تساؤلات حول توقيت أحكام إيرانية ثقيلة بحق فرنسيّين

مؤشرات تدل على مسعى طهران لمبادلة فرنسيين بمواطنة إيرانية

صورة مركبة للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس (أ.ف.ب)
TT

تساؤلات حول توقيت أحكام إيرانية ثقيلة بحق فرنسيّين

صورة مركبة للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس (أ.ف.ب)

انتظرت وزارة الخارجية الفرنسية 3 أيام قبل أن تؤكد، يوم الخميس، أن «الشخصين الأوروبيين» اللذين صدرت بحقهما أحكام ثقيلة بالسجن بتهمة التجسس لصالح فرنسا وإسرائيل، هما الفرنسيان سيسيل كوهلر وجاك باريس، المحتجزان في إيران منذ مايو (أيار) 2022.

وطيلة 3 أيام، التزمت الأوساط الرسمية الفرنسية الصمت، كما أن الصحافة الفرنسية، بكل مكوناتها، على عكس ما درجت عليه، تجاهلت نبأ الحكم كما لو أن توصية صدرت عن جهة ما تدعوها للتعتيم على النبأ.

وأخيراً، قال باسكال كونفافرو، الناطق باسم «الخارجية»، الخميس، في إطار مؤتمره الصحافي الأسبوعي، ما حرفيته: «أودّ أولاً أن أذكر بشكل خاص مواطنينا سيسيل كوهلر وجاك باريس، اللذين يقبعان في السجن منذ أكثر من 3 سنوات في إيران. وقد صدرت بحقهما، قبل يومين، وبشكل تعسفي، أحكام بالسجن لفترات طويلة جداً. وإن التهم الموجهة إليهما، أياً كانت، لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، ونحن نطالب بالإفراج عنهما فوراً. ولن تتوانى فرنسا في حشد جهودها، فنحن نقف إلى جانبهما وقد تمكنا، هذا الأسبوع، من إجراء زيارة قنصلية لتقديم الدعم لهما».

«رهينتا دولة» في إيران

تزامن بيان «الخارجية» مع المؤتمر الصحافي الذي عقدته عائلتا السجينين اللذين تعدّهما باريس بمثابة «رهينتي دولة». وغرض المؤتمر كان إطلاق صرخة استغاثة والتحذير من تدهور حالتهما الصحية والنفسية، ولتأكيد أن «حياتها باتت على المحك» بعد ما يزيد على 3 سنوات من الحبس أولاً في سجن «إيفين» في طهران ثم في سجن مجهول المكان، وفق ما أكدته نومي شقيقة سيسيل كوهلر.

إلا أن ما ذكرته الأخيرة يتناقض مع ما جاء في بيان «الخارجية»، التي أشارت إلى حصول «زيارة قنصلية» للسجينين، ما يعني أن مكان احتجازهما الجديد معروف أقله من جانب السلطات. لكن الأهم أن اتصالاً عبر «الفيديو» حصل بين السجينين وعائلتيهما. وحسب نومي، فإن المكالمة التي تمّت «تحت رقابة صارمة» لم تدم سوى 8 دقائق، وجاءت بمثابة «نداء استغاثة» من جانبهما، مؤكدة أن الاثنين «على وشك الانهيار». وقالت ابنة جاك باريس إن والدها قال لها: «أنا أنظر إلى الموت مباشرة».

ولأن الوضع على هذه الحال، فقد دعت العائلتان الحكومة الفرنسية للتدخل الفوري من أجل الإفراج عنهما، وقالت نومي إن «كل يوم إضافي من الاحتجاز يُحمّل الدولة الفرنسية مسؤولية (مصير) حياة سيسيل كوهلر وجاك باريس».

وفيما يؤكد المسؤولون الفرنسيون أن إخراج «الرهينتين» من السجون الإيرانية يُعد «من أولى الأولويات»، فإن العائلتين لم تترددا في انتقاد ما قامت به باريس حين سحبت الشكوى المقدمة ضد إيران لدى محكمة العدل الدولية، ما عدّتاه «انقطاعاً لحبل الثقة» مع السلطات.

وكانت المحكمة الدولية قد أفادت يوم 25 سبتمبر (أيلول) الماضي أن فرنسا تراجعت عن دعواها، ما أوقف التحقيق الذي كانت تقوم به.

وجاء إعلان تراجع باريس عن طلبها بعد يوم واحد من الاجتماع الذي حصل يوم 24 سبتمبر، في نيويورك بين الرئيس إيمانويل ماكرون ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ حيث كان ملف الرهينتين، إلى جانب الملف النووي الإيراني على جدول مباحثاتهما.

وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون، رغم التصعيد النووي، كان الرئيس الغربي الوحيد الذي التقى بزشكيان. وسارع عقب الاجتماع إلى كتابة تغريدة على منصة «إكس» يؤكد فيها أنه طالب الأخير بالإفراج عن مواطنيه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الجمعة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية على مدخل قصر الإليزيه (إ.ب.أ)

زمنية إعلان الأحكام

ثمة عناصر تُثير تساؤلات حول توقيت الإعلان عن إنزال أحكام بهذا القدر من الثقل (31 و32 عاماً من السجن)، بحق المواطنين الفرنسيين المتهمين بالتجسس لصالح فرنسا وأجهزة المخابرات الإسرائيلية. فالإعلان جاء بعد فترة من مؤشرات متفائلة حول قرب إطلاق سراح السجينين. الأول صدر عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي قال في مقابلة يوم 11 سبتمبر إن صفقة لتبادل السجناء بين فرنسا وإيران قد «وصلت إلى مراحلها الأخيرة»، مضيفاً أنها تتضمن الإفراج عن الإيرانية المسجونة في فرنسا مهدية أسفندياري مقابل سجناء فرنسيين محتجزين في إيران، من غير ذكر أسمائهم. ولم يُحدد عراقجي موعداً دقيقاً لما سمّاها «عملية التبادل»، إلا أنه رجّحها «في الأيام القليلة المقبلة».

والحال أنه، عند تصريح عراقجي، كان لفرنسا 3 سجناء، والثالث، إضافة إلى كوهلر وباريس، هو الشاب لينارت مونترلوس، مزدوج الجنسية الفرنسية - الألمانية، وقد احتجز يوم 16 يونيو (حزيران) لدى وصوله إلى إيران على متن دراجة هوائية، وقد أطلق سراحه يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بعد أن أعلنت براءته من تهمة التجسس التي سيقت ضده بداية لتبرير اعتقاله.

كذلك صدرت تصريحات من طهران وباريس تُفيد بإحراز تقدم، فالجانب الإيراني أعلن يوم 6 من الشهر الحالي أنه «يأمل في الإفراج القريب» عن السجينين ربطاً باستكمال الإجراءات الضرورية لإطلاق سراح مهدية أسفندياري. وفي الوقت نفسه، أكدت باريس أن «تقدماً حصل في المفاوضات مع إيران» بهذا الشأن، وذلك قبل أسبوع فقط من الإعلان عن صدور الأحكام الثقيلة بحقهما.

كوهلر وباريس مقابل أسفندياري

اعتقلت أسفندياري، وهي طالبة إيرانية تعيش في مدينة ليون الفرنسية يوم 28 فبراير (شباط) الماضي بشبهة «الترويج للإرهاب» عبر الإنترنت وتوجيه إهانات بسبب الأصل والدين ونشر تغريدات تُعد معادية للسامية على خلفية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

بيد أن إيران نفت هذه التهم. وقال المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية أصغر جهانكير في 14 الحالي، إن الاتهامات الموجهة إلى أسفندياري لا أساس لها من الصحة، وإن فرنسا رفضت الإفراج عنها مؤقتاً بكفالة. وأضاف جهانكير: «نسعى جاهدين لإطلاق سراحها دون شروط».

وأعلن مكتب النيابة العام في باريس أن أسفندياري ستحاكم أمام محكمة الجنح في العاصمة الفرنسية في يناير (كانون الثاني) 2026. بالمقابل، فإن الأحكام الثقيلة بحق الفرنسيين صدرت عن محكمة البداية في طهران، ومن ثم يحق لهما نقل الملف إلى محكمة الاستئناف.

يؤكد مصدر قانوني لـ«الشرق الأوسط» أن إيران «تلتزم قاعدة تقول إنه لا تتم عملية تبادل مع أي مواطن أجنبي قبل أن يخضع لمحاكمة القضاء». ويُضيف أن صدور أحكام ثقيلة بحق سيسيل كوهلر وجاك باريس «توحي بأن نهاية قضية الزوجين النقابيين الفرنسيين قد تكون قريبة، أو على الأقل دخلت مرحلة جديدة حاسمة»، عادّاً ذلك أحد أسباب حرص باريس على عدم التركيز على هذه المسألة والاكتفاء بالبيان الصادر عن وزارة الخارجية.

ليس سرّاً أن إيران تعمل وفق «دبلوماسية الرهائن»، وحالياً هناك ما لا يقل عن 20 غربياً يقبعون في السجون الإيرانية، وغالبيتهم اعتقلوا بعد حرب الـ12 يوماً. وسبق لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن حذر إيران أكثر من مرة أن طريقة تعاطيها بملف الرهائن الفرنسيين سيكون له تأثيره على مواقف باريس من ملفات تهم إيران في إشارة واضحة للملف النووي.

نومي كوهلر (وسط) شقيقة السجينة في إيران سيسيل كوهلر تتحدث في مؤتمر صحافي في باريس وإلى جانبها المحامي مارتن برادل والمحامية شيرين أردكاني (أ.ف.ب)

اللافت أن طهران لا تخفي رغبتها الواضحة والمعلنة في إنجاز عملية تبادل جديدة مع فرنسا، كما جاء على لسان عراقجي وجهانكير، ومن ثم فإن التصعيد الإيراني الأخير يمكن النظر إليه، وفق استنساخ لعمليات سابقة أكانت مع فرنسا أم دول أوروبية أخرى مثل بلجيكا والسويد وغيرها.

