جثث مشوّهة لفلسطينيين تكشف عن فظائع سجن إسرائيلي

دلائل واضحة على إطلاق نار مباشر من مسافة صفر... وسحق تحت جنازير الدبابات

موظف يتفقد جثامين فلسطينيين أفرجت عنهم إسرائيل داخل شاحنة تبريد أمام مستشفى ناصر في خان يونس جنوبي قطاع غزة (أ.ف.ب)
موظف يتفقد جثامين فلسطينيين أفرجت عنهم إسرائيل داخل شاحنة تبريد أمام مستشفى ناصر في خان يونس جنوبي قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

جثث مشوّهة لفلسطينيين تكشف عن فظائع سجن إسرائيلي

موظف يتفقد جثامين فلسطينيين أفرجت عنهم إسرائيل داخل شاحنة تبريد أمام مستشفى ناصر في خان يونس جنوبي قطاع غزة (أ.ف.ب)
موظف يتفقد جثامين فلسطينيين أفرجت عنهم إسرائيل داخل شاحنة تبريد أمام مستشفى ناصر في خان يونس جنوبي قطاع غزة (أ.ف.ب)

قالت وزارة الصحة في غزة إن ما لا يقل عن 135 جثة مشوّهة لفلسطينيين أعادتها إسرائيل إلى القطاع كانت محتجزة في مركز سيئ السمعة، يواجه أصلاً اتهامات بالتعذيب ووفاة معتقلين بشكل غير قانوني.

وأوضح المدير العام للوزارة، الدكتور منير البُرش، ومتحدث باسم مستشفى ناصر في خان يونس، حيث تُفحص الجثث، أن وثائق وُجدت داخل كل كيس جثة تشير إلى أن الجثث جميعها جاءت من قاعدة «سدِه تيمان» العسكرية في صحراء النقب. وكانت صحيفة «الغارديان» قد نشرت العام الماضي صوراً وشهادات تفيد بأن فلسطينيين احتُجزوا هناك في أقفاص، معصوبي الأعين ومكبّلي الأيدي، ومقيّدين بأسِرّة المستشفى، وأُجبروا على ارتداء حفاضات.

وقال البُرش: «العلامات المرفقة بأكياس الجثث مكتوبة باللغة العبرية، وتُظهر بوضوح أن الجثث كانت محتجزة في سدِه تيمان»، مضيفاً أن اختبارات الحمض النووي أُجريت لبعضها في الموقع نفسه.

صور مروّعة

في العام الماضي، فتح الجيش الإسرائيلي تحقيقاً جنائياً، لا يزال مستمراً، في وفاة 36 معتقلاً كانوا محتجزين في مركز «سدِه تيمان».

يأتي ذلك في وقتٍ سلّمت فيه حركة «حماس»، في إطار الهدنة التي تم التوصل إليها بوساطة أميركية، جثامين عدد من الرهائن الذين لقوا حتفهم خلال الحرب، فيما سلّمت إسرائيل حتى الآن جثامين 150 فلسطينياً قُتلوا بعد هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وحسب صور اطّلعت عليها «الغارديان»، والتي لا يمكن نشرها بسبب طبيعتها المروّعة، فقد ظهر عدد من الجثث وعيون أصحابها معصوبة وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، فيما أظهرت صورة أخرى حبلاً مربوطاً حول عنق أحدها.

قال أطباء في خان يونس إن الفحوصات الرسمية والملاحظات الميدانية «تشير بوضوح إلى أن إسرائيل نفذت عمليات قتل وإعدامات ميدانية وتعذيباً ممنهجاً ضد عدد كبير من الفلسطينيين». وأوضح مسؤولو الصحة أن النتائج الموثقة أظهرت «دلائل واضحة على إطلاق نار مباشر من مسافة صفر، إضافةً إلى جثث سُحقت تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية».

«أين العالم؟»

من جهته، قال إياد برهوم، المدير الإداري لمجمع ناصر الطبي، إن الجثث التي وصلت «لا تحمل أسماء، بل رموزاً فقط»، مشيراً إلى أن عملية تحديد الهوية قد بدأت.

