كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟

خوارزميات صامتة... بتأثيرات صاخبة

كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟
TT

كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟

كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟

في الوقت الذي تتسابق فيه العناوين العالمية لتمجيد الروبوتات الجراحية، وخوارزميات التشخيص، وتقنيات التنبؤ بالأمراض، تنمو بهدوء في الخلفية ثورةٌ من نوع مختلف؛ ثورة لا تعتمد على الأضواء الساطعة ولا على شاشات ضخمة، بل على ذكاء يعمل في صمت... لكنه يُحدث أثراً عميقاً في صميم العلاقة بين الطبيب والمريض. إنها ثورة «الذكاء الاصطناعي المحيطي».

الذكاء الاصطناعي المحيطيمفهوم «الذكاء الاصطناعي المحيطي» لا يتحدث عن أجهزة مبهرة أو أدوات مستقبلية لامعة، بل عن أنظمة ذكية خفية تنصت للحوار الدائر في العيادة أو غرفة المستشفى، وتحوّله في اللحظة نفسها إلى نص طبي منسّق، وتستخلص منه البيانات المهمة، وتقوم بتحديث السجل الطبي الإلكتروني بدقة، من دون أن يشعر المريض بأي تدخل، ومن دون أن يُضطر الطبيب إلى الانشغال بلوحة مفاتيح أو شاشة.

تخيّل أن الطبيب يستطيع التركيز الكامل في عيني مريضه، يطرح الأسئلة ويصغي إلى الإجابات، بينما تقوم خوارزميات غير مرئية بتوثيق كل شيء، وتحليل السياق، وترتيب المعلومات في الخلفية بدقة لا تعرف التعب. إن ما كان يستنزف وقت الطبيب وجهده الإداري، بات يُدار تلقائياً، لتعود اللمسة الإنسانية إلى قلب الممارسة الطبية من جديد.

هذه التقنية الناشئة ليست خيالاً مستقبلياً، بل بدأت تدخل بالفعل إلى عيادات ومؤسسات طبية عالمية. وقد وصفها بعض الخبراء بأنها «الذكاء الاصطناعي الذي لا تراه، لكنه يغيّر كل شيء»، لأنها لا تفرض نفسها على الطبيب أو المريض، بل تندمج في البيئة المحيطة بهدوء، فتجعل من التكنولوجيا شريكاً صامتاً يعزز التواصل بدلاً من أن يقطعه.

إنها ثورة لا تُقاس بضجيج الأجهزة، بل بمدى قدرتها على إعادة الإنسان إلى مركز المشهد الطبي. وفي عالم يزداد فيه الاعتماد على الآلة، يبرز الذكاء الاصطناعي المحيطي كجسر ناعم بين التقنية والإنسان، بين الصمت الرقمي واللمسة البشرية.

الذكاء المحيطي يقلل الإرهاق ويعزز الرعاية

في الثاني من مايو (أيار) عام 2025، نشرت مجلة «الشبكة الأميركية للطب المفتوح» (JAMA Network Open) دراسة محورية قادتها الدكتورة شيريل ستولتس من معهد «ساتر هيلث» في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، ركزت على قياس الأثر العملي لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المحيطي في العيادات الطبية اليومية. وقد كشفت النتائج عن تحول ملموس في طريقة عمل الأطباء وجودة تفاعلهم مع المرضى.

أبرز ما أظهرته الدراسة أن الذكاء المحيطي ساعد على توفير الوقت وتحسين الكفاءة، إذ انخفض متوسط زمن كتابة الملحوظات الطبية بعد كل زيارة من 6 دقائق وثلث تقريباً إلى خمس دقائق وثُلث، وهو فارق يبدو بسيطاً لكنه ينعكس بشكل كبير عند تراكمه يومياً في المستشفيات والعيادات، مما يتيح للأطباء وقتاً إضافياً للتواصل والرعاية المباشرة.

كما ساهمت التقنية في تخفيف العبء الذهني والنفسي عن الأطباء. فبدلاً من انشغال الطبيب بتدوين الملحوظات أثناء المقابلة، أصبح بإمكانه التركيز الكامل على المريض دون تشتت، الأمر الذي رفع مستوى الراحة الذهنية والقدرة على اتخاذ قرارات طبية أدق.

أما على مستوى العلاقة مع المرضى، فقد رصدت الدراسة تحسناً واضحاً في جودة التواصل الإنساني، إذ لاحظ المرضى أن أطباءهم أصبحوا أكثر حضوراً وتعاطفاً، وأن اللقاء الطبي بات أقرب إلى حوار إنساني مباشر منه إلى جلسة يغلب عليها الانشغال بالتوثيق الإلكتروني.

الدكتورة فينا جونز، الرئيسة التنفيذية للمعلومات الطبية في «ساتر هيلث»، لخّصت ذلك بقولها إن الذكاء المحيطي لا يسعى إلى استبدال الطبيب، بل إلى منحه المساحة الزمنية والتركيز ليكون بكليّته مع مريضه، بينما تتولى الخوارزميات الصامتة الأعمال الروتينية في الخلفية. إنها، على حد وصفها، خطوة حقيقية نحو رعاية صحية أكثر إنسانية، تدعمها تقنيات غير مرئية.

من الحوار إلى العلاجتخيّل طبيباً سعودياً في عيادته الحديثة بالرياض، يجلس أمام مريضه وجهاً لوجه، بلا لوحة مفاتيح تفصله عنه، ولا أوراق تشتّت انتباهه. لا أصوات نقر على الحاسوب ولا التفاتة إلى شاشة. المشهد يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في طياته تحولاً عميقاً في ممارسة الطب. فالذكاء الاصطناعي المحيطي يعمل في الخلفية بصمت، يستمع بدقة إلى الحوار الدائر، ويفرغه لحظياً إلى نص طبي منسّق، ويستخلص منه العبارات المفتاحية، ويحوّلها إلى تشخيص مبدئي وخطة علاجية، ثم يحدّث السجل الصحي الإلكتروني بدقة تفصيلية، دون أن يقطع الطبيب لحظة تواصله مع مريضه.

في هذه اللحظة، يعود الطب إلى جوهره الأول: الإنصات إلى الإنسان قبل اتخاذ القرار العلاجي. يصبح الطبيب منصتاً بحق، ينظر إلى المريض، يتأمل ملامحه، يقرأ نبرة صوته، ويطرح الأسئلة بناءً على ما يسمعه ويفهمه، لا بناءً على ما يُمليه عليه نظام إلكتروني معقد. وفي المقابل، يشعر المريض أن الطبيب حاضر معه بكامل تركيزه، يصغي إليه كما لو كان الوحيد في العيادة.