وسبق لباريس أن عانت منذ تسعينات القرن الماضي من هذه الوسيلة في تعامل إيران معها؛ حيث الرهائن ليسوا، في الواقع، سوى وسيلة للمقايضة أو لممارسة الضغوط السياسية للحصول على تنازلات من الطرف الآخر.


مقالات ذات صلة

معاهدة حظر الانتشار... ما الذي يلزم إيران؟

شؤون إقليمية مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

معاهدة حظر الانتشار... ما الذي يلزم إيران؟

أحال مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأربعاء، إيران إلى مجلس الأمن الدولي للمرة الأولى منذ 20 عاماً بسبب إخلالها بالتزاماتها المتعلقة بعدم الانتشار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الجلسة الافتتاحية للاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقرها بفيينا 7 سبتمبر 2026 (الوكالة الذرية)

«الطاقة الذرية» تحيل إيران إلى مجلس الأمن

أحال مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأربعاء، إيران إلى مجلس الأمن الدولي للمرة الأولى منذ 20 عاماً، بسبب عدم امتثالها لالتزاماتها بعدم الانتشار.

«الشرق الأوسط» (لندن-فيينا)
شؤون إقليمية منشأة نطنز النووية (أعلى اليمين) وأعمال إنشاء «جبل الفأس» إلى الجنوب منها في صورة أقمار اصطناعية التُقطت 15 يونيو 2026 (أ.ب - بلانيت لابس) p-circle

طفرة بناء في «جبل الفأس»… وواشنطن تدرس سبل ضربه

شهد موقع «جبل الفأس» الإيراني، القريب من مجمع نطنز النووي، زيادة كبيرة في أعمال البناء خلال العام الحالي فيما تواصل الولايات المتحدة دراسة وسائل لاستهداف منشآت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي عبد الأمير الشمري مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية خلال اجتماع للتنسيق مع إقليم كردستان (إعلام حكومي)

بغداد وأربيل تتفقان على إغلاق معابر «التهريب والعصابات»

اتفاق من 17 نقطة بين بغداد وأربيل من شأنه «إغلاق معابر غير رسمية تستخدم للتهريب»، وفق بيان أمني عراقي...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية  الناقلة الإيرانية «رييسكو» تحترق وتغرق بعد استهدافها في خليج عُمان، وفق «سنتكوم»، في لقطة من فيديو نشر في 8 سبتمبر 2026  (رويترز/القيادة المركزية الأميركية)
p-circle

هيئة بحرية تحذر من هجمات على سفن في الخليج

حذرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الأربعاء، من هجمات على سفن في الخليج العربي، بعدما تلقت تقارير عن تعرض عدة سفن تجارية لإطلاق نار أدى إلى تعطيلها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

38 قائمة تتنافس في إسرائيل... ما الجديد وكيف تنعكس على الانتخابات المقبلة؟

جلسة الكنيست يوم 16 يوليو قبل بدء العطلة التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (أ.ف.ب)
جلسة الكنيست يوم 16 يوليو قبل بدء العطلة التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

38 قائمة تتنافس في إسرائيل... ما الجديد وكيف تنعكس على الانتخابات المقبلة؟

جلسة الكنيست يوم 16 يوليو قبل بدء العطلة التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (أ.ف.ب)
جلسة الكنيست يوم 16 يوليو قبل بدء العطلة التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (أ.ف.ب)

مع إغلاق باب الترشيح لانتخابات الكنيست الإسرائيلي، منتصف ليل الثلاثاء، اتضح أن 38 لائحة انتخابية ستتنافس على 120 مقعداً، كما أظهر أول استطلاع للرأي أُجري بعد تقديم القوائم، الأربعاء، أن 12 قائمة منها ستنجح، لكن 26 قائمة ستسقط ولن تتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25 في المائة من الأصوات الصحيحة.

وبموجب نتائج الاستطلاع، الذي نشره موقع «واللا» الإخباري، فإن كتل المعارضة ستحصل على 57 مقعداً، بينما ستحصل كتلة الائتلاف الحالي، برئاسة بنيامين نتنياهو، على 51 مقعداً. وبذلك لن تمتلك أي من الكتلتين أغلبية الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة بمفردها.

وإذا تمسَّك كل معسكر بحلفائه، فإن الأحزاب العربية ستتحول إلى عامل حاسم في معركة تشكيل الحكومة المقبلة. وبحسب نتائج الاستطلاع، فستحصل الأحزاب العربية مجتمعة على 12 مقعداً، 7 للقائمة المشتركة الثلاثية (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير، والتجمع الوطني الديمقراطي)، و5 للقائمة العربية الموحَّدة.

