«كابول بين الصلوات» يوثق تناقضات المجتمع الأفغاني

مخرج الفيلم لـ«الشرق الأوسط»: ركَّزت على انعكاسات عودة «طالبان» للحكم

يرصد الفيلم جوانب من حياة 3 أفغانيين (الشركة المنتجة)
يرصد الفيلم جوانب من حياة 3 أفغانيين (الشركة المنتجة)
TT

«كابول بين الصلوات» يوثق تناقضات المجتمع الأفغاني

يرصد الفيلم جوانب من حياة 3 أفغانيين (الشركة المنتجة)
يرصد الفيلم جوانب من حياة 3 أفغانيين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الأفغاني - الهولندي، أبوزار أميني إن فكرة فيلمه «كابول بين الصلوات» انطلقت من شعور عميق بالمسؤولية إزاء الواقع الجديد الذي فُرض على بلده بعد 20 عاماً من الإيمان بالديمقراطية، حين سُلّمت أفغانستان فجأة إلى «طالبان» من دون إرادة شعبها، وفق تعبيره.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن جيله، الذي ناضل طويلاً من أجل التغيير والتقدم، وجد نفسه فجأة في عزلة وخيبة، مجبراً على التعايش مع «الشر المعروف في الغرفة»، كما وصفه، موضحاً أنه، كونه مخرجاً، شعر بأن من واجبه الأخلاقي أن يوثّق هذا التحوّل الجذري بصدقٍ وموضوعية قدر الإمكان، وأن يكشف حقيقة النظام الجديد كما هي، ضمن الحدود التي سمحت بها سلطاته.

يُقدم فيلم «كابول بين الصلوات» للمخرج الأفغاني الهولندي أبوزار أميني، رؤية وثائقية عميقة لواقعٍ معقّد في أفغانستان ما بعد عودة حركة «طالبان» إلى الحكم. يتتبع الفيلم يوميات «سميم»، الجندي الشاب في الحركة، والبالغ من العمر 23 عاماً، المخلص تماماً لآيديولوجيتها الدينية، الذي يعيش في قريةٍ نائية، ويعمل ضمن وحدة لتفتيش شوارع كابول وحمايتها من «أعداء الدين».

المخرج الأفغاني أبوزار أميني (الشركة المنتجة)

ومن خلال عدسة هادئة ومراقبة طويلة، يرسم أميني في فيلمه الوثائقي الذي عرض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي» ملامح شخصية مزدوجة تجمع بين القسوة والإنسانية، إذ نراه يغرس في إخوته الصغار التعاليم المتشددة، ويدربهم على السلاح، لكنه في الوقت نفسه يُساعد والده في الحقول، ويحاول مراجعة اللغة الإنجليزية التي تعلمها في الجامعة، ويتألم لفراق زوجته.

عبر هذا التناقض بين الإيمان الأعمى والرغبة الدفينة في حياة طبيعية، يكشف الفيلم عن مأزق الإنسان الأفغاني الذي شكّلته بيئة محافظة، وحروب متتالية، وعن جيل وجد نفسه أسيراً لفكر ديني مغلق يفرض عليه أن يكون مقاتلاً حتى في لحظات حنينه إلى السلام.

وقال المخرج الأفغاني إنه في عمله مع الشخصيات الثلاث في الفيلم، والذين يمثلون 3 أشقاء «متطرفين»، حاول أن يوازن بين الجانب الإنساني والجانب الآيديولوجي في كل منهم، بحيث لا يظهرون بوصفهم رموزاً مجردة بل كائنات بشرية حقيقية.

يعرض الفيلم ضمن النسخة الثامنة لمهرجان «الجونة» (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه ينتمي إلى قومية الهزارة التي تعرضت تاريخياً للتهميش والاضطهاد على يد حركة «طالبان»، وهو ما جعل من الصعب عليه فصل مشاعره الشخصية عن نظرته إلى هؤلاء الأشخاص. لكنه أكّد أن مهمته بصفته مخرجاً تفرض عليه تجاوز الغضب والحزن الشخصي، كي يتمكن من النظر بصفاءٍ ومن دون أحكامٍ مسبقة إلى المشهد الإنساني بكل تناقضاته.

وأضاف أن التطرف ليس سمة تخص مكاناً أو مظهراً بعينه، بل فكرة تتجلَّى بأشكال مختلفة؛ قد تجدها في رجلٍ يعتمر عمامة في قندهار، أو في آخر يرتدي بدلة رسمية في واشنطن، مشيراً إلى أن القوة والآيديولوجيا تتبدّلان في الصورة، لكنهما غالباً ما تشتركان في العمى ذاته تجاه التكلفة الإنسانية لأفعالهما.

وأوضح أن هدفه في العمل لم يكن أن يصدر أحكاماً، بل أن يواجه تحيّزه الداخلي أولاً، وأن يرى كل إنسانٍ، حتى أولئك الذين يخافهم أو يمقتهم، بعدسة خاليةٍ من الراحة أو الأمان، لافتاً إلى أن «هذا النهج المؤلم هو ما يمنح العمل صدقه، إذ يسعى إلى التقاط التناقضات؛ الرقة داخل القسوة، والارتباك داخل الإيمان، ليحولها إلى ما يسميه (شعراً واقعياً) يصور الناس كما هم، لا كما نتمنى أن يكونوا».

أخرج أبوزار أميني فيلمه عن بُعد لأسباب أمنية (الشركة المنتجة)

وأوضح أميني أن لقطات الوجوه القريبة التي تظهر في الفيلم أثناء طرح الأسئلة الصعبة تُمثل «نبض الفيلم» كما سمّاها، مشيراً إلى أنها ليست مقابلاتٍ تقليدية، ولا بورتريهات جامدة، بل لحظات من الثقة الخالصة حين يسمح الشخص للكاميرا بالتسلل إلى عالمه الداخلي.

وأضاف أن الكاميرا بالنسبة له ليست أداة استجواب، بل مقعد اعتراف ينصت وينتظر ويتنفس مع الشخصية، عادّاً أن كل نظرة أو وقفة صامتة تصبح جزءاً من الإيقاع العاطفي للفيلم؛ حيث تكشف الهشاشة الإنسانية عن نفسها في صمتٍ عميق.

وقال المخرج إن اختياره إخراج الفيلم عن بُعد لم يكن قراراً فنياً، بل ضرورة فرضتها المخاطر. فهو مخرج من الهزارة، ولا يستطع العودة إلى أفغانستان من دون أن يعرّض نفسه لخطر حقيقي، خصوصاً في ظلّ ما يتعرض له الصحافيون والفنانون من مضايقات واعتقالات.

وأوضح أن الغياب الجسدي لا يعني الغياب الإبداعي، إذ إن معرفته بكابول متجذِّرة في ذاكرته وتجربته الشخصية، مشيراً إلى أنه عمل بتعاونٍ وثيق مع مدير التصوير، في عملية وصفها بأنها «ترجمة فكر إلى صورة».

وأكّد أن «التوازن بين مشاهد الحياة اليومية والمشاهد الآيديولوجية أو العنيفة في الفيلم جاء من فهمه أن العنف في أفغانستان ليس حالة منفصلة عن الحياة، بل جزء منها، لافتاً إلى أن الإعلام العالمي غالباً ما صور (طالبان) كائنات قادمة من الكهوف أو من السماء، في حين أنهم أبناء المجتمع ذاته: مزارعون، أبناء، آباء، وتجار».

وأوضح أن ما يُميزهم هو الفكرة التي استولت عليهم، وهي فكرة غذتها قوى خارجية وسلّحتها ثم تخلّت عنها، موضحاً أن غياب النساء عن الفيلم لم يكن خياراً جمالياً بل انعكاساً لواقعٍ اجتماعي صارخ، إذ جرى محو النساء من المجال العام في أفغانستان بقرارات ممنهجة.

وأكّد أن فيلم «كابول بين الصلوات» هو الجزء الثاني من ثلاثيةٍ بدأها بفيلم «كابول مدينة في الريح» عام 2018، الذي صُوّر في ظلّ النظام الجمهوري، لكن الفيلم الجديد يصوّر الحياة تحت النظام الديني الآيديولوجي، في حين يركّز الجزء الثالث الجاري تصويره الآن بعنوان «كابول... السنة صفر» على الأطفال في مناطق الحروب مثل أفغانستان والعراق وأوكرانيا.


مقالات ذات صلة

هل انتهى مهرجان «كان» بأقل الخسائر الممكنة؟

يوميات الشرق المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)

هل انتهى مهرجان «كان» بأقل الخسائر الممكنة؟

‫عكست جوائز مهرجان كان السينمائي التي تمّ منحها يوم السبت (الثالث والعشرين من الشهر) نتائج لم تكن متوقعة.

محمد رُضا (كان (فرنسا))
يوميات الشرق أعضاء لجنة تحكيم «مهرجان كان» في صورة جماعية (أ.ب)

«الشرق الأوسط» في «مهرجان كان - 8»... دورة رائعة رغم خيبات أمل تصل إلى خاتمتها

خلال الأسبوع الأول من العروض اليومية، بدا كما لو أنَّ المهرجان وجد الأفلام التي ستثير المقدار الأكبر من المداولات.

محمد رُضا (كان (فرنسا))
سينما مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

في نهاية فيلم «البارح العين ما نامت»، تسير بطلة الفيلم، ريم، في الحقول الممتدة رغم نداء شقيقها للتوقف والعودة إليه.

محمد رُضا (كان - فرنسا)
سينما شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

يقول المثل: «من راقب الناس مات همّاً»، لكن عند المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي يُنجز أفلامه في أوروبا، هذه المراقبة «بصبصة» تتيح للكاتبة الروائية سيلفي...

محمد رُضا (كان - فرنسا)
يوميات الشرق مشهد من أحد الأفلام التي يشهدها المهرجان (جمعية الفيلم)

«مهرجان العودة»... سينما ترسخ السردية التاريخية للهُوية الفلسطينية

يستضيف مركز الإبداع الفني بدار الأوبرا المصرية، التابع لقطاع صندوق التنمية الثقافية، فعاليات ختام الدورة العاشرة من «مهرجان العودة السينمائي الدولي».

محمد الكفراوي (القاهرة )

«الشرق الأوسط» في «كان» - 9: هل انتهى المهرجان بأقل الخسائر الممكنة؟

المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)
المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)
TT

«الشرق الأوسط» في «كان» - 9: هل انتهى المهرجان بأقل الخسائر الممكنة؟

المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)
المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)

‫عكست جوائز مهرجان كان السينمائي التي تمّ منحها يوم السبت (الثالث والعشرين من الشهر) نتائج لم تكن متوقعة، حتى لدى العديد من النقاد الفرنسيين الذين كانوا عبّروا عن آرائهم في جداول بعض المنشورات والمجلات التي صدرت يومياً خلال الدورة المنتهية.

على سبيل المثال، لم يجد الفيلم الفائز بالسعفة الذهبية، وعنوانه «فيورد» (Fjord) الإعجاب الكبير الذي حازه لدى لجنة التحكيم. كان الصدى النقدي متراوحاً بين الوسط والقبول و(بنسبة محدودة) الجودة.

«مينوتور» حاز جائزة لجنة التحكيم الكبرى (سي جي فيلمز)

هذا على عكس فيلم «مينوتور» (Minotaur) الذي حصد جائزة لجنة التحكيم الكبرى للمخرج الروسي أندريه زفياغونتسف. أمّا «وطن» الذي اعتبره غالبية النقاد الأكثر جدارة بالفوز، فقد انتهى بجائزة أفضل مخرج نالها البولندي بافل بافليكوفسكي مناصفة مع فيلم أقل درجة بكثير عنوانه «الكرة السوداء» (The Black Ball أو La Bola Negra)، حسب عنوانه الأصلي الذي أخرجه شريكان إسبانيان، هما خافيير أمبروسي وبيلين مارتي لوش.

إنها دورة الجوائز التي مُنِحت مناصفة؛ ليس أن لجان التحكيم السابقة لم تعمد إلى هذا الاختيار سابقاً، لكنها لم توزّع جوائزها مناصفة على هذا النحو المتكاثر من قبل، فإلى جانب تقسيم جائزة أفضل إخراج إلى اثنين تم كذلك اعتماد ثنائية الفوز بالنسبة لجائزة التمثيل التي مُنحت لفرجيني إيفيرا (كما توقعنا هنا) وتاو أوكاموتو عن «على حين غرة» (All of a Sudden). وهذا ما تكرر أيضاً عند إعلان جائزة أفضل تمثيل التي فاز بها كل من إيمانويل ماكينا وفلنتين كامباين عن فيلم مشترك هو «جبان» للوكاس فونت.

جفرجيني إيفيرا وتاو أوكاموتو فازتا بجائزة أفضل ممثلة مناصفة عن فيلم «على حين غرة» (رويترز)

لكن اعتماد مبدأ المناصفة ليس سوى واحد من 4 ملاحظات أخرى سادت هذه الدورة، وبات بالإمكان الآن، وبعد انتهاء الدورة ومشاهدة العدد الأكبر من أفلام المسابقة الرسمية، تحديدها.

توقعات الناقد كانت نصف ناجحة، لا من حيث الأفلام التي فازت (مثل «وطن») أو فازت عبر ممثليها (كما حال الممثلة فرجيني إيفيرا التي نالت جائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة») بل على صعيد تلك التي لم يُقدر لها الفوز أيضاً (مثل «كريسماس مر» للأساني بدرو ألمودوفار).

إيمانويل ماكينا وفلنتين كامباين فازا مناصفة بجائزة أفضل تمثيل عن فيلم «جبان» للوكاس فونت. (رويترز)

مهرجان فرنسي... أولاً؟

• الملاحظة الأولى:

عدد الأفلام التي انتُخبت للمسابقة 22، من بينها 18 فيلماً من إنتاج فرنسي خالص أو من إنتاج فرنسي بالمشاركة مع دول أخرى. هذه من بينها «فيورد» الفائز بالسعفة الذهبية و«مينوتور» (الجائزة الكبرى) و«الكرة السوداء» و«وطن» (جائزة أفضل إخراج) كما باقي الأفلام التي فازت بالجوائز الأخرى بلا استثناء.

الأفلام الأربعة التي لم تشارك فرنسا بإنتاجها وتمويلها هي الفيلم الياباني «غَنم في الصندوق» (Sheep in the Box) والأميركي «نمر من ورق» (Paper Tiger) والكوري الجنوبي«أمل» (Hope) والإسباني «كريسماس مر» (A Bitter Christmas).

هذه ليست المرّة الأولى التي يتبدّى فيها أن غالبية الأفلام المتنافسة هنا (نسبة 90 في المائة أو نحوها) فرنسية بشكل أو بآخر لكنها مناسبة مكررة ما زالت تحث على التفكير من حيث مدى «دولية» المهرجان فعلاً.

الإجابة إنه دولي بما لا شك فيه نظراً لتعدد أصول هذه الأفلام ومصادرها الوطنية، لكنها تكشف عن الرابط بين الأفلام المنتجة جزئياً أو كلياً وتسويقها. كل فيلم من هذه الأفلام الثمانية عشرة تم الاتفاق عليه مسبقاً بين أصحاب الحقوق وشركات التوزيع الفرنسية.

حضور غير فعّال

• الملاحظة الثانية:

التجاهل الأميركي لمهرجان «كان» جاء واضحاً. فيلمان أميركيان في المسابقة الرسمية هما «نمر من ورق» و«أحب هذا الرجل»، وهذا عدد مناسب لمسابقة دولية لكن علينا ملاحظة أنهما فيلمان مستقلان وليسا من إنتاج استوديوهات هوليوود المعهودة. هذا التجاهل يشبه شرياناً مسدوداً.

قد يبدو ذلك جيّداً عند بعض النقاد الذين يناكفون هوليوود سياسياً وفكرياً، لكن على صعيد عملي هذا الغياب له تبعاته لأن «كان» (ربما على الأخص) هو المهرجان الذي عليه أن يدمج السينما الأميركية الرسمية في دوراته، كما كان الحال عندما قدّم فرنسيس فورد كوبولا وروبرت التمن ومارتن سكورسيزي وكلينت إيستوود بعض أفضل أفلامهم فيه.

احتفى المهرجان بنجمين أميركيين، هما جون ترافولتا الذي أهداه ميدالية خاصّة وتم تقديم فيلمه الأول كمخرج «حافلة مروحية ليلية باتجاه واحد» (Propeller One‪ - Way Night Coach).

الثاني هو فان ديزل الذي حضر العرض الخاص لفيلمه «السريع والهائج» (The Fast and the Furious) وسط احتفاء جماهيري كبير. المشكلة هي أن لا ترافولتا ولا ديزل فنانان فعليّان. لدى الأول بضعة أفلام ناجحة قام بتوفير أداء مقبول في بعضها، أما الثاني فليس لديه ما يوفّره سوى نجاح هذه السلسلة التي ليس من بينها فيلم يستحق الاستعادة في مهرجان أول كـ«كان».

أكثر من ذلك، هل لم يجد المهرجان اسماً آميركياً آخر للاحتفاء به؟ وماذا عن حقيقة أن الفيلم المختار لهذه المناسبة: «سريع وهائج» قديم (هذا ممكن غفرانه) لكنه ليس كلاسيكياً ولا هو بالفيلم الذي يستحق التقدير في هذه البيئة.

هذا لجانب حقيقة موازية: لا «نمر من ورق» ولا «الرجل الذي أحب» كانا عملين جديرين بالمشاركة. حال الفيلم الأول، للمخرج جيمس غراي، أفضل من الثاني بعض الشيء لكن الفيلم متعثّر في كيفية سرد أفضل لحكايته.

الفيلم المُستحق

• الملاحظة الثالثة:

هل كان فيلم السعفة أفضل فيلم بين تلك المتسابقة؟ سنجد هذا التساؤل مطروحاً في العديد من الدورات. ما يعجب النقاد لا يعجب الجمهور وما يعجب الجمهور لا يعجب لجنة التحكيم، ونتائجها كثيراً ما لا تلاقي التقدير ذاته لدى النقاد أو المشاهدين.

من «فيورد» الفائز بالسعفة (موبرا فيلمز)

لكن «فيورد»، الفيلم المعني هنا ليس الفيلم الأفضل بالمطلق. مخرجه الروماني كرستيان مونجيو سبق وحقق أفلاماً أفضل من هذه الدراما حول عائلة تترك رومانيا إلى النرويج لتحط في البلدة التي وُلدت فيها الزوجة لسبت (رينات رانيسف) قبل زواجها من الروماني ميهاي (سيباستيان ستان). ما يبتدّى سريعاً هو أن الزوجين متطرّفان دينياً. يدرك أهالي البلدة أن هذا التطرّف يعكس بيئة حياة غير صالحة لأولاد الزوجين. يدركون أن بعضهم يحمل علامات رضوض وتعنيف. والرسالة التي يريد المخرج إيصالها هي - بطبيعة الحال - مضادّة للتعاليم الدينية المتطرّفة التي ستؤدي إلى منوال نفسي سلبي على الأولاد (في المحور ابنة العائلة ذات الثماني عشرة سنة).

ليس أن الفيلم ركيك ولا يستحق قدراً من التقدير، لكنه لا يجيب عن كل طروحاته. يوجه ملاحظاته بنفَس بارد وبكاميرا تلاحظ أكثر مما تنفعل إيجاباً مع ما يدور. بذلك تتركنا النهاية أمام حالة تتوقف عند حدود قساوتها فقط.

في الوقت نفسه، كل فيلم حظى بالفوز هنا (مثل «وطن» و«مينوتور» و«رجل زمنه» (A Man of His Time) وسواها، يشكو من عدم اكتمال ما يدعو للتساؤل حول كيف حكمت لجنة التحكيم وتوصّلت إلى نتيجتها.

موجة غير طبيعية

• الملاحظة الرابعة:

هناك عدد أكبر من المعتاد من الأفلام التي تتناول مسائل المثلية الجنسية، بينها فيلم المسابقة الأميركي «أحب هذا الرجل» لإيرا ماكس. هذا يسرد حكاية رجل (رامي مالك) مصاب بالإيدز في أحداث تقع في الثمانينات. لم يفز الفيلم بجائزة كونه لا يستحق تبعاً لسذاجة موضوعه من بين عناصر درامية وفنية أخرى.

لكن المد في هذا الاتجاه لم يتوقف، وفيلمان من تلك الفائزة من هذا النوع، وهما الإسباني - الفرنسي «الكرة السوداء»، والفرنسي - البلجيكي - الهولندي «جبان».

عادة ما تعرض المهرجانات الدولية هذا النمط من الأفلام، لكن المعدّل العام، في المسابقة أو سواها، يبقى محصوراً في عدد محدود (ثلاثة في المتوسط) بينما حفل «كان» بستة أفلام (على الأقل) تؤكد توجّهاً واضحاً.

في نهاية المطاف، الدورة التاسعة والسبعين كانت، بالمقارنة، عادية كما حال الكثير من الدورات القريبة الماضية. لكن «كان» لا يزال في الريادة. عيد سينمائي شامل وكبير (ربما أكثر من الضروري) ومُكلف. كارنفال شاسع يريد أن يحتوي كل جانب وحقل من حقول السينما. هذا يرضي عديدين ليس من بينهم من يأتي بحثاً عن أفلام ذات قيمة فنية بالدرجة الأولى.


جراحو التجميل ومعضلة ابتكار «وجوه مدعومة بالذكاء الاصطناعي»

لاحظ الجراحون وجود اتساق في جماليات «الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي» (شاترستوك)
لاحظ الجراحون وجود اتساق في جماليات «الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي» (شاترستوك)
TT

جراحو التجميل ومعضلة ابتكار «وجوه مدعومة بالذكاء الاصطناعي»

لاحظ الجراحون وجود اتساق في جماليات «الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي» (شاترستوك)
لاحظ الجراحون وجود اتساق في جماليات «الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي» (شاترستوك)

يشعر جراحو التجميل بقلق متزايد إزاء انتشار ما يُعرف بـ«الوجه المُولّد بالذكاء الاصطناعي»، حيث يتزايد عدد المرضى الذين يأتون إلى عياداتهم حاملين صوراً غير واقعية مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لما يرغبون في الظهور به. ويتزايد عدد الأشخاص الذين يستخدمون برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتوليد صور وجوههم المثالية، والذين يأتون إلى عيادات الجراحين بطلبات مُلحة للحصول على بشرة خالية من العيوب، وعظام وجنتين منحوتة بدقة، وأنف مصقول، وتناسق شبه مثالي - وهي معايير تستغرق وقتاً طويلاً، ومكلفة للغاية، وفي كثير من الحالات، مستحيلة التحقيق بحسب تحقيق لصحيفة «ذا غارديان».

وبينما يستطيع الذكاء الاصطناعي التحكم في كل pixel، «لا تعمل الجراحة بالتأكيد على هذا المستوى الدقيق للغاية»، وفقاً للدكتور أليكس كاريديس، وهو جراح تجميل مقيم في غرب لندن. مع ذلك، بالنسبة للعديد من المرضى، تتشكل هذه التوقعات قبل وقت طويل من لقائهم بالجراح. ويشرح كاريديس مدى فعالية الصور المُولّدة بالذكاء الاصطناعي نفسياً في تحديد - وتعزيز - مُثُل المرضى الجمالية. بالنسبة للعديد من المرضى، تتشكل هذه التوقعات قبل وقت طويل من لقائهم بالجراح. قال أحد الجراحين: «بمجرد أن ترى صورة، تُحفر في ذهنك». ووافقه كاريديس الرأي، واصفاً صور الذكاء الاصطناعي بأنها «تُنقش» في أذهان المرضى، وقال إن زملاءه قد غمروا بها مؤخراً. كما يحرص الجراحون على التأكيد على أن نتائج جراحة التجميل ليست مضمونة على الإطلاق.

وقال نوجنت: «يجب أن يدرك المريض أن هناك اختلافات بين البشر في كيفية شفائهم، وكيفية تقدمهم في العمر، وما يمكن فعله. أقول للمرضى مسبقاً: ليس بإمكاني فعل أي شيء في الجراحة. لا أحد منا يتحكم بكل شيء»، لكن كاريديس يقول إنه عندما يبحث العملاء بعمق في إجراءات التجميل، غالباً ما يركزون على الصور ويتجاهلون «كل ما يحيط بهم من معلومات. هذه هي الخلاصة للجميع. بمجرد أن تُريهم شيئاً كهذا، ينتهي الأمر عند هذا الحد».

لاحظ الجراحون أيضاً وجود اتساق في جماليات «الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي»، وخاصةً التناظر المفرط - وهو أمر يمكن للذكاء الاصطناعي توليده بسهولة، لكن من المستحيل غالباً إعادة إنتاجه في الواقع. إذا كانت إحدى عينيك أعلى من الأخرى ببضعة ملليمترات، يمكن للذكاء الاصطناعي تغيير ذلك في ثوانٍ، وفقاً للدكتور جوليان دي سيلفا، جراح التجميل في شارع هارلي. لكن إعادة ترتيب البكسلات لا تعني إعادة ترتيب التشريح. قال: «من المستحيل تغيير مستوى العينين لأنه ثابت في العظام، ويقع الدماغ خلف محجر العين. لا يمكن تغيير موضع محجر العين بأمان». وأضاف دي سيلفا أن الذكاء الاصطناعي، عند تعديله لصور العملاء، غالباً ما يعتمد على معايير الجمال المتعارف عليها: بالنسبة للنساء، خط فك على شكل حرف V، وانحناءة واسعة على طول عظام الخدين، ووجه على شكل قلب؛ أما بالنسبة للرجال، فخطوط فك أعرض، وحواجب منخفضة، وجفون علوية أكثر امتلاءً. لكن دي سيلفا قلق أيضاً بشأن اتجاه متنامٍ آخر: وهو قيام الأطباء بنشر نتائج عمليات جراحية على وسائل التواصل الاجتماعي تبدو فعّالة بشكل مذهل، لكنه يشك في أنها قد تكون مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. قال: «أتذكر أنني شاهدت إحدى هذه الصور الأسبوع الماضي، وكررت مشاهدتها مراراً وتكراراً»، مستذكراً مقطع فيديو بدا فيه مريض وكأنه قد تم تعديله ليبدو أصغر بثلاثين عاماً. «ثم في المرة الثالثة التي شاهدته فيها، لاحظت... أن يديه كانتا بستة أصابع».


جيانكارلو إسبوزيتو لـ«الشرق الأوسط»: عشت «فوضى منظمة» في «7DOGS»

نفّذ الممثل الأميركي مشاهد الأكشن بنفسه (الشركة المنتجة)
نفّذ الممثل الأميركي مشاهد الأكشن بنفسه (الشركة المنتجة)
TT

جيانكارلو إسبوزيتو لـ«الشرق الأوسط»: عشت «فوضى منظمة» في «7DOGS»

نفّذ الممثل الأميركي مشاهد الأكشن بنفسه (الشركة المنتجة)
نفّذ الممثل الأميركي مشاهد الأكشن بنفسه (الشركة المنتجة)

قال الممثل الأميركي، جيانكارلو إسبوزيتو، إن مشاركته في فيلم «7DOGS» لم تكن مجرد خطوة جديدة في مسيرته الفنية، بل تجربة مختلفة جذبت انتباهه منذ اللحظة الأولى بسبب طبيعة المشروع وطموحه العالمي، موضحاً أن أكثر ما أثار حماسه هو فرصة العمل مع الممثلين المصريين كريم عبد العزيز وأحمد عز اللذين وصفهما بأنهما من أبرز نجوم السينما في العالم العربي.

وأكد جيانكارلو إسبوزيتو لـ«الشرق الأوسط» أنه كان مهتماً جداً بأن يرى كيف يعملان داخل موقع التصوير، وكيف يتعاملان مع الشخصيات والأداء وصناعة الفيلم بشكل عام، لافتاً إلى أنه بحث عنهما عندما عرض عليه الفيلم، وعرف الأعمال التي قدماها من قبل، ويدرك الشعبية التي يتمتعان بها في العالم العربي وليس داخل مصر فقط.

الممثل الأميركي في العرض الخاص للفيلم بالقاهرة (الشركة المنتجة)

وعدّ إسبوزيتو أن «الهدية الحقيقية» بالنسبة له داخل هذا المشروع كانت التصوير في السعودية، لأنها منحته فرصة لاكتشاف مكان جديد وثقافة مختلفة، إلى جانب العمل مع الثنائي الإخراجي عادل العربي وبلال فلاح، اللذين وصفهما بأنهما يمتلكان طاقة سينمائية استثنائية ورؤية حديثة لصناعة أفلام الأكشن.

وأشار إلى أن وجود الممثلة الإيطالية مونيكا بيلوتشي ضمن العمل أضاف للفيلم بُعداً عالمياً أكبر، مؤكداً أن اجتماع هذا العدد من النجوم والخبرات المختلفة داخل مشروع عربي واحد أمر نادر ومثير للغاية.

وأوضح أن ما يُميز «سيفن دوجز» بالنسبة له أنه لا يتعامل مع فكرة العالمية بوصفها شعاراً دعائياً فقط، بل يترجمها فعلياً داخل الفيلم من خلال تنوع الشخصيات والثقافات والخلفيات الإنسانية، وهو ما يمنح الجمهور فرصة لمشاهدة عمل يحمل روحاً عالمية حقيقية، لافتاً إلى أن الفيلم لا يعتمد فقط على الأكشن أو الضخامة الإنتاجية، بل أيضاً على التفاعل الإنساني بين شخصيات جاءت من أماكن مختلفة، لكنها تتحرك داخل عالم واحد.

الممثل الأميركي عبّر عن سعادته بالعمل مع كريم عبد العزيز وأحمد عز (الشركة المنتجة)

وعن تحضيراته لشخصية «رومان»، أوضح أن أكثر ما جذبه في الدور هو الجانب الجسدي والبدني للشخصية، لأنه يحب دائماً تنفيذ مشاهده الخطرة بنفسه، لشعوره بأن ذلك يمنحه ارتباطاً حقيقياً بالشخصية، ويجعل الأداء أكثر صدقاً على الشاشة، لافتاً إلى أنه اتخذ قراراً منذ البداية بأن يخوض كل التحديات الجسدية بنفسه داخل الفيلم، رغم صعوبة ظروف التصوير، خصوصاً في مشاهد الصحراء داخل السعودية.

وقال إن التصوير وسط الصحراء كان تجربة قاسية ومثيرة في الوقت نفسه، لأن الممثل لا يتعامل فقط مع أداء المشهد، بل مع الطبيعة نفسها، من حرارة مرتفعة وغبار ورياح ومساحات مفتوحة تفرض تحديات مستمرة على الجسد والتركيز، مؤكداً أن تلك الظروف جعلته يشعر بأن العمل يُشبه اختباراً بدنياً ونفسياً حقيقياً، وهو ما استمتع به كثيراً؛ لأنه يحب أن تدفعه الشخصيات التي يجسدها إلى مناطق جديدة وصعبة.

وأشار إلى أنه يحرص دائماً على الحفاظ على جاهزيته البدنية من خلال التدريبات المستمرة، سواء عبر الرياضة أو اليوغا وركوب الدراجات، لأن طبيعة أفلام الأكشن تتطلب أن يكون الممثل مستعداً لأي شيء في أي لحظة، مؤكداً أن أصعب مشاهده في الفيلم كانت تلك التي اضطر خلالها للتعلق بسيارة أثناء الحركة داخل الصحراء، في حين يقف على ركبتيه فوق منصة صغيرة ويحاول الحفاظ على توازنه الكامل خلال تنفيذ المطاردات والانفجارات والحركات القتالية.

وأوضح أن هذا النوع من المشاهد يحتاج إلى سيطرة هائلة على الجسد، تماماً كما يحتاج التمثيل إلى سيطرة على العقل والمشاعر، لأن الممثل لا يكتفي فقط بحفظ الحوار أو أداء الجمل بإحساس معين، بل يجب أن يكون قادراً أيضاً على التحكم الكامل في جسده أثناء تنفيذ المشاهد الحركية المعقدة، لا سيما عندما تكون الظروف المحيطة قاسية وغير مستقرة.

الممثل الأميركي مع مونيكا بيلوتشي (الشركة المنتجة)

وأضاف الممثل الأميركي أنه خلال تصوير مشاهد الصحراء كان مغطى بالكامل بالغبار والرمال، حتى إن الرمال كانت تدخل إلى عينيه ووجهه وأنفاسه، ومع ذلك كان عليه أن يُحافظ على تركيزه الكامل، وأن يواصل تنفيذ المشهد بدقة، لأن أي خطأ بسيط داخل هذا النوع من المشاهد قد يُفسد الإيقاع الكامل للعمل، أو يعرّض أحد أفراد الفريق للخطر.

ووصف تلك اللحظات بأنها «فوضى منظمة»، لأن تصوير مشاهد الأكشن يعتمد على تداخل عدد هائل من العناصر في الوقت نفسه، من السيارات والكاميرات والأسلحة وفريق المجازفات والمؤثرات، وكل عنصر يجب أن يتحرك في توقيت دقيق للغاية حتى تبدو النتيجة النهائية سلسة وطبيعية على الشاشة، مؤكداً أن هذا النوع من الفوضى هو أكثر ما يحبه في صناعة أفلام الأكشن، لأنه يمنحه شعوراً بالحياة والطاقة والحماس.

وأشار إلى أن أكثر ما أسعده في التجربة هو الشعور بروح الفريق داخل موقع التصوير، موضحاً أن الجميع كانوا يعملون بحماس كبير وكأنهم جزء من مشروع يريد أن يثبت شيئاً جديداً ومختلفاً في المنطقة العربية، لافتاً إلى أن هذا الإحساس بالطموح الجماعي كان واضحاً في كل تفصيلة، سواء على مستوى التمثيل أو الإخراج أو تصميم الأكشن أو الإنتاج.