الدواء الأخضر… باحثة سعودية تقود مشروعاً بحثياً دولياً

الذكاء الاصطناعي… يذيب الحواجز بين الكيمياء والرحمة

الدواء الأخضر… باحثة سعودية تقود مشروعاً بحثياً دولياً
TT

الدواء الأخضر… باحثة سعودية تقود مشروعاً بحثياً دولياً

الدواء الأخضر… باحثة سعودية تقود مشروعاً بحثياً دولياً

في زحمة الابتكارات الصيدلانية المتسارعة، هناك معضلة قد تبدو «تقنية» لكنها تمس جوهر العلاج: أن تكتشف دواءً فعالاً في المختبر، لكنه يفشل في جسد المريض لأنه لا يذوب بما يكفي. إنها مشكلة قديمة–جديدة تُعرف باسم ضعف الذوبانية الحيوية (Low Bioavailability)، أي عدم قدرة الدواء على الذوبان والوصول إلى مجرى الدم بالكفاءة المطلوبة.

هذا التحدي الصامت يقف وراء فشل كثير من الأدوية الحديثة، فالمركب الكيميائي قد يكون مثالياً من حيث الصيغة، لكنه يبقى عاجزاً إن لم يتجاوز الحاجز الأول: الذوبان.

تخيّل أن تمتلك تذكرة سفر إلى الشفاء... لكنها غير قابلة للقراءة. ولهذا السبب، أصبحت الذوبانية الحيوية في صميم تفكير شركات الأدوية الكبرى، من لحظة تصميم الجزيء إلى لحظة تعبئته. واليوم، تُطرح الأسئلة نفسها بصياغة مختلفة:

- هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في فهم كيف تذوب الجزيئات؟

- هل يستطيع أن يطوّع قوانين الفيزياء والكيمياء ليصنع دواءً أكثر فاعلية... وأكثر خضرة؟

دراسة سعودية تقود التغيير

من هنا تبدأ القصة مع فريق سعودي قاد واحدة من أهم الدراسات العالمية في هذا المجال.

في سبتمبر (أيلول) 2025، أضاءت دراسة سعودية–دولية آفاقاً جديدة أمام صناعة الدواء، حين نُشرت في مجلة (Scientific Reports) التابعة لمجموعة «نيتشر»، كاشفة عن نقلة نوعية في التعامل مع أدوية منخفضة الذوبانية.

جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن الرائدة

هذه الدراسة تمثل لحظة مفصلية، حيث قادت السعودية، عبر جامعتها الوطنية النسائية الرائدة، جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، مشروعاً بحثياً عالمياً متعدد الجنسيات والتخصصات، يجعل من الذكاء الاصطناعي لاعباً أساسياً في تصنيع الدواء المستدام.

ترأست المشروع الدكتورة هديل بنت فارس العتيبي، الباحثة السعودية المتخصصة في علوم الدواء الأخضر، وشاركت فيه نخبة من العلماء من أبرز المؤسسات البحثية والطبية حول العالم، من بينها:

-جامعة ولاية أريزونا (Thunderbird School of Global Management–Arizona State University)–الولايات المتحدة.

-جامعة جلا (GLA University)-الهند.

- جامعة جاين (JAIN University)-بنغالور، الهند.

- مستشفى IMS & SUM-ولاية أوديشا، الهند.

- جامعة تشيتكارا (Chitkara University)-البنجاب، الهند.

- جامعة مامون (Mamun University)-خيفا، أوزبكستان.

- جامعة أورغينتش الحكومية (Urgench State University)-أوزبكستان.

- جامعة أوتارانشال (Uttaranchal University)-الهند.

ركز الفريق على دواء يعرفه الجميع: الباراسيتامول (Paracetamol)، (وفي أميركا يسمونه تايلينول Tylenol) أحد أكثر الأدوية استخداماً في العالم، لكن رغم ذلك، يواجه تحديات في الذوبان تحت ظروف معينة.

لكن المذهل في الدراسة لم تكن فقط التركيبة الدوائية، بل الوسيلة: فقد استخدم الفريق تقنية ثاني أكسيد الكربون فوق الحرج (Supercritical CO₂)، وهي تقنية خضراء متقدمة تسمح بإذابة المواد في حالة وسطية بين السائل والغاز، ما يُتيح الوصول إلى أشكال دوائية نانوية عالية الذوبانية... ومن دون مذيبات سامة.

بهذا المشروع، لم تكن المملكة مجرّد مساهم... بل كانت قائدة لفريق عالمي أعاد تعريف الحدود الممكنة بين البيئة، والتقنية، والدواء.

خوارزميات تتعلّم... لتذيب

لم يكن هذا البحث مجرّد تمرين في الكيمياء الفيزيائية، بل كان درساً في كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتصرّف على أنه كيميائي افتراضي بارع لا يعمل في مختبر زجاجي، بل في فضاء من المعادلات، والنماذج، والاحتمالات.

فبدلاً من الاعتماد على التجريب اليدوي المتكرّر، اعتمد الفريق على خوارزميات تعلم آلي (Machine Learning Algorithms) قادرة على التنبؤ بذوبان جزيئات الباراسيتامول في بيئة ثاني أكسيد الكربون فوق الحرج، وتحت ظروف متنوعة من الضغط والحرارة.

وقد شملت هذه الخوارزميات أربعة نماذج متقدمة تُعد من أقوى أدوات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ ومعالجة البيانات المعقدة:

-خوارزمية الغابة العشوائية (Random Forest).

- خوارزمية الأشجار الفائقة (Extra Trees).

- خوارزمية التعزيز التدريجي (Gradient Boosting).

- خوارزمية التعزيز الكمي للتدرج (Quantile Gradient Boosting)، وهي خوارزمية متقدمة تتميز بقدرتها على التنبؤ بدقة، مع تقديم تقديرات لمستوى عدم اليقين، وهي سمة بالغة الأهمية في التجارب الدوائية.

ولم يكتف الفريق بذلك، بل استخدم أيضاً أداة ضبط ذكية تُعرف بـخوارزمية الحوت (Whale Optimization Algorithm) المستوحاة من أسلوب الصيد الدائري لدى الحيتان الحدباء، حيث تُحاصر فريستها بفقاعات دقيقة في نمط حلقي يشبه التعلّم التكيفي.

هكذا لم تعد الخوارزميات أدوات لحساب البيانات فقط، بل أدوات للتأمل والتجريب... وكأن الحاسوب بدأ يتعلّم كيف يذيب، ويفهم، ويتوقع، لا بل ويبتكر، في رحلة تشبه الفن أكثر من المعادلات.

نتائج دقيقة... من بيانات قليلة

النتائج لم تكن فقط مبشّرة، بل مدهشة بمقاييس البحث العلمي. فباستخدام خوارزمية التعزيز الكمي للتدرج تمكن النموذج من التنبؤ بذوبان الباراسيتامول بدقة بلغت 0.985 (R²)، وهي نتيجة تكاد تلامس الكمال في التجارب الحاسوبية.

أما نموذج الأشجار الفائقة فقد تفوّق في التنبؤ بكثافة المذيب، محققاً دقة غير مسبوقة وصلت إلى 0.997 (R²).

لكن المفارقة الأجمل أن هذه الدقة العالية لم تعتمد على آلاف العينات، بل على 40 نقطة بيانات فقط، ما يكشف عن قوة الذكاء الاصطناعي في استنباط الأنماط الخفية حتى من داخل مجموعات بيانات صغيرة ومحدودة.

وهنا تبرز قيمة الذكاء الاصطناعي ليس فقط بوصفه أداة حاسبة، بل على أنه بوصلة تقودنا نحو الحقيقة حين تعجز الأدوات التقليدية عن رؤيتها.

نحو تصنيع مستمر وصديق للبيئة

تكمن أهمية هذا البحث في أنه لا يكتفي بتحسين ذوبان دواء واحد، بل يفتح الباب أمام ثورة في طريقة تصنيع الأدوية نفسها. فبدلاً من الأسلوب التقليدي المعتمد على «الدفعات» (Batch Processing)، يطرح الباحثون بديلاً أكثر مرونة واستدامة: التصنيع المستمر (Continuous Manufacturing) باستخدام تقنيات فوق حرجة.

هذا التحول لا يعني فقط تحديث خطوط الإنتاج، بل إعادة تعريفها بالكامل. فالتصنيع المستمر يُمكّن من التحكم الدقيق في ظروف التفاعل، ويُتيح مراقبة لحظية للجودة، ويقلّل بشكل كبير من الفاقدين الزمني والمادي.

أما استخدام ثاني أكسيد الكربون فوق الحرج بوصف أنه مذيب صديق للبيئة، فيوفّر بديلاً حقيقياً للمذيبات العضوية السامة التي طالما شكّلت عبئاً بيئياً وصحياً على مصانع الأدوية.

إننا أمام ثلاثية واعدة في آنٍ واحد:

-زمن تصنيع أقصر.

- تكلفة إنتاج أقل.

- دواء أنظف، وأكثر أماناً للبيئة.

وبهذا لا يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة تحسين، بل إلى محفّز لإعادة هيكلة فلسفة التصنيع الدوائي من الجذور.

جسيمات نانوية لفعالية أكبر

ولعلّ الأهم من الذوبان نفسه، هو كيف نُعيد تصميم الجزيء الدوائي ليذوب بشكل أفضل. وهنا تظهر تقنية تحويل الدواء إلى جسيمات نانوية (Nanoparticles) باعتبارها واحدة من أكثر الحلول فعالية في التغلب على مشكلة انخفاض الذوبانية.

حين يتحوّل المركّب إلى جسيمات نانوية، وتزداد مساحته السطحية بشكل كبير، ما يُعزز ذوبانه في سوائل الجسم، ويرفع من امتصاصه الحيوي (Bioavailability) عبر الأمعاء، أو الجلد، أو حتى الأغشية المخاطية.

هذا التحسين ليس ترفاً تقنياً، بل ضرورة عملية، لأن ما يقارب 40 في المائة من الأدوية الحديثة تعاني من ضعف في الذوبانية، وهو ما يؤدي إلى تقليل تأثيرها العلاجي رغم فعالية مكوناتها الكيميائية.

في هذا السياق، يقدّم الذكاء الاصطناعي دوراً مزدوجاً:

-في التنبؤ بأفضل الطرق لتحويل الدواء إلى شكل نانوي.

-وفي اختيار الظروف المثالية (ضغط، حرارة، زمن) لإنتاج جسيمات مستقرة وفعالة.

وهكذا يتحول الابتكار إلى فعالية، وتتحوّل الخوارزمية إلى جسيم نانوي... يذوب أسرع، يعمل أفضل، ويخدم الإنسان بصمت ودقة.

الذكاء الاصطناعي... بين الطبيعة والعقل

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مسألة ضغط وحرارة ومذيب وجزيئات، لكن جوهر الابتكار يتجاوز هذه التفاصيل التقنية: نحن أمام مثال حي على كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتح أبواباً لم تكن مرئية من قبل، لا في الطبيعة وحدها، ولا في الرياضيات وحدها، بل في لحظة التقاء العقل بالتجريب.

هذه الخوارزميات لا تذيب فقط جزيئات «الباراسيتامول»، بل تذيب الحواجز بين الإنسان والعلاج، بين التقنية والرحمة، وتفتح الطريق نحو دواءٍ أكثر كفاءة... وأكثر خضرة.

وكما قال جابر بن حيان منذ قرون بعيدة: «علينا أن نعلم أن العلم يُؤخذ من التجربة، والعقل هو الدليل عليها». واليوم نرى كيف يتحالف العقل الإنساني مع الخوارزمية، ليفتحا معاً فصلاً جديداً من الكيمياء... أكثر إنسانية، وأكثر استدامة.


مقالات ذات صلة

طريقة ذكية لتشخيص إدمان المخدرات بسرعة وكفاءة

صحتك النظام الجديد يعتمد على تقييم سلوكيات الإدمان الأساسية (جامعة سينسيناتي)

طريقة ذكية لتشخيص إدمان المخدرات بسرعة وكفاءة

نجح باحثون في جامعة سينسيناتي الأميركية في تطوير نظام ذكاء اصطناعي مبتكر يساعد على تشخيص اضطراب تعاطي المواد المخدرة بدقة تصل إلى 84 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الولايات المتحدة​ علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)

أميركا تريد متطوعين لاستضافة النفايات النووية إلى الأبد

تعتمد خطة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتشييد مجموعة من المفاعلات النووية الصغيرة في المستقبل؛ لتوفير الطاقة لعصر الذكاء الاصطناعي، على استراتيجية قديمة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد تمثيلات للعملة الرقمية «بتكوين» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

ارتفع سعر البتكوين، يوم الجمعة، بعد وصوله إلى أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 60 ألف دولار، مع ظهور بوادر تراجع الضغوط العالمية على أسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى له في أسبوعين

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في أسبوعين يوم الجمعة، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن المخاطرة بعد تراجع حاد في أسواق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد متداولو العملات أمام شاشة تعرض مؤشر كوسبي وسعر صرف الدولار مقابل الوون في مقر بنك هانا بسيول (أ.ب)

تراجع حاد للأسهم الآسيوية لليوم الثالث وسط ضغوط على قطاع التكنولوجيا

واصلت الأسهم الآسيوية تراجعها يوم الجمعة، في ظل غياب أي مؤشرات على انحسار موجة الهبوط الحاد في أسهم التكنولوجيا التي تضرب «وول ستريت» لليوم الثالث على التوالي.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».