نتنياهو بين عدد من وزراء حكومته خلال جلسة لـ«الكنيست» (أرشيفية - رويترز)

وعملياً، تستطيع كتلة غادي آيزنكوت الوصول إلى نتيجة 62 مقعداً، إذا وافقت على ضم الكتلة العربية المعنية بالمشاركة في الحكومة، بقيادة النائب منصور عباس. لكن معظم كتل المعارضة تتخذ موقفاً عنصرياً، وترفض إقامة حكومة تستند إلى الدعم العربي.

ويقول نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان إنه بعد هجوم «حماس»، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، على إسرائيل «لم يعد ممكناً تشكيل حكومة بالاستناد إلى العرب».

وأظهرت نتائج الاستطلاع أن قائمة «يشار»، وهو حزب جديد يخوض الانتخابات لأول مرة، ويرأسه آيزنكوت، ستتصدر نتائج الاستطلاع بـ25 مقعداً، يليها الليكود برئاسة نتنياهو بـ21 مقعداً (مقابل 36 مقعداً حالياً)، ثم قائمة «بياحد» (معاً) برئاسة بينيت بـ14 مقعداً.

وستحصل قائمة «يسرائيل بيتنا» بقيادة ليبرمان، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان، على 9 مقاعد لكل منهما. وتوقع الاستطلاع أن يحصل كل من «عظمة يهودية» بقيادة إيتمار بن غفير، و«يهدوت هتوراة» الحريدية الإشكنازية، و«شاس» الحريدية الشرقية و«القائمة العربية المشتركة» على 7 مقاعد. وسيحصل الحزب اليميني الجديد «عمخا يسرائيل»، بقيادة عوفر فينتر، على 4 مقاعد، بينما يحصل كل من «القائمة العربية الموحدة» بقيادة عباس، وقائمة «الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش على مقعدين.

وتشير النتائج إلى أن الصورة السياسية لا تزال شديدة الحساسية للتغيرات في أداء الأحزاب الصغيرة، خصوصاً تلك الموجودة حول نسبة الحسم؛ فعبور قائمة فينتر لنسبة الحسم، مقابل بقاء قائمة «هاندل وزليخا» خارج الكنيست، غيّر توزيع المقاعد بين الكتل وأبقى مسألة تشكيل الحكومة مفتوحة على أكثر من سيناريو. وتشير هذه القائمة إلى التحالف السياسي الانتخابي الذي يجمع بين وزير الاتصالات السابق، يوعز هاندل، والخبير الاقتصادي، يارون زليخا.

النائب العربي في الكنيست منصور عباس (يسار) والسياسي الإسرائيلي يوآف سيغالوفيتش سيخوضان الانتخابات في قائمة موحدة (أ.ف.ب)

ومن استعراض الأسماء في القوائم المختلفة، يتضح أن نتنياهو جلب عدداً من الشخصيات الجديدة التي تُعد محسوبة عليه ومخلصة له، وذلك على حساب شخصيات شبيهة خدمته في الدورتين الماضيتين، وكانت شديدة الوفاء له، لكنه استبعدها، ومن ثم باتت تعيش حالة تذمُّر وأسى وسط مفهوم يترسخ عن نتنياهو بأنه ليس وفياً لأصدقائه.

بالمقابل، اهتم آيزنكوت بجلب عدد من النشطاء السابقين في الليكود، وعدد من الجنرالات السابقين، وممثلين عن المناطق الريفية التي تجد لها مكانة خاصة في أي حزب، وبينهم وضع مرشحٍ عربي في مكان مضمون و9 متدينين.

وقد فشل نتنياهو هذا الأسبوع في المهمة السياسية الرئيسية التي انخرط فيها مؤخراً، وهي توحيد أحزاب اليمين في كتلة. وحتى في إطار عملية تأمينه أشخاصاً ووضعهم في أماكن مضمونة بالقائمة، لم يحقق إلا نجاحاً محدوداً جداً. كان يبحث عن أشخاص يحظون بالاحترام في كل أرجاء إسرائيل، ويستطيعون إعادة الليكود إلى سابق عهده، وتحدث عن غابي أشكنازي وموشيه كحلون ورون ديرمر وحاييم بيباس وتسفيكا بروت. وهكذا جاء بقائمة تضم أشخاصاً لا يروقون للجمهور الذي ترك الليكود.

وتلقى قائمة آيزنكوت تقديراً أكبر، لأنه حرص من البداية على انتقاء مرشحين من مختلف أطياف اليمين ويمين الوسط معاً، بما في ذلك وضع 9 متدينين في أول 20 مقعداً، قسم كبير منهم قادمون من الريف.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يُعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

من جهة ثانية، تقدَّم حزب «عوتسماه يهوديت» ورئيس الحزب وزير الأمن القومي بن غفير، الأربعاء، بطلب للجنة الانتخابات المركزية التي يرأسها القاضي نوعام سولبرغ، لشطب ترشيح «القائمة العربية الموحدة»، بقيادة منصور عباس.

وفي الطلب المكتوب على 39 صفحة، يشرح بن غفير أن المواد المقدمة تحتوي على معطيات جديدة تدعم طلب الشطب، بينها أن هذه القائمة منبثقة عن تنظيم «الإخوان المسلمين» الذي يدعو للقضاء على إسرائيل.

وعقَّب عباس على ذلك قائلاً: «لا نتمنى أن نتعرض للشطب، لكن إذا دخلنا في هذه العملية، فسنكون قدها وقدود». وأضاف: «هذا طقس نحن معتادون عليه، لكننا هذه المرة ننتظر لنقف أمام المحكمة، ونواجه بملفاتنا التي جهّزناها، ولننقض كل الاتهامات والافتراءات الموجهة لنا».

وأكد: «كل ما تم اتهامنا به خلال السنوات الأربع الأخيرة سبق أن تم عرضه أمام المحكمة في الانتخابات السابقة، وقد قالت المحكمة إن الموحدة قائمة شرعية وقانونية جاءت لتخدم المواطنين».


رد إسرائيل «العنيف» على العقوبات البريطانية... محاولة لمنع «تسونامي سياسي»

فلسطيني يعزز سياجاً حول بيته بقرية الطيبة في الضفة الغربية يوم الأربعاء لمنع هجمات المستوطنين (إ.ب.أ)
فلسطيني يعزز سياجاً حول بيته بقرية الطيبة في الضفة الغربية يوم الأربعاء لمنع هجمات المستوطنين (إ.ب.أ)
TT

رد إسرائيل «العنيف» على العقوبات البريطانية... محاولة لمنع «تسونامي سياسي»

فلسطيني يعزز سياجاً حول بيته بقرية الطيبة في الضفة الغربية يوم الأربعاء لمنع هجمات المستوطنين (إ.ب.أ)
فلسطيني يعزز سياجاً حول بيته بقرية الطيبة في الضفة الغربية يوم الأربعاء لمنع هجمات المستوطنين (إ.ب.أ)

جاء رد فعل الحكومة الإسرائيلية على الإجراءات العقابية البريطانية المتعلقة بالمستوطنات «سريعاً وعنيفاً»، رغم أن هذه الإجراءات ما زالت في طور البحث ويحتاج تنفيذها إلى عدة شهور من الإعداد القانوني؛ في حين رحبت المملكة العربية السعودية وسبع دول أخرى بالحظر البريطاني.

وأكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الرد الإسرائيلي جاء بهذه الحدة لصد «تسونامي سياسي» يمكن أن يحدث نتيجة مقاطعات أخرى من جانب الغرب، ثم للظهور بمظهر «القوة» في وجه أي خصوم أوروبيين.

وكانت بريطانيا تتوقع أن يأتي الرد الإسرائيلي حاداً، فحرص وزير خارجيتها، إد ميليباند، على إلقاء خطاب «ودود» أكد فيه انتماءه اليهودي ومحبته لإسرائيل، وقال: «سنفرض حظراً على استيراد البضائع الآتية من المستوطنات غير القانونية في الأراضي المحتلة فقط، والتي يجري فيها تطهير عرقي ينفذه إرهابيون من المستوطنين، ولكن ليس للبضائع القادمة من إسرائيل».

وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند معلناً حظر استيراد البضائع من المستوطنات غير الشرعية بالأراضي الفلسطينية المحتلة (أ.ف.ب)

وأضاف ميليباند أن حكومته تعتقد أن الاستيطان يمس بإسرائيل وسمعتها وبحل الدولتين الذي يوفر لها الأمن، ولذلك فإن مواجهة هذا الاستيطان وتقليصه هو مصلحة إسرائيلية.

غضب إسرائيلي

ولكن هذا الخطاب قوبل بغضب شديد في إسرائيل، من الائتلاف والمعارضة، وقال وزير الخارجية جدعون ساعر إن الهدف منه التدخل في المعركة الانتخابية الإسرائيلية وإسقاط حكومة بنيامين نتنياهو.

وبحسب مصدر في مكتبه، أكد الأربعاء أن «إسرائيل أبلغت القنصلية البريطانية في القدس بوجوب إغلاقها، وأن الدبلوماسيين المعينين فيها سيفقدون اعتمادهم خلال 30 يوماً».

وأبلغت إسرائيل كذلك الممثلين البريطانيين المعينين في بعثة تنسيق بشأن غزة تقودها الولايات المتحدة ضمن مركز التنسيق العسكري المدني في كريات غات جنوب إسرائيل، وكذلك الدبلوماسيين البريطانيين المقيمين في رام الله، بأنه يتعين عليهم مغادرة البلاد خلال 7 أيام، وقررت منع دخول 20 شخصية بريطانية معروفة بانتقاداتها لإسرائيل، مثل جيريمي كوربين، رئيس حزب العمال السابق.

وحذر العديد من الخبراء من مغبة هذا الرد، مؤكدين أنه ليس حكيماً ولن يكون مفهوماً في الغرب، وستعقبه سلسلة قرارات أشد وطأة على إسرائيل.

