحل على موقعها الإلكتروني.

جانب من أرشيف سانبورن المعروض للبيع (آر آر للمزادات)

قال توماس سي دانزيغر، المحامي الذي يمثل عملاء في سوق الفن، إنه طالما بقيت الرسالة سرية، فإن هذا الإفصاح هو «أفضل ممارسة».

وبينما «من المفترض أن يؤثر ذلك على قيمة» البيع، «فإنه يبقى أقل تكلفة من مواجهة دعوى قضائية من مشترٍ ساخط في المستقبل». وأضاف دانزيغر أن الكشف عن النص العادي قد يكون له تأثير عميق على المزاد. ولكن بينما قد يُثبط الكشف عن النص العادي حماس المزايدين، قال: «قاعة المزاد مكان غريب». واستشهد بمثال شهير: «عمل فني لبانكسي دمر نفسه بعد بيعه في البداية مقابل 1.4 مليون دولار في دار (سوثبيز) للمزادات في لندن، مما «زاد من قيمته بشكل كبير».

وفي حالة كريبتوس، قال: «يُمزق السر أمام أعين العالم. هل يعني هذا أن قيمته أقل؟ أم أكثر؟ لا أعرف». قالت إيلونكا دونين، مصممة ألعاب تُسهم في قيادة النقاش الأكثر نشاطاً على الإنترنت حول كريبتوس، في مقابلة إنها تأمل ألا يُنشر النص. لكن بالنسبة لعشاق التشفير الحقيقيين، قالت إن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الحل، بل في معرفة كيفية الوصول إليه. وأضافت: «هذا هو الجزء المثير بالنسبة لي»، واقترحت أن يكون «القيمة الحقيقية» في المزاد. وقالت: «إذا لم تكن لديهم الطريقة، فلن يُحل الأمر».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

يوميات الشرق شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

تزاحم المئات في هونغ كونغ، الثلاثاء، لمشاهدة لوحة لفنسنت فان غوخ لم تُعرض على الجمهور منذ أكثر من 6 عقود...

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
يوميات الشرق قرنان يفصلان اليد عن بصمتها (أ.ب)

«رسالة حبّ كبرى» عمرها قرنان تعود إلى روما

المرة الأخيرة التي بيعت فيها اللوحة كانت عام 2014، حين دفع أحد هواة جمع الأعمال الفنية 30.3 مليون جنيه إسترليني لقاءها...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

«مجموعة أسطورية»، هكذا عدَّ أحد خبراء الفن الانطباعي المجموعةَ التي أعلنت دار سوذبيز عن بيعها وقدرت لها مبلغاً يقارب نصف مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق جيسيكا فينسنت تحمل زجاجة قديمة اشترتها بـ3.9 دولار لتُباع في مزاد لاحقاً بأكثر من 100 ألف دولار (أ.ب)

اشترتها بـ3.99 دولار وباعتها في مزاد بـ107 آلاف... مزهرية تصنع «صفقة العمر»

في الوقت الذي كان فيه معظم المتسوقين يرون في المزهرية مجرد قطعة زجاجية قديمة وسط أكوام من الأغراض المستعملة، رأت جيسيكا فينسنت شيئاً مختلفاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

جهود مصرية لإنقاذ «الحبارى الأفريقي» من الانقراض

طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)
طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)
TT

جهود مصرية لإنقاذ «الحبارى الأفريقي» من الانقراض

طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)
طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)

بعد إطلاقها نحو 2000 طائر حبارى أفريقي بمحمية «العميد» في مطروح (شمال غربي مصر) قبل 4 سنوات، تواصل مصر تكثيف جهودها لإنقاذ هذه الطيور من الانقراض الذي يسببه الصيد الجائر.

ويأتي مشروع إنقاذ «الحبارى الأفريقي» ضمن مشروعات الشراكة البيئية بين مصر و«الصندوق الدولي للحفاظ على طائر الحبارى» بدولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث عُقد اجتماع، الأحد، في القاهرة، ضم وزيرة التنمية المحلية والبيئة المصرية، الدكتورة منال عوض، ومجلس إدارة الصندوق، لبحث أوجه التعاون المصري الإماراتي في مجال حماية الحياة البرية.