موظف بمستشفى ناصر يتفقد بطاقة تعريف على جثمان أحد الفلسطينيين الذين أعادت إسرائيل جثامينهم في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

رغم وجود أدلة قوية تشير إلى إعدام عديد من الفلسطينيين الذين أعادت إسرائيل جثثهم إلى غزة، فإن تحديد مكان مقتلهم لا يزال أكثر تعقيداً. فموقع «سدِه تيمان» يُستخدم كمستودع لحفظ الجثث القادمة من غزة، لكنه أيضاً معسكر اعتقال سيئ السمعة بسبب الوفيات التي وقعت داخله. ويطالب نشطاء حقوقيون بفتح تحقيق لكشف ما إذا كان بعض القتلى قد قضوا داخل المركز، وإن كان الأمر كذلك، فكم عددهم.

وأظهرت جثة محمود إسماعيل شباط (34 عاماً) من شمال غزة آثار خنق حول الرقبة، كما كانت ساقاه مهشمتين تحت جنازير دبابة، مما يرجّح أنه قُتل أو أُصيب داخل غزة ثم نُقل جثمانه لاحقاً إلى «سدِه تيمان». وتمكّن شقيقه رامي من التعرف عليه من أثر عملية جراحية سابقة في الرأس. وقال: «ما آلمنا أكثر من أي شيء هو أن يديه كانتا مكبلتين، وجسده يحمل آثار تعذيب واضحة».

أما والدته، فقالت بألم: «أين العالم؟ لقد عاد كل أسرانا معذبين ومكسورين».

«المرضى يرتدون حفاضات»

يقول عدد من الأطباء الفلسطينيين إن كون العديد من الجثث كانت معصوبة الأعين ومقيّدة الأطراف يشير إلى أن أصحابها تعرضوا للتعذيب ثم القتل في أثناء احتجازهم في مركز «سدِه تيمان».

وحسب تقارير نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية وشهادات مبلّغين من حراس السجن، تحتجز إسرائيل في الموقع نفسه نحو 1500 جثة لفلسطينيين من غزة.

قال أحد المبلّغين، الذي تحدث إلى الصحيفة وشهد ظروف الاحتجاز في مركز «سدِه تيمان»، إنه رأى بعينه «مريضاً من غزة أُحضر مصاباً بطلق ناري في الصدر من الجهة اليسرى، وكان معصوب العينين، مكبل اليدين، وعارياً عند وصوله إلى قسم الطوارئ». وأضاف: «مريض آخر أُصيب بطلق ناري في الساق اليمنى وصل إلى المستشفى في ظروف مشابهة».

مبلّغ آخر كان قد وصف في وقت سابق كيف كان المرضى -وجميعهم من غزة- مقيّدين بأسرَّتهم، معصوبي الأعين، ويرتدون حفاضات.

وقال إنه أُبلغ بأن بعضهم نُقلوا من مستشفيات غزة، مضيفاً: «كان هؤلاء مرضى جرحى أُسروا على يد الجيش الإسرائيلي في أثناء تلقيهم العلاج في مستشفيات غزة، ثم جُلبوا إلى هنا. كانوا يعانون من إصابات في الأطراف وجروح ملتهبة، ويئنّون من الألم».

موظفون بمستشفى ناصر بخان يونس يجهّزون جثامين فلسطينيين أعادتهم إسرائيل ضمن اتفاق للهدنة وتبادل الأسرى تمهيداً للتعرّف على هوياتهم (أ.ف.ب)

وأكد المبلّغ أن الجيش الإسرائيلي لم يكن يملك أدلة على انتماء جميع المعتقلين إلى حركة «حماس»، مشيراً إلى أن بعضهم «كانوا يكررون السؤال عن سبب احتجازهم».

قال أحد المبلّغين إنه علم في إحدى الحالات بأن يد أحد المعتقلين بُترت بسبب الغرغرينا الناتجة عن الجروح التي سببتها الأصفاد التي كبّلت معصميه لفترة طويلة.