رجل يسير أمام لافتات مناهضة لسياسات إسرائيل وضعها متظاهرون أمام مقر البرلمان البريطاني بوسط لندن يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

وقال الكاتب السياسي، بن درور يمني، في مقال افتتاحي في صحيفة «يديعوت أحرونوت»: «القرار البريطاني سيء، وجزء من أهدافه هو للاستهلاك السياسي الداخلي؛ ولكن نحن أيضاً في إسرائيل نتحمل مسؤولية عنه. فالتصريحات الهوجاء التي يطلقها وزراء في الحكومة الإسرائيلية وممارسات المستوطنين اليهود المتطرفين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية بتشجيع من الحكومة تلقى رفضاً في العالم كله».

وأشار خبراء في العلاقات الإسرائيلية - الأوروبية إلى أن هناك تخوفاً حقيقياً في إسرائيل من اتساع رقعة الإجراءات العقابية، لتشمل مواضيع أخرى ودولاً عديدة أخرى، تتجاوز موضوع الاستيطان. ولكنهم أكدوا أن هناك مجالات هائلة لن تمسها هذه الإجراءات مثل بيع الأسلحة الإسرائيلية للدول الأوروبية، واعتماد منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية في خطط هذه الدول لحماية أمنها من التهديدات الروسية.

8 دول ترحب بالقرار البريطاني

ورحّبت السعودية و7 دول أخرى، هي الأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا وقطر ومصر، بقرار الحكومة البريطانية حظر استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرض قيود على الخدمات المرتبطة بها.

وأعرب وزراء خارجية الدول الثماني، في بيان مشترك، الأربعاء، عن أملهم بأن يسهم هذا القرار في حشد المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات مماثلة تتسق مع القانون الدولي، ومحاسبة المنظمات الاستيطانية والأفراد المنخرطين في الأنشطة الاستيطانية غير القانونية.

كما رحّب الوزراء بالبيان المشترك بشأن حلّ الدولتين الصادر عن وزراء خارجية كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وآيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد وبريطانيا، الذي أكدوا فيه اعتزامهم فرض قيود وطنية، ودعم فرضها أوروبياً على تجارة السلع مع المستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي، أو النظر بشكل جدي في اتخاذ هذه التدابير وغيرها وفقاً للإجراءات الوطنية لكل دولة.

وشدَّد الوزراء على أن غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، ودعوا إلى التنفيذ الكامل والفوري لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشاملة لإنهاء الصراع في القطاع، وأكدوا أن السبيل الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق سلام عادل ودائم وشامل يتمثل في تنفيذ حلّ الدولتين، من خلال إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، متصلة جغرافياً وقابلة للحياة، على أساس حدود 4 يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

الموقف الأميركي

كان من اللافت ما صرح به مسؤولون أميركيون ودبلوماسيون غربيون لموقع «أكسيوس» بأن الإدارة الأميركية لم تعارض المبادرة التي تقودها المملكة المتحدة لفرض العقوبات الجديدة على المستوطنات، في خطوة اعتبرها الموقع مؤشراً على استياء واشنطن من سياسة حكومة نتنياهو في الضفة.

فلسطينيان يعملان على جرار ببستان نخيل تابع لمستوطنة كيبوتس ألموغ بالضفة الغربية (رويترز)

وبحسب مصدرين مطلعين، أطلع رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام الرئيس ترمب على العقوبات قبل الإعلان عنها، ولم يُبدِ ترمب اعتراضاً عليها أو يطلب منه التراجع عن خطوته. كما أبلغ مسؤولون أميركيون نظراءهم البريطانيين بأن واشنطن تشاركهم القلق إزاء سياسة حكومة نتنياهو في الضفة الغربية، حتى وإن كانت لا تؤيد العقوبات البريطانية تحديداً.

كما كان من اللافت أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لم يوجه انتقاداً للخطوة البريطانية عندما سُئل عنها الثلاثاء، قائلاً إن الإدارة أُبلغت بالقرار واستمعت إلى مبرراته، ومشيراً إلى أن واشنطن ولندن تتشاركان هدف تحقيق الاستقرار وتجنب تصاعد العنف والتوتر في الضفة الغربية في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها المنطقة.

وفي المقابل، بدا أن البيت الأبيض نأى بنفسه عن تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الذي هاجم العقوبات البريطانية في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ووصفها بأنها غير عقلانية وترقى إلى «التمييز ضد الشعب اليهودي».

إلا أن قادة الاستيطان اليهودي اجتمعوا طيلة ست ساعات مع هاكابي وطالبوه باتخاذ إجراءات ضد بريطانيا، والرد عليها بدعم الاستيطان.


معاهدة حظر الانتشار... ما الذي يلزم إيران؟

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

معاهدة حظر الانتشار... ما الذي يلزم إيران؟

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

أحال مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأربعاء، إيران إلى مجلس الأمن الدولي للمرة الأولى منذ 20 عاماً، بسبب إخلالها بالتزاماتها المتعلقة بعدم الانتشار النووي، في خطوة جديدة ترفع مستوى المواجهة الدبلوماسية بين طهران والقوى الغربية.

واعتمد المجلس، المؤلف من 35 دولة، القرار الذي قدمته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا بأغلبية 23 صوتاً، مقابل معارضة روسيا والصين والنيجر، وامتناع ثماني دول عن التصويت. ولم تشارك دولة واحدة بسبب تأخرها في سداد مساهماتها.

ويستكمل القرار خطوة اتخذها مجلس المحافظين في 12 يونيو (حزيران) 2025، عندما خلص إلى أن إيران في حالة «عدم امتثال» لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات وعدم الانتشار النووي، على خلفية عدم تقديم طهران تفسيرات مقبولة لآثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع غير معلنة.

وكانت إحالة هذا الإخلال إلى مجلس الأمن تتطلب قراراً منفصلاً. ورغم أن اتخاذ إجراءات ملموسة ضد إيران يبدو غير مرجح بسبب امتلاك روسيا والصين حق النقض في مجلس الأمن، فإن الإحالة تنقل الملف إلى مستوى دولي أعلى.

مداخل أنفاق في «جبل الفأس» قرب منشأة نطنز النووية بإيران 30 يونيو 2026 (رويترز - فانتور)

ويطلب القرار من المدير العام للوكالة رافائيل غروسي رفع القرار والقرارات السابقة ذات الصلة إلى جميع أعضاء الوكالة ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وفق الأحكام ذات الصلة في النظام الأساسي للوكالة.

وتأتي الإحالة في وقت تواجه فيه الوكالة أزمة أخرى بشأن الوصول إلى المنشآت النووية التي قصفتها إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو 2025، وعدم قدرتها على التحقق من وضع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب.

وتعد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الإطار القانوني الأساسي الذي تستند إليه التزامات إيران المتعلقة بالضمانات والرقابة النووية.

وفيما يلي أبرز الحقائق المتعلقة بالمعاهدة:

الغرض من المعاهدة

دخلت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية حيز التنفيذ عام 1970، وتهدف إلى منع انتشار القدرة على تصنيع الأسلحة النووية، مع ضمان حق الدول الأطراف في تطوير واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.

وتتضمن المعاهدة أيضاً التزاماً من القوى النووية المعترف بها بالعمل نحو نزع السلاح النووي والتخلص من ترساناتها.

وتعرّف المعاهدة الدولة الحائزة للسلاح النووي بأنها الدولة التي صنعت وفجرت سلاحاً نووياً أو جهازاً نووياً آخر قبل الأول من يناير (كانون الثاني) 1967.

وتنطبق هذه الصفة على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا، التي ورثت حقوق الاتحاد السوفياتي السابق والتزاماته. والدول الخمس هي نفسها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

الدول الأطراف

يبلغ عدد الدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية 191 دولة.

وبموجب المعاهدة، تتعهد الدول الحائزة للأسلحة النووية بعدم نقل تلك الأسلحة أو السيطرة عليها إلى دول أخرى، وعدم مساعدة الدول غير الحائزة للسلاح النووي على تصنيعها أو الحصول عليها.

وفي المقابل، تلتزم الدول غير النووية بعدم تطوير أسلحة نووية، وتخضع موادها وأنشطتها النووية للضمانات التي تطبقها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهدف التأكد من عدم تحويلها إلى أغراض عسكرية.

طورت الهند وباكستان أسلحة نووية من دون أن توقعا معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

ويُعتقد على نطاق واسع أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية، لكنها لم تؤكد ذلك أو تنفه علناً، كما أنها ليست طرفاً في المعاهدة.

ووقعت كوريا الشمالية المعاهدة عام 1985، قبل أن تعلن انسحابها منها في 2003.

وبعد فترة من التقارب مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، طردت بيونغ يانغ مفتشي الوكالة مجدداً في 2009، ولم يعودوا إلى البلاد منذ ذلك الحين. وأجرت كوريا الشمالية عدة تجارب نووية.

بند الانسحاب

تتكون المعاهدة من 11 مادة، وتتضمن بنداً يسمح لأي دولة بالانسحاب إذا قررت أن «أحداثاً استثنائية» مرتبطة بموضوع المعاهدة عرّضت «المصالح العليا لبلادها للخطر».

ويتوجب على الدولة التي تعتزم الانسحاب إخطار جميع الدول الأطراف الأخرى ومجلس الأمن الدولي قبل ثلاثة أشهر من موعد الانسحاب.

ويتعين أن يتضمن الإخطار بياناً بالأحداث الاستثنائية التي ترى الدولة أنها عرّضت مصالحها العليا للخطر.

إسلامي يشرح للرئيس مسعود بزشكيان نماذج من أجهزة الطرد المركزي في معرض للبرنامج النووي خلال أبريل الماضي (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

إيران والمعاهدة

إيران طرف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية منذ عام 1970، وتندرج بموجبها ضمن الدول غير الحائزة للأسلحة النووية.

وطورت طهران على مدى سنوات برنامجاً واسعاً لتخصيب اليورانيوم، وتقول إن أنشطتها مخصصة للأغراض السلمية ولا تستهدف تطوير أسلحة نووية.

لكن دولاً غربية وإسرائيل تشتبه في أن إيران سعت، أو قد تسعى، إلى تطوير القدرات اللازمة لإنتاج قنبلة نووية.

وكان قرار مجلس محافظي الوكالة في 12 يونيو 2025، الذي خلص إلى أن إيران لا تمتثل لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات وعدم الانتشار، أول قرار من نوعه ضد طهران منذ نحو 20 عاماً.

وأشار القرار إلى «العديد من الإخفاقات» الإيرانية منذ عام 2019 في تقديم التعاون الكامل وفي الوقت المناسب للوكالة فيما يتعلق بمواد وأنشطة نووية غير معلنة في مواقع متعددة غير معلنة.

أما إحالة إيران إلى مجلس الأمن بسبب هذا الإخلال فكانت تتطلب قراراً ثانياً، وهو القرار الذي اعتمده مجلس المحافظين الأربعاء.

قضايا مثيرة للقلق

تدور إحدى القضايا الرئيسية التي تثير قلق الوكالة حول عدم تقديم طهران تفسيرات مقبولة لكيفية وصول آثار يورانيوم إلى مواقع غير معلنة، رغم تحقيق استمر سنوات.

وتعتقد الوكالة أن تلك الآثار ترتبط في معظمها بأنشطة جرت قبل أكثر من 20 عاماً.

وتقول إيران إنها التزمت دائماً بتعهداتها المتعلقة بالضمانات، وترفض استنتاجات الوكالة بشأن هذه المواقع، معتبرة أنها ذات دوافع سياسية ولا تستند إلى أساس تقني أو قانوني.

وانضمت إلى هذه القضية منذ يونيو 2025 أزمة أخرى تتعلق بقدرة الوكالة على الوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية والتحقق من المواد الموجودة فيها.

وقصفت إسرائيل والولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025، ما ألحق أضراراً جسيمة أو أدى إلى تدمير منشآت لتخصيب اليورانيوم.

ولم تسمح طهران منذ ذلك الحين لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش المواقع المتضررة من الضربات، كما لم تقدم إقرارات تتيح للوكالة التحقق من وضع مخزونها من اليورانيوم المخصب، الذي يصل بعضه إلى مستويات قريبة من الدرجة اللازمة لصنع أسلحة نووية.

وقالت الوكالة في أحدث تقرير لها بشأن إيران إن من المهم إجراء عمليات التحقق «من دون تأخيرات إضافية»، في إطار اتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

ويختلف هذا الخلاف عن القضية التي استند إليها قرار عدم الامتثال الصادر في يونيو 2025، قبل يوم واحد من بدء الهجمات الإسرائيلية. فقد تعلق ذلك القرار أساساً بتحقيق الوكالة في المواد والأنشطة غير المعلنة بمواقع إيرانية متعددة.

وكثيراً ما ردت طهران على قرارات سابقة لمجلس المحافظين بتوسيع أنشطتها النووية أو تقليص تعاونها مع الوكالة.

لكن قدرة إيران على استخدام هذا النمط من الرد أصبحت أكثر محدودية بعد توقف عمليات التفتيش خلال الأشهر التي أعقبت الضربات، والأضرار الجسيمة التي لحقت بعدد من منشآتها النووية.

صورة من قمر «ماكسار» تُظهر «مجمع فوردو» بعد أن شنَّت أميركا ضربات على المنشأة النووية تحت الأرض بالقرب من مدينة قم في إيران (أرشيفية - رويترز)

عقوبات بسبب البرنامج النووي

بدأ مجلس الأمن فرض عقوبات على إيران عام 2006 بعد عدم امتثالها لمطالبه بوقف برنامج تخصيب اليورانيوم.

وتوصلت إيران وست قوى كبرى عام 2015 إلى الاتفاق النووي، الذي وافقت طهران بموجبه على تقييد برنامجها النووي والاستمرار في التخصيب عند مستويات منخفضة مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.

وانسحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق عام 2018، وأعاد فرض العقوبات الأميركية على إيران.

وردت طهران لاحقاً بتسريع برنامجها النووي والتخلي تدريجياً عن القيود التي فرضها اتفاق 2015.

وكانت إيران والولايات المتحدة قد دخلتا في محادثات غير مباشرة منذ أبريل، سعياً للتوصل إلى قيود جديدة على الأنشطة النووية الإيرانية مقابل تخفيف العقوبات، قبل أن تدخل المواجهة بين الجانبين مرحلة عسكرية جديدة.