كريبتوس... اللغز الذي أفلت من المخابرات وسقط في الأرشيف

خطأ يُهدد مزاداً بقيمة نصف مليون دولار

 منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
TT

كريبتوس... اللغز الذي أفلت من المخابرات وسقط في الأرشيف

 منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)

فتح النحات جيم سانبورن حساب بريده الإلكتروني في أحد أيام الشهر الماضي، متوقعاً الرسائل المعتادة من أشخاص يدّعون حل لغزه الشهير الذي يعود تاريخه إلى عقود. يقع منحوتة كريبتوس، أشهر أعمال سانبورن الفنية، في فناء بمقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا.

ويُجسّد كريبتوس، وهو منحوتة تُثير الأسرار وتُجسّدها، أربع رسائل مُشفّرة بحروف محفورة عبر صفيحة النحاس المُقوّسة. منذ أن كرّسته الوكالة عام 1990، نجح خبراء التشفير، سواءً كانوا محترفين أو هواة، في حل ثلاثة من هذه المقاطع، المعروفة باسم K1 وK2 وK3. لكن المقطع الرابع، K4، ظلّ صامداً دون فكّ.

كان سانبورن، البالغ من العمر 79 عاماً، في المراحل الأخيرة من بيع حل اللغز في مزاد علني. وقدّرت دار المزادات أن نص هذا المقطع، إلى جانب أوراق وقطع أثرية أخرى متعلقة به، سيُباع بما يتراوح بين 300 ألف و500 ألف دولار. وقال إنه ينوي استخدام العائدات لتغطية نفقاته الطبية في حال تعرضه لأزمات صحية محتملة، ولتمويل برامج للأشخاص ذوي الإعاقة. إلا أن رسالة البريد الإلكتروني التي تلقاها في 3 سبتمبر (أيلول) هددت هذه الخطة. حيث احتوى سطر موضوعها على الكلمات الأولى من المقطع الأخير من K4، وأظهر نص الرسالة بقية النص الذي تم حله.

ما أدى إلى تلك اللحظة هو مزيج من سوء التعامل مع الأوراق ومهارة التجسس المهووسة. وجد خبير تشفير هاوٍ وصديقه الحل أمام أعين كل من يرغب في التنقيب في أرشيفات مؤسسة «سميثسونيان». تم الكشف عن النص المخفي، مع ما قد يترتب على ذلك من آثار ضارة على عملية البيع، فما قيمة سر يعرفه شخص آخر؟ الشخص الذي تتبع الحل، جاريت كوبيك، صحافي وروائي مفتون منذ فترة طويلة بأعمال سانبورن.

في إعلان دار مزادات «آر آر»، الشركة التي تدير عملية البيع، رأى كوبيك إشارة إلى نسخ من «مخططات التشفير» المستخدمة لتشفير الرسالة، وذكر الإعلان أن النسخ الأصلية موجودة في «سميثسونيان». يعيش كوبيك في كاليفورنيا، لذلك طلب من صديقه في منطقة واشنطن، ريتشارد بيرن، وهو صحافي وكاتب مسرحي، طلب أوراق سانبورن من أرشيف «سميثسونيان» للفنون الأميركية.

منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)

قضى بايرن ساعات في تصوير وثائق في الأرشيف يوم 2 سبتمبر. في ذلك المساء، وبينما كان كوبيك يراجع الصور التي أرسلها صديقه، رأى قصاصات ورق، بعضها مثبت بشريط لاصق مصفر، فصدم قائلاً: «مهلاً - مكتوب عليها (ساعة برلين)!».

كانت هاتان الكلمتان دليلاً على لغز K4 الذي نشره سانبورن عامي 2010 و2014. واحتوت قصاصة أخرى على المزيد مما بدا أنه الرسالة الأصلية غير المشفرة، والمعروفة في علم التشفير باسم النص العادي، بما في ذلك كلمتا «شرق شمال شرق»، وهما دليلان نُشرا عام 2020. بلغ مجموع الأحرف 97 حرفاً، وهو عدد الأحرف في K4، جمعها كوبيك في نص مقروء.

قال كوبيك في مقابلة، مشيراً إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات التي تشكل أساس التشفير: «هذه مشكلة لطالما تناولها الجميع باعتبارها مشكلة تتعلق بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات». وجادل بأن علم التشفير لا يستطيع حل لغز كريبتوس، «لكن علم المكتبات يستطيع ذلك». قارن بايرن ما توصلوا إليه بمعلومات استخباراتية مفتوحة المصدر. في 3 سبتمبر (أيلول)، أرسل الرجلان بريدهما الإلكتروني إلى سانبورن، متضمناً تأكيداً بأن «اهتمامهما الرئيسي» هو «المضي قدماً دون تعريض مزادك القادم للخطر». وأجريا مكالمة هاتفية استمرت نصف ساعة أكد فيها سانبورن أن لديهم الحل. ووصف كوبيك تلك المحادثة بأنها «محادثة رائعة».

أرشيف جيم سانبورن المعروض للبيع في المزاد (آر آر للمزادات)

لكن في وقت لاحق من ذلك المساء، استعاد كوبيك ذكرياته مع محادثة ثانية، حيث قال إن سانبورن اقترح عليهما توقيع اتفاقيتي عدم إفصاح، ومن ثم الحصول على جزء من عائدات المزاد. قال كوبيك وبيرن إنهما اضطرا لرفض العرض، جزئياً، خوفاً من أن يجعلهما ذلك «طرفين في عملية احتيال» في المزاد. انتهت المكالمة إلى طريق مسدود: «لم يُرِد سانبورن أن يتحدثا، وشعرا بالإهانة من اقتراحه بتوقيع اتفاق التزام الصمت. كما أثار عرض المال استياءهما». قال بيرن: «إنه خط أحمر تماماً. غير قابل للتنفيذ. لن يحدث».

أوضح سانبورن في مقابلة أنه هو من جهّز قصاصات الورق التي عثر عليها الرجلان لمشاركة النص مع وكالة المخابرات المركزية. أدرجها عن طريق الخطأ في المجلدات التي جمعها قبل نحو عشر سنوات. حدث هذا في أثناء علاجه من مرض السرطان. قال: «لم أكن متأكداً من المدة التي سأبقى فيها على قيد الحياة، فجمعت جميع أوراقي على عجل» للأرشيف. صُدم عندما أدرك، بعد سنوات أن تلك القصاصات قد انتهت في المجموعة. تبادل سانبورن الرسائل منذ ذلك الحين مع كوبيك وبايرن، لكنهما لم يتوصلا إلى حل.

تجسّد منحوتة كريبتوس أربع رسائل مُشفّرة بحروف محفورة عبر صفيحة النحاس المُقوّسة (آر آر للمزادات)

بالتوازي مع ذلك، أثار كتالوج المزاد، على أكبر منتدى إلكتروني لعشاق كريبتوس، نقاشاً حول كنز «سميثسونيان». في 5 سبتمبر، أشار أحد الأعضاء إلى أن الوثائق قد أُغلقت ولم تعد متاحة. كان هذا من عمل سانبورن، الذي نجح، بعد حديثه مع كوبيك وبايرن، في إقناع المؤسسة بحظر الوصول إلى المواد حتى عام 2075.

ولكن دار المزادات لم تقف مكتوفة الأيدي. في الأسبوع الماضي، تلقى كوبيك وبايرن رسالة بريد إلكتروني من محامي دار مزادات «آر آر»، هددوا فيها باتخاذ إجراء قانوني في حال نشرهما النص، مشيرين إلى انتهاك حقوق النشر والتدخل في العقود. بلهجة مختلفة تماماً، ذكرت الرسالة أيضاً أنه إذا لم ينشرا النص، «فسيُنظر إليكما كأبطال في مجتمعات التشفير والاستخبارات»، وهي «قصة» سيسعد موكلهما «بمساعدتكما في الترويج لها».

يرى الرجلان أن المنطق القانوني مشكوك فيه، وقد عيّنا محامين. لكنهما يُقرّان أيضاً بالتكلفة الباهظة للدفاع عن نفسيهما. يقولان إنهما لا يخططان لنشر الحل. لكنهما أيضاً لا يميلان إلى توقيع وثيقة ملزمة قانوناً تتعهد بعدم القيام بذلك. كان من المقرر أن يبدأ المزاد يوم الخميس، وينتهي في 20 نوفمبر (تشرين الثاني). وقد كشفت دار المزادات عن اكتشاف الحل على موقعها الإلكتروني.

جانب من أرشيف سانبورن المعروض للبيع (آر آر للمزادات)

قال توماس سي دانزيغر، المحامي الذي يمثل عملاء في سوق الفن، إنه طالما بقيت الرسالة سرية، فإن هذا الإفصاح هو «أفضل ممارسة».

وبينما «من المفترض أن يؤثر ذلك على قيمة» البيع، «فإنه يبقى أقل تكلفة من مواجهة دعوى قضائية من مشترٍ ساخط في المستقبل». وأضاف دانزيغر أن الكشف عن النص العادي قد يكون له تأثير عميق على المزاد. ولكن بينما قد يُثبط الكشف عن النص العادي حماس المزايدين، قال: «قاعة المزاد مكان غريب». واستشهد بمثال شهير: «عمل فني لبانكسي دمر نفسه بعد بيعه في البداية مقابل 1.4 مليون دولار في دار (سوثبيز) للمزادات في لندن، مما «زاد من قيمته بشكل كبير».

وفي حالة كريبتوس، قال: «يُمزق السر أمام أعين العالم. هل يعني هذا أن قيمته أقل؟ أم أكثر؟ لا أعرف». قالت إيلونكا دونين، مصممة ألعاب تُسهم في قيادة النقاش الأكثر نشاطاً على الإنترنت حول كريبتوس، في مقابلة إنها تأمل ألا يُنشر النص. لكن بالنسبة لعشاق التشفير الحقيقيين، قالت إن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الحل، بل في معرفة كيفية الوصول إليه. وأضافت: «هذا هو الجزء المثير بالنسبة لي»، واقترحت أن يكون «القيمة الحقيقية» في المزاد. وقالت: «إذا لم تكن لديهم الطريقة، فلن يُحل الأمر».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

يوميات الشرق حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)

إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

من المقرَّر عرض نسخة موقَّعة ومكتوب عليها إهداء من الطبعة الأولى لرواية «أورلاندو» لفيرجينيا وولف، التي أهدتها إلى طبّاختها ومديرة منزلها نيلي بوكسال، للبيع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)

لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

بيعت لوحة فنية صغيرة مرسومة بالطباشير بعنوان «الأسد الصغير يستريح» بريشة الفنان رامبرانت بسعر قياسي بلغ 18 مليون دولار أميركي في مزاد «سوذبي» بمدينة نيويورك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

للمرة الأولى منذ عشر سنوات تعرض لوحة للفنان العالمي في مزاد لدار سوذبيز في شهر فبراير (شباط) المقبل. اللوحة «شبل صغير يستريح» من مقتنيات مجموعة «ليدن» الشهيرة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)

بيع سمكة تونة زرقاء مقابل 3.27 مليون دولار في اليابان

دفع مالك سلسلة مطاعم سوشي مبلغاً قياسياً قدره 3.27 مليون دولار (510.3 مليون ين) مقابل سمكة تونة زرقاء عملاقة طُرحت في مزاد رأس السنة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.