جثث مشوّهة لفلسطينيين تكشف عن فظائع سجن إسرائيلي

دلائل واضحة على إطلاق نار مباشر من مسافة صفر... وسحق تحت جنازير الدبابات

موظف يتفقد جثامين فلسطينيين أفرجت عنهم إسرائيل داخل شاحنة تبريد أمام مستشفى ناصر في خان يونس جنوبي قطاع غزة (أ.ف.ب)
موظف يتفقد جثامين فلسطينيين أفرجت عنهم إسرائيل داخل شاحنة تبريد أمام مستشفى ناصر في خان يونس جنوبي قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

جثث مشوّهة لفلسطينيين تكشف عن فظائع سجن إسرائيلي

موظف يتفقد جثامين فلسطينيين أفرجت عنهم إسرائيل داخل شاحنة تبريد أمام مستشفى ناصر في خان يونس جنوبي قطاع غزة (أ.ف.ب)
موظف يتفقد جثامين فلسطينيين أفرجت عنهم إسرائيل داخل شاحنة تبريد أمام مستشفى ناصر في خان يونس جنوبي قطاع غزة (أ.ف.ب)

قالت وزارة الصحة في غزة إن ما لا يقل عن 135 جثة مشوّهة لفلسطينيين أعادتها إسرائيل إلى القطاع كانت محتجزة في مركز سيئ السمعة، يواجه أصلاً اتهامات بالتعذيب ووفاة معتقلين بشكل غير قانوني.

وأوضح المدير العام للوزارة، الدكتور منير البُرش، ومتحدث باسم مستشفى ناصر في خان يونس، حيث تُفحص الجثث، أن وثائق وُجدت داخل كل كيس جثة تشير إلى أن الجثث جميعها جاءت من قاعدة «سدِه تيمان» العسكرية في صحراء النقب. وكانت صحيفة «الغارديان» قد نشرت العام الماضي صوراً وشهادات تفيد بأن فلسطينيين احتُجزوا هناك في أقفاص، معصوبي الأعين ومكبّلي الأيدي، ومقيّدين بأسِرّة المستشفى، وأُجبروا على ارتداء حفاضات.

وقال البُرش: «العلامات المرفقة بأكياس الجثث مكتوبة باللغة العبرية، وتُظهر بوضوح أن الجثث كانت محتجزة في سدِه تيمان»، مضيفاً أن اختبارات الحمض النووي أُجريت لبعضها في الموقع نفسه.

صور مروّعة

في العام الماضي، فتح الجيش الإسرائيلي تحقيقاً جنائياً، لا يزال مستمراً، في وفاة 36 معتقلاً كانوا محتجزين في مركز «سدِه تيمان».

يأتي ذلك في وقتٍ سلّمت فيه حركة «حماس»، في إطار الهدنة التي تم التوصل إليها بوساطة أميركية، جثامين عدد من الرهائن الذين لقوا حتفهم خلال الحرب، فيما سلّمت إسرائيل حتى الآن جثامين 150 فلسطينياً قُتلوا بعد هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وحسب صور اطّلعت عليها «الغارديان»، والتي لا يمكن نشرها بسبب طبيعتها المروّعة، فقد ظهر عدد من الجثث وعيون أصحابها معصوبة وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، فيما أظهرت صورة أخرى حبلاً مربوطاً حول عنق أحدها.

قال أطباء في خان يونس إن الفحوصات الرسمية والملاحظات الميدانية «تشير بوضوح إلى أن إسرائيل نفذت عمليات قتل وإعدامات ميدانية وتعذيباً ممنهجاً ضد عدد كبير من الفلسطينيين». وأوضح مسؤولو الصحة أن النتائج الموثقة أظهرت «دلائل واضحة على إطلاق نار مباشر من مسافة صفر، إضافةً إلى جثث سُحقت تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية».

«أين العالم؟»

من جهته، قال إياد برهوم، المدير الإداري لمجمع ناصر الطبي، إن الجثث التي وصلت «لا تحمل أسماء، بل رموزاً فقط»، مشيراً إلى أن عملية تحديد الهوية قد بدأت.

موظف بمستشفى ناصر يتفقد بطاقة تعريف على جثمان أحد الفلسطينيين الذين أعادت إسرائيل جثامينهم في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

رغم وجود أدلة قوية تشير إلى إعدام عديد من الفلسطينيين الذين أعادت إسرائيل جثثهم إلى غزة، فإن تحديد مكان مقتلهم لا يزال أكثر تعقيداً. فموقع «سدِه تيمان» يُستخدم كمستودع لحفظ الجثث القادمة من غزة، لكنه أيضاً معسكر اعتقال سيئ السمعة بسبب الوفيات التي وقعت داخله. ويطالب نشطاء حقوقيون بفتح تحقيق لكشف ما إذا كان بعض القتلى قد قضوا داخل المركز، وإن كان الأمر كذلك، فكم عددهم.

وأظهرت جثة محمود إسماعيل شباط (34 عاماً) من شمال غزة آثار خنق حول الرقبة، كما كانت ساقاه مهشمتين تحت جنازير دبابة، مما يرجّح أنه قُتل أو أُصيب داخل غزة ثم نُقل جثمانه لاحقاً إلى «سدِه تيمان». وتمكّن شقيقه رامي من التعرف عليه من أثر عملية جراحية سابقة في الرأس. وقال: «ما آلمنا أكثر من أي شيء هو أن يديه كانتا مكبلتين، وجسده يحمل آثار تعذيب واضحة».

أما والدته، فقالت بألم: «أين العالم؟ لقد عاد كل أسرانا معذبين ومكسورين».

«المرضى يرتدون حفاضات»

يقول عدد من الأطباء الفلسطينيين إن كون العديد من الجثث كانت معصوبة الأعين ومقيّدة الأطراف يشير إلى أن أصحابها تعرضوا للتعذيب ثم القتل في أثناء احتجازهم في مركز «سدِه تيمان».

وحسب تقارير نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية وشهادات مبلّغين من حراس السجن، تحتجز إسرائيل في الموقع نفسه نحو 1500 جثة لفلسطينيين من غزة.

قال أحد المبلّغين، الذي تحدث إلى الصحيفة وشهد ظروف الاحتجاز في مركز «سدِه تيمان»، إنه رأى بعينه «مريضاً من غزة أُحضر مصاباً بطلق ناري في الصدر من الجهة اليسرى، وكان معصوب العينين، مكبل اليدين، وعارياً عند وصوله إلى قسم الطوارئ». وأضاف: «مريض آخر أُصيب بطلق ناري في الساق اليمنى وصل إلى المستشفى في ظروف مشابهة».

مبلّغ آخر كان قد وصف في وقت سابق كيف كان المرضى -وجميعهم من غزة- مقيّدين بأسرَّتهم، معصوبي الأعين، ويرتدون حفاضات.

وقال إنه أُبلغ بأن بعضهم نُقلوا من مستشفيات غزة، مضيفاً: «كان هؤلاء مرضى جرحى أُسروا على يد الجيش الإسرائيلي في أثناء تلقيهم العلاج في مستشفيات غزة، ثم جُلبوا إلى هنا. كانوا يعانون من إصابات في الأطراف وجروح ملتهبة، ويئنّون من الألم».

موظفون بمستشفى ناصر بخان يونس يجهّزون جثامين فلسطينيين أعادتهم إسرائيل ضمن اتفاق للهدنة وتبادل الأسرى تمهيداً للتعرّف على هوياتهم (أ.ف.ب)

وأكد المبلّغ أن الجيش الإسرائيلي لم يكن يملك أدلة على انتماء جميع المعتقلين إلى حركة «حماس»، مشيراً إلى أن بعضهم «كانوا يكررون السؤال عن سبب احتجازهم».

قال أحد المبلّغين إنه علم في إحدى الحالات بأن يد أحد المعتقلين بُترت بسبب الغرغرينا الناتجة عن الجروح التي سببتها الأصفاد التي كبّلت معصميه لفترة طويلة.

«تعرّضنا لاعتداءات جنسية»

وقال الصحافي الفلسطيني شادي أبو سيدو، الذي يعمل في قناة «فلسطين اليوم» وأُفرج عنه بعد 20 شهراً من الاعتقال في «سدِه تيمان» وسجن إسرائيلي آخر، إنه اختُطف على يد القوات الإسرائيلية من مستشفى الشفاء في 18 مارس (آذار) 2024. وأضاف في مقابلة مصوّرة نشرها تلفزيون «TRT» التركي: «جرّدوني من ملابسي بالكامل لـ10 ساعات في البرد. ثم نُقلت إلى (سدِه تيمان) وبقيت هناك 100 يوم، كنت خلالها مكبل اليدين ومعصوب العينين. كثيرون ماتوا في الاحتجاز، وآخرون فقدوا عقولهم. بعضهم بُترت أطرافهم. تعرّضنا لاعتداءات جسدية وجنسية، وجلبوا كلاباً تبولت علينا. وعندما سألتهم: لماذا اعتُقلت؟ أجابوا: لقد قتلنا كل الصحافيين، وماتوا مرة واحدة. أما أنت، فستموت مئات المرات هنا».

وقال ناجي عباس، مدير قسم الأسرى والمعتقلين في منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان - إسرائيل» (PHR): «العلامات المروّعة للتعذيب والإساءة التي ظهرت على جثث الفلسطينيين التي أعادتها إسرائيل إلى غزة مفزعة لكنها للأسف ليست مفاجِئة». وأضاف أن هذه النتائج تؤكد ما وثقته المنظمة خلال العامين الماضيين حول ظروف الاحتجاز داخل السجون الإسرائيلية، خصوصاً في معسكر «سدِه تيمان»، حيث تعرّض معتقلون فلسطينيون لتعذيب وقتل ممنهج على يد جنود وحراس السجن.

وقالت المنظمة إن «العدد غير المسبوق للفلسطينيين الذين لقوا حتفهم في السجون الإسرائيلية، إلى جانب الأدلة الموثّقة على وفيات ناجمة عن التعذيب والإهمال الطبي، والآن نتائج الفحوص على الجثث التي أُعيدت، كلها لا تترك مجالاً للشك: هناك حاجة ملحّة إلى تحقيق دولي مستقل لمحاسبة المسؤولين في إسرائيل».

كما قدّمت الصحيفة صوراً للجثث إلى طبيب إسرائيلي شهد أيضاً معاملة الأسرى في مستشفى «سدِه تيمان» الميداني.

عمال في مستشفى ناصر بخان يونس ينقلون جثمان أحد الفلسطينيين الذين أعادت إسرائيل جثامينهم ضمن اتفاق الهدنة وتبادل الأسرى (أ.ف.ب)

وبشرط عدم كشف هويته، قال الطبيب إن إحدى الصور «تُظهر أن الرجل كانت يداه مقيدتين على الأرجح بأربطة بلاستيكية، مع تغيّر في لون اليدين مقارنةً بالذراعين عند موضع الرباط، مما يشير إلى تغيّرات نقص التروية الدموية بسبب القيود المفرطة». وأضاف: «قد يكون هذا الشخص أُصيب ثم أُسر وتوفي في أثناء الاحتجاز الإسرائيلي، أو توفي نتيجة إصابات أُلحقت به بعد أسره».

من جانبه، قال الدكتور موريس تيدبال-بنز، وهو طبيب وخبير في الطب الشرعي ومقرر أممي خاص: «ينبغي توجيه نداء لتقديم مساعدة جنائية دولية مستقلة ومحايدة للمساهمة في فحص الجثث وتحديد هويات الضحايا».

الجيش الإسرائيلي: لا تعليق

ورداً على مزاعم التعذيب، قال الجيش الإسرائيلي إنه طلب من مصلحة السجون الإسرائيلية التحقيق في الأمر، فيما لم ترد مصلحة السجون على طلب للتعليق. وكانت القوات الإسرائيلية قد صرّحت في وقت سابق بأنها «تتعامل مع المعتقلين بشكل مناسب وحذر»، مؤكدةً أن «أي ادعاء بارتكاب مخالفات من الجنود يُفحص ويُعالج وفق الأصول، وتُفتح تحقيقات جنائية عند الضرورة».

أما بشأن الادعاءات التي تفيد بأن الجثث الفلسطينية جاءت من «سدِه تيمان»، فاكتفت القوات الإسرائيلية بالقول إنها «لن تعلّق على هذا الموضوع».

وحسب الأمم المتحدة، لقي ما لا يقل عن 75 معتقلاً فلسطينياً حتفهم في السجون الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023.


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».