«إحياء خلايا الإنسولين الخامدة»... بوادر ثورة علاجية تقلب معادلة السكري

دراسة دولية حديثة تكشف إمكانية «إعادة برمجة» خلايا «بيتا» لاستعادة وظيفتها في النوع الثاني من المرض

«إحياء خلايا الإنسولين الخامدة»... بوادر ثورة علاجية تقلب معادلة السكري
TT

«إحياء خلايا الإنسولين الخامدة»... بوادر ثورة علاجية تقلب معادلة السكري

«إحياء خلايا الإنسولين الخامدة»... بوادر ثورة علاجية تقلب معادلة السكري

قال الطبيب والفيلسوف أبو بكر الرازي، قبل أكثر من ألف عام: «لا ينبغي للطبيب أن ييأس من شفاء مريض، فربما كان في الجسم قوى خفية لم تُستنهَض بعد».

إحياء خلايا الإنسولين الخامدة

واليوم، تُثبت البحوث الحديثة أن في الجسد أسراراً لم نكشفها بعد. ففي خطوة علمية فارقة قد تعيد الأمل لملايين المصابين حول العالم، تمكن فريق دولي من إحياء خلايا الإنسولين البشرية (Beta cells) التي خمدت في داء السكري من النوع الثاني، لتستعيد قدرتها المذهلة على إنتاج الإنسولين من جديد؛ وكأنها استيقظت من سبات طويل.

الدراسة التي نُشرت في مجلة «ساينس أدفانسز» (Science Advances) بتاريخ 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بعنوان «الاستعادة الوظيفية لخلايا (بيتا) الجزرية في داء السكري من النوع الثاني»، قدَّمت برهاناً علمياً قوياً على أن الضرر الذي يصيب هذه الخلايا ليس دائماً؛ بل يمكن عكسه جزئياً إذا أعيدت تهيئة البيئة المحيطة بها.

إنه تحوُّل جذري في نظرتنا للمرض: من محاولة السيطرة على الأعراض، إلى إمكانية عكس مساره من جذوره.

تحالف علمي أوروبي

جاء هذا الاكتشاف اللافت ثمرة تعاون علمي بين ثلاث مؤسسات أوروبية مرموقة، هي «جامعة بيزا» (University of Pisa) في إيطاليا، و«جامعة بروكسل الحرة» (Université Libre de Bruxelles) في بلجيكا، و«المعهد السويسري للمعلوماتية البيولوجية» (Swiss Institute of Bioinformatics) في سويسرا. وضم الفريق البحثي نخبة من العلماء المرموقين، من بينهم البروفسورة مارا سليمان (Prof. Mara Suleiman) المتخصصة في بيولوجيا خلايا البنكرياس، والبروفسورة ميريام كنوب (Prof. Miriam Cnop) من «جامعة بروكسل الحرة»، وهي من أبرز الأسماء في بحوث داء السكري على المستوى الأوروبي، والبروفسور بييرو ماركيتي (Prof. Piero Marchetti) من «جامعة بيزا»، وهو من رواد بحوث جزر البنكرياس البشرية، والبروفسور فريدريك بوردِه (Prof. Frédéric Burdet) من «المعهد السويسري للمعلوماتية البيولوجية»، إلى جانب مساهمات من باحثين آخرين من دول أوروبية عدة. ويعكس هذا التحالف العلمي النهج المتصاعد نحو بحوث متعددة التخصصات، تجمع بين الطب الإكلينيكي، والبيولوجيا الجزيئية، وتحليل البيانات الحيوية، من أجل التصدي للأمراض المزمنة المعقدة بطرق مبتكرة، تتجاوز حدود التخصص الواحد.

خلايا مرهَقة... لا ميتة

لطالما ارتبط النوع الثاني من داء السكري بفكرة الانحدار البطيء والنهائي لوظيفة خلايا «بيتا» المنتجة للإنسولين في البنكرياس. ففي هذا النوع من السكري، لا يختفي الإنسولين من الجسم كما يحدث في النوع الأول؛ بل تبدأ هذه الخلايا بالدخول في دوامة من الإرهاق المزمن نتيجة الارتفاع المستمر في مستويات السكر والدهون، إضافة إلى التأثيرات الخفية للالتهابات المتكررة على الأنسجة الدقيقة للبنكرياس. إنها ليست لحظة انهيار مفاجئ؛ بل هو مسار طويل من الإنهاك الصامت، تُستنزف فيه الخلايا يوماً بعد يوم، حتى تفقد قدرتها على مجاراة احتياجات الجسم المتزايدة من الإنسولين.

