«السيد البدوي» يجدد جذب مصريين إلى الموالد

الآلاف أحيوا الليلة الختامية لـ«شيخ العرب»

حشود في مولد السيد البدوي بطنطا (محافظة الغربية)
حشود في مولد السيد البدوي بطنطا (محافظة الغربية)
TT

«السيد البدوي» يجدد جذب مصريين إلى الموالد

حشود في مولد السيد البدوي بطنطا (محافظة الغربية)
حشود في مولد السيد البدوي بطنطا (محافظة الغربية)

احتشد مئات الآلاف في ساحة المسجد الأحمدي بمدينة طنطا (دلتا مصر)، والمنطقة المحيطة به، لمتابعة الاحتفالات بالليلة الختامية لمولد السيد أحمد البدوي، فتوافد محبو ومريدو السيد البدوي من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية، وسط أجواء روحانية تسودها السكينة.

وأكد محافظ الغربية، اللواء أشرف الجندي، أن المحافظة بكامل أجهزتها عملت بأقصى طاقتها لضمان راحة الزائرين وتأمين الاحتفالات بالشكل الذي يليق بمكانة لمحافظة الغربية ووجهها الحضاري، مشيراً إلى أن هذا الحدث الديني الكبير يجسد الصورة الأصيلة للتسامح والمحبة بين أبناء الوطن، كما يمثل أحد أهم المقاصد الدينية والسياحية في مصر، ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية بالمحافظة، وفق بيان للمحافظة، الخميس.

وتحظى الموالد في مصر بأهمية كبيرة تجذب إليها الآلاف من المريدين والمحبين كل عام، ومن بينها مولد السيد البدوي المعروف بلقب «شيخ العرب» ومولد إبراهيم الدسوقي في الدلتا، ومولد السيدة ومولد الحسين في القاهرة، ومولد عبد الرحيم القناوي ومولد أبو الحجاج الأقصري في جنوب مصر.

ويرى المتخصص في التاريخ والأدب الشعبيين، الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والتراث بجامعة قناة السويس أن الليلة الختامية لمولد السيد البدوي لم تكن مجرّد احتفال ديني بل مرآة لفلسفة مصر العميقة في توازنها بين الروح والعمران، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «حين يتوافد الآلاف من كل محافظات مصر إلى طنطا لا يبحثون فقط عن البركة بل عن معنى الانتماء نفسه إن المولد في جوهره، فعل وطني بقدر ما هو طقس صوفي؛ لأنه يعيد وصل الإنسان بجذوره، ويؤكد أن روح مصر الحقيقية لا تنفصل عن حب أوليائها وميراثها الشعبي».

مولد السيد البدوي يشهد توافد الآلاف من كل أنحاء مصر (محافظة الغربية)

وأشار منير إلى الروح المصرية المتوارثة في الموالد، والأسواق، والأغاني، والبهجة التي تصنع وجدانها الجمعي، موضحاً أن «المشهد الإنساني في ساحة السيد البدوي هو إعلان حيّ عن ميلاد مصر جديدة تُعيد تعريف قوتها الناعمة من خلال ثقافتها الشعبية وروحها الصوفية التي لا تموت، فالتصوف المعتدل الذي يتجلى في هذا المولد هو امتداد للروح النقية في صفائها وإخلاصها وسموّها الأخلاقي، وهو أيضاً صدى بعيد لهدية مصر إلى الإنسانية: الرهبنة، التي علّمت العالم أن التفرغ للروح لا يعني اعتزال الحياة، بل تهذيبها وتطهيرها».

وكان محافظ الغربية أكد على إجراءات الحماية والتأمين للمولد، عبر تعزيز الخدمات الطبية في محيط المسجد الأحمدي وساحة المولد، من خلال نشر سيارات الإسعاف وإقامة نقاط إسعاف ثابتة ومتحركة، إلى جانب تكثيف الوجود الأمني وتنظيم الحركة المرورية لتسهيل دخول وخروج الزائرين، مع رفع كفاءة النظافة العامة والإنارة، وتجميل الشوارع المؤدية إلى المسجد لإظهار المدينة في أبهى صورها، مؤكداً أن العمل مستمر لتوفير كل سبل الراحة والأمان لرواد المولد حتى ختام فعالياته.

مولد السيد البدوي يمتد من الساحة الأحمدية إلى مساحات كبيرة حولها (محافظة الغربية)

ويقول الباحث في الأدب الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، إن «مولد السيد البدوي تحديداً يكتسب أهميته من خصوصية شخصية السيد البدوي في الفكر الصوفي وفي الأدب الشعبي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «دائماً هناك زخماً في الموالد، سواء الحسين أو السيدة زينب أو في السيد البدوي وموالد الصعيد، ربما قللت أزمة (كورونا) من هذا الزخم، وتوقفت الموالد بسبب الإجراءت الصحية التي اتُّخذت، لكنها سريعاً ما استردت حضورها وزخمها، وهو ما نجده في الليلة الكبيرة بمولد السيد البدوي».

ويلفت الحجراوي إلى أن «السيد البدوي له سيرة شعبية ربما لم تصلنا كاملة، ولكنها ظلت تتردد زمناً في الأفراح وغيره، وهو ما يشير لأهميته في الحياة الاجتماعية، ومن ثم رسوخه في الوجدان الشعبي وارتباط الآلاف به».

ولفت إلى أن «إقبال المصريين على هذه الموالد بالآلاف يعود لعدة أسباب نفسية واقتصادية واجتماعية، وعادة ما يلعب الوضع الاقتصادي دوراً مهماً في هذا الزخم حيث يلجأ البعض إلى التصوف في مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، وهي ظاهرة صحية حيث تسمح لشريحة من الناس بتفريغ طاقتهم في الاحتفالات المتعددة بالموالد بشكل إيجابي وبطريقة تعبر عنهم دون الاعتداء على أحد»، على حد تعبير الحجراوي.

وشهد المولد العديد من المظاهر الاحتفالية مثل حلقات الذكر والألعاب المختلفة، كما أحيا الشيخ محمود التهامي الليلة الختامية للمولد والتي حظيت بحضور حاشد.


مقالات ذات صلة

«أوزيريس»... باليه يستعيد وهج الأسطورة المصرية القديمة

يوميات الشرق «باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)

«أوزيريس»... باليه يستعيد وهج الأسطورة المصرية القديمة

في عرض يستعيد وهج الأساطير المصرية القديمة، قدمت فرقة باليه أوبرا القاهرة، بالاشتراك مع أوركسترا أوبرا القاهرة «باليه أوزوريس» في أربع حفلات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الوتر السادس مي سليم: لم أُعبّر عن نفسي كوني مطربة بشكل كامل

مي سليم: لم أُعبّر عن نفسي كوني مطربة بشكل كامل

كشفت الفنانة الأردنية مي سليم عن ملامح خطتها الفنية الجديدة خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أنها تعمل حالياً على تقديم نسخة مختلفة ومتطورة من نفسها بصفتها مطربة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس يمان الحاج لـ«الشرق الأوسط»: الموسيقى ترافق تطوري في الحياة

يمان الحاج لـ«الشرق الأوسط»: الموسيقى ترافق تطوري في الحياة

في عام 1955، كتب الأخوان رحباني كلمات أغنية «مرفرف الدلال» وصاغاها بما يتناسب ولحن الأغنية الكوبية الشهيرة «كيزاس كيزاس كيزاس».

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بين بعض نجوم كأس العالم والموسيقى علاقة وثيقة (أ.ب. -  يوتيوب - إكس)

من بينهم موسيقيون محترفون... مواهب خفيّة لدى لاعبي كأس العالم

بعيداً عن الملاعب، يفجّر بعض نجوم كأس العالم لكرة القدم مشاعرهم ومواهبهم في الموسيقى عزفاً وغناءً. تعرّف على أبرزهم.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق جانب من المؤتمر الصحافي الذي عقد في المتحف المصري الكبير (إدارة المهرجان)

المتحف المصري الكبير يستضيف «غالا دي دانزا» في ذكرى افتتاحه

يستضيف المتحف المصري الكبير، في بداية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، مهرجان «غالا دي دانزا» للمرة الأولى.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».