مغنية أفغانية مشهورة تتحدى «طالبان» بالغناء

فرّت من كابل مع أطفالها الـ4 وبدأت حياتها لاجئةً... وتحظى بمحبة أجيال

تحظى المغنية نغمة بحب أجيال من الأفغان في الداخل والخارج لمشاركتهم آلامهم وشوقهم خلال ما يزيد على 4 عقود من الحرب (نيويورك تايمز)
تحظى المغنية نغمة بحب أجيال من الأفغان في الداخل والخارج لمشاركتهم آلامهم وشوقهم خلال ما يزيد على 4 عقود من الحرب (نيويورك تايمز)
TT

مغنية أفغانية مشهورة تتحدى «طالبان» بالغناء

تحظى المغنية نغمة بحب أجيال من الأفغان في الداخل والخارج لمشاركتهم آلامهم وشوقهم خلال ما يزيد على 4 عقود من الحرب (نيويورك تايمز)
تحظى المغنية نغمة بحب أجيال من الأفغان في الداخل والخارج لمشاركتهم آلامهم وشوقهم خلال ما يزيد على 4 عقود من الحرب (نيويورك تايمز)

بدا الضوء ساطعاً بشكل قاسٍ. أما المكان، فلا يزيد على قاعة أفراح في ضاحية شمال غربي لندن. وبمجرد دخول المغنية الأفغانية، نغمة، مرتديةً شالاً مطرّزاً بخيوط ذهبية، انفجر الجمهور بالتصفيق والمشاعر الجياشة.

في نظر معجبيها، تجسّد نغمة كل ما هو عزيز عليهم: الجمال، والموسيقى، وحب الوطن.

واليوم، في عقدها السابع، تحظى نغمة بمحبة أجيال من الأفغان في الداخل والخارج؛ لمشاركتها آلامهم وحنينهم على مدار أكثر من 4 عقود من الحرب. ويُشكِّل هذا الألم جزءاً من حياتها هي الأخرى، كما قالت خلف الكواليس خلال استراحة في حفلها الصيفي في لندن.

جمهور خلال استراحة حفل موسيقي في قاعة زفاف بضاحية شمال غربي لندن... يوليو الماضي (نيويورك تايمز)

وأوضحت: «قصة حياتي مأساوية حقاً. كنا 5 إخوة و3 أخوات. جميع إخوتي قُتلوا في أثناء خدمتهم بالجيش. وأُصيبت أخت لي في كابل، ولم تنجُ سوى أخت واحدة فقط»، وفق تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الأحد.

ومع ذلك، تبدو نغمة في العلن مفعمةً بالحيوية، ورغم التزامها التكتم بخصوص سنها، يُعتقد أنها في أوائل الستينات. وحتى يومنا هذا، لا تزال تضحك بسهولة وتبتسم ببريق لافت. وتواصل تقديم الجولات والحفلات، وتسجيل الأغاني الشعبية والمعاصرة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

ومع ذلك، لم تعد تغني في أفغانستان منذ أن استولت حركة «طالبان» على كابل عام 2021، وفرضها حظراً على الموسيقى، ومنعها النساء من الظهور في المجال العام.

من جهتهم، عبَّر بعض المعجبين في الحفل عن عدم احترامهم للسياسيين الأفغان، منذ الانهيار المخزي للحكومة المدعومة من الولايات المتحدة قبل 4 سنوات، وسيطرة «طالبان» على مقاليد الحكم بالبلاد. وقال هؤلاء المعجبون إن الفنانين مثل نغمة، تحوّلوا إلى رموز ومناصرين للأفغان، مع اضطلاعهم بجمع التبرعات، لحساب ضحايا الزلزال الأخير، ومطالبة «طالبان» بإعادة فتح مدارس البنات.

قال المعجبون إن فنانين مثل نغمة لعبوا دوراً بطولياً للأفغان وجمعوا الأموال كما فعلت لضحايا الزلزال الأخير ودعوا «طالبان» إلى إعادة فتح مدارس الفتيات (نيويورك تايمز)

وكانت المرة الأولى التي تتوجَّه فيها نغمة بمطالب إلى «طالبان» عام 2013، عندما كانت الجماعة لا تزال حركةً متمردةً تحارب الحكومة المدعومة من واشنطن. وطالبت الجماعةَ بأن تتوقف عن حرق المدارس، وغنَّت دون موسيقى في مقطع فيديو احتراماً لحظر «طالبان» الموسيقى. غنّت: «رجاءً لا تدمر مدرستي، أحتاج إلى التعليم، أنا فتاة أفغانية».

ومنذ ذلك الحين، شَدَتْ بكثير من الأغاني حول الموضوع نفسه، وتستعد اليوم لإطلاق أغنية جديدة، كما قالت. وأضافت: «لدي كثير من الرسائل لشعبي عبر الغناء».

من ناحية أخرى، هناك مَن ينتقدون نغمة، خصوصاً أنها كانت ضمن أعضاء فرقة وزارة الداخلية الموسيقية خلال السنوات الأخيرة من الحقبة الشيوعية في أوائل التسعينات، ما جعلها هدفاً للمجاهدين المناهضين للشيوعية.

وسادت شائعة تقول إنها اختُطفت من قبل أحد أمراء الحرب خلال الحرب الأهلية. ولأول مرة، تنفي نغمة صحة هذه الرواية، وتقول إنها مجرد شائعة هدفها تشويه سمعتها.

يذكر أن نغمة تغني بلغتَي الداري والبشتو، وهما اللغتان الرئيسيتان في البلاد. ورغم ذلك، فإنها تحظى بشعبية جارفة بين البشتون أكثر من غيرهم، داخل مجتمع أفغاني تعصف به انقسامات مريرة. وقد اتهمها بعض الموسيقيين بأنها متساهلة تجاه «طالبان» أو مهووسة بجمع المال، إلا أن شعبيتها تبقى حقيقةً لا جدال فيها.

من جهتها، قالت نادية نوري، التي فاجأت زوجها بتذاكر لحفل نغمة في لندن: «أستمع إليها منذ أكثر من 30 عاماً. وأحب أشعارها. إنها تغني من أجل الوطن ومن أجل النساء. لقد مهَّدت الطريق أمام كثير من الفنانات الشابات، وتحمَّلت الضرب والإهانة بسبب غنائها».

وفي ظل الثقافة الأفغانية شديدة المحافظة، كان دائماً من التحديات أن تسلك المرأة طريق الغناء؛ فإلى جانب الحظر الديني، كان يُنظَر إلى المغنيات نظرةً دونيةً في المجتمع، رغم التراث الموسيقي الثري في البلاد. ومع دخول أفغانستان في دوامة الحرب منذ الانقلاب الشيوعي في عام 1978 والاحتلال السوفياتي، أصبحت الموسيقى والمغنون أدوات في الصراعات الآيديولوجية بين اليساريِّين العلمانيِّين والمحافظِين الدينيِّين.

وتتذكَّر نغمة، التي فقدت والدها وهي في الـ7 أو الـ8 من عمرها، أنها كانت تتعرَّض للضرب من والدتها لإصرارها على مواصلة الغناء.

اكتشفت نغمة حبها للشعر والغناء في سنٍّ مبكرة. وكتبت أول قصيدة لها وهي في الـ13 من عمرها، وكانت من بين الطالبات المختارات في المدرسة لإلقاء القصائد وغناء الأناشيد في احتفالات اليوم الوطني.

وُلدت نغمة في مدينة قندهار جنوب أفغانستان، ونشأت باسم «شاه پري»، وهي واحدة من 8 أشقاء من زواج مختلط الأعراق. كان والدها طبيباً يتحدَّث الفارسية من شمال كابل، أُرسل للعمل في قندهار، وهناك تزوَّج والدتها، وهي بشتونية.

في سنِّ الـ16، انتقلت نغمة إلى كابل لتعيش مع عمها، وهناك تقدَّمت لاختبارات إذاعة أفغانستان، التي كانت آنذاك المركز الرئيسي للإبداع الموسيقي في البلاد، وبالفعل تم قبولها ضمن مجموعة الفنانين والشعراء العاملين في الإذاعة.

ويتذكَّر أحمد سرمست، مدير المعهد الوطني للموسيقى في أفغانستان، الذي يعمل حالياً في المنفى بالبرتغال، انضمام نغمة إلى الإذاعة في أواخر السبعينات. وقال: «لدى تسجيل صوتها وهي تشدو في الاستوديو، يبدو صوتها مثالياً».

اتخذت الاسم الفني «نغمة»، والذي يعني «اللحن»، وشكَّلت ثنائياً شهيراً مع الموسيقي والمغني منكل، الذي تزوَّجته في وقت لاحق. واشتهر كلاهما باسمه الفني المفرد فقط.

وقالت نغمة إن رصيدها الفني كان يتكوَّن من أغانٍ شعبية وأغانٍ رومانسية كتبها لها شعراء معاصرون. وأضافت: «في تلك الأيام، كان كل شيء يتمحور حول الحب».

اكتشفت نغمة حبها للشعر والغناء في سن مبكرة وكتبت أول قصيدة لها وعمرها 13 عاماً وتم اختيارها بالمدرسة لإلقاء وغناء الأناشيد خلال احتفالات اليوم الوطني (نيويورك تايمز)

يذكر أن الموسيقى ازدهرت بدعم من الحكومات الشيوعية المتعاقبة. وفي الوقت ذاته، جرى استغلال الفنانين بوصفهم أدوات دعائية من قبل القادة، ولإحياء الفعاليات الحكومية، وأداء الأغاني أمام جنود الجيش الأفغاني.

وتعرَّضت نغمة ومنكل للتهديد من قبل المجاهدين، الذين بدأوا حملة اغتيالات ضد الأشخاص المرتبطين بالحكومة في كابل.

في أوائل التسعينات، قُتلت أختها غُلبري، (17 عاماً) في منزلهما، إذ أُصيبت برصاصة في الرأس اخترقت وسادةً، في هجوم تقول نغمة إنه كان يستهدفها هي بالأساس. وقالت: «أعتقد أنهم قتلوها بسببي. لقد ذهبوا إلى منزلنا».

وبعد أيام قليلة من الحادث، سجَّلت نغمة واحدةً من أشهر أغانيها، بعنوان «الطيار الحبيب»، في أثناء وجودها في قمرة قيادة مروحية أفغانية. غنّت فيها: «يا صقر السماء الزرقاء، يا باز جبالنا، طِر، يا حبيبي، طِر».

إلا أنه في الفيديو المصوَّر للأغنية، ظهرت نغمة حزينةً، وكانت لا تزال في حداد على أختها. وقالت إن الحكومة أصرَّت على تسجيل الأغنية، لرفع معنويات جيش أفغانستان الذي كان ينهار في ذلك الوقت.

وشرحت: «كنا جزءاً من وزارة الداخلية، وكانت علينا إطاعتهم. إذا طلبوا منا أن نغني، فعلينا أن نغني».

بعد ذلك بوقت قصير، فرَّت من كابل مع أطفالها الـ4، وبدأت حياتها لاجئةً، تنقلت خلالها بين دبي وباكستان، ثم استقرَّت في الولايات المتحدة. وخلال رحلتها، انفصلت عن منكل، وتزوَّجت من محمد شريف، ابن القائد المجاهد الشهير محمد نبي. إلا أن هذا الزواج لم يدم، وتعيش نغمة حالياً مع أختها في مدينة ساكرامنتو.


مقالات ذات صلة

ألمانيا تُرَحِّل 22 أفغانياً مدانين بارتكاب جرائم

أوروبا ألكسندر دوبرينت وزير الداخلية الألماني يتحدّث في مؤتمر صحافي بمقر وزارة الداخلية الاتحادية في برلين في الأول من سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

ألمانيا تُرَحِّل 22 أفغانياً مدانين بارتكاب جرائم

قامت الشرطة الاتحادية الألمانية مجدداً بترحيل 22 أفغانياً ملزمين بمغادرة ألمانيا إلى بلادهم في طائرة مستأجرة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
آسيا تجمع لنساء وفتيات في قندهار احتفالاً بذكرى عودة «طالبان» إلى السلطة (إ.ب.أ)

قادة «طالبان» يحتفلون بالذكرى الخامسة لاستعادة الحكم في أفغانستان

يحتفل قادة «طالبان» السبت بالذكرى السنوية الخامسة لعودتهم إلى السلطة في أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (كابل)
آسيا شبان أفغان يستخدمون هواتفهم الذكية في حي وزير أكبر خان بكابل (أ.ف.ب)

حظر الهواتف الذكية في جامعات أفغانستان يثير انقساماً بين الطلاب

أُجبر طلاب الجامعات الأفغانية على ترك هواتفهم الذكية خارج الحرم الجامعي، وانقسموا بين من يرى أن القرار عرقل دراستهم، فيما يقول آخرون إنه ساعدهم بشكل كبير.

«الشرق الأوسط» (كابول)
آسيا مبنى مدمر جراء استهدفه خلال الضربات الباكستانية في شرق أفغانستان (أ.ف.ب)

باكستان تعلن مقتل 29 مسلحاً بضربات على شرق أفغانستان

أعلنت باكستان الاثنين، أنها شنت ضربات جوية ليلا على شرق أفغانستان استهدفت مسلحين، في رد على هجمات دامية تعرضت لها.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم وزير الخارجية الأفغاني مولوي أمير خان متقي (في الوسط) يحضر اجتماعاً استشارياً إقليمياً في كابل بأفغانستان يوم 16 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

انعقاد أولى محادثات «طالبان» والاتحاد الأوروبي بشأن عمليات الترحيل

أفاد مسؤول أفغاني بأن وفد حركة «طالبان» الأفغانية عقد محادثات «بنّاءة» مع الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

زعيم كوريا الشمالية يدشن مدمرة جديدة ضمن نظام «الرد النووي»

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي خلال تدشين المدمرة «كانغ كون» (رويترز)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي خلال تدشين المدمرة «كانغ كون» (رويترز)
TT

زعيم كوريا الشمالية يدشن مدمرة جديدة ضمن نظام «الرد النووي»

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي خلال تدشين المدمرة «كانغ كون» (رويترز)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي خلال تدشين المدمرة «كانغ كون» (رويترز)

أفادت وكالة الأنباء المركزية الكورية، اليوم (الاثنين)، ​بأن الزعيم ‌الكوري ⁠الشمالي ​كيم جونغ ⁠أون، حضر حفل تدشين ⁠مدمرة ‌جديدة ‌على الساحل ​الشرقي للبلاد، ‌قائلا ‌إن السفينة ستكون ‌جزءا من نظام الرد النووي ⁠لبيونغ يانغ ⁠ويمكنها شن «ضربات انتقامية مدمرة» إذا صدر لها الأمر ​بذلك.

وتبذل ‌كوريا الشمالية ‌جهودا حثيثة لتحديث ​قواتها ‌البحرية، ⁠في وقت ​يسعى فيه ⁠كيم إلى توسيع ترسانة البلاد من القوات القادرة على حمل أسلحة نووية.

وخلال مراسم تدشين أُقيمت في مدينة وونسان الساحلية الواقعة شرق البلاد، قال كيم ⁠إن نشر السفينة الجديدة ‌في البحر شرقي ‌شبه الجزيرة الكورية يبعث ​برسالة واضحة إلى ‌خصوم كوريا الشمالية.

ونقلت الوكالة عنه قوله «لقد ‌حان الوقت لممارسة سيادتنا في البحر وتحت الماء».

وأضافت الوكالة نقلا عن كيم أن المدمرة «كانغ كون»، التي تزن خمسة ‌آلاف طن، هي ثاني سفينة حربية من فئتها تدخل ⁠الخدمة ⁠بعد تدشين المدمرة تشو هيون على الساحل الغربي لكوريا الشمالية قبل نحو ثلاثة أشهر.

وقال كيم إن التسليح البحري النووي لكوريا الشمالية يتقدم وإن البلاد ستواصل توسيع ما وصفها بأنها أقوى أصولها الاستراتيجية في المياه الرئيسية لحماية سيادتها البحرية وأمن المنطقة.

وأضاف أن المدمرة ​«كانغ كون» ​ستشكل جزءا من منظومة الرد النووي للدولة في كوريا الشمالية.


العثور على امرأة حية بعد 10 أيام من فيضانات نيبال

عامل إنقاذ يقف قرب حفارات في المنطقة الأكثر تضرراً بميناء غيرونغ (رويترز)
عامل إنقاذ يقف قرب حفارات في المنطقة الأكثر تضرراً بميناء غيرونغ (رويترز)
TT

العثور على امرأة حية بعد 10 أيام من فيضانات نيبال

عامل إنقاذ يقف قرب حفارات في المنطقة الأكثر تضرراً بميناء غيرونغ (رويترز)
عامل إنقاذ يقف قرب حفارات في المنطقة الأكثر تضرراً بميناء غيرونغ (رويترز)

بدأت عائلة ‌شانديكا كوماري شريستا مراسم الحداد بعدما ظنت أن فيضانات مدمرة اجتاحت نيبال أودت بحياة المرأة المسنة، لكن بعد عشرة أيام عثرت عليها فرق الإنقاذ في ​منزلها المدمر بقرية بيتراواتي المنكوبة، حيث تشبثت بمساحة ضيقة للتنفس وسط المياه والطين.

وقال ضابط الشرطة ماهيندرا دارنال: «جرفت الفيضانات المنزل المكون من أربعة طوابق وتركته وسط الرمال المتحركة. وأثناء تجولنا حوله، سمعنا صوتاً يقول أنقذوني».

وأضاف أن فريقه عثر على شريستا داخل مكان ضيق خلال عملية إنقاذ استغرقت 45 دقيقة أمس السبت، قبل نقلها إلى مستشفى تابع للجيش.

وأشار إلى أنه كان على تواصل ‌مع عائلتها، ‌التي بدأت بالفعل فترة الحداد التي تستمر ​11 ‌يوماً.

وكانت ⁠شريستا من ​بين ⁠مئات المفقودين في بيتراواتي، إحدى أكثر المناطق تضرراً من الفيضانات في نيبال، التي غطتها ترسبات بيضاء متماسكة تكاد تشبه الخرسانة. ولا تزال فرق الإنقاذ تنتشل عشرات الجثث من المنطقة.

ودفنت السوق الرئيسية في البلدة ومعظم المباني السكنية، التي يصل ارتفاع بعضها إلى أربعة طوابق، بالكامل تقريباً تحت الأنقاض التي خلفتها الفيضانات الجارفة التي اجتاحت الوادي، في ⁠كارثة أودت بحياة أكثر من 1300 شخص في ‌أنحاء نيبال، فيما لا يزال ‌الآلاف في عداد المفقودين.

وشوهد عمال الإنقاذ وهم يرتدون ​خوذات واقية ويحفرون بالمجارف، فيما ‌كان بعضهم يزحف عبر الفجوات بين المباني المنهارة ويطلق صفارات بشكل ‌متكرر لاستكشاف ما إذا كان هناك أشخاص ما زالوا أحياء تحت الأنقاض.

وقال دارنال إنه قبل خمسة أيام عثر على 24 جثة في حالة تحلل داخل مبنى كان يضم متجراً صغيراً في منطقة السوق ببيتراواتي.

‌البحث عن دلالات على وجود أحياء

بعد مرور 11 يوماً على انهيار نهر جليدي تسبب في ⁠الفيضانات المدمرة، لا ⁠يزال نحو خمسة آلاف شخص في عداد المفقودين.

وجرفت المياه مئات الجثث إلى ضفاف الأنهار بعيداً عن منطقة راسوا المنكوبة. وفي تشيتوان، الواقعة على بعد مئات الأميال، أجريت عدة عمليات دفن جماعي لجثث مجهولة الهوية وفي حالات تحلل متقدمة.

ورغم تلاشي الآمال تدريجياً، تواصل السلطات النيبالية جهودها للبحث عن أشخاص عالقين داخل الأنفاق وتحت الطبقات السميكة من الطين التي تصلبت فوق المباني.

ومنذ يوم الجمعة، تمكنت فرق الإنقاذ من إخراج ثلاثة أشخاص من الأنفاق، بينهم مواطن صيني قرب نهر تريشولي، حيث يعتقد أن أكثر من 900 ​شخص ما زالوا محاصرين. ​ونجا آخرون، مثل شريستا، في ظروف استثنائية، من بينهم طفل يبلغ ثمانية أعوام أعيد لم شمله بوالدته.


مدير مدرسة في نيبال: خلال دقائق انهار كل شيء بفعل الفيضان

سكان يقفون الأحد فوق منازل متضررة مغطاة بالطين بعد الفيضانات المفاجئة في تريشولي على الحدود بين نيبال والصين (أ.ف.ب)
سكان يقفون الأحد فوق منازل متضررة مغطاة بالطين بعد الفيضانات المفاجئة في تريشولي على الحدود بين نيبال والصين (أ.ف.ب)
TT

مدير مدرسة في نيبال: خلال دقائق انهار كل شيء بفعل الفيضان

سكان يقفون الأحد فوق منازل متضررة مغطاة بالطين بعد الفيضانات المفاجئة في تريشولي على الحدود بين نيبال والصين (أ.ف.ب)
سكان يقفون الأحد فوق منازل متضررة مغطاة بالطين بعد الفيضانات المفاجئة في تريشولي على الحدود بين نيبال والصين (أ.ف.ب)

كان مدير المدرسة راجندرا دوادي مع نحو 900 طالب بالمبنى الواقع قرب نهر تريشولي في نيبال عندما جاء أحد زملائه محذراً من وقوع فيضان. وقال دوادي في مقابلة صحافية: «جاء المحاسب إلى المدرسة، وقال: الفيضان آتٍ... الفيضان آتٍ». أمر المدير على الفور بإخلاء المدرسة، وأجلى الأساتذةُ مئاتِ التلاميذ إلى أماكن مرتفعة، موضحاً أنه وجد نفسه أمام احتمالين: «إذا كانت المعلومات خاطئة، فسنخسر يوماً دراسياً، لكن إذا كانت صحيحة، فسنخسر حياتنا».

راجندرا دوادي مدير مدرسة تريشولي يقف داخل حديقة منزله بمقاطعة نُواكوت في نيبال بعد أيام من كارثة الفيضانات (أ.ف.ب)

وبعد دقائق، شاهد داودي مدرسة منطقة تريشولي بازار الثانوية، التي أشرف عليها سنوات، تنهار تحت وطأة سيول جارفة صباح يوم 26 أغسطس (آب) الماضي. ودب الذعر داخل الطلاب، وأغمي على فتاة، غير أن سرعة إجلائهم سمحت بإنقاذ 900 شخص. والآن بعد مرور أكثر من 10 أيام على الكارثة، يقف دوادي على ضفة النهر المتضررة بمنطقة نواكوت، ويقول إنه «مدير مدرسة بلا مدرسة»، وفق ما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها الأحد.

عمليات البحث لا تزال جارية في معبر جيرونغ الحدودي بمقاطعة جيرونغ بمنطقة التيبت (أ.ف.ب)

وتسببت موجة عاتية من الماء والجليد والحطام، أشبه بتسونامي، ناجمة عن انهيار جليدي وصخري هائل على الحدود بين نيبال والصين، في مقتل 1362 شخصاً على الأقل، في حين لا يزال أكثر من 5500 في عداد المفقودين بالبلدين. وأكد وزير الطاقة في نيبال، الأحد، أن فرق الإغاثة تواصل جهودها دون توقف بحثاً عن ناجين، بعد 11 يوماً على كارثة الفيضانات. وانتشل عناصر الإنقاذ في الأيام الأخيرة 3 أشخاص على قيد الحياة هم عاملان نيباليان ومواطن صيني من أنفاق مشروع سد «تريشولي3» للطاقة، وامرأة ستينية من منزل طمره الوحل. ولفت دوادي إلى أن 5 طلاب لقوا حتفهم في الفيضانات التي اجتاحت محيط المدرسة، بالإضافة إلى مُعلم وأحد أفراد الأمن. وأوضح أن الموظف الذي غادر المدرسة بعده «ربما كان يريد إغلاق البوابة». وقال دوادي إن السلطات في تريشولي بازار لم تُقدّم خطة إخلاء.

«لم يبقَ شيء»

وحاول بعض السكان عبور الجسر، لكنّ المياه جرفتهم، فيما لجأ آخرون إلى مناطق مرتفعة. ويتذكر دوادي: «عندما نظرتُ خلفي، كانت المدرسة شامخة كأروع المباني، وفي 5 دقائق، انهار كل شيء». وأضاف: «إنها أيضاً المدرسة التي كنت أرتادها. لم يبقَ منها شيء».

الطالبة سانتوشي دوتيل (17 عاماً) تتحدث خلال مقابلة صحافية في منزلها عن نجاتها من الفيضانات (أ.ف.ب)

كانت سانتوشي دوتيل، البالغة 17 عاماً، في حصة المحاسبة عندما صدر أمر الإخلاء. في البداية، لم تستوعب الخطر، وقالت: «لم نكن نتخيل مطلقاً أن يصل الفيضان إلى هذا الحد». نزلت في البداية نحو النهر مع صديقتها لعبوره والوصول إلى منزل عائلتها. ثمّ ارتفع منسوب المياه. وقالت: «جرف الفيضان الجسر. رحت أبكي لأنني ظننت أنني لن أعود إلى المنزل أبداً، وأنه لا حيلة لنا». وسحبتها صديقتها إلى أعلى التل بينما كانت مياه الفيضان تجتاح المنطقة أسفله. انهمرت دموعها وهي تستذكر المعاناة التي عاشتها ساعات طويلة دون أن تعرف مصير والديها. وبعد 4 أيام أعادت مروحية سانتوشي إلى عائلتها. وقالت: «وجدت أمي فور خروجي من المروحية. عانقتني وبدأت البكاء. لم أعد أستطيع التفكير». كانت والدتها دورغا دوتيل تخشى الأسوأ، وقالت: «عندما رأيت النهر يفيض، فقدت أي أمل في نجاة ابنتي».

«أسوأ من زلزال 2015»

ووفق إحصاءات منظمة «سيف ذا تشيلدرن (أنقذوا الأطفال)»، فقد دُمّرت أو تضررت 69 مدرسة على الأقل؛ مما أدى إلى حرمان نحو 19 ألف تلميذ من التعليم. وأكد دوادي أن الكارثة كانت «أسوأ بكثير» من الزلزال الذي ضرب نيبال عام 2015. وأضاف: «دُمّرت المدرسة بالكامل (بعد الزلزال)، لكننا أعدنا بناءها». وتابع: «هذه المرة؛ خسرنا المبنى والأرض التي كان عليها. نحن بحاجة إلى مدرسة مجدداً. لكننا نحتاج أولاً إلى مكان آمن لبنائها».