هذا السيناريو ليس خيالاً مستقبلياً، بل صورة واقعية لمستقبل قريب بدأت ملامحه تتشكل بالفعل في مؤسسات طبية عالمية، ويمكن أن تتحقق في المنطقة العربية في ظل التحول الرقمي السريع الذي تشهده المملكة العربية السعودية ضمن «رؤية 2030». إنها عودة الطب إلى أصالته، ولكن هذه المرة بمساعدة خوارزميات ذكية تعمل في صمت، لتمنح الطبيب ما فقده في خضم الرقمنة: الوقت، التركيز، والاتصال الإنساني الحقيقي.

تحديات أخلاقية مع كل ابتكار كبير، تبرز مسؤوليات أكبر. فبينما يعمل الذكاء الاصطناعي المحيطي في صمت خلف الكواليس، فإن هذا الصمت لا يعفيه من أسئلة أخلاقية عميقة تمس جوهر العلاقة بين الطبيب والمريض، والثقة التي تُبنى عليها الممارسة الطبية. إنها ليست مجرد قضايا تقنية، بل قضايا إنسانية وثقافية تتطلب وعياً وتنظيماً دقيقاً.

> الموافقة الواعية: أول هذه التحديات هو الموافقة الواعية. فحين يجلس المريض أمام طبيبه، قد لا يدرك أن كل كلمة تُقال في الغرفة يجري تسجيلها وتحليلها في الوقت الحقيقي. هل تكفي لوحة صغيرة على الجدار لإعلامه؟ أم يجب تطوير آليات واضحة وشفافة تضمن أن المريض يعلم تماماً ما يحدث، ويوافق على ذلك بحرية دون ضغط أو التباس؟ إن مفهوم «الموافقة» في هذا السياق لا يمكن أن يكون شكلياً، بل يجب أن يكون قائماً على فهم حقيقي لطبيعة التقنية وحدودها.

> مسألة الخصوصية: وهي أكثر حساسية في البيئات العربية التي تتميز غالباً بحضور أفراد الأسرة في الجلسات الطبية، سواء بدافع الدعم أو المشاركة في اتخاذ القرار. كيف يمكن حماية الحوار الطبي من التسرب أو إساءة الاستخدام في مثل هذه الأجواء؟ وما هي الضمانات التي تضمن أن التسجيلات والبيانات الحساسة لن تُستخدم خارج إطار الرعاية الصحية؟ هذه الأسئلة تزداد أهمية في ظل التحول الرقمي السريع، حيث تصبح البيانات الطبية هدفاً ثميناً لا يمكن التفريط فيه.

• اللغة والثقافة؛ أما التحدي الثالث فيتعلق باللغة والثقافة. فالأنظمة المطوّرة غالباً ما تُصمّم بلغات أجنبية ولهجات محددة، فهل تستطيع هذه الخوارزميات فهم اللهجات العربية المتنوعة، من الخليج إلى المغرب، والتقاط الإيحاءات الثقافية والنبرة العاطفية التي تشكل جزءاً أساسياً من الحوار الطبي؟ إن عدم دقة الفهم أو سوء تفسير تعبيرات المريض قد يؤدي إلى قرارات طبية غير دقيقة، أو يضعف التواصل الإنساني الذي يفترض أن التقنية جاءت لتعزيزه لا أن تشوّهه.

إن التعامل مع هذه التحديات الأخلاقية ليس ترفاً، بل ضرورة لضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي المحيطي وسيلة تمكين للرعاية الصحية لا مصدراً للالتباس أو فقدان الثقة. فبين الصمت الرقمي وصوت المريض، يجب أن تبقى الأخلاقيات هي الموجّه الأعلى.

المنزل الذكي امتداد هادئ للرعايةلا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي المحيطي على العيادات والمستشفيات، بل بدأ يتسلل بهدوء إلى البيئة المنزلية، ليحوّل البيت إلى مساحة رعاية ذكية تواكب احتياجات كبار السن والمرضى المزمنين على مدار الساعة. ففي العديد من الدول، أصبحت المنازل مزوّدة بأنظمة قادرة على رصد الحركات الدقيقة، والتنبه إلى أي خلل في النمط اليومي، وإرسال إشعارات فورية لمقدمي الرعاية أو فرق الطوارئ عند حدوث أي طارئ مثل السقوط أو فقدان الوعي.تخيل منزلاً يحتضن والدة مسنّة تعيش في الطابق الأرضي، مجهزاً بأجهزة استشعار ذكية مدمجة في الجدران والأرضيات، تراقب خطواتها من دون كاميرات أو تدخل مزعج، وتتعرف على إيقاع مشيها اليومي. وفي إحدى الليالي، ترصد الخوارزمية تغيراً مفاجئاً في خطواتها يتبعه سقوط، فترسل إشعاراً فورياً إلى الأبناء وإلى أقرب وحدة إسعاف. وفي الوقت ذاته، تنشط الإضاءة تلقائياً لتجنّب مزيد من الإصابات، ويُفتح خط تواصل صوتي مباشر مع أحد مقدمي الرعاية. كل ذلك يحدث في ثوانٍ، من دون صراخ ولا فوضى، في مشهد يختصر كيف يمكن للتقنية أن تحيط الإنسان برعاية غير مرئية.

وفي مثال آخر، يمكن لهذه الأنظمة متابعة المؤشرات الحيوية اليومية مثل معدل ضربات القلب، وضغط الدم، والتنفس، ورصد أي تغيرات مقلقة على المدى الطويل، بل والتنبؤ بالحالات الخطرة قبل تفاقمها. بالنسبة للأسر السعودية، هذا يعني إمكانية تقديم رعاية إنسانية حانية داخل المنزل، تتيح للمسنين العيش في بيئتهم المألوفة محاطين بأحبائهم، بدلاً من الانتقال إلى مؤسسات الرعاية التقليدية التي قد تفتقر إلى الدفء العائلي.

بهذه الطريقة، يصبح المنزل الذكي امتداداً طبيعياً للمستشفى، حيث تمتزج الرحمة بالتقنية، وتتحول الجدران الصامتة إلى حارس لطيف يراقب بصمت، ويتدخل بحكمة عند الحاجة.

دعوة إلى ابتكار عربي

لقد آن الأوان لأن يخوض المبتكرون والمشرّعون والأكاديميون العرب غمار هذه التقنية، لا بوصفها أداة مساعدة فحسب، بل باعتبارها فلسفة جديدة للرعاية الصحية تقوم على الإنصات، والفهم، والاحترام العميق للثقافة المحلية. نحن بحاجة إلى أنظمة ذكاء اصطناعي محيطي تُنصت بتعاطف، وتُسجّل بأمانة، وتفهم لهجاتنا، وتقدّر قيمنا الاجتماعية، فتكون امتداداً للإنسان لا بديلاً عنه.

هذه ليست مجرد فرصة تقنية، بل فرصة حضارية لإعادة صياغة ملامح مستقبل الطب من منظور عربي أصيل. فبدلاً من استيراد النماذج الجاهزة، يمكن للعالم العربي أن يقدّم إسهامه الخاص، مستفيداً من تراكم خبراته الطبية والتعليمية ورؤاه المستقبلية، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي تقوده المملكة العربية السعودية ضمن «رؤية 2030»، لبناء منظومات رعاية ذكية تنبض بلغتنا وتفهم ثقافتنا.