ومع مرور الوقت، يتراجع إنتاج الإنسولين تدريجياً، ويختل التوازن الدقيق بين العرض والطلب داخل الجسم. وتصبح الخلايا أشبه بعمَّال مصنع يعملون ليل نهار دون راحة؛ في البداية يواصلون الإنتاج رغم الإرهاق، ثم يبدأ الأداء في التراجع شيئاً فشيئاً، حتى يخفت النشاط ويعمَّ الصمت، ويبدو للوهلة الأولى وكأن المصنع قد أغلق أبوابه إلى الأبد.

كيان في حالة سكون بيولوجي

لكن الدراسة الأخيرة جاءت لتقلب هذه الصورة التقليدية رأساً على عقب. فهي لم تتعامل مع خلايا «بيتا» بوصفها خلايا «ميتة» فقدت وظيفتها نهائياً؛ بل نظرت إليها ككيان حي دخل في حالة سكون بيولوجي قابلة للعكس. هذا التحول في الفهم يشبه الانتقال من مشهد «نهاية» إلى مشهد «سبات عميق» يمكن أن يعقبه استيقاظ.

هذه الفرضية البسيطة في ظاهرها عميقة في دلالتها؛ فهي تفتح الباب أمام تصور علاجات لا تكتفي بكبح المرض أو الحد من مضاعفاته؛ بل تستهدف إحياء الخلايا من الداخل، وإعادة تفعيل طاقتها الكامنة. لم يعد الهدف -فقط- السيطرة على مستويات السكر بالأدوية؛ بل استعادة «النبض البيولوجي» الذي خبا داخل البنكرياس، ليعود الجسم إلى توازنه الطبيعي كما كان قبل المرض.

صحوة في المختبر

في خطوة علمية أشبه بمشهد سينمائي داخل أنبوب اختبار، قرر الفريق البحثي أن يضع فرضيته موضع التجربة الفعلية. فقد جمع العلماء جزر بنكرياس بشرية من 19 متبرعاً مصابين بالنوع الثاني من السكري، وهي العينات التي تمثل بيئة خلوية مثقلة بسنوات من الإجهاد الأيضي (كلمة «أيضي» تعني العمليات الحيوية التي تقوم بها خلايا الجسم لتحويل الطعام إلى طاقة والحفاظ على وظائفه الأساسية) وارتفاع مستويات السكر والدهون. ثم جرى نقل هذه الخلايا بعناية إلى بيئة مخبرية نقية، خالية من الضغوط الالتهابية والتمثيلية التي كانت تُنهكها داخل الجسم، ليمنحوها فرصة للتنفس من جديد.

خلال ساعات وأيام قليلة، بدأت الخلايا تُظهر إشارات غير متوقعة؛ فقد بدت وكأنها تستيقظ ببطء من سبات طويل. استعاد عدد كبير منها قدرته على الاستجابة للغلوكوز وإفراز الإنسولين بصورة أقرب إلى الخلايا السليمة، وهو ما لم يكن متوقعاً لخلايا كانت تبدو خامدة تماماً. وهذا المشهد أشبه بمصنع قديم توقفت آلاته عن الدوران، ثم ما إن أُزيل عنها الغبار وزُوِّدت بالطاقة حتى عادت تنبض بالحياة شيئاً فشيئاً.

هذه النتيجة لم تكن مجرد تفصيل تجريبي عابر؛ بل رسالة قوية مفادها أن خلايا «بيتا» ليست ضحية نهائية للمرض؛ بل يمكن أن تُمنح فرصة ثانية إذا وُضعت في الظروف المناسبة. لقد كشف المختبر عن وجه آخر للمرض؛ وجه لا يقوم على الانهيار الكامل؛ بل على السكون القابل للإحياء.

دواء قديم بدور جديد

من بين أكثر النتائج إثارة للاهتمام في هذه الدراسة، أن الباحثين لجأوا إلى «الميتفورمين» (Metformin)، ذلك الدواء الكلاسيكي الذي يُوصف منذ أكثر من ستين عاماً لمرضى السكري، والذي طالما ارتبط في أذهان الأطباء والمرضى بدور «مساعد» في خفض السكر، وتحسين حساسية الخلايا للإنسولين. ولكن الفريق البحثي قرر أن يضع هذا الدواء تحت المجهر من زاوية مختلفة تماماً.

تمت معالجة جزر البنكرياس البشرية المستخرجة من المرضى بهذا الدواء، لمدة تراوحت بين 24 و48 ساعة داخل بيئة مختبرية دقيقة، بعيداً عن فوضى الجسم وضغوطه الداخلية. وكانت المفاجأة أن خلايا «بيتا» بدأت تُظهر تحسناً ملحوظاً في استجابتها للغلوكوز، وكأن هذا الدواء العريق أيقظ فيها طاقات كانت غافية.

ويحمل هذا الاكتشاف دلالة عميقة: فالأدوية التي نعرفها جيداً قد تخفي في طياتها قدرات غير مستكشفة إذا ما استُخدمت بطرق مبتكرة أو في ظروف مختلفة؛ إذ لم يعد «الميتفورمين» مجرد عقار يضبط السكر في الدم؛ بل قد يكون أيضاً أداة لإعادة تنشيط خلايا «بيتا» نفسها، في تحول يربط الماضي بالحاضر، ويمنح العلاج التقليدي دوراً جديداً في الطب المستقبلي.

بصمة جينية تكشف السر

لم يكتفِ الفريق البحثي بمراقبة مظاهر التحسن الوظيفي لخلايا «بيتا»؛ بل قرر أن يغوص أعمق داخل عالمها الخفي، ليعرف كيف ولماذا استيقظت من سباتها. فالتغيرات الظاهرة في سلوك الخلايا ما هي إلا انعكاس لتحولات دقيقة تجري في عمقها الجيني. لذلك لجأ العلماء إلى تقنيات متقدمة لتحليل البصمة الجزيئية، وهي أشبه بخريطة وراثية دقيقة، تكشف أنماط التعبير الجيني داخل الخلية لحظة بلحظة.

من خلال هذا التحليل، تمكَّن الفريق من تحديد مجموعات محددة من الجينات التي تغيِّر نشاطها بشكل واضح في أثناء مرحلة استعادة الخلايا عافيتها. وارتبط بعض هذه الجينات بمسارات الطاقة الأيضية، وأخرى بتنظيم استجابة الخلية للغلوكوز، بينما ظهرت مجموعات إضافية تتحكم في عمليات الإصلاح الذاتي وإعادة البناء الداخلي. إنها أشبه بمفاتيح كانت مغلقة لفترة طويلة، ثم فُتحت واحدة تلو الأخرى عندما وُضعت الخلايا في البيئة المناسبة.

تكمن أهمية هذه الاكتشافات في أنها لا تكتفي بشرح ما حدث؛ بل تمهد الطريق لعلاجات جديدة تستهدف هذه الجينات مباشرة. فبدلاً من الاعتماد -فقط- على تحفيز الإنسولين من الخارج، يمكن مستقبلاً تنشيط هذه المسارات الجينية من الداخل؛ سواء عبر تقنيات العلاج الجيني، أو من خلال تطوير أدوية دقيقة تُحفِّز الخلايا على التجدد الذاتي. وهي خطوة نحو الانتقال من العلاج الدوائي التقليدي إلى الطب الموجه جينياً؛ حيث يصبح فهم الجينات هو مفتاح إعادة التوازن المفقود في مرضى السكري.

أمل حقيقي وتحديات قائمة

رغم وهج النتائج التي حملتها هذه الدراسة، فإن الطريق إلى تحويلها إلى علاج فعلي لا يزال طويلاً، ويحتاج إلى مراحل متعددة من البحث والتجريب. فما تحقق حتى الآن هو إثبات لمبدأ علمي مهم، مفاده أن خلايا «بيتا» يمكن أن تستعيد جزءاً من نشاطها الأصلي إذا أُزيلت عنها العوامل الضاغطة التي كبَّلتها سنوات، وأن ما كان يُعتقد أنه تلف نهائي قد يكون في الحقيقة مجرد «تراجع مؤقت» قابل للإصلاح.

هذه الفكرة تمثل تحولاً جوهرياً في النظرة الطبية إلى داء السكري من النوع الثاني. فبدلاً من التركيز على ضبط مستويات السكر فحسب، يفتح هذا النهج الباب أمام مفهوم علاجي جديد يهدف إلى «إصلاح مصدر الخلل من الداخل»، أي إعادة الحيوية إلى خلايا «بيتا» نفسها، وهو ما قد يغيِّر مستقبل التعامل مع المرض جذرياً.

ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر في نقل هذه النتائج من المختبر إلى جسم الإنسان؛ حيث البيئة أكثر تعقيداً وامتلاءً بعوامل الالتهاب والضغوط الأيضية التي قد تدفع الخلايا مجدداً إلى السكون. كما أن استدامة هذه «الصحوة الخلوية» على المدى الطويل لم تُختبَر بعد سريرياً، وهو ما يتطلب سنوات من العمل التجريبي والدراسات السريرية الدقيقة.

إنه أمل حقيقي، ولكنه مشروط بقدرتنا على مواجهة هذه العقبات العلمية والسريرية، وبناء جسر متين بين الفكرة والممارسة. فإذا نجح هذا الجسر، فقد نكون أمام عصر جديد من علاجات السكري، لا يقوم على إدارة المرض فحسب؛ بل على السعي الجاد لعكس مساره من جذوره.

غير أن الطريق لا يزال طويلاً؛ فالتحدي الأكبر هو تحقيق هذه الظروف داخل الجسم الحي، في بيئة مليئة بالالتهابات والضغوط الأيضية التي قد تدفع الخلايا إلى السكون من جديد.

من السكون إلى الربيع

في عمق الجسد، قد تختبئ طاقات الحياة في أماكن لا نتوقعها، تنتظر لحظة مناسبة لتستيقظ. وهكذا، تكشف هذه الدراسة أن خلايا «بيتا» التي ظنناها فقدت قدرتها إلى الأبد، لم تكن ميتة؛ بل ساكنة، تترقب بيئة أكثر رحمة لتعود إلى نبضها الأول. إنها تذكير بأن الطب ليس علم الأرقام فقط؛ بل علم الحياة وإمكاناتها الكامنة.

وكما قال جبران خليل جبران: «في قلب كل شتاء ربيع نابض، ووراء كل ليل فجر باسم». هذه الكلمات تتجسد اليوم في مختبرات العلماء؛ حيث تتحول الخلايا الخاملة إلى نوافذ مفتوحة على مستقبل علاجي جديد.

وربما يكون هذا الربيع القادم من جزر البنكرياس هو بداية فصل مختلف تماماً في رحلة الإنسان مع داء السكري، فصل يُكتب بحروف العلم ويُقرأ بلغة الأمل؛ حيث لا يُنظر إلى المرض كمصير حتمي؛ بل كقصة يمكن إعادة كتابتها من جديد.


مقالات ذات صلة

ما تأثير تناول الطعام في وقت متأخر على مرضى السكري؟

صحتك تناول جزء كبير من السعرات الحرارية اليومية ليلاً قد يزيد خطر الإصابة بالسكري أو تفاقمه (بكسلز)

ما تأثير تناول الطعام في وقت متأخر على مرضى السكري؟

تُعدّ إدارة مرض السكري مهمة معقّدة لا تقتصر فقط على مراقبة تناول الكربوهيدرات أو اختيار أطعمة صحية أكثر، بل تشمل أيضاً الانتباه إلى توقيت تناول الطعام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك نقص الحديد قد يسبب تعباً وضعفاً عاماً يؤثران على توازن الجسم (بِكساباي)

كيف يؤثر الحديد على مستويات السكر في الدم؟

الحديد قد يؤثر على مستويات السكر في الدم بشكل غير مباشر؛ فارتفاع مخزون الحديد في الجسم قد يقلل حساسية الإنسولين ويزيد احتمال ارتفاع السكر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الهليون يضم مركبات مثل الإينولين وهو نوع من الألياف البريبايوتيكية التي تُغذي البكتيريا النافعة في الأمعاء (بيكسلز)

الهليون وسكر الدم: ماذا يحدث عند تناوله بانتظام؟

يحظى الهليون باهتمام متزايد ضمن الأنظمة الغذائية الصحية، خاصة لدى الأشخاص الذين يسعون إلى التحكم في مستويات السكر في الدم أو الوقاية من اضطراباته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ضمادة صغيرة قد تُنقذ قدماً من البتر (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

ضمادة ذكية تراقب جروح مرضى السكري وتحذّر من خطر البتر

طوَّر باحثون من المعهد الكوري المتقدّم للعلوم والتكنولوجيا ضمادة ذكية مبتكرة قادرة على مراقبة جروح القدم السكري بشكل لحظي، من دون الحاجة إلى إجراءات مؤلمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك بائعة ترتب ثمار المانجو خلال معرض بالهند (إ.ب.أ)

فواكه بطعم السكر… 6 خيارات صحية لوجبات خفيفة

يتجه كثيرون إلى البحث عن بدائل صحية تُلبي الرغبة في تناول المذاق الحلو دون الإضرار بالصحة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة
TT

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة

السرعة هي المعيار في مجالس الإدارة اليوم... حيث تتقلص دورات تطوير المنتجات، وتُجهز خطط الاستراتيجية في ساعات، لا أسابيع. كما أصبح التنسيق بين مختلف الأقسام - الذي كان يمثل عائقاً أمام التنفