كريبتوس... اللغز الذي أفلت من المخابرات وسقط في الأرشيف

خطأ يُهدد مزاداً بقيمة نصف مليون دولار

 منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
TT

كريبتوس... اللغز الذي أفلت من المخابرات وسقط في الأرشيف

 منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)

فتح النحات جيم سانبورن حساب بريده الإلكتروني في أحد أيام الشهر الماضي، متوقعاً الرسائل المعتادة من أشخاص يدّعون حل لغزه الشهير الذي يعود تاريخه إلى عقود. يقع منحوتة كريبتوس، أشهر أعمال سانبورن الفنية، في فناء بمقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا.

ويُجسّد كريبتوس، وهو منحوتة تُثير الأسرار وتُجسّدها، أربع رسائل مُشفّرة بحروف محفورة عبر صفيحة النحاس المُقوّسة. منذ أن كرّسته الوكالة عام 1990، نجح خبراء التشفير، سواءً كانوا محترفين أو هواة، في حل ثلاثة من هذه المقاطع، المعروفة باسم K1 وK2 وK3. لكن المقطع الرابع، K4، ظلّ صامداً دون فكّ.

كان سانبورن، البالغ من العمر 79 عاماً، في المراحل الأخيرة من بيع حل اللغز في مزاد علني. وقدّرت دار المزادات أن نص هذا المقطع، إلى جانب أوراق وقطع أثرية أخرى متعلقة به، سيُباع بما يتراوح بين 300 ألف و500 ألف دولار. وقال إنه ينوي استخدام العائدات لتغطية نفقاته الطبية في حال تعرضه لأزمات صحية محتملة، ولتمويل برامج للأشخاص ذوي الإعاقة. إلا أن رسالة البريد الإلكتروني التي تلقاها في 3 سبتمبر (أيلول) هددت هذه الخطة. حيث احتوى سطر موضوعها على الكلمات الأولى من المقطع الأخير من K4، وأظهر نص الرسالة بقية النص الذي تم حله.

ما أدى إلى تلك اللحظة هو مزيج من سوء التعامل مع الأوراق ومهارة التجسس المهووسة. وجد خبير تشفير هاوٍ وصديقه الحل أمام أعين كل من يرغب في التنقيب في أرشيفات مؤسسة «سميثسونيان». تم الكشف عن النص المخفي، مع ما قد يترتب على ذلك من آثار ضارة على عملية البيع، فما قيمة سر يعرفه شخص آخر؟ الشخص الذي تتبع الحل، جاريت كوبيك، صحافي وروائي مفتون منذ فترة طويلة بأعمال سانبورن.

في إعلان دار مزادات «آر آر»، الشركة التي تدير عملية البيع، رأى كوبيك إشارة إلى نسخ من «مخططات التشفير» المستخدمة لتشفير الرسالة، وذكر الإعلان أن النسخ الأصلية موجودة في «سميثسونيان». يعيش كوبيك في كاليفورنيا، لذلك طلب من صديقه في منطقة واشنطن، ريتشارد بيرن، وهو صحافي وكاتب مسرحي، طلب أوراق سانبورن من أرشيف «سميثسونيان» للفنون الأميركية.

منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)

قضى بايرن ساعات في تصوير وثائق في الأرشيف يوم 2 سبتمبر. في ذلك المساء، وبينما كان كوبيك يراجع الصور التي أرسلها صديقه، رأى قصاصات ورق، بعضها مثبت بشريط لاصق مصفر، فصدم قائلاً: «مهلاً - مكتوب عليها (ساعة برلين)!».

كانت هاتان الكلمتان دليلاً على لغز K4 الذي نشره سانبورن عامي 2010 و2014. واحتوت قصاصة أخرى على المزيد مما بدا أنه الرسالة الأصلية غير المشفرة، والمعروفة في علم التشفير باسم النص العادي، بما في ذلك كلمتا «شرق شمال شرق»، وهما دليلان نُشرا عام 2020. بلغ مجموع الأحرف 97 حرفاً، وهو عدد الأحرف في K4، جمعها كوبيك في نص مقروء.

قال كوبيك في مقابلة، مشيراً إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات التي تشكل أساس التشفير: «هذه مشكلة لطالما تناولها الجميع باعتبارها مشكلة تتعلق بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات». وجادل بأن علم التشفير لا يستطيع حل لغز كريبتوس، «لكن علم المكتبات يستطيع ذلك». قارن بايرن ما توصلوا إليه بمعلومات استخباراتية مفتوحة المصدر. في 3 سبتمبر (أيلول)، أرسل الرجلان بريدهما الإلكتروني إلى سانبورن، متضمناً تأكيداً بأن «اهتمامهما الرئيسي» هو «المضي قدماً دون تعريض مزادك القادم للخطر». وأجريا مكالمة هاتفية استمرت نصف ساعة أكد فيها سانبورن أن لديهم الحل. ووصف كوبيك تلك المحادثة بأنها «محادثة رائعة».

أرشيف جيم سانبورن المعروض للبيع في المزاد (آر آر للمزادات)

لكن في وقت لاحق من ذلك المساء، استعاد كوبيك ذكرياته مع محادثة ثانية، حيث قال إن سانبورن اقترح عليهما توقيع اتفاقيتي عدم إفصاح، ومن ثم الحصول على جزء من عائدات المزاد. قال كوبيك وبيرن إنهما اضطرا لرفض العرض، جزئياً، خوفاً من أن يجعلهما ذلك «طرفين في عملية احتيال» في المزاد. انتهت المكالمة إلى طريق مسدود: «لم يُرِد سانبورن أن يتحدثا، وشعرا بالإهانة من اقتراحه بتوقيع اتفاق التزام الصمت. كما أثار عرض المال استياءهما». قال بيرن: «إنه خط أحمر تماماً. غير قابل للتنفيذ. لن يحدث».

أوضح سانبورن في مقابلة أنه هو من جهّز قصاصات الورق التي عثر عليها الرجلان لمشاركة النص مع وكالة المخابرات المركزية. أدرجها عن طريق الخطأ في المجلدات التي جمعها قبل نحو عشر سنوات. حدث هذا في أثناء علاجه من مرض السرطان. قال: «لم أكن متأكداً من المدة التي سأبقى فيها على قيد الحياة، فجمعت جميع أوراقي على عجل» للأرشيف. صُدم عندما أدرك، بعد سنوات أن تلك القصاصات قد انتهت في المجموعة. تبادل سانبورن الرسائل منذ ذلك الحين مع كوبيك وبايرن، لكنهما لم يتوصلا إلى حل.

تجسّد منحوتة كريبتوس أربع رسائل مُشفّرة بحروف محفورة عبر صفيحة النحاس المُقوّسة (آر آر للمزادات)

بالتوازي مع ذلك، أثار كتالوج المزاد، على أكبر منتدى إلكتروني لعشاق كريبتوس، نقاشاً حول كنز «سميثسونيان». في 5 سبتمبر، أشار أحد الأعضاء إلى أن الوثائق قد أُغلقت ولم تعد متاحة. كان هذا من عمل سانبورن، الذي نجح، بعد حديثه مع كوبيك وبايرن، في إقناع المؤسسة بحظر الوصول إلى المواد حتى عام 2075.

ولكن دار المزادات لم تقف مكتوفة الأيدي. في الأسبوع الماضي، تلقى كوبيك وبايرن رسالة بريد إلكتروني من محامي دار مزادات «آر آر»، هددوا فيها باتخاذ إجراء قانوني في حال نشرهما النص، مشيرين إلى انتهاك حقوق النشر والتدخل في العقود. بلهجة مختلفة تماماً، ذكرت الرسالة أيضاً أنه إذا لم ينشرا النص، «فسيُنظر إليكما كأبطال في مجتمعات التشفير والاستخبارات»، وهي «قصة» سيسعد موكلهما «بمساعدتكما في الترويج لها».