وكما قال وليم شكسبير: «استمع أكثر مما تتكلم، فالأذنان لم تُخلقا عبثاً».

وكما عبّر جبران خليل جبران: «قد يكون في صمتنا ما يغنينا عن ألف كلمة، وفي إنصاتنا حياة لروح الآخر».

فلْتكن الثورة القادمة في الطب هادئة الصوت... لكنها عربية اللسان والرؤية، ثورة لا تكتفي بتبني التقنيات، بل تصوغها وفق احتياجاتنا ومبادئنا، لتعيد للطب معناه الإنساني العميق: الإصغاء قبل التشخيص، والحضور قبل التقنية. إنها دعوة للابتكار لا تنتظر، بل تُبادر لتكتب فصلاً عربياً مؤثراً في قصة الطب العالمي القادمة.


مقالات ذات صلة

أكاديمية جديدة لتأهيل وتوظيف 20 ألف سعودي في الذكاء الاصطناعي والبيانات بحلول 2034

خاص تستهدف الأكاديمية تدريب واعتماد وتأهيل وتوظيف أكثر من 20 ألف متخصص سعودي في الذكاء الاصطناعي والبيانات بحلول 2034 (أدوبي)

أكاديمية جديدة لتأهيل وتوظيف 20 ألف سعودي في الذكاء الاصطناعي والبيانات بحلول 2034

تستهدف مبادرة جديدة تدريب وتأهيل وتوظيف أكثر من 20 ألف سعودي في الذكاء الاصطناعي والبيانات وربط المهارات باحتياجات سوق العمل.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تنتقل الشركات السعودية من استخدام أدوات رقمية منفصلة إلى منصات أكثر تكاملاً تربط المبيعات والتمويل والموارد البشرية والعمليات

خاص «زوهو» لـ«الشرق الأوسط»: نضج السوق السعودية يدفع الشركات نحو التكامل والذكاء الاصطناعي

تنتقل الشركات السعودية من مجرد تبني السحابة إلى دمج البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن والامتثال ضمن منظومات أعمال أكثر تكاملاً.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا «Google Pics» أداة من «غوغل» لإنشاء وتعديل التصاميم بالذكاء الاصطناعي (غوغل)

«غوغل» تطلق «Google Pics» أداة تصميم بالذكاء الاصطناعي

تتيح إنشاء الصور والتصاميم وتعديلها باستخدام الأوامر النصية، في خطوة تضع الشركة بصورة أكثر مباشرة في مواجهة أدوات شهيرة مثل «Canva».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص توسّع الذكاء الاصطناعي يرفع حجم المخاطر السيبرانية مع ازدياد عدد الوكلاء الرقميين والهويات التي تحتاج إلى حماية واستعادة (أدوبي)

خاص كيف يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم التعافي من الهجمات السيبرانية في السعودية؟

تبحث مؤسسات سعودية تعزيز قدرتها على التعافي من الهجمات السيبرانية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في المملكة

نسيم رمضان (الرياض)
خاص «إريكسون»: أكثر من نصف مستخدمي الاتصالات في السعودية مستعدون لدفع المزيد مقابل سرعة أو زمن استجابة أو سعة مضمونة عند الحاجة ( أدوبي)

خاص رئيس «إريكسون» السعودية لـ«الشرق الأوسط»: شبكات الحج مختبر لتقنيات تمتد إلى «إكسبو» والمونديال

تبحث «إريكسون» في السعودية توسيع قيمة شبكات الجيل الخامس عبر الأتمتة والذكاء الاصطناعي والاتصال المضمون والاستعداد التدريجي للجيل السادس.

نسيم رمضان (الرياض)

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري
TT

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

يتشارك مارك سولمز (*) مع قرائه بخمس رؤى أساسية في كتابه الجديد «العلاج الوحيد: فرويد وعلم الأعصاب للشفاء النفسي» The Only Cure: Freud and the Neuroscience of Mental Healing. وسولمز عالم أعصاب اتخذ خطوة غير مألوفة بحصوله على اختصاص محلل نفسي. وعلى مدى أربعين عاماً، استخدم أدوات علم الأعصاب الحديث لاختبار وتطوير نظرية التحليل النفسي. وبصفته شخصية رائدة في التحليل النفسي العصبي، كشفت أبحاثه عن آليات دماغية رئيسية مسؤولة عن الأحلام، مما أعاد تشكيل فهمنا للعقل أثناء النوم. وهو أيضاً المدير العلمي للجمعية الأميركية للتحليل النفسي.

غلاف كتاب مارك سولمز

الفكرة الرئيسية

لا ينبغي تجاهل فرويد باعتباره مفكراً عفا عليه الزمن أو فاقداً للمصداقية، فقد استبقت العديد من رؤاه الأساسية علم الأعصاب الحديث. لذا فإن المهمة الآن تحديث التحليل النفسي وتصحيحه باستخدام الأدلة العلمية المعاصرة.

1. فرويد كان عالم أعصاب، إذ أمضى 23 عاماً في إجراء أبحاث في علم الأعصاب وعلم الأعصاب السريري. وخلال تلك الفترة، نشر أكثر من 200 مؤلف، أربعة منها كتب. وساهم في اكتشاف الخلايا العصبية، وهي الوحدة الأساسية للجهاز العصبي في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وفي تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما اكتُشف المشبك العصبي - وهو نقطة التقاء الخلايا العصبية - كان فرويد أول من فسّره على أنه موقع تكوّن الذكريات.

في عام 1895، صاغ فرويد فكرة أن الخلايا العصبية التي تنشط معاً تتصل ببعضها. يُعرف هذا الآن بقانون هيب Hebb’s law، على الرغم من أن هيب صاغ هذا القانون بعد عقود. واكتشف فرويد منشأ أحد الأعصاب القحفية، الذي كان يُسمى آنذاك العصب السمعي، في جذع الدماغ. ويُعرف الآن بالعصب الدهليزي القوقعي.

وكان فرويد من أبرز خبراء أوروبا في اضطراب حركي يُعرف بالشلل الدماغي (أو المخّي) cerebral palsy. في عام 1891، نشر فرويد كتاباً رائداً حول آليات اللغة في الدماغ، مُبيناً أن اللغة نتاج نظام وظيفي مُوزع على مناطق دماغية مُتعددة. وقد مهّد هذا الطريق لظهور التحليل النفسي، لأن وظيفة اللغة هي وظيفة نفسية.

من الاكتشافات إلى المسلّمات

2. أصبح العديد من اكتشافات فرويد المثيرة للجدل اليوم من المسلّمات العلمية. كانت «الوظيفية Functionalism » ابتكاراً علمياً جديداً عندما طرحها فرويد لأول مرة: فكرة أننا ندرس أنظمة وظيفية، وهي كيانات افتراضية. يُنسب إدخال الوظيفية إلى علم الأعصاب الإدراكي عموماً إلى بوتنام في خمسينيات القرن العشرين، أي بعد عقود من طرح فرويد لهذا المفهوم.