وأكدت الدكتورة منال عوض حرص الوزارة على تعزيز التعاون في مجال حماية المحميات الطبيعية، والاستفادة من الخبرات العلمية المتخصصة في تطوير آليات الإدارة والحماية، بما يُسهم في الحفاظ على النظم البيئية وصون التنوع البيولوجي، مع مراعاة الخصائص الطبيعية لكل محمية واحتياجاتها البيئية للحفاظ عليها للأجيال القادمة.

وينتشر طائر «الحبارى الأفريقي» في دول شمال أفريقيا، ومنها مصر. وقد شهدت محمية «العميد» بمحافظة مطروح، في يونيو (حزيران) 2022، إطلاق 2000 طائر من هذا النوع وإعادة توطينها، في إطار بروتوكول التعاون بين جهاز شؤون البيئة في مصر و«الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى» بدولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يستهدف تنفيذ الأبحاث والأنشطة المشتركة لاستعادة طيور الحبارى والمحافظة عليها، وتبادل الخبرات ورفع القدرات الوطنية في مجال حماية الحياة البرية والإدارة المستدامة للطيور والأنواع الرئيسية.

طائر الحبارى الأفريقي معرض للانقراض (وزارة البيئة المصرية)

ويرى أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس، الدكتور عبد المسيح سمعان، أن جهود الحفاظ على طائر «الحبارى الأفريقي» تحمل أهمية مزدوجة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأهمية الأولى المباشرة هي إنقاذه من الانقراض، والأهمية الأكبر تتعلق بالحفاظ على التوازن البيئي والتنوع البيولوجي، وهو تنوع الأنواع والتنوع داخل النوع نفسه»، موضحاً أن «انقراض كائن ما معناه انقراض كائنات أخرى داخل ما يُسمى بالسلسلة الغذائية، ويؤثر الانقراض على صحة النظام البيئي وعلى الإنسان نفسه».

وخلال الاجتماع، وجّهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة المصرية بـ«تشكيل لجنة علمية متخصصة تضم خبراء من خارج الوزارة وممثلين عن قطاع المحميات الطبيعية، لإجراء دراسة متكاملة لمحمية (العميد)، تتناول خصائصها ومكوناتها وتكويناتها البيئية، وتقييم مقومات التنوع البيولوجي بها، وتحديد أفضل الآليات والإجراءات اللازمة لحماية مواردها الطبيعية وموائلها، بما يدعم استدامة نظمها البيئية».

جانب من عملية إطلاق طائر الحبارى في عام 2022 (وزارة البيئة المصرية)

ويؤكد سمعان أن «الجهود المصرية تهدف إلى استقرار النظام البيئي وتوازنه، بالحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض، فحتى أي كائنات لا تُمثل أهمية مباشرة للإنسان يجب الحفاظ عليها لضمان سلامة البيئة، وهو دور تقوم به المحميات الطبيعية المصرية؛ حيث تشكل هذه الكائنات شكلاً من أشكال التراث الطبيعي، ومنها الحبار الأفريقي».

وتقع محمية «العميد» على الساحل الشمالي الغربي بمحافظة مرسى مطروح، وتبلغ مساحتها 700 كيلومتر مربع، وأُعلنت محمية طبيعية عام 1986.

ووفق «الهيئة العامة للاستعلامات» المصرية، تشتمل البيئة الطبيعية للمحمية على أهم البيئات المتباينة الموجودة بالساحل الشمالي الغربي، ومنها الكثبان الرملية، والمستنقعات والمسطحات الملحية، والأراضي الضحلة المستوية، والسفوح الصخرية، والكثبان الرملية السيليكية الداخلية، والمسطحات الرملية، والوديان والمنخفضات ذات الأراضي الخصبة.

كما أن المنطقة مغطاة بتكوينات رسوبية من العصرين الميوسيني والهولوسيني، ومنها رواسب شاطئية وكثبان رملية ورواسب خلجانية وتكوينات طباشيرية.