«تعرّضنا لاعتداءات جنسية»

وقال الصحافي الفلسطيني شادي أبو سيدو، الذي يعمل في قناة «فلسطين اليوم» وأُفرج عنه بعد 20 شهراً من الاعتقال في «سدِه تيمان» وسجن إسرائيلي آخر، إنه اختُطف على يد القوات الإسرائيلية من مستشفى الشفاء في 18 مارس (آذار) 2024. وأضاف في مقابلة مصوّرة نشرها تلفزيون «TRT» التركي: «جرّدوني من ملابسي بالكامل لـ10 ساعات في البرد. ثم نُقلت إلى (سدِه تيمان) وبقيت هناك 100 يوم، كنت خلالها مكبل اليدين ومعصوب العينين. كثيرون ماتوا في الاحتجاز، وآخرون فقدوا عقولهم. بعضهم بُترت أطرافهم. تعرّضنا لاعتداءات جسدية وجنسية، وجلبوا كلاباً تبولت علينا. وعندما سألتهم: لماذا اعتُقلت؟ أجابوا: لقد قتلنا كل الصحافيين، وماتوا مرة واحدة. أما أنت، فستموت مئات المرات هنا».

وقال ناجي عباس، مدير قسم الأسرى والمعتقلين في منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان - إسرائيل» (PHR): «العلامات المروّعة للتعذيب والإساءة التي ظهرت على جثث الفلسطينيين التي أعادتها إسرائيل إلى غزة مفزعة لكنها للأسف ليست مفاجِئة». وأضاف أن هذه النتائج تؤكد ما وثقته المنظمة خلال العامين الماضيين حول ظروف الاحتجاز داخل السجون الإسرائيلية، خصوصاً في معسكر «سدِه تيمان»، حيث تعرّض معتقلون فلسطينيون لتعذيب وقتل ممنهج على يد جنود وحراس السجن.

وقالت المنظمة إن «العدد غير المسبوق للفلسطينيين الذين لقوا حتفهم في السجون الإسرائيلية، إلى جانب الأدلة الموثّقة على وفيات ناجمة عن التعذيب والإهمال الطبي، والآن نتائج الفحوص على الجثث التي أُعيدت، كلها لا تترك مجالاً للشك: هناك حاجة ملحّة إلى تحقيق دولي مستقل لمحاسبة المسؤولين في إسرائيل».

كما قدّمت الصحيفة صوراً للجثث إلى طبيب إسرائيلي شهد أيضاً معاملة الأسرى في مستشفى «سدِه تيمان» الميداني.

عمال في مستشفى ناصر بخان يونس ينقلون جثمان أحد الفلسطينيين الذين أعادت إسرائيل جثامينهم ضمن اتفاق الهدنة وتبادل الأسرى (أ.ف.ب)

وبشرط عدم كشف هويته، قال الطبيب إن إحدى الصور «تُظهر أن الرجل كانت يداه مقيدتين على الأرجح بأربطة بلاستيكية، مع تغيّر في لون اليدين مقارنةً بالذراعين عند موضع الرباط، مما يشير إلى تغيّرات نقص التروية الدموية بسبب القيود المفرطة». وأضاف: «قد يكون هذا الشخص أُصيب ثم أُسر وتوفي في أثناء الاحتجاز الإسرائيلي، أو توفي نتيجة إصابات أُلحقت به بعد أسره».

من جانبه، قال الدكتور موريس تيدبال-بنز، وهو طبيب وخبير في الطب الشرعي ومقرر أممي خاص: «ينبغي توجيه نداء لتقديم مساعدة جنائية دولية مستقلة ومحايدة للمساهمة في فحص الجثث وتحديد هويات الضحايا».

الجيش الإسرائيلي: لا تعليق

ورداً على مزاعم التعذيب، قال الجيش الإسرائيلي إنه طلب من مصلحة السجون الإسرائيلية التحقيق في الأمر، فيما لم ترد مصلحة السجون على طلب للتعليق. وكانت القوات الإسرائيلية قد صرّحت في وقت سابق بأنها «تتعامل مع المعتقلين بشكل مناسب وحذر»، مؤكدةً أن «أي ادعاء بارتكاب مخالفات من الجنود يُفحص ويُعالج وفق الأصول، وتُفتح تحقيقات جنائية عند الضرورة».

أما بشأن الادعاءات التي تفيد بأن الجثث الفلسطينية جاءت من «سدِه تيمان»، فاكتفت القوات الإسرائيلية بالقول إنها «لن تعلّق على هذا الموضوع».

وحسب الأمم المتحدة، لقي ما لا يقل عن 75 معتقلاً فلسطينياً حتفهم في السجون الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023.