كما طرح فرويد فكرة أنظمة الذاكرة المتعددة في عام 1896. تقوم هذه الفكرة على أن نظام الذاكرة لدينا ليس نظاماً واحداً، بل مُقسّم إلى أنظمة مُتعددة ومُختلفة، يعمل كل منها بطريقة مُختلفة. تُنسب هذه الفكرة إلى باحثين آخرين، أيضاً بعد عقود من طرحها من قِبل فرويد. قال فرويد إنه لا بد من وجود ثلاثة أنظمة ذاكرة على الأقل، عرّفها بأنها الوعي، وما قبل الوعي، واللاوعي. هكذا نقسم أنظمة الذاكرة المتعددة اليوم، إذ يقسمها نموذج علم الأعصاب الإدراكي السائد إلى ذاكرة قصيرة المدى (واعية)، وذاكرة طويلة المدى بيانية declarative (ما قبل الوعي)، وذاكرة طويلة المدى غير بيانية (لا واعية).

«اللاوعي».. ابتكار فرويد

وبالحديث عن اللاوعي، فقد كانت هذه إحدى ابتكارات فرويد: فكرة أن الوظائف العقلية يمكن أن تكون لا واعية. عندما طرح فرويد هذه الفكرة، اعتُبرت متناقضة. في ذلك الوقت، كان العقل والوعي مترادفين. أما الآن، فقد أصبحت فكرة أن أجزاءً كبيرة من حياتنا العقلية تحدث لا شعورياً فكرة سائدة.

ما يُسمى اليوم بالمعالجة التنبؤية predictive processing (التي ينفذها الدماغ) - وهو إطار عمل مؤثر للغاية طوره كارل فريستون - كان، في الواقع، متوقعاً قبل عقود. والمعالجة التنبؤية هي نفسها معالجة التمنّي wishful processing. إنها فكرة أنه بمجرد أن تجرّب شعوراً بالرضا، فإنك (أي دماغك) تحاول تكراره بناءً على كيفية تحقيق هذا الرضا في الماضي. وعلى العكس، فعندما تمر بتجربة مؤلمة، فإنك تحاول تجنبها بعدم تكرار الظروف التي أدت إليها. هذه فكرة فرويدية بامتياز، ويقر فريستون بهذا الفضل.

وينطبق الأمر نفسه على «الإدراك المجسَّد» embodied cognition، الذي كان يُطرح غالباً كتطور معاصر. (الإدراك المجسَّد، أو المكتسب بشكل محسوس، نظرية تقول إن العديد من سمات الإدراك تتشكل من جوانب الجسم بأكمله -الويكيبيديا). وكان فرويد أول من أكد على أن الإدراك مجسد، أي أن الإنسان نوع من أنواع الحيوانات، وأن العقل يعمل لصالح الكائن الحي ككل، ويتعلم كيفية تلبية احتياجاته في العالم.

* التجارب الصادمة في الطفولة المبكرة يمكن أن تُرسّخ أسس الأمراض النفسية

كما كان فرويد رائداً في فكرة الفترات الحرجة في النمو العقلي. لنأخذ على سبيل المثال فقدان الذاكرة الطفولي. لا نستطيع تذكر أول سنتين من حياتنا لأن أنظمة الذاكرة القشرية التي أطلق عليها فرويد اسم ما قبل الوعي (والتي نسميها الآن الذاكرة البيانية طويلة الأمد) لم تكن قد نضجت تماماً بعد.

وبالمثل، فإن فكرة أن التجارب الصادمة في الطفولة المبكرة يمكن أن تُرسّخ أسس الأمراض النفسية اللاحقة كانت فكرة فرويدية. واليوم، من المسلّم به على نطاق واسع أن تجارب الطفولة المؤلمة يمكن أن تزيد من قابلية الإصابة بأمراض مثل الاكتئاب. ومع ذلك، غالباً ما ننسى أن هذه كانت في يوم من الأيام فكرة فرويدية جديدة.

تناول فرويد أيضاً دراسة الدماغ من منظور ذاتي، متسائلاً عن ماهية هذا الدماغ. واليوم، ترتبط الحاجة إلى مراعاة التجربة الذاتية بما أسماه ديفيد تشالمرز بـ«مشكلة الوعي المعقدة»، وهي مشكلة تُعتبر عموماً في طليعة علم الأعصاب المعاصر.

المحادثة علاج نفسي فعّال

3. «العلاج بالكلام» علاج طبي فعّال للغاية. إننا نقيس فعالية العلاج في الطب والطب النفسي بما يُسمى حجم التأثير. يُعتبر حجم التأثير 0.2 فعالاً بشكل طفيف، و0.4 فعالاً بشكل متوسط، و0.8 فعالاً للغاية. أما حجم تأثير الأدوية النفسية فيبلغ في المتوسط نحو 0.4.

يتراوح حجم تأثير العلاج بالكلام بين 0.7 و0.8، مما يضعه ضمن نطاق الفعالية العالية. وينطبق الأمر نفسه على العلاج النفسي التحليلي قصير الأمد. وقد أثبتت الدراسات العشوائية المضبوطة أن له حجم تأثير يبلغ نحو 0.8.

وفي معظم العلاجات النفسية، تخف الأعراض بشكل ملحوظ بنهاية العلاج، لكنها تميل إلى العودة تدريجياً عند المتابعة بعد أشهر أو سنوات. أما العلاج النفسي التحليلي فيبدو أنه يتبع نمطاً مختلفاً، إذ لا يقتصر التحسن على استمراره بعد انتهاء العلاج، بل قد يستمر في الازدياد.

* فعالية العلاج النفسي التحليلي تُضاهي فعالية التدخلات الطبية لعلاج السكري أو لقاح سرطان عنق الرحم

وقد أشارت التقارير إلى أن العلاج النفسي التحليلي طويل الأمد يُحقق تأثيرات أكبر بكثير، تصل إلى 0.9 وما فوق، مع تأثيرات متابعة تتجاوز 1.0، وهو أمر استثنائي. وتُضاهي فعالية العلاج النفسي التحليلي فعالية التدخلات الطبية المُعتمدة، مثل أدوية خفض سكر الدم لمرضى السكري أو لقاح فيروس الورم الحليمي البشري للوقاية من سرطان عنق الرحم.

العلاج بالتحليل النفسي

الأعراض العاطفية تنشأ عندما لا تُلبّى الاحتياجات العاطفية بشكل كافٍ

4. علاج السبب الجذري. تُخفف الأدوية النفسية الأعراض بينما يُعالج العلاج بالكلام السبب الجذري. ومن أكثر المغالطات شيوعاً بين الناس الاعتقاد بأن الأعراض النفسية ناتجة عن اختلالات كيميائية في الدماغ. في هذا الكتاب، أستعرض الأدلة التي تُفنّد هذه النظرية، بما في ذلك بحثٌ لخصته أخيراً الطبيبة النفسية البارزة جوانا مونكريف في كتابها «الطب النفسي الجزيئي».

