قلق عالمي يضرب أسواق البنوك مع تصاعد المخاطر الأميركية

تعيد شبح أزمة 2023

متداول يراقب شاشة الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يراقب شاشة الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
TT

قلق عالمي يضرب أسواق البنوك مع تصاعد المخاطر الأميركية

متداول يراقب شاشة الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يراقب شاشة الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق المالية العالمية تراجعاً حاداً، يوم الجمعة؛ حيث تأثرت أسهم المؤسسات المالية بموجة بيع قوية، على خلفية المخاوف بشأن جودة الائتمان والمخاطر المتزايدة في البنوك الإقليمية الأميركية. وأعاد تعرض القطاع المصرفي الأميركي لإفلاسات حديثة في صناعة السيارات إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بمعايير الإقراض، بعد أكثر من عامين على انهيار بنك «وادي السيليكون»، حين أدت أسعار الفائدة المرتفعة إلى خسائر كبيرة على سنداته.

وتسارع الانخفاض في «وول ستريت»، وانتقل تأثيره إلى أسواق آسيا وأوروبا، مسلطاً الضوء على صعود أسواق الأسهم خلال الفترة الماضية، حيث قد يشير بعض المحللين إلى احتمالية وجود فقاعة مالية، وفق «رويترز».

وتراجعت البنوك الأوروبية بنسبة 2.5 في المائة في التعاملات المبكرة؛ حيث هبطت أسهم «دويتشه بنك» و«باركليز» بأكثر من 5 في المائة، وانخفضت أسهم «سوسيتيه جنرال» بنسبة 4.6 في المائة. وفي فرانكفورت، تراجع سهم «سيتي غروب» بنسبة 5.5 في المائة، رغم تداول ضعيف، فيما هبط سهم «جيه بي مورغان» بنسبة 3 في المائة. كما انخفض مؤشر «إس بي دي آر إس آند بي» للبنوك الإقليمية الأميركية قبل السوق بنسبة 2.4 في المائة، بينما تراجعت أسهم «زيونز بانكوربوريشن» بنسبة 1.7 في المائة.

وفي آسيا، انخفضت أسهم البنوك وشركات التأمين اليابانية؛ حيث فقد كل من «طوكيو مارين» و«ميزوهو» و«مجموعة ميتسوبيشي يو إف جيه المالية» نحو 3 في المائة، في حين هبط سهم شركة التأمين الأسترالية «كيو بي إي» بنسبة 9 في المائة.

مصدر القلق

انخفض مؤشر البنوك الإقليمية الأميركية بنسبة 6 في المائة يوم الخميس، بعد إعلان بنكين صغيرين عن مشكلات منفصلة. وأعلت «زيونز بانكوربوريشن» أنها ستتكبد خسارة بقيمة 50 مليون دولار على قرضين تجاريين وصناعيين في كاليفورنيا، فيما رفعت «ويسترن آليانس» دعوى قضائية تتهم فيها شركة «كانتور غروب» بالاحتيال.

وقال جيمس روسيتر، رئيس استراتيجية الماكرو العالمية في «تي دي سكيوريتيز»: «ما نراه في موجة بيع البنوك في الولايات المتحدة خلال الليل، هو أن آسيا وأوروبا تستيقظ على ذلك، وهكذا ينتشر التأثير».

وربط محللو «وول ستريت» بين إفصاح «زيونز» والإفلاس الأخير لشركة «فيرست براندز» لقطع غيار السيارات، الذي كشف عن ثغرات في الرقابة المصرفية، وأثار تساؤلات حول شفافية سوق الائتمان. وأشاروا أيضاً إلى تصريحات جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لـ«جي بي مورغان تشيس»، حول القلق في سوق الائتمان بعد إفلاس شركتي «فيرست براندز» و«تراي كولور»، المقرضة للقروض الثانوية.

وركز انهيار هاتين المؤسستين الانتباه على المخاطر في سوق الائتمان الخاص، وهي سوق أقل تنظيماً لكنها مزدهرة؛ حيث اقترضت الشركات بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وقال ديمون: «عندما ترى صرصوراً واحداً، فغالباً ما يكون هناك آخرون، لذا يجب أن يكون الجميع على وعي مسبق».