مقالات ذات صلة

«فتح»: مشاورات القاهرة تمهد لحوار وطني شامل لإنهاء الانقسام الفلسطيني

المشرق العربي وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)

«فتح»: مشاورات القاهرة تمهد لحوار وطني شامل لإنهاء الانقسام الفلسطيني

قالت حركة «فتح» الفلسطينية إن مشاورات القاهرة تمهد لإطلاق حوار وطني شامل من خلال التوصل إلى تفاهمات مع حركة «حماس» وبقية الفصائل، في إطار جهود تقودها مصر.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مراسم تشييع جماعية في حي الدرج بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تشييع 75 جثماناً انتُشلوا في غزة... و8 آلاف لا يزالون تحت الأنقاض

شيَّع فلسطينيون اليوم (الأحد) رفات 75 جثماناً انتشلوا من تحت أنقاض مبانٍ في حي الدرج بمدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ جنود إسرائيليون يتجهون إلى قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية المحتلة والتي شهدت تصاعداً في عنف المستوطنين الإسرائيليين (أ.ف.ب) p-circle

واشنطن تطالب إسرائيل بـ«ردع» عنف المستوطنين في الضفة الغربية

قال ‌وزير الخارجية ‌الأميركي، ​ماركو ‌روبيو، إن ⁠مشاهد ‌عنف المستوطنين ‌في ​الضفة ‌الغربية «مزعجة»، بما ‌في ‌ذلك لقطات لواقعة تعرِّض ⁠مصورة صحفية للاعتداء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

إيطاليا تدرج كاتس ومسؤولين إسرائيليين كباراً في تحقيق «أسطول غزة»

أدرجت إيطاليا أسماء وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ومسؤولين في الجيش والشرطة والسجون الإسرائيلية ضمن تحقيق يتعلق بمعاملة نشطاء أسطول غزة.

«الشرق الأوسط» (روما )

مجموعات خارجة عن القانون في السويداء تمنع وفداً أممياً من الدخول

عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
TT

مجموعات خارجة عن القانون في السويداء تمنع وفداً أممياً من الدخول

عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)

قال موقع قناة الإخبارية السورية إن «المجموعات الخارجة عن القانون في السويداء» منعت، اليوم الأحد، وفداً أممياً إنسانياً مشتركاً من الدخول إلى المدينة بذريعة «عدم التنسيق معهم».

ضم الوفد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية برفقة منظمات دولية، وجرى التنسيق مع فريق الهلال الأحمر السوري فرع السويداء لمرافقتهم بالزيارات الميدانية في مدينة السوبداء وشهبا وقرية عرى.

وأوقفت المجموعات الوفد الأممي لمدة تتراوح بين ساعتين و3 ساعات عند حاجز أم الزيتون قبل تبليغه منع الدخول، وذلك عقب عبور الوفد حاجز «المتونة» التابع لمديرية أمن السويداء.

صورة نشرتها «السويداء 24» لعناصر «الحرس الوطني» (الهجري) على دوار العنقود في مدينة السويداء يمنعون الطلاب من التوجه إلى مراكز الامتحانات بريف السويداء

يذكر أن المجموعات الخارجة عن القانون التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري، منعت في 10 سبتمبر (أيلول) الماضي دخول الشاحنات التجارية المحملة بالمواد الأساسية والمحروقات إلى محافظة السويداء، حسب ما أفاد به مراسل الإخبارية حينذاك. وتزامن منع دخول القوافل التجارية إلى المدينة مع قيام المجموعات الخارجة عن القانون في السويداء بمنع نحو 12 ألف طالب من التوجه إلى المراكز الامتحانية لتقديم الامتحانات الاستثنائية الخاصة بطلاب السويداء.


نتنياهو يشكِّك في قدرة حكومة لبنان على نزع سلاح «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو يشكِّك في قدرة حكومة لبنان على نزع سلاح «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم ثقته بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح «حزب الله»، مؤكداً أن إسرائيل ستواصل البقاء فيما وصفه بالمنطقة الأمنية في جنوب لبنان.

جاء ذلك بالتزامن مع رفع الجيش الإسرائيلي مستوى جهوزيته على الحدود الشمالية مع لبنان، وتعزيز قواته تحسباً لاحتمال تصعيد جديد. ويترافق هذا المشهد مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على قرى الجنوب، في وقت تتحدث فيه تقديرات إسرائيلية عن احتمال مبادرة «حزب الله» إلى هجوم ضد القوات الإسرائيلية، وسط ترقب لمسار التطورات الميدانية.

«إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية»

وفي مقابلة إذاعية مع «راديو الشمال» الإسرائيلي، قال نتنياهو، رداً على سؤال عن مدى ثقته بالحكومة اللبنانية: «لا، لا أثق بأنهم سينزعون سلاح (حزب الله)»، مؤكداً أن إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية ما دام لم يتم نزع سلاح الحزب. واعتبر أن الوجود العسكري الإسرائيلي يهدف إلى منع الحزب من إعادة بناء قدراته العسكرية وتهديد البلدات الشمالية؛ مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي أقام منطقة أمنية وصفها بأنها خالية من المنظومات الإرهابية، وأن عدداً من القرى التي كانت -حسب قوله- معاقل للحزب، لم تعد كذلك.

وشدد نتنياهو على أن الجيش الإسرائيلي سيواصل تنفيذ عملياته ضد «حزب الله» كلما اقتضت الحاجة، معتبراً أن الحزب أصبح أضعف مما كان عليه سابقاً، ولكنه أشار إلى استمرار التحديات الأمنية، ولا سيما ما يتعلق بالطائرات المُسيَّرة التي يستخدمها الحزب.

الجيش الإسرائيلي ينفِّذ تفجيراً كبيراً في زوطر الشرقية (الوكالة الوطنية للإعلام)

رفع مستوى التأهب

وفي موازاة هذه التصريحات، أفادت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بأن الجيش رفع مستوى التأهب على الجبهة الشمالية؛ حيث تنتشر الفرقتان 36 و91 في هضبة الجولان وجنوب لبنان، مع تعزيز القوات بوحدات إضافية، بينها كتائب من لواء غولاني ووحدات تدريب.

ونقلت الصحيفة عن مصادر لبنانية قولها إن «حزب الله» يوسِّع استعداداته العسكرية، بما يشمل تجنيد عناصر وإعداد منظومات دفاعية في مناطق مختلفة من البقاع، وعلى امتداد الساحل، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت. كما أوردت تقديرات إسرائيلية تتحدث عن احتمال مبادرة الحزب إلى هجوم قد يستهدف موقعاً عسكرياً أو دورية إسرائيلية، وصولاً إلى محاولة خطف جنود.

وربطت هذه التقديرات التصعيد المحتمل بالدور الإيراني، بينما تحدث مصدر عسكري إسرائيلي عن ضرورة إبقاء القوات في حالة يقظة فترة طويلة.

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

مواصلة الاعتداءات الإسرائيلية

ميدانياً، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان؛ إذ استهدف القصف المدفعي بلدة المنصوري وأطراف بلدة زبقين في قضاء صور، كما طالت القذائف الثقيلة وسط المنصوري وأطراف بلدات برعشيت وحداثا وحاريص. وسُمع دوي انفجار ضخم في بلدة القنطرة بقضاء مرجعيون، بينما نفَّذت القوات الإسرائيلية عملية نسف عنيفة في بلدة الخيام ليلاً، وفجَّرت مدرسة المبرَّات في البلدة عند منتصف الليل.


وزير الخارجية الفرنسي يبحث في بيروت صيغة جديدة بعد الـ«يونيفيل»

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
TT

وزير الخارجية الفرنسي يبحث في بيروت صيغة جديدة بعد الـ«يونيفيل»

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)

واصل وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، والوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو، والوفد المرافق، لقاءاتهم في بيروت، في زيارة يتصدر جدول أعمالها مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة «يونيفيل»، والجهود الفرنسية الرامية إلى تفادي أي فراغ أمني في المنطقة، وضمان استمرار آلية دولية تواكب تنفيذ القرار 1701.

وبعدما التقى الوفد الفرنسي مساء السبت رئيس الجمهورية جوزيف عون، عقد الأحد لقاءين مع رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، تركز البحث خلالهما على سبل تعزيز الدعم الدولي للبنان، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، في ظل المخاوف من تداعيات انتهاء مهمة الـ«يونيفيل» قبل استكمال تطبيق القرار الدولي.

سلام: منع الفراغ ودعم الجيش وإعادة الإعمار

في السرايا الحكومي، بحث رئيس الحكومة نواف سلام مع بارو وروفو والوفد المرافق، بحضور السفير الفرنسي في لبنان باتريك دوريل، ووزير الثقافة غسان سلامة، آخر التطورات اللبنانية والإقليمية، مع تركيز على الترتيبات الدولية لمرحلة ما بعد «يونيفيل».

وشدد سلام على ضرورة تفادي أي فراغ في جنوب لبنان، وضمان استمرار حضور دولي يتولى مهام المراقبة والإفادة والتواصل، تحت مظلة قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي. ويأتي هذا الموقف في إطار المساعي اللبنانية للتوصل إلى صيغة تضمن استمرارية الدور الدولي، وتمنع نشوء واقع أمني جديد في المنطقة الحدودية.

كما ثمّن سلام استمرار الدعم الفرنسي للبنان، ولا سيما الجهود الرامية إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها. وأكد أهمية مواصلة دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، بما يمكّنه من الاضطلاع بمسؤولياته الأمنية.

وتناول اللقاء كذلك ملف التعافي وإعادة الإعمار في الجنوب، مع التشديد على ضرورة استعادة الخدمات الأساسية وتثبيت الأهالي في أرضهم وتعزيز حضور مؤسسات الدولة. أما اقتصادياً، فجرى البحث في الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تنفذها الحكومة، وأهمية التوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي.

من جهته، جدد بارو تأكيد دعم فرنسا لسيادة لبنان واستقراره، واستعداد بلاده لمواصلة مساندة الدولة والجيش، والمساهمة في بلورة الترتيبات الدولية المقبلة، إلى جانب دعم الإصلاحات والتعافي وإعادة الإعمار.

بري: التمسك بـ«يونيفيل» ورفض أي فراغ

وبعد الظهر، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري الوفد الفرنسي، بحضور السفير دوريل ومستشار رئيس المجلس محمود بري، حيث تناول البحث التطورات السياسية والميدانية في لبنان والمنطقة، والعلاقات الثنائية، وموقف لبنان المتمسك ببقاء قوات «يونيفيل».

وشكر بري فرنسا والرئيس إيمانويل ماكرون على دعمهما للبنان، منوهاً بتضحيات الوحدة الفرنسية المشاركة في القوة الدولية، ودور جنود الـ«يونيفيل» على مدى أكثر من 48 عاماً في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ولا سيما القرارين 425 و1701.

وأكد أن دور القوات الدولية لا يقتصر على الجانب الأمني والعسكري، بل يشمل أيضاً أدواراً إنسانية وثقافية واقتصادية واجتماعية. وشدد على أن لبنان الرسمي واللبنانيين موحدون في التمسك ببقاء هذه القوات، داعياً إلى دور فرنسي وأوروبي ودولي وإقليمي لتجنب الفراغ الذي قد ينجم عن انتهاء ولايتها قبل استكمال تطبيق القرار 1701.

وفي موقف يعكس المخاوف اللبنانية من المرحلة المقبلة، أشار بري إلى أن لبنان التزم بالقرار الدولي، فيما تواصل إسرائيل خرقه وانتهاك بنوده، فضلاً عن استمرار الحرب واحتلال مساحات من الجنوب. وشدد على ضرورة توحيد الجهود لوقف العدوان وإلزام إسرائيل بتنفيذ القرارات الدولية، لا الإطاحة بها.

وكان عون قد أكد، خلال استقباله بارو وروفو مساء السبت، ترحيب لبنان بأي جهد فرنسي داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن للتوصل إلى صيغة تمنع الفراغ الأمني. وجدد تمسكه بتمديد ولاية يونيفيل، مع الاستعداد لبحث أي صيغة بديلة تضمن استمرار الوجود الدولي في الجنوب، وتفادي وضع الجيش اللبناني على تماس مباشر مع الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة.

وتكتسب هذه اللقاءات أهمية في ضوء قرار مجلس الأمن الصادر في أغسطس (آب) 2025 إنهاء ولاية «يونيفيل» بحلول نهاية عام 2026. وكانت فرنسا وإيطاليا قد أعلنتا في شهر يونيو (حزيران) عزمهما العمل على إنشاء قوة متعددة الجنسيات بعد انتهاء المهمة الأممية، فيما تؤكد باريس ضرورة إرساء هيكلية دولية جديدة لدعم سيادة لبنان وتجنب فراغ أمني قد تترتب عليه تداعيات سلبية على الاستقرار في الجنوب.