وتشير الأدلة إلى أن نظرية الخلل الكيميائي، على الأقل بصيغتها الشائعة، لا أساس لها من الصحة.

للأدوية النفسية أهمية بالغة، فهي تُخفف الأعراض. ​لكن تخفيف الأعراض لا يعني بالضرورة علاج الحالة المرضية الأساسية. إذ وعند التوقف عن العلاج، قد تعود الأعراض، كما أن لهذه الأدوية آثاراً جانبية خطيرة وأعراض انسحابية. لم يكن الهدف من العديد منها في الأصل تناولها لسنوات أو حتى عقود، ومع ذلك أصبح استخدامها طويل الأمد شائعاً بشكل متزايد.

قدّم فرويد تفسيراً مختلفاً جذرياً. فحسب رأيه، تنشأ الأعراض العاطفية عندما لا تُلبّى الاحتياجات العاطفية بشكل كافٍ. لذا يهدف العلاج التحليلي النفسي، والعلاجات الكلامية عموماً، إلى مساعدة المرضى على إيجاد طرق أفضل للتعرف على هذه الاحتياجات وتلبيتها. وإذا كانت الاحتياجات العاطفية غير المُلبّاة هي سبب الأعراض، فإن معالجة هذه الاحتياجات تعني معالجة الأسباب بدلاً من مجرد تخفيف الأعراض.

أخطأ فرويد في تحليل الارتباط العاطفي

5. أخطأ فرويد في بعض الأمور. كان الخطأ الرئيسي الذي وقع فيه فرويد هو نظريته عن الجنسانية sexuality، فقد أشار إلى أن الدافع وراء السلوك الجنسي ليس النجاح الإنجابي، بل السعي وراء المتعة. واستشهد بالاستمناء كدليل على ذلك، لأنه فعل جنسي واضح لا يُفضي إلى إنجاب أطفال. ومثال آخر استخدمه هو الجماع المثلي، الذي لا يُفضي أيضاً إلى نتائج إنجابية. كان فرويد مقتنعاً بأن الناس يمارسون الأفعال الجنسية في نهاية المطاف لأنهم يستمتعون بها. (الجنسانية - هي الطريقة التي يجرب فيها الناس ويعبرون عن أنفسهم جنسياً- الويكيبيديا),

ثم ذهب فرويد إلى أبعد من ذلك: إذا كان الهدف هو السعي وراء المتعة فحسب، فإن الجنسانية ليست وظيفة إنجابية بل وظيفة سعي وراء المتعة. ومن هنا، استنتج أن أي شيء يُفعل من أجل المتعة فقط هو سلوك جنسي، وهو ما يُعد إعادة تعريف كاملة لكلمة «جنسي sexual». هذا ما دفع فرويد إلى القول: «انظر إلى طفل رضيع يرضع. في البداية، يرضع لتلبية احتياجاته الغذائية، ولكن بمجرد أن يشبع، يستمر في الرضاعة. لماذا؟ من أجل المتعة. لذلك، فهو سلوك جنسي». هذا هو أصل فكرته عن الجنس الفموي، الذي يقول إنه جزء من الوظيفة الجنسية الشاملة.

الارتباط العاطفي ليس شكلاً من أشكال الجنس

في أيامنا هذه، نقول إن الطفل يستمر في الرضاعة بعد تلبية احتياجاته الغذائية لأن استمرار الرضاعة يلبي حاجته للارتباط. الارتباط العاطفي ليس شكلاً من أشكال الجنس. إن وجود من يقدم الرعاية للطفل ممتع، إنه يلبي حاجة خاصة به.

وقد اتضح أن هناك العديد من الاحتياجات النفسية المشابهة. وتتعدد أشكال المتعة في الدماغ وتتنوع العمليات الكيميائية التي تتوسط حدوثها؛ وتُعد الكيمياء المرتبطة بالجنس نوعاً واحداً منها فقط. لذا، لا منطق في اعتبار كافة أشكال المتعة مجرد أجزاء من وظيفة شاملة واحدة.

يرتكب العلماء أخطاءً -ولا سيما الرواد منهم أمثال فرويد- لكننا لا نلغي إرثهم؛ فنحن لا نتجاهل نيوتن لمجرد أنه لم يكن على دراية بفيزياء الكمّ، ولا ننبذ داروين لأنه لم يصب في كل استنتاجاته. وبدلاً من شطب فرويد، ينبغي لنا مواصلة المسيرة التي بدأها. فالأمر لا يقتصر على إثبات صحة أفكاره أو خطئها، بل يتعلق بإتمام المهمة التي بدأها.

* مجلة «فاست كومباني».


ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا
TT

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

كشف استطلاع أميركي جديد أن 27 في المائة من البالغين الأميركيين من مستخدمي الإنترنت، يجرون تفاعلات اجتماعية وعاطفية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، ثلثهم يعتبر روبوت الذكاء الاصطناعي الخاص بهم بمثابة صديق.

حلول عصر «روبوتات الرفقة»

ووجد الاستطلاع الذي أجراه مركز «تصورات المستقبل الرقمي Imagining the Digital Future Center » بجامعة إيلون Elon University ونشرت نتائجه أمس الأربعاء، أن 27 في المائة من البالغين الأميركيين مستخدمي الإنترنت يقيمون علاقات تفاعلية عاطفية أو اجتماعية مهمة مع نماذج اللغة الكبيرة للذكاء الاصطناعي، مثل «تشات جي بي تي» و«جيمناي» و«كلود» و«كوبايلت».

مستخدمو رفقاء الذكاء الاصطناعي

يستخدم هؤلاء الأشخاص نماذج اللغة الكبيرة بطرق تؤسس وتبني روابط التواصل والثقة والاعتماد المتبادل، إذ طوّر البعض نوعاً من الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي ويفضلون التفاعل معها على التعامل مع البشر، فهم يبوحون لها بأسرارهم، ويطلبون المشورة بشأن قضايا حياتية مهمة، ويجرون محاكاة لأدوار وسيناريوهات قد يواجهونها في علاقات عاطفية أو مواقف أخرى، كما أنهم سيشعرون بالاستياء إذا فقدوا إمكانية الوصول إلى هذه الروبوتات.

ويُطلق على الأشخاص الذين يستخدمون نماذج اللغة الكبيرة لأغراض اجتماعية وعاطفية وشخصية اسم «مستخدمي رفقاء الذكاء الاصطناعي AI companion users». وشمل الاستطلاع عينة تمثيلية قوامها 1000 شخص منهم لاستكشاف كيفية استخدامهم لهذه الروبوتات الاجتماعية، وطبيعة علاقاتهم بها، وتأثير تفاعلاتهم مع هذه الأنظمة.

نتائج الاستطلاع الرئيسية

يؤدي رفقاء الذكاء الاصطناعي أهدافاً مهمة وحساسة وهي أدوات تلعب أدواراً رئيسية في حياة المستخدمين. وفيما يلي بعض النتائج الرئيسية:

* الصداقة. صرح 31 في المائة ممن يستخدمون الذكاء الاصطناعي لأغراض اجتماعية وعاطفية بأنهم يعتبرون روبوت المحادثة chatbot الخاص بهم صديقاً، بينما قال 15 في المائة آخرون إن علاقتهم بالروبوت «أكثر تعقيداً» من مجرد تصنيفه كصديق أو غير ذلك. وقال 11 في المائة إنهم يفضلون إجراء محادثة مع رفيقهم من الذكاء الاصطناعي بدلاً من الأصدقاء أو العائلة، بينما قال 27 في المائة آخرون إنهم يقدّرون محادثاتهم مع الذكاء الاصطناعي بقدر تقديرهم لمحادثاتهم مع الأصدقاء أو العائلة. لكن وبشكل عام، قال 59 في المائة إنهم يفضلون إجراء محادثات مع الأصدقاء أو العائلة.

* توفير الدعم. وافق 59 في المائة من مستخدمي رفقاء الذكاء الاصطناعي - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «يوفر لي الذكاء الاصطناعي الدعم الذي أحتاجه».

الارتياح والتفهم

* مشورة حول التعامل. وافق 53 في المائة - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «ألجأ إلى الذكاء الاصطناعي عندما أحتاج إلى مشورة حول كيفية التعامل مع المواقف الصعبة مع الآخرين».

* الارتياح. وافق 51 في المائة - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «يساعدني التحدث مع الذكاء الاصطناعي على الشعور بتحسن عندما أكون تحت ضغط أو منزعجاً».

* مناقشة المشكلات. وافق 50 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة التالية: «أستخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة مشكلاتي الشخصية أو مشاعري».

* التفهم. وافق 43 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يفهمني كشخص». كما وافق 39 في المائة على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يفهمني أفضل من معظم الناس».

العلاقات العاطفية والجنسية

* العلاقات العاطفية والجنسية. ذكر 38 في المائة أن النصائح والمحادثات التي أجروها مع رفيقهم من الذكاء الاصطناعي كانت مفيدة للغاية أو مفيدة إلى حد ما عند الحديث عن مشكلات في علاقاتهم العاطفية أو الجنسية. ووصف 12 في المائة آخرون محادثاتهم بأنها مفيدة نوعاً ما. وبالإضافة إلى ذلك، قال 9 في المائة إنهم سبق واستخدموا الذكاء الاصطناعي في محادثات جنسية أو لعب أدوار (تقمص شخصيات).

* الأسرار. قال 39 في المائة إنهم يخبرون الذكاء الاصطناعي أحياناً بأمور لا يخبرون بها أشخاصاً آخرين. وذكر 29 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحديث عن مشكلات في علاقاتهم الشخصية، بينما ذكر 26 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحديث عن مشكلات في علاقاتهم المهنية.

* الفقدان. وافق 37 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «سأشعر بخسارة شخصية إذا لم يعد بإمكاني التفاعل مع الذكاء الاصطناعي».

* الاهتمام بالسلامة. وافق 36 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يهتم بسلامتي ورفاهيتي».

• مدى الألفة. في حال تعذر عليهم التحدث مع الذكاء الاصطناعي حول أمور شخصية، قال 24 في المائة إنهم سيفتقدونه كثيراً، وقال 40 في المائة إنهم سيفتقدونه قليلاً، بينما قال 36 في المائة إنهم لن يفتقدوه على الإطلاق.

* الملل والوحدة: ذكر 39 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لتمضية الوقت أو إجراء محادثة عند الشعور بالملل، أو أثناء القيام بأنشطة أخرى مثل القيادة أو إعداد الطعام. و أبدى 38 في المائة من المستخدمين موافقة تامة أو جزئية على العبارة التالية: «أحياناً أدردش مع الذكاء الاصطناعي لمجرد التخفيف من شعوري بالوحدة».

ونقل الموقع الإلكتروني لجامعة إيلون، عن لي ريني، مدير مركز تصورات المستقبل الرقمي: «لطالما تساءل المشرفون والمعلقون الثقافيون عما سيحدث بمجرد أن تصبح الأنظمة الاصطناعية متصلة بالبشر وقادرة على مرافقتهم. وتوفر نتائج دراستنا الجديدة الدفعة الأولى من الرؤى حول هذه العلاقات الناشئة، في ظل تزايد اعتماد الناس على نماذج اللغة الكبيرة، وتحول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى جزء من المشهد العام، وأضاف: «إنها مؤشرات على مستقبل من المرجح أن يقيم فيه عدد أكبر بكثير من الناس مثل هذه الأنواع من العلاقات».

تقرير جامعة إيلون الجديد

طلب المشورة

ويستكشف بعض مستخدمي «الرفيق الرقمي» قضايا حياتية جوهرية مع روبوتاتهم. وعند سؤالهم عن بعض الجوانب المؤثرة في تفاعلهم مع رفيقهم المعتمد على الذكاء الاصطناعي، كانت النتائج كالتالي:

* القضايا الصحية والعائلية. ذكر 67 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي أنهم استخدموا الروبوت للحصول على مشورة بشأن الصحة أو اللياقة البدنية أو خيارات نمط الحياة. كما قال 31 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع قضايا عائلية هامة، مثل قرار إنجاب الأطفال أو مكان السكن.

* القضايا المالية والقانونية. قال 41 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع مسائل مالية كبرى، مثل الاستثمارات أو عمليات الشراء الضخمة. وقال 30 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع المسائل القانونية في حياتهم.

* المسار المهني. قال 39 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التفكير في مسارهم المهني أو التعليمي.

* المعتقدات. ذكر 26 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي أنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف معتقداتهم الروحية أو الدينية أو الفلسفية.

منهجية الاستطلاع

وقالت جامعة إيلون، وهي جامعة خصوصية مقرها في مدينة إيلون بولاية كارولينا الشمالية، في بيانها إن شركة «يوغوف YouGov»، الدولية المتخصصة في التسويق واستطلاعات الرأي تولَّت تنفيذ الاستطلاع عبر الإنترنت. وفي الفترة ما بين 18 و22 مايو (أيار) 2026، أجرت «يوغوف» مقابلات مع 4268 شخصاً بالغاً من مستخدمي الإنترنت في الولايات المتحدة (ممن تبلغ أعمارهم 18 عاماً فما فوق)، بهدف تحديد واستطلاع آراء مستخدمي الذكاء الاصطناعي الذين يوظفون هذه التقنية لأغراض عاطفية أو اجتماعية.

بعد ذلك، تمت مواءمة العينة الإجمالية للبالغين الأميركيين مستخدمي الإنترنت لتصل إلى 4031 مشاركاً، مما أثمر عن عينة فرعية مستهدفة قوامها 1000 مستخدم للذكاء الاصطناعي ممن يستخدمونه لأغراض عاطفية أو اجتماعية. وقد تمت مطابقة المشاركين مع إطار العينة بناءً على معايير الجنس والعمر والعرق والمستوى التعليمي.

https://www.elon.edu/u/news/2026/09/02/imagining-the-digital-future-center-reports-on-the-rise-of-ai-companions/


«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
TT

«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض

تخيّل أن تدخل مستشفى المستقبل، فلا يكون أول ذكاء اصطناعي تقابله برنامجاً على شاشة، ولا خوارزمية تقرأ صورة أشعة، بل كرسياً متحركاً ذكياً يأتي إلى المريض، يساعده على الانتقال، ويتحرك به داخل المستشفى من دون أن يحتاج إلى من يدفعه طوال الطريق.

من العالم الرقمي إلى العالم المادي

قد يبدو المشهد أقرب إلى الخيال العلمي، لكنه يشير إلى تحول بدأ يأخذ شكلاً مادياً أمام زوار «ليب 2026» في الرياض: انتقال الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى آلات تستطيع أن ترى وتستشعر وتتحرك وتتفاعل مع الإنسان والبيئة المحيطة بها.

لسنوات، دخل الذكاء الاصطناعي إلى الطب من خلال الشاشة. قرأ صور الأشعة، وحلل البيانات، وتنبأ بالمخاطر، وأجاب عن الأسئلة. لكن الجيل المقبل قد يدخل المستشفى بطريقة مختلفة تماماً؛ ليس بوصفه «عقلاً رقمياً» يقدم توصية للطبيب فحسب، بل ذكاءً يمتلك جسداً ويتحرك في المكان نفسه الذي يتحرك فيه المريض.

وهنا يظهر مفهوم يتقدم سريعاً إلى واجهة النقاش التقني: «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ أي أنظمة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والمستشعرات والرؤية الحاسوبية والروبوتات والحركة، بحيث لا تكتفي بفهم العالم، وإنما تستطيع أن تتصرف داخله.

ومن بين آلاف التقنيات التي اجتمعت في «ليب 2026» بملهم (شمال الرياض)، قد يكون الكرسي الروبوتي الذكي مثالاً صغيراً على سؤال طبي أكبر بكثير: ماذا سيحدث عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة... ويبدأ العمل إلى جانب الطبيب والممرض والمريض داخل المستشفى؟

ومع وصول «ليب 2026» اليوم إلى محطته الختامية في ملهم، بعد أربعة أيام من العروض والجلسات التي استعرضت أحدث اتجاهات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، ربما يكون أحد أكثر التحولات إثارة للاهتمام طبياً هو ذلك الذي ينقل الذكاء الاصطناعي من الشاشة إلى العالم المادي؛ من خوارزمية تقدم المعلومة إلى آلة تستطيع أن تستشعر وتتحرك وتتفاعل مع الإنسان.

كرسي متحرك... أم روبوت؟

من بين التقنيات الطبية اللافتة في «Tech Arena» ضمن «ليب 2026»، يبرز نظام «بوليميديكس» POLYMEDX الذي طورته شركة «كومبال إلكترونيكس» (Compal Electronics)، ويقدمه البرنامج الرسمي للمؤتمر بوصفه كرسي رعاية صحية روبوتية ذكية مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي.

للوهلة الأولى، قد يبدو وكأنه تطور آخر للكرسي الكهربائي المتحرك. لكن الفرق بين الكرسي الذي ينفذ أمر الإنسان وبين الآلة التي تستطيع إدراك ما حولها واتخاذ قرار ثم تنفيذ حركة في العالم الحقيقي يمثل واحداً من أهم التحولات التي يشهدها الذكاء الاصطناعي اليوم.

إن الكرسي الكهربائي التقليدي ينتظر من المستخدم أن يحدد الاتجاه والسرعة. أما عندما تدخل المستشعرات والرؤية الحاسوبية والخوارزميات والقدرة على الحركة في منظومة واحدة، فإننا نقترب من نوع مختلف من الآلات: آلة لا تتعامل مع البيانات فقط، بل مع المكان والأجسام والبشر من حولها.

عمل الكرسي الروبوتي الذكي... من استشعار البيئة إلى الحركة تحت الإشراف البشري

استشعار العالم المادي وإدراكه

وهنا يظهر مفهوم «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ وهو انتقال الذكاء الاصطناعي من أنظمة تفهم الكلمات والصور والبيانات إلى أنظمة تستطيع أن تستشعر العالم المادي، وتفسره، ثم تتصرف داخله.

والفرق قد يبدو لغوياً، لكنه في الطب جوهري.فالخوارزمية التي تخطئ في تحليل معلومة يمكن للطبيب أن يراجعها على الشاشة. أما عندما يصبح الذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن حركة آلة تحمل مريضاً داخل مستشفى، فإن القرار الرقمي يتحول إلى فعل مادي، وتتحول معه أسئلة الدقة والسلامة والمسؤولية إلى مستوى جديد تماماً.

المستشفى الذكي... روبوتات وأنظمة ذكاء اصطناعي مادي تعمل تحت الإشراف البشري

عندما يصبح المستشفى «بيئة ذكية»

ولا تتوقف فكرة «بوليميديكس» عند كرسي روبوتي واحد؛ فالرؤية الأوسع هي بناء منظومة للمستشفى الذكي، تتكامل فيها الروبوتات مع تنسيق المهام بالذكاء الاصطناعي، و«التوأم الرقمي» (Digital Twin)، والذكاء الاصطناعي الطرفي (Edge AI).

وتعمل «كومبال» على نقل هذه الفكرة إلى بيئات سريرية فعلية في تايوان، من نقل الأدوية في أقسام الطوارئ إلى الخدمات اللوجيستية وحركة المواد والأجهزة بين أقسام المستشفى.

وهنا يصبح الكرسي الذكي مجرد قطعة واحدة داخل شبكة أكبر من الآلات والبيانات والقرارات. تخيّل مريضاً يحتاج إلى الانتقال من جناح التنويم إلى قسم الأشعة: يتحرك الكرسي عبر الممرات، وفي الوقت نفسه ينقل روبوت آخر الدواء من الصيدلية، بينما تنسق منصة رقمية حركة المرضى والأدوية والأجهزة والموارد في الوقت الفعلي.

إنه فارق جوهري بين «مستشفى يستخدم الذكاء الاصطناعي» و«مستشفى تتحرك داخله أنظمة ذكية».

من «ليب» إلى المريض... هل الفكرة قابلة للتطبيق؟

والأهم أن الكراسي المتحركة ذاتية القيادة لم تعد مجرد تصور لمستشفى المستقبل. ففي دراسة حديثة نُشرت في يوليو (تموز) 2026، اختبر باحثون من «مايو كلينك» في روتشستر بولاية مينيسوتا الأميركية استخدام كرسي متحرك ذاتي القيادة لنقل المرضى داخل بيئة سريرية كبيرة. وشملت التجربة 409 مرضى بالغين استخدموا الكرسي خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى يناير (كانون الثاني) 2026.