هل هي بداية أزمة مشابهة لعام 2023؟

يحاول المستثمرون تقييم ما إذا كانت هذه الأحداث تمثل المراحل المبكرة لأزمة شبيهة بأزمة 2023، عندما أدَّت مشكلات بنك «وادي السيليكون» إلى موجة بيع عالمية لأسهم البنوك.

وعلى الرغم من إعلان البنوك الأميركية الكبرى مؤخراً عن أرباح قوية، فإن الأسهم كانت قد سجلت أداءً جيداً مسبقاً، ومع تقييمات مرتفعة للأسهم، يراقب المستثمرون السوق بقلق. وصرح فاسو مينون، المدير التنفيذي لاستراتيجية الاستثمار في «أو سي بي سي بنك»: «المخاوف المتجددة حول البنوك الإقليمية الأميركية قد تزيد التوتر في الأسواق التي تواجه بالفعل جداراً من المخاوف».

على مدار العام، شهدت أسهم البنوك ارتفاعاً ملحوظاً؛ حيث لا تزال أسهم البنوك الأوروبية مرتفعة بنحو 40 في المائة منذ بداية العام.

وتراجعت الأسهم الأميركية يوم الخميس بشكل حاد؛ حيث انخفضت أسهم «زيونز بانكوربوريشن» بنسبة 12 في المائة، بعد إعلانها عن خسارة قدرها 50 مليون دولار على قرضين في كاليفورنيا، وهبط سهم «ويسترن ألاينس» بنحو 11 في المائة، بعد رفع دعوى ضد شركة «كانتور غروب». كما فقد سهم «جيفريز» الاستثماري 9 في المائة، بعد الكشف عن تعرضه لشركة «فيرست براندز» المفلسة، التي انخفض سهمها أكثر من الخُمس.

وأشار المحلل ستيفن بيجار إلى أن ضعف جودة الائتمان في أحد البنوك يمكن أن يؤدي إلى تراجع المجموعة بسرعة، في حين هزَّت هذه التطورات السوق الأوسع؛ حيث انخفض مؤشر البنوك الإقليمية الأميركية بنحو 4 - 5.8 في المائة وخسر مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» نحو 1 في المائة.

وسلَّط إفلاس شركتي «فيرست براندز» و«تراي كولور» الضوء على ضعف ضوابط المخاطر في سوق الائتمان، مع صعوبة قياس مدى تعرض البنوك للقروض المعقدة. وأعلنت زيونز عن توقع الاعتراف بالخسائر، ورفعت دعوى لاسترداد القروض، بينما نفى محامو «كانتور» مزاعم «ويسترن ألاينس»، مؤكدين أن الادعاءات لا أساس لها، وأنه ستتم تبرئة عملائهم عند تقديم الأدلة.

ورغم أن بعض المحللين يعتبرون هذه الانهيارات أحداثاً فردية وليست منهجية، فإنن المخاوف مستمرة، بحسب مايك مايو من «ويلز فارغو»، الذي قال: «في أوقات ضعف الائتمان، ستزداد حالات الاحتيال، لذا هناك حاجة لمراقبة القضايا الأخيرة بعناية».


مقالات ذات صلة

مكاسب لمعظم أسواق الخليج… ومؤشر مصر عند مستوى قياسي

الاقتصاد شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

مكاسب لمعظم أسواق الخليج… ومؤشر مصر عند مستوى قياسي

أنهت معظم أسواق الأسهم في منطقة الخليج تعاملات الاثنين على ارتفاع، مدعومة بانحسار التوترات الجيوسياسية في المنطقة، في حين أغلق المؤشر السعودي مستقراً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد عامل يسير في موقع حفر استكشافي تابع لشركة «تالو أويل» في لوكيشار بمقاطعة توركانا (أرشيفية - رويترز)

كينيا تطلق أكبر اكتتاب في شرق أفريقيا لبيع 65 % من شركة أنابيب النفط

بدأت كينيا، يوم الاثنين، طرح 65 في المائة من أسهم شركة خطوط أنابيب النفط الحكومية للبيع في اكتتاب عام أولي، في خطوة تستهدف جمع 106.3 مليار شلن كيني.

«الشرق الأوسط» (نيروبي )
الاقتصاد أحد المستثمرين في السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)

مكاسب لمعظم الأسواق الخليجية في التداولات المبكرة مع انحسار التوترات الجيوسياسية

ارتفعت معظم أسواق الأسهم الخليجية خلال التعاملات المبكرة، يوم الاثنين، مع انحسار التوترات الجيوسياسية بالمنطقة، في حين تراجع المؤشر القياسي بالسعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)

ترمب يهدد جمركياً... والأسهم الأوروبية تسجل انخفاضاً حاداً

شهدت الأسهم الأوروبية انخفاضاً حاداً، يوم الاثنين، بعد أن هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية حتى يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تعرض شاشة البيانات المالية أداء مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

مستويات قياسية للأسهم الكورية بدعم من طفرة السيارات والذكاء الاصطناعي

سجلت الأسهم الكورية الجنوبية مستويات قياسية جديدة، خلال تعاملات يوم الاثنين، مدفوعة بارتفاع قوي في أسهم شركات صناعة السيارات.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الدولار يواصل التراجع مع تصاعد توترات غرينلاند والضغوط على الأصول الأميركية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يواصل التراجع مع تصاعد توترات غرينلاند والضغوط على الأصول الأميركية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

واصل الدولار الأميركي خسائره لليوم الثاني على التوالي خلال التعاملات الآسيوية يوم الثلاثاء، في ظل موجة نفور من الأصول الأميركية أثارتها تهديدات البيت الأبيض تجاه الاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل غرينلاند، مما ضغط على الأسهم وسندات الخزانة الأميركية معاً.

وانخفض مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من ست عملات رئيسية، بنحو 0.2 في المائة إلى 98.891، مسجلاً أدنى مستوى له منذ 13 يناير (كانون الثاني)، وسط تزايد قلق المستثمرين حيال انكشافهم على الأسواق الأميركية. وكانت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتجددة بشأن فرض تعريفات جمركية على حلفاء أوروبيين قد أعادت إلى الواجهة سيناريو «بيع أميركا» الذي شهدته الأسواق عقب إعلان الرسوم في أبريل (نيسان) الماضي، حين تراجعت الأسهم وسندات الخزانة والدولار في آنٍ واحد. وتستأنف الأسواق الأميركية تداولاتها الثلاثاء بعد عطلة رسمية بمناسبة «يوم مارتن لوثر كينغ جونيور».

وقال محلل الأسواق لدى شركة «آي جي» في سيدني، توني سيكامور، إن المستثمرين يتخلّصون من الأصول المقومة بالدولار بسبب «استمرار حالة عدم اليقين، وتوتر التحالفات، وتآكل الثقة بالقيادة الأميركية، واحتمالات الرد بالمثل، وتسارع وتيرة الابتعاد عن الدولار».

وأضاف أن الآمال لا تزال قائمة في أن تتراجع الإدارة الأميركية عن حدة تهديداتها، كما حدث في جولات سابقة من التصريحات الجمركية، إلا أن ملف غرينلاند يبقى، على ما يبدو، محوراً أساسياً في اعتبارات الأمن القومي للإدارة الحالية.

وفي سوق السندات، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بنحو 3 نقاط أساس إلى 4.2586 في المائة. وتشير تسعيرات العقود الآجلة لصناديق «الاحتياطي الفيدرالي» إلى احتمال ضمني يبلغ 95 في المائة للإبقاء على السياسة النقدية دون تغيير في اجتماع البنك الأسبوع المقبل، وفق أداة «فيد ووتش»، وهو ما يمثّل تغيراً طفيفاً مقارنة بيوم الجمعة.

على صعيد العملات، ارتفع اليورو بنسبة 0.1 في المائة إلى 1.1658 دولار، كما صعد الجنيه الإسترليني بالنسبة نفسها إلى 1.3437 دولار. وذكر محللو بنك «أو سي بي سي»، في مذكرة بحثية، أن الأسواق لا تزال متشككة حيال التنفيذ الفعلي للرسوم الجمركية، مشيرين إلى أن تدفقات تقليص المراكز بالدولار تفوق حالياً الأثر السلبي المحتمل على اليورو والجنيه الإسترليني في حال خفض توقعات النمو في أوروبا والمملكة المتحدة.

وتراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.1 في المائة إلى 157.905 ين، بعدما تعهّدت رئيسة الوزراء اليابانية سناي تاكايتشي بتعليق ضريبة المبيعات على المواد الغذائية لمدة عامَين، وهو ما سلّط الضوء على هشاشة أوضاع المالية العامة في اليابان. وجاء ذلك رغم ضعف الإقبال على مزاد السندات الحكومية اليابانية لأجل 20 عاماً، دون أن ينعكس الأمر بتقلبات حادة على الين.

أما مقابل اليوان الصيني المتداول في «هونغ كونغ» فانخفض الدولار بنسبة 0.1 في المائة إلى 6.9540 يوان، وهو أضعف مستوى له منذ مايو (أيار) 2023، بعد أن أبقى بنك الشعب الصيني أسعار الفائدة المرجعية دون تغيير للشهر الثامن على التوالي، كما كان متوقعاً.

وفي الأسواق الناشئة، هوت الروبية الإندونيسية إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 16985 مقابل الدولار، وسط مخاوف المستثمرين بشأن استقلالية البنك المركزي بعد ترشيح الرئيس برابوو سوبيانتو أحد أقاربه للانضمام إلى مجلس محافظي «بنك إندونيسيا».

في المقابل، ارتفع الدولار الأسترالي بنسبة 0.2 في المائة إلى 0.6727 دولار أميركي، في حين صعد الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.5 في المائة إلى 0.58265 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له منذ بداية العام.

وفي سوق العملات الرقمية، تراجع سعر البتكوين بنسبة 0.6 في المائة إلى 92336.99 دولار، في حين انخفض الإيثيريوم بنسبة 0.8 في المائة إلى 3186.86 دولار.


ترمب في دافوس... أجندة المليارديرات تلاحق وعود «الزعيم الشعبي»

الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)
الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)
TT

ترمب في دافوس... أجندة المليارديرات تلاحق وعود «الزعيم الشعبي»

الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)
الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)

يصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إلى دافوس السويسرية للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي، في توقيت سياسي حساس يتزامن مع الذكرى الأولى لتنصيبه. وبينما يحاول تسويق نفسه على أنه منقذ للاقتصاد الأميركي ومحارب لغلاء المعيشة، يجد نفسه محاطاً بالنخبة العالمية، والمليارديرات في بلدة جبلية تُعد رمزاً للرفاهية المفرطة، حيث يبلغ متوسط سعر شاليه التزلج فيها نحو 4.4 مليون دولار.

من «ماكدونالدز» إلى دافوس

خلال حملته الانتخابية، نجح ترمب في رسم صورة «زعيم شعبي» قريب من هموم الطبقة العاملة، وظهر في مشهد شهير وهو يقدم الوجبات في «ماكدونالدز». إلا أن عامه الأول في السلطة كشف عن ميل واضح نحو «العصر المذهب»؛ حيث تشير سجلاته العامة إلى قضاء وقت أطول مع أقطاب المال والأعمال مقارنة بالتواصل مع قاعدته من العمال، وفق «أسوشييتد برس». ويعلق أليكس جاكيز، رئيس السياسات في مركز «غراوند وورك»، قائلاً: «في نهاية المطاف، المستثمرون والمليارديرات في دافوس هم من يستحوذون على اهتمام ترمب، وليس العائلات التي تكافح لدفع فواتيرها».

شعار المنتدى الاقتصادي العالمي (رويترز)

أطماع غرينلاند تخطف الأضواء

رغم أن البيت الأبيض يحاول توجيه خطاب ترمب في دافوس نحو قضايا «القدرة الشرائية» لمواجهة تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي، فإن ملفات السياسة الخارجية تبدو الأكثر استحواذاً على عقله. فقد برزت مساعيه لضم غرينلاند باعتبار أنه عنوان رئيس يهدد بتهميش أجندته الاقتصادية في المنتدى، وسط استياء واسع من الحلفاء الأوروبيين. وعلق ترمب على هذا التوتر بلهجة متحدية: «سيكون دافوس ممتعاً للغاية».

تآكل الثقة

تأتي هذه الزيارة في وقت حرج، حيث كشف استطلاع حديث لمركز (AP-NORC) عن حقائق صادمة لإدارة ترمب:

  • 60 في المائة من البالغين الأميركيين يرون أن سياسات ترمب أضرت بتكلفة المعيشة.
  • 16 في المائة فقط يعتقدون أنه ساعد «بشكل كبير» في جعل الحياة أكثر بساطة مالياً، وهي نسبة تراجعت بحدة مقارنة بـ 49 في المائة في بداية عام 2024.

حتى داخل البيت الجمهوري، بدأت الشكوك تتسرب إلى الناخبين الذين يرون أن النتائج الاقتصادية لم ترقَ إلى مستوى التوقعات المرتفعة.

ثروات المليارديرات في نمو مطرد

تكشف البيانات الاقتصادية عن فجوة تتسع باستمرار؛ فمنذ بداية عهد ترمب، نمت ثروات الـ0.1 في المائة الأكثر غنى في أميركا بمقدار 11.98 تريليون دولار، وهو ما يمثل أربعة أضعاف المكاسب التي حققها نصف الشعب الأميركي (الـ50 في المائة الأدنى دخلاً) خلال الفترة نفسها.

ورغم وعود ترمب بخفض أسعار الفائدة العقارية، ومنع الشركات الكبرى من احتكار المنازل، فإن المحللين يشككون في فعالية هذه الإجراءات، معتبرين أنها «تجميلية» لا تعالج الأزمة الهيكلية المتمثلة في نقص البناء، وارتفاع الأسعار بما يفوق نمو الأجور.

«القانون الكبير والجميل»

يفتخر ترمب بما يسميه «القانون الكبير والجميل»، الذي يقدم إعفاءات ضريبية على «البقشيش»، والعمل الإضافي. لكن لغة الأرقام الصادرة عن مكتب الموازنة بالكونغرس ترسم صورة مختلفة:

* الطبقة الوسطى: ستوفر ما بين 800 و1200 دولار سنوياً في المتوسط.

  • الأثرياء (أعلى 10 في المائة): سيحصلون على تخفيضات تصل إلى 13600 دولار.
  • المليونيرات: قد تصل مكاسبهم الضريبية إلى أكثر من 66500 دولار هذا العام وحده.

وزير الخزانة سكوت بيسنت يدلي ببيان من مقر البيت الأبيض الأميركي في دافوس (رويترز)

حكومة «نادي النخبة»

تعكس تعيينات ترمب مدى قربه من مراكز القوة المالية؛ حيث يحيط نفسه بوزراء ومستشارين تبلغ ثرواتهم المليارات، مثل وزير التجارة هوارد لوتنيك، والمبعوث ستيف ويتكوف. ورغم الصدامات العلنية أحياناً، كما حدث مع إيلون ماسك، فإن البيت الأبيض يصر على أن هذه «العلاقات الوثيقة مع أباطرة الصناعة» هي المحرك الذي سيؤمن تريليونات الدولارات من الاستثمارات.

تختتم المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، المشهد بقولها إن ثراء ترمب الشخصي هو سر قوته؛ ففي نظرها «هو رجل أعمال يفهم الاقتصاد»، لكن التحدي أمام ترمب في دافوس هو إثبات أن هذا الفهم سيترجم إلى رخاء في بيوت العمال، وليس فقط في حسابات المليارديرات الجالسين معه حول الطاولة.


ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)
ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)
ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)

أتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، عامه الأول في البيت الأبيض، وهو العام الذي اتسم بتبني نهج حمائي متشدد، وسياسات مالية متسارعة أحدثت صدمات في الأسواق العالمية، وأعادت صياغة التوازنات التجارية الدولية. ومع انتقال الإدارة إلى عامها الثاني، تبرز ملامح تحرر هيكلي من القيود المؤسسية، مع توجه لتعزيز التوسع في الصلاحيات الرئاسية عبر قرارات أحادية الجانب، مما يرفع من حدة المخاطر الجيوسياسية، ويعمق الانقسام في المشهدين السياسي، والاقتصادي للولايات المتحدة.

أجندة التغيير الجذري

عند عودته المظفرة إلى السلطة في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تعهد ترمب بإعادة تشكيل الاقتصاد، والبيروقراطية الفيدرالية، وسياسات الهجرة. وبالفعل، نفّذ جزءاً كبيراً من هذه الأجندة، ليصبح أحد أقوى الرؤساء في التاريخ الأميركي الحديث. وشملت إجراءاته الاقتصادية الجذرية تقليص حجم الجهاز الإداري الفيدرالي، وإلغاء وكالات حكومية، وخفض المساعدات الخارجية، وفرض تعريفات جمركية شاملة أثارت توترات تجارية عالمية. كما مرّر حزمة ضريبية ضخمة، وسعى لتقييد بعض اللقاحات، في وقت واصل فيه الضغط على المؤسسات الأكاديمية، والقانونية، والإعلامية، مع التركيز على أولوياته الاقتصادية المحلية.

تمركز السلطة وتحدي الاستقلالية النقديّة

وفي الأسابيع الأخيرة، أعاد ترمب طرح خطته المثيرة للجدل للاستحواذ على غرينلاند، ولوّح بخيارات عسكرية تجاه إيران، متجاهلاً المخاوف المتعلقة بالتحقيق الجنائي مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول. وفي مقابلة مع «رويترز» الأسبوع الماضي، أبدى ترمب عدم اكتراثه بالتداعيات الاقتصادية المحتملة للضغط على باول، مصرحاً: «لا يهمني». كما أكد في حديثه لـ«نيويورك تايمز» أن القيد الوحيد الذي يحده باعتبار أنه القائد الأعلى هو «أخلاقياته الشخصية»، مما يعكس فلسفته في الحكم التي تُعلي من شأن التقدير الشخصي فوق القيود المؤسسية.

باول يتحدث عن تهديد إدارة ترمب بملاحقة جنائية بسبب تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي 11 يناير 2026 (رويترز)

معضلة التضخم واختبار الشعبية

ورغم إصراره على أن الاقتصاد الحالي هو «الأقوى» تاريخياً، يواجه ترمب ضغوطاً شعبية متزايدة جراء الضغوط التضخمية، وارتفاع الأسعار المستمر، وهو التحدي الأكبر قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني). وتزداد جهوده لخفض تكاليف المعيشة تعقيداً بسبب تضارب رسائله حول التضخم، الذي وصفه أحياناً بـ«الخدعة الديمقراطية». ويرى محللون أن التركيز المفرط على الشؤون الخارجية قد يضعف فاعلية سياساته الاقتصادية الداخلية، بينما يعتزم ترمب القيام بجولات ميدانية للترويج لخطته في معالجة غلاء الأسعار.

تحول مركز القرار الاقتصادي

من الناحية التنفيذية، استثمر ترمب الأوامر التنفيذية، وإعلانات الطوارئ لنقل ثقل القرار الاقتصادي من الكونغرس إلى البيت الأبيض. وتستند هذه السياسات إلى دعم الأغلبية المحافظة في المحكمة العليا، وسيطرة الجمهوريين على مجلس النواب، وولاء أعضاء فريقه الوزاري، مما يمنحه قدرة استثنائية على التنفيذ دون عراقيل تذكر. ويصف المؤرخون الاقتصاديون هذا النفوذ بأنه غير مسبوق منذ عهد فرانكلين روزفلت (1933-1945) الذي تمتع بدعم شعبي، وتشريعي واسع لمواجهة الكساد العظيم، بينما يمارس ترمب سلطته الحالية في ظل انقسام حاد في الرأي العام.

المؤشرات السياسية ومخاطر نوفمبر

وفقاً لاستطلاع «رويترز/ إبسوس»، بلغت نسبة التأييد لأداء ترمب 41 في المائة، مقابل معارضة 58 في المائة، وهو رقم منخفض نسبياً للرؤساء الأميركيين. وحذر الاستراتيجي الديمقراطي أليكس فلويد من أن «تجاهل ضوابط سيادة القانون» قد يكلف الجمهوريين في صناديق الاقتراع. ومن جانبه، اعترف ترمب لـ«رويترز» بخطر فقدان السيطرة على الكونغرس في نوفمبر، محذراً حزبه من أن أغلبية ديمقراطية قد تعني مواجهة دعوى عزله للمرة الثالثة.

حصاد العام الأول

خلال عامه الأول، قلّص ترمب حجم القوى العاملة المدنية الفيدرالية، وأغلق وكالات، وخفّض المساعدات الإنسانية، وأصدر أوامر بمداهمات واسعة للهجرة، بل وأرسل الحرس الوطني إلى مدن تديرها السلطات الديمقراطية. واقتصادياً، أشعل حروباً تجارية بفرض رسوم على سلع معظم الدول، ومرّر قانوناً لخفض الضرائب، والإنفاق، وواصل مقاضاة خصومه السياسيين، وألغى أو قيّد الوصول إلى بعض اللقاحات، وهاجم الجامعات، وشركات المحاماة، ووسائل الإعلام.

ورغم وعده بإنهاء حرب روسيا في أوكرانيا منذ اليوم الأول لتوليه الرئاسة، أحرز ترمب تقدماً ضئيلاً نحو اتفاق سلام، بينما زعم أنه أنهى ثماني حروب، وهو ادعاء متنازع عليه على نطاق واسع، نظراً لاستمرار النزاعات في أماكن عدة من هذه المناطق الساخنة.

توقعات المرحلة المقبلة

قال المؤرخ الرئاسي تيموثي نافتالي إن ترمب مارس سلطاته التنفيذية خلال فترة رئاسته الثانية مع قيود أقل مقارنة بأي رئيس منذ عهد فرانكلين روزفلت. ففي السنوات الأولى من رئاسة روزفلت (1933-1945)، تمتع الرئيس الديمقراطي بأغلبية كبيرة في الكونغرس، ما مكّنه من تمرير معظم أجندته الداخلية لتوسيع نطاق الحكومة دون مقاومة كبيرة، بالإضافة إلى الدعم الشعبي الكبير لجهوده في مواجهة الكساد العظيم، بينما كانت المعارضة الجمهورية متفرقة، وضعيفة.

مبنى الكابيتول في واشنطن (أ.ب)

ويشير محللون واستراتيجيون من الحزب «الجمهوري» إلى أن صعوبة ترمب في إقناع الناخبين بأنه مدرك لتحدياتهم المعيشية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة، قد تدفع بعض النواب الجمهوريين إلى الابتعاد عنه لضمان حماية مقاعدهم في الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر.

ويُظهر تحليل مسار سياسات ترمب الحالية أنه زاد من قوة الرئاسة التنفيذية بمعدل نادر، محوّلاً معظم عملية اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي إلى المكتب البيضاوي، مع الحد من تأثير الكونغرس، والضوابط المؤسسية. ومع ذلك، يثير «نقص الانضباط» في الرسائل الاقتصادية، وتشتت خطاباته الأخيرة قلق بعض الاستراتيجيين الجمهوريين، الذين يخشون أن يؤدي تركيزه على القضايا الخارجية إلى تراجع التأثير على الناخبين المتضررين من تكاليف المعيشة، مما قد يحفز بعض نواب الحزب للابتعاد عن سياساته، لحماية مقاعدهم الانتخابية.