«بيع الهواء»... ظاهرة تؤرق الإعلام المصري وتَصِم فضائياته

مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)
مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)
TT

«بيع الهواء»... ظاهرة تؤرق الإعلام المصري وتَصِم فضائياته

مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)
مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)

تصاعدت في الفترة الأخيرة ظاهرة «بيع الهواء» على فضائيات مصرية، أي تأجير ساعات بث لأشخاص أو شركات دون تدخل القنوات في المحتوى. ورصد المجلس الأعلى للإعلام تجاوزات عدّة، واستدعى، على فترات متباعدة، قنوات للتحقيق بشأنها. وعدّ خبراء ومتخصصون هذه الظاهرة مصدر قلق للإعلام المصري، إذ ترتبط باستغلال البث لأغراض تجارية أو للسعي إلى الشهرة والانتشار.

وقبل أيام، قرّرت لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام استدعاء الممثل القانوني لقناة «الحدث اليوم» لجلسة استماع، في ضوء ما رصدته الإدارة العامة للرصد بالمجلس من مخالفات للأكواد الإعلامية في محتوى حلقات برامج «نبض الوطن»، و«أمن وأمان»، و«خط أحمر»، و«المشوار مع روان».

وفي إطار مواجهة هذه الظاهرة، قررت اللجنة، في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، استدعاء الممثل القانوني لقناة «هي» لجلسة استماع، بعدما رصدت إدارة الرصد مخالفات للأكواد الإعلامية في محتوى حلقات برامج «حكايات مروة عزام»، و«بشرة خير» و«هي مش صدفة»، شملت خلط المادة الإعلامية بالإعلانية، والترويج لمنتجات تخسيس مجهولة المصدر، فضلاً عن ادّعاء تفسير الأحلام والرؤى.

ويُعرّف المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام نفسه، على صفحته بـ«فيسبوك»، بأنه «السلطة المختصة في مصر بحماية الرأي والفكر». وينظّم عمله القانون رقم (180) لسنة 2018 واللوائح المنظمة لعمله ولجانه المختصة.

ويؤكد المجلس دائماً مواصلته، عبر إداراته المختصة، متابعة ما يُتداول في وسائل الإعلام والصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، لرصد أي مخالفات لأحكام القانون أو الأكواد والمعايير المهنية والإعلامية، واتخاذ الإجراءات القانونية المقررة حيالها، ضماناً للالتزام بالقوانين والضوابط المنظمة.

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر تصدى لظاهرة بيع الهواء (فيسبوك)

من جانبه، يرى أستاذ الإعلام، الدكتور حسن علي، مؤسس جمعية حماية المشاهدين، أن «المشكلة تكمن في قانون ضمانات وحوافز الاستثمار، الذي أُنشئت بموجبه المنطقة الإعلامية الحرة في مدينة الإنتاج الإعلامي بمدينة السادس من أكتوبر، غرب القاهرة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا القانون يسمح لأي شخص لديه المال بإنشاء قناة وفقاً للشروط المحددة، من دون قواعد تُلزم القنوات بعدم بيع الهواء، ما يشير إلى عوار قانوني يحتاج إلى تعديل».

ولفت إلى أن «هذه الظاهرة قديمة، لكن عيوبها بدأت تطفو على السطح أخيراً، بعدما تسببت في تراجع مستوى المحتوى المقدَّم على الشاشة، وأتاحت لأشخاص مشبوهين وغير مؤهلين الظهور إعلامياً، من بينهم سارة خليفة، المحكوم عليها بالإعدام مؤخراً».

وأوضح أن «أدوات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في الرصد أو استقبال البلاغات محدودة، ويمكنه بعد رصد المخالفات تفعيل سلطته التي قد تصل إلى إغلاق القناة. ولكي يتابع المجلس الالتزام بأكواده الإعلامية، يجب أن يكون لديه مرصد يضم كفاءات وخبرات في الرصد والمتابعة، بما يمكّنه من أداء دوره».

ويؤكد حسن علي أن «هذه الظاهرة تصم قنوات، وتسيء إلى المهنة، بل إلى الدولة أيضاً، من خلال طرح موضوعات غريبة بحثاً عن (فرقعات) إعلامية».

ومن القرارات التي اتخذها المجلس في هذا الصدد، خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، وقف بث 3 برامج عبر قناتَي «الحدث اليوم» و«الشمس»، بعدما رصدت الإدارة العامة للرصد مخالفات للأكواد الإعلامية في محتواها، وخلطاً للمادة الإعلامية بالإعلانية. وشمل القرار برنامجَي «من الجاني؟» و«الكورة مع الناشئين» على قناة «الحدث اليوم»، وبرنامج «من القلب» على قناة «الشمس»، وفق بيان للمجلس. كما قرر استدعاء الممثل القانوني لمجموعة قنوات «بانوراما» لجلسة استماع، لمخالفة بعض القرارات والضوابط التنظيمية الصادرة عنه.

وترى الدكتورة سارة فوزي، المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز بحوث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، أن «استمرار بيع الهواء وتكرار الخروقات يستدعيان مواقف حازمة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تشمل وقف برامج لفترات طويلة، وفرض غرامات بالملايين، بدلاً من الغرامات الحالية، مع ضرورة أن تتخذ نقابة الإعلاميين موقفاً جاداً بمساءلة المذيعين عن مخالفاتهم».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «برامج شراء الهواء تروّج، للأسف، لخرافات وتبتعد عن التفكير العلمي، فضلاً عن تقديم نصائح للأسرة المصرية تخالف القيم والتقاليد. وتندرج ضمن هذا الإطار أيضاً برامج طبية غريبة، وإعلانات لم تعد تقتصر على البرامج الطبية، بل تُبثّ خلال برامج الطبخ وغيرها من برامج شراء الهواء، ويُسمح فيها لأطباء بالإعلان عن عيادات وعقاقير».

ويدرس «الأعلى للإعلام» مشروع لائحة مقدَّماً من نقابة أطباء مصر لتنظيم ظهور الأطباء في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، يتضمن ضوابط تمنع استغلال الظهور الإعلامي للترويج لمصالح شخصية أو لجهات أخرى. كما يحظر المشروع تقديم معلومات طبية مضللة أو غير دقيقة، والترويج لعلاجات ونتائج غير مثبتة علمياً، وادّعاء قدرات علاجية غير مؤكدة، فضلاً عن الترويج لأدوية أو أنظمة غذائية أو علاجية غير معترف بها رسمياً.


«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)
«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)
TT

«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)
«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

يوثِّق فيلم «عودة كابتن كابونجا» أحلام وخيبات المصارع المصري أشرف محروس، الملقب بـ«أقوى رجل في العالم»، بعدما استطاع تحطيم 3 أرقام بموسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، من بينها: «سَحب قطار كامل يزن 279 رطلاً بأسنانه فقط،»، و«تحريك سفينة يصل وزنها إلى 700 طن» بساحل البحر الأحمر.

الفيلم الذي ينافس في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، شهد حضوراً لافتاً من الفنانين وصناع الأفلام، خلال عرضه العالمي الأول، السبت، ومن بينهم: أمينة خليل، وشريف منير، وخالد الصاوي، وأشرف عبد الباقي، وحسن الرداد، وريهام حجاج، ونجلاء بدر، وركين سعد. كما استقبلت السجادة الحمراء طاقم الفيلم، وفي مقدمتهم كابتن كابونجا، والمخرج أمير الشناوي الذي قال خلال كلمته إن «الفيلم حاز 6 جوائز في الدورة الماضية من منصة (سيني جونة)، وهو ما ساعدنا على الوجود هنا»، معبراً عن تقديره لفريق العمل الذي شاركه على مدى 5 سنوات استغرقها الفيلم، ما بين تطوير وتصوير.

«كابونجا» يستعرض قوته مع ابنته في أحد مشاهد الفيلم (الشركة المنتجة)

وكتب المخرج كريم الشناوي عبر حسابه على «فيسبوك» معبراً عن سعادته وفخره باختيار فيلم شقيقه أمير الشناوي بمسابقة الجونة، كما عبر عن سعادته شخصياً لمشاركته بجزء صغير في إنتاجه، وبالجهد الذي بذله فريق العمل على مدى 5 سنوات، في ظل مجهود كبير قام به أمير والمنتج أحمد فتحي، ليكون الفيلم جاهزاً للعرض.

الفيلم من إنتاج أحمد عبد السلام، وقد حاز دعماً من صندوق البحر الأحمر، ومن الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، إلى جانب منصة «سيني جونة».

ويتتبع الفيلم رحلة مصارع استثنائي ينتمي لبلدة صغيرة على أطراف محافظة الإسماعيلية (شرق القاهرة) يسعى إلى إحياء حلمه بنشر لعبة المصارعة، وإقامة حلبة جديدة لتكوين فريق من المصارعين الشباب وتدريبهم للوصول للعالمية، بعدما أجبرته جائحة «كورونا» على التوقف، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعته لبيع الحلبة التي أقامها في أرض فضاء بقريته.

وعلى الرغم من نجاحاته التي حققها وشهادة موسوعة «غينيس» التي حازها، وتكريم وزير الشباب والرياضة المصري له، فإنه بلا وظيفة دائمة، رغم ارتباطه بزوجتين وعدد من الأطفال، لذا تقول والدته بأسى: «كنت أتمنى أن تكون له وظيفة ودخل من أجل أولاده».

طاقم الفيلم على السجادة الحمراء بمهرجان الجونة (إدارة المهرجان)

ويقترب الفيلم من ذلك الجانب الهش في حياة هذا الرجل العملاق، ضخم الجثة طيب القلب، وكيف أثَّرت عليه الصعوبات الاقتصادية المتزايدة. فقد سافر إلى دولة الإمارات في رحلة للبحث عن عمل يضمن له قدراً من الاستقرار لتحقيق حلمه، غير أنه يعود بخيبة أمل، ويكتشف أن شغفه الكبير لا يؤدي بالضرورة إلى مصدر دخل ثابت يعينه على إعالة أسرته، وأن دخوله موسوعة «غينيس» لا يؤدي إلا لنجاح عابر لا يعينه حتى على إعالة نفسه كرجل تناول 30 بيضة نيئة كمشروب في دقيقة، ضمن أحداث وثَّقها الفيلم في حياته.

ويتولى المنتج محمد حفظي توزيع الفيلم من خلال شركته، وهذه هي أول مرة يتصدى فيها حفظي لتوزيع فيلم وثائقي. ويقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تحمسنا لهذا الفيلم تحديداً، ولمخرجه أمير الشناوي، وبطله كابتن كابونجا، وهو شخصية مثيرة للاهتمام، وشعرنا بأن الفيلم سيكون به عنصر جذب جماهيري، وجاء العرض بالمهرجان فرصةً لاختبار ذلك، وقد تفاعل الجمهور بشكل رائع مع الفيلم، ونتطلع لعرضه تجارياً بدور العرض بمصر والدول العربية، بعد مشاركته بجولة في المهرجانات.

كابونجا ووالدته في لقطة من الفيلم وخلفهما شهادات «غينيس» على الحائط (الشركة المنتجة)

وعَدَّ الناقد الفني المصري سيد محمود فيلم «عودة كابتن كابونجا» محاولة لتوثيق حياة رياضي معروف بقوته الخارقة. ويقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «كابونجا صنع شهرته ونجوميته بنفسه. وقد قدَّم أمير الشناوي فيلمه ببساطة بعيداً عن الإثارة؛ بل نقل الصورة بواقعها المرير»، لافتاً إلى أن «الفيلم لم تكن به صورة سينمائية لافتة».

ويُعد فيلم «عودة كابتن كابونجا» رابع أفلام المخرج الشاب أمير الشناوي بعد فيلمَيه الوثائقيين الطويلين «الكيلو 64» و«سبع قمم»، وفيلم «إدريس» الوثائقي القصير، وقد حازت أفلامه جوائز عدة.

ويشير الناقد حسام الخولي إلى أن «أول شيء يتبادر إلى ذهن المشاهد بعد مشاهدة الفيلم هو سؤال: عن أي عودة يتحدث الفيلم؟»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «كابونجا يدور في حلقة مفرغة داخل حلم لم يتحقق، يُدرك خلاله أن عليه أن يسعد بما كان يملكه في البداية، وفق رؤية الفيلم».

وأشار الخولي إلى أنه «خلال هذه الرحلة لا يستقر المخرج تماماً على الصورة التي يريد خلقها للبطل لدى المتفرج، مما يخلق نوعاً من الارتباك بين التعاطف والسخرية تجاه أفعال البطل»، على حد تعبيره.