وكانت النتائج لافتة: لم تسجل التجربة أي اصطدام أو حادث ضار، وقال 86.3 في المائة من المشاركين إنهم سيستخدمون الكرسي مرة أخرى، بينما قال 91.7 في المائة إنهم سيوصون الآخرين باستخدامه.

لكن ربما تكون النقطة العلمية الأهم هي ما لم يقله الباحثون. فالدراسة لم تعلن أن الكراسي ذاتية القيادة أصبحت جاهزة لتحل محل وسائل نقل المرضى التقليدية، وإنما خلصت بحذر إلى أن النتائج تدعم قابلية استخدام التقنية وقبول المرضى لها داخل بيئة سريرية مضبوطة، مع الحاجة إلى مزيد من الاختبارات والتقييم.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن المسافة بين روبوت ينجح في معرض تقني وروبوت يمكن الوثوق به يومياً إلى جانب المرضى هي المسافة بين الابتكار الطبي والسلامة الطبية.

من «المعرفة» إلى «الفعل»

من «ماذا يعرف؟» إلى «ماذا يستطيع أن يفعل؟»... إن الخطأ الذي يبقى على الشاشة ليس كالخطأ الذي يتحول إلى حركة في العالم الحقيقي. فإذا أخطأ نظام ذكاء اصطناعي في تحليل صورة طبية، يستطيع الطبيب - نظرياً - مراجعة النتيجة قبل أن تتحول إلى قرار. أما عندما يقود النظام آلة تحمل مريضاً وتتحرك به عبر ممرات المستشفى، فإن المسافة بين القرار الخوارزمي والفعل والضرر المحتمل تصبح أقصر بكثير.

ماذا لو أخطأ الكرسي في تقدير المسافة إلى عائق؟ ماذا لو تعطل أحد المستشعرات؟ ماذا يحدث إذا انقطع الاتصال؟ هل يتوقف تلقائياً؟ ومن يستطيع إيقافه فوراً؟

ثم يأتي السؤال الأصعب: ما مقدار الاستقلالية الذي ينبغي أن نمنحه للآلة؟ هل نسمح لها باختيار الطريق؟ بتغيير وجهتها؟ بالتعامل مع موقف غير متوقع؟ وأين تنتهي سلطة الخوارزمية وتبدأ سلطة الطبيب أو الممرض أو المريض نفسه؟

هنا لم نعد نتحدث عن هندسة الروبوتات فقط. نحن نتحدث عن سلامة المرضى، والمسؤولية، وحدود الاستقلالية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي عندما يصبح قادراً على الفعل.

قبل دخوله المستشفى السعودي

وتصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً عندما نتصور انتقال هذه الأنظمة مستقبلاً من قاعات المعارض إلى المستشفيات السعودية. فالنجاح في معرض تقني، أو حتى في مستشفى خارج المملكة، لا يعني تلقائياً أن النظام جاهز للعمل في بيئة سريرية سعودية. قبل أن يحمل روبوت مريضاً واحداً، ينبغي أن نعرف: هل اختُبر في المستشفى الذي سيعمل فيه؟ وهل يتعامل بأمان مع مرضاه وممراته ومصاعده وأنظمته الرقمية وظروف العمل الفعلية؟

وهنا لا يكفي اختبار دقة الخوارزمية وحدها. يجب التحقق من سلامة النظام كاملاً، وتحديد حدود استقلاليته، واختبار أدائه عند تعطل مستشعر أو انقطاع الاتصال، وحمايته من المخاطر السيبرانية، وتدريب العاملين على التعامل معه، وتحديد من يتحمل المسؤولية عندما لا يسير الأمر كما هو متوقع.

من الاستقلالية إلى التوقف الآمن ودور الإنسان في حوكمة النظام

لكن هناك سؤالاً أبسط قد يكون أهم من كل ذلك: مَن يستطيع إيقاف الآلة؟ إن كل نظام ذكي يتحرك بالقرب من المريض يحتاج إلى «وظيفة توقف» (Stop Function) واضحة وفعَّالة؛ آلية تمنح الإنسان القدرة على التدخل الفوري أو إيقاف النظام عندما تظهر إشارة خطر، من دون أن يصبح الطبيب أو الممرض مجرد مراقب لقرار اتخذته الآلة بالفعل.

والاستقلالية في الرعاية الصحية لا ينبغي أن تعني غياب الإنسان، بل أن تعمل الآلة ضمن حدود معروفة، ورقابة بشرية حقيقية، وقدرة دائمة على التدخل والإيقاف. وهذا هو الفارق بين أن نُدخل روبوتاً إلى المستشفى وبين أن نحكم عمل روبوت داخل المستشفى.

الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي الطبي

تكمن أهمية ما يعرضه «ليب 2026» في أنه يكشف عن تحول أكبر بكثير من كرسي متحرك ذكي. فالذكاء الاصطناعي الطبي الذي عرفناه حتى الآن كان في معظمه ذكاءً يرى ويقرأ ويحلل ويتنبأ ويقترح. أما الجيل المقبل، فقد يضيف إلى هذه القدرات أفعالاً جديدة: يستشعر ويتحرك وينفذ ويتفاعل مع الإنسان والعالم المادي من حوله.

وتقدم «كومبال» رؤيتها لمنصة «بوليميديكس» في هذا الاتجاه؛ منظومة تجمع الروبوتات وتنسيق المهام بالذكاء الاصطناعي و«التوأم الرقمي» والذكاء الاصطناعي الطرفي، بما يسمح بمحاكاة بعض السيناريوهات واختبارها افتراضياً قبل انتقالها إلى البيئة الحقيقية. لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى العالم المادي يغيّر المعادلة الطبية نفسها.

ولسنوات، كان السؤال الذي يرافق الذكاء الاصطناعي الطبي: هل يستطيع أن يفكر مثل الطبيب؟ أما ما تعرضه تقنيات «الذكاء الاصطناعي المادي» اليوم في الرياض، فيطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما لا يعود الذكاء الاصطناعي قادراً على التفكير فحسب... بل يصبح قادراً أيضاً على الحركة والفعل؟

عندها لن يكون التحدي الأكبر بناء آلة أكثر ذكاءً، بل بناء الحدود التي تحكم ذكاءها: متى نسمح لها بأن تتحرك؟ متى نثق بها لتتصرف؟ ومتى يجب أن تتوقف؟

فالطب قد يكون مقبلاً على عصر لا يبقى فيه الذكاء الاصطناعي خلف الشاشة... سيدخل الغرفة... سيتحرك إلى جانب المريض... وقد يحمل المريض نفسه.

ولهذا، كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من جسد الإنسان، يجب أن تقترب منه الرقابة البشرية بالقدر نفسه.