يرى الرجلان أن المنطق القانوني مشكوك فيه، وقد عيّنا محامين. لكنهما يُقرّان أيضاً بالتكلفة الباهظة للدفاع عن نفسيهما. يقولان إنهما لا يخططان لنشر الحل. لكنهما أيضاً لا يميلان إلى توقيع وثيقة ملزمة قانوناً تتعهد بعدم القيام بذلك. كان من المقرر أن يبدأ المزاد يوم الخميس، وينتهي في 20 نوفمبر (تشرين الثاني). وقد كشفت دار المزادات عن اكتشاف الحل على موقعها الإلكتروني.

جانب من أرشيف سانبورن المعروض للبيع (آر آر للمزادات)

قال توماس سي دانزيغر، المحامي الذي يمثل عملاء في سوق الفن، إنه طالما بقيت الرسالة سرية، فإن هذا الإفصاح هو «أفضل ممارسة».

وبينما «من المفترض أن يؤثر ذلك على قيمة» البيع، «فإنه يبقى أقل تكلفة من مواجهة دعوى قضائية من مشترٍ ساخط في المستقبل». وأضاف دانزيغر أن الكشف عن النص العادي قد يكون له تأثير عميق على المزاد. ولكن بينما قد يُثبط الكشف عن النص العادي حماس المزايدين، قال: «قاعة المزاد مكان غريب». واستشهد بمثال شهير: «عمل فني لبانكسي دمر نفسه بعد بيعه في البداية مقابل 1.4 مليون دولار في دار (سوثبيز) للمزادات في لندن، مما «زاد من قيمته بشكل كبير».

وفي حالة كريبتوس، قال: «يُمزق السر أمام أعين العالم. هل يعني هذا أن قيمته أقل؟ أم أكثر؟ لا أعرف». قالت إيلونكا دونين، مصممة ألعاب تُسهم في قيادة النقاش الأكثر نشاطاً على الإنترنت حول كريبتوس، في مقابلة إنها تأمل ألا يُنشر النص. لكن بالنسبة لعشاق التشفير الحقيقيين، قالت إن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الحل، بل في معرفة كيفية الوصول إليه. وأضافت: «هذا هو الجزء المثير بالنسبة لي»، واقترحت أن يكون «القيمة الحقيقية» في المزاد. وقالت: «إذا لم تكن لديهم الطريقة، فلن يُحل الأمر».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

لوحتان لمونيه لم تُعرضا أمام العامّة تُطرحان في مزاد بباريس

يوميات الشرق لوحة «آيرس» التي رسمها الفنان كلود مونيه في أيامه الأخيرة خلال ظهورها بمزاد تُقيمه دار «سوذبيز» (رويترز)

لوحتان لمونيه لم تُعرضا أمام العامّة تُطرحان في مزاد بباريس

ستُطرَح لوحتان للفنان كلود مونيه لم تُعرضا للعامّة مطلقاً، في مزاد تُقيمه دار «سوذبيز» بباريس، في إطار عملية بيع مجموعة فنية تعود لعائلة شلومبرجيه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الأميرة ديانا ترتدي الفستان الشهير (أرشيفية-غيتي)

ما قصة ارتداء الأميرة ديانا «فستان الانتقام»؟

تعتزم دار «سوذبيز» أن تعرض للبيع في مزاد بنيويورك، خلال ديسمبر، «فستان الانتقام» للأميرة الراحلة ديانا... فما قصة الفستان؟ ولماذا ارتدته؟ وما علاقته بالخيانة؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الأميرة ديانا مرتدية «فستان الانتقام» (أ.ف.ب - أرشيفية)

«فستان الانتقام» للأميرة ديانا سيعرض مجدداً للبيع في مزاد

تعتزم دار «سوذبيز» أن تعرض للبيع في مزاد في نيويورك خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، «فستان الانتقام» للأميرة الراحلة ديانا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية كان متوقعاً أن تصل قيمة كرة «أديداس أزتيكا» إلى نحو 10 ملايين دولار (أ.ف.ب)

كرة «هدف القرن» لمارادونا تُباع مقابل 3.4 مليون دولار

بِيعت الكرة التي سجل بها الأسطورة الأرجنتيني دييغو مارادونا هدفه الشهير بـ«اليد» في مرمى إنجلترا مقابل 3.4 مليون دولار خلال مزاد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ماتت فيديا وبقي غاندي يطرق باب زوجها بالحبر («سافرون آرت» في «إنستغرام»)

غاندي يواسي صديقاً مفجوعاً بـ688 رسالة تُباع بالملايين

بيعت مجموعة تضمّ 688 تأمّلاً ورسالة بخط يد المهاتما غاندي مقابل 1.2 مليون جنيه إسترليني في مزاد أُقيم في الهند.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مونتي دون قد يضطر إلى الاستغناء عن بستانييه بعد مغادرة «عالم الحدائق»

لا تعني مغادرته «عالم الحدائق» اعتزال التلفزيون
لا تعني مغادرته «عالم الحدائق» اعتزال التلفزيون
TT

مونتي دون قد يضطر إلى الاستغناء عن بستانييه بعد مغادرة «عالم الحدائق»

لا تعني مغادرته «عالم الحدائق» اعتزال التلفزيون
لا تعني مغادرته «عالم الحدائق» اعتزال التلفزيون

لم يقتصر أثر قرار مونتي دون مغادرة برنامج «عالم الحدائق» (Gardeners’ World) على الشاشة. فمقدَّم البرامج البريطاني كشف أنه قد يضطر إلى الاستغناء عن البستانيين اللذين يعتنيان في حديقته «لونغميدو»، بعد انتهاء مساهمة هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في دفع جزء من أجورهما. ومع اقتراب ختام موسمه الأخير، أصبح عليه أن يبحث عن طريقة لتمويل العناية بالحديقة التي عرفها ملايين المشاهدين عبر البرنامج.

وفي حديث أمام جمهور معرض مالفيرن الخريفي للزهور، نقلته صحيفة «الغارديان» البريطانية، الأحد، قال دون، البالغ 71 عاماً، إن الاستعانة ببستانيين يعملان بدوام كامل كانت جزءاً من ترتيبات عمله مع «بي بي سي» منذ بدأ تصوير البرنامج في حديقته عام 2011. وشرح أن «لونغميدو» كان ينبغي أن تظلَّ جاهزة للكاميرات باستمرار، حتى عندما يغادر هو لتصوير أعمال في أماكن أخرى. وكانت الهيئة تسهم في أجري العاملين، وفق دون، لكن هذه المساهمة ستتوقف برحيله عن البرنامج. ولم يقل إنه اتخذ قراراً بفصلهما؛ بل أوضح أنه يفكر في وسائل تدرُّ دخلاً من الحديقة، بما يساعده على الاحتفاظ بالفريق. ورأى أنه لن يتمكن من البدء بمشروع من هذا النوع قبل منتصف العام المقبل، على أقرب تقدير.

لقطة من برنامج مونتي دون في حديقته

ويضم الفريق، إلى جانب البستانيين، متخصصاً في إكثار النباتات ومنسقاً للحدائق. وقال دون إن أفراده يعملون معه منذ نحو 10 سنوات. وتوضح تصريحاته أن الحفاظ على المظهر الذي اعتاده المشاهدون في «لونغميدو» كان يتطلَّب عملاً مستمراً خلف الكاميرا، يتجاوز ما يؤديه مقدِّم البرنامج خلال التصوير. ورغم حاجته إلى تمويل بديل، استبعد دون فتح الحديقة للزيارات العامة. فهي، كما أوضح، مساحة خاصة له ولعائلته، فضلاً عن صعوبة تنظيم وقوف سيارات الزوار في المنطقة. وهكذا لم يعلن حتى الآن عن حل محدد يجمع بين إبقاء الحديقة خاصة وتأمين كلفة العاملين فيها.

حديقة بُنيت على مدى عقود

تعود بداية «لونغميدو» إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1991، عندما اشترى دون وزوجته سارة منزلهما في مقاطعة هيرفوردشير. ويقول في موقعه الإلكتروني إن الأرض خلف المنزل كانت حقلاً مهملاً تبلغ مساحته نحو فدانين، تغطيه الأعشاب والقراص، ولم تكن فيه سوى شجرة بندق واحدة. وأمضى ربيع العام التالي وصيفه في تنظيف الأرض ودراسة طبيعتها قبل أن يبدأ تخطيط الحديقة. وكانت الرياح القادمة من جهات عدة إحدى أولى المشكلات التي واجهها. فأنشأ حواجز لحماية النباتات الصغيرة، ثم بدأ غرسها على نطاق واسع في ربيع 1993. ولم تتخذ الحديقة شكلها المعروف دفعة واحدة؛ إذ تطورت مساحاتها مع مرور السنين، وتغيَّر استخدام بعضها تبعاً لما أراده دون وزوجته منها. فـ«الحديقة المنزلية»، مثلاً، كانت مخصصة للخضراوات طوال عقدين تقريباً، قبل أن تتحوَّل تدريجياً إلى مساحة تغلب عليها الأزهار وأشجار الفاكهة. أما «حديقة الجواهر»، بألوانها القوية، فيربطها دون بذكريات مشروع المجوهرات الذي أداره مع سارة في ثمانينات القرن الماضي. وفيها تتبدل المزروعات حسب الفصل، من زهور التوليب في الربيع إلى نباتات صيفية تحتاج إلى عناية وحماية من البرد.

مونتي دون مقدم البرامج في «بي بي سي» ألف كتاباً عن كلبه (يوتيوب)

وتضم «لونغميدو» أيضاً «حديقة الفردوس»، التي استوحى دون تصميمها من حدائق شاهدها خلال رحلاته في بلدان من العالم الإسلامي. وفي وسطها عنصر مائي تحيط به أحواض زراعة متناظرة. وإلى جانب هذه المساحات، توجد حديقة للخضراوات والفاكهة يحرص الزوجان على أن توفِّر لهما محاصيل على امتداد العام. وتعطي هذه الأجزاء المختلفة للحديقة مادة تتجدَّد مع تغيُّر الفصول، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى متابعة يومية. ومنذ انتقال تصوير «عالم الحدائق» إلى «لونغميدو» عام 2011، أصبحت الحديقة جزءاً مألوفاً من البرنامج. فقد تابع الجمهور زراعة نباتاتها ونموِّها، وما يتطلبه كل فصل من أعمال، بدلاً من مشاهدة موقع تصوير يتغير من حلقة إلى أخرى. وظهرت فيها كذلك كلاب دون، التي أصبحت بدورها مألوفة لمتابعيه.

دون في لقطة من فيديو نشره على حسابه في «فيسبوك» مع كلبه «نايجل»

وتقول الجمعية الملكية للبستنة إن كلبه الراحل «نايجل» حظي بشعبية دفعته إلى تأليف كتاب عنه. وكان دون قد أعلن في وقت سابق من سبتمبر (أيلول) الحالي أنه سيتوقف عن تقديم البرنامج بنهاية موسمه الراهن. وبدأت مسيرته معه عام 2003، وشهدت انقطاعاً قبل عودته إلى تقديمه من حديقته عام 2011. وقال لدى إعلان رحيله إن الوقت مناسب للتغيير، مشيراً إلى أنه شارك خلال تلك السنوات في نحو 700 حلقة. ومن المقرر أن يستمر عرض حلقاته المصوّرة في «لونغميدو» حتى وقت لاحق من العام. ولا تعني مغادرته «عالم الحدائق» اعتزال التلفزيون؛ إذ يعتزم مواصلة العمل مع «بي بي سي» في برامج أخرى، إلى جانب الكتابة ومشروعاته الخاصة.

وذكرت «الغارديان» أنه يُتوقع أن يبدأ تصوير برنامج رحلات جديد بعنوان «حدائق الجزر» (Island Gardens). لكن مصير العمل اليومي في «لونغميدو» لم يُحسم بعد. فالحديقة ستبقى منزلاً لدون وعائلته، فيما يتوقف احتفاظه بالبستانيين وبقية فريقه على إيجاد دخل يعوِّض مساهمة «بي بي سي». وبذلك يترك رحيله عن البرنامج سؤالاً عملياً يتعلق بالأشخاص الذين ساعدوا، طوال سنوات، على إبقاء حديقته جاهزة للظهور أمام المشاهدين.


«شيش دو»... كوميديا سوداء «تفقد البوصلة»

بيومي فؤاد بين ابنتيه نور وجود خلال العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
بيومي فؤاد بين ابنتيه نور وجود خلال العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«شيش دو»... كوميديا سوداء «تفقد البوصلة»

بيومي فؤاد بين ابنتيه نور وجود خلال العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
بيومي فؤاد بين ابنتيه نور وجود خلال العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

انضم الفيلم المصري «شيش دو» إلى أفلام نهاية الموسم السينمائي الصيفي في مصر، إذ بدأ عرضه تجارياً في 24 سبتمبر (أيلول) الحالي. ويشارك في بطولته بيومي فؤاد، وباسم سمرة، وميشيل ميلاد، إلى جانب بسنت أبو باشا، ورحمة أحمد، ومحمد أوتاكا، ومحمود عزب. والفيلم من تأليف أكمل شهير وإخراجه، في أول تجربة سينمائية له، ومن إنتاج مصري لبناني لمحمد سمير ورولان ضو.

يشير عنوان الفيلم «شيش دو»، بلغة لعبة الطاولة، إلى ظهور الرقمين 6 و2 على حجري النرد. وتدور الأحداث خلال ليلة واحدة، تبدأ بلقاء مصادفة بين الصديقين «عادل»، الذي يؤدي دوره باسم سمرة، و«نبيل»، الذي يؤدي دوره بيومي فؤاد، داخل أحد النوادي الراقية، بعد سنوات طويلة شقَّ خلالها كل منهما طريقه. أصبح «نبيل» طبيباً بيطرياً، لكنه يعاني ظروفاً مادية وأسرية صعبة، ويعمل في متابعة علاج خيول النادي، فيما يعمل «عادل» مدرباً لكرة الماء.

يستعيد الصديقان أحلامهما القديمة منذ أيام الدراسة الثانوية، ويشكو كلٌ منهما للآخر ظروفه المادية القاسية. وفي طريقهما إلى منزل «نبيل»، يفاجآن بسيارة تطيح بشاب، فيأخذانه معهما ليتولى «نبيل» علاجه. ويكتشف «عادل» أن المصاب حفيد إحدى عضوات النادي الثريات، ويخشى المساءلة، لكن «نبيل» يرى في الحادث فرصة لتغيير حياتهما، ويقترح طلب فدية قدرها مليون جنيه مقابل إعادة الشاب إلى أسرته.

الملصق الدعائي للفيلم (الشركة المنتجة)

يضم العمل عدداً من ضيوف الشرف، من بينهم أحمد زاهر، وأحمد صيام. وتخوض نور، ابنة الفنان بيومي فؤاد، تجربتها الأولى في التمثيل، إذ تؤدي شخصية «جودي»، الفتاة المدللة التي تنتمي إلى طبقة الأثرياء. ولفت والدها، في تصريحات صحافية، إلى أنه لم يُرشحها للعمل، لكنه نصحها بخوض اختبار أداء، ونجحت فيه، فاختيرت لأحد الأدوار الصغيرة. وكشفت نور عن تعلقها بالفن، وتخرجها في معهد السينما، ورغبتها في دراسة التمثيل أكاديمياً.

ويشير الفنان ميشيل ميلاد إلى أنه شارك في الفيلم في بداية مشواره السينمائي، وأن شخصية «هلال» التي يجسدها من الشخصيات التي تحمَّس لها. وقال في حديث لـ«الشرق الأوسط» إنه لم يقدِّم من قبل دور الشرير الكوميدي، مضيفاً أن «الضحك في الفيلم يأتي من منطقة مختلفة؛ فهلال يقول كلاماً عادياً، لكنه يثير الضحك». ووصف العمل مع بيومي فؤاد وباسم سمرة بأنه كان ممتعاً.

ورغم إشادة بعض المتابعين والصحافيين بفكرة الفيلم، التي تمزج بين الكوميديا السوداء والدراما الاجتماعية، وبالسيناريو الذي رأوا أنه يُسلِّط الضوء على الفوارق الطبقية وتداخل المصالح والانهيار الأخلاقي تحت وطأة الضغوط المعيشية، فضلاً عن التناغم بين باسم سمرة وبيومي فؤاد، فإن الناقد طارق الشناوي انتقد الفيلم بشدة.

لقطة من العمل (الشركة المنتجة)

وانتقد الشناوي بناء الفيلم ونهايته، قائلاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «(شيش دو) فيلم يبحث عن فيلم، لأنه تبخّر منه كل شيء، ومع نهايته لم يقع عقاب على أحد من أبطاله». وأضاف: «لا أعتقد أن هذا الفيلم قد خدم أحداً من صنّاعه، لا المخرج ولا أبطاله، بمن فيهم ميشيل ميلاد الذي أراه موهبة كبيرة. ورغم أنه يشارك في هذا العمل الذي أراه خارج نطاق الإبداع، فإنه يقدم في الوقت نفسه دوراً بديعاً في مسلسل (ما لم يُحكَ عن بني مزار)، وهو ما حقق له توازناً هذا الموسم؛ لأن المسلسل يضم نصاً ومخرجاً وحالة إبداعية متكاملة، وهو ما افتقده (شيش دو)».

ويرى الشناوي أن «هذا النوع من الأفلام يرجع إلى رغبة المخرج المؤلف في صنع فيلم سينمائي من دون أن تكون لديه فكرة عميقة، بل مجرد طموح إلى تقديم فيلم».

ورغم الأرقام الجيدة التي يحققها الفيلم على مستوى الإيرادات، يرى الشناوي أن «الإقبال الجماهيري على الفيلم ليس أمراً في صالحه».

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على رد من مخرج العمل على هذه الانتقادات، لكن ذلك لم يتسنَّ.


محاكمة مجدي شطة تعيد قضايا «مخدرات مطربي المهرجانات» للواجهة بمصر

شطة أثار الجدل في وقائع عدة بالسنوات الماضية (حسابه على فيسبوك)
شطة أثار الجدل في وقائع عدة بالسنوات الماضية (حسابه على فيسبوك)
TT

محاكمة مجدي شطة تعيد قضايا «مخدرات مطربي المهرجانات» للواجهة بمصر

شطة أثار الجدل في وقائع عدة بالسنوات الماضية (حسابه على فيسبوك)
شطة أثار الجدل في وقائع عدة بالسنوات الماضية (حسابه على فيسبوك)

أعاد خبر إحالة مطرب المهرجانات مجدي شطة إلى المحاكمة الجنائية، على خلفية اتهامه بحيازة مخدر «الآيس» بهدف التعاطي، «قضايا مطربي المهرجانات» المتعلقة بالمخدرات للواجهة مجدداً بمصر.

وتعود قضية مجدي شطة صاحب مهرجان «أوضة ضلمة وباب حديد» إلى قبل عدة أشهر عندما ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه بأحد أحياء القاهرة، أثناء وجوده في محيط حملة أمنية، وكشفت التحريات أن وجوده كان بغرض شراء مواد مخدرة للتعاطي. وقبل إحالته إلى المحاكمة الجنائية، وحسب التحريات الأمنية، فقد أحيل مجدي شطة إلى النيابة التي أخلت سبيله على ذمة القضية بكفالة مالية، بعدما عثرت بحوزته على أكياس من المواد المخدرة، وتم اقتياده إلى قسم الشرطة لاتخاذ الإجراءات القانونية، فيما جرى التحفظ على المضبوطات وتحرير محضر بالواقعة، وفق وسائل إعلام محلية.

مجدي شطة مطرب مهرجانات مصري (حسابه على فيسبوك)

وتعليقاً على خبر إحالة مجدي شطة إلى الجنايات، ومدى تأثير الشهرة على مطربي المهرجانات، أكد الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع، «أن ما يحدث لهذه المجموعة من مطربي المهرجانات هو نتاج فعلي وانعكاس حقيقي للبيئة التي خرجوا منها»، مضيفاً أن «كلماتهم التي يطلقون عليها أغنيات تحمل المعاني والمصطلحات نفسها بشكل صريح، فمنهم من قال (أشرب خمور وحشيش)».

وأضاف صادق لـ«الشرق الأوسط»: «أسلوب الحياة وطريقة الكلام من بين أمور لا يمكن للإنسان التخلي عنها مهما وصل من شهرة أو تضخمت حساباته البنكية». وأشار إلى أن نسبة التعاطي في مصر معروفة بداية من المواد المخدرة الرخيصة والشعبية، وصولاً للمخدرات المخلقة، لكن الشخص الأكثر شهرة هو الأكثر عُرضة لتسليط الضوء عليه مثلما يحدث مع ما يطلق عليهم اسم مطربي المهرجانات، وفق تعبيره.

ونصح أستاذ علم الاجتماع بضرورة العلاج والتدخل المبكر، مطالباً نقابة الموسيقيين بموقف حازم تجاههم. وتعد مناظرة الموسيقار الراحل حلمي بكر مع مجدي شطة من أشهر الوقائع الفنية خلال الأعوام الماضية، إذ انفعل الملحن المصري اعتراضاً على طريقة غناء شطة، مؤكداً أن «هذه الفئة لا تحتاج إلى النقابة بل تحتاج إلى الشرطة»، وتساءل بانفعال «ما هذه الفوضى؟». وفي المقابل واجه شطة انفعال حلمي بكر أثناء الحديث بالضحك، «وهي اللقطة الشهيرة التي تم تداولها عبر (السوشيال ميديا) على نطاق واسع حينها».

وقبل واقعة مجدي شطة، وقع مطربون آخرون في فخ المخدرات سواء بالتعاطي أو الاتجار، من بينهم عصام صاصا، الذي تعرض للحكم بالحبس 6 أشهر مع الشغل، في قضية اتهامه بتعاطي مواد مخدرة أثناء القيادة، بعدما ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه بتهمة دهس أحد الأشخاص.

وحسب وسائل إعلام محلية، فقد ألقت الأجهزة الأمنية قبل أكثر من عام القبض على مطرب يدعى أمين خطاب، بتهمة الاشتباه بالقيادة تحت تأثير المخدرات، كما قضت محكمة الجنايات بالسجن على مطرب يدعى إسلام سنوفا بتهمة الاتجار في مخدر الحشيش.

مطرب المهرجانات المصري مجدي شطة (حسابه على فيسبوك)

بدوره، أكد الناقد الفني المصري عماد يسري لـ«الشرق الأوسط»، أن «ظاهرة قضايا التعاطي أو الاتجار في المخدرات التي وقع في فخها بعض مؤدي المهرجانات هي للأسف ظاهرة سيئة»، وأضاف: «بالتأكيد هذه الظاهرة ستترك فكرة ذهنية سلبية لدى الشباب الذين اعتادوا الاستماع لهذه الأسماء في السنوات الأخيرة».

ويشير أحدث إحصاء رسمي أجرته مصر بشأن حجم الإدمان والتعاطي لعام 2020، وفقاً لبيانات المسح القومي الشامل للتعاطي والإدمان، إلى أن نسبة التعاطي عام 2020 بلغت 5,9 في المائة، بينما بلغت نسبة الإدمان 2,4 في المائة مقارنة ببيانات المسح القومي لسنة 2015؛ حيث كانت نسبة التعاطي 10 في المائة، ونسبة الإدمان 3,3 في المائة، وذلك حسب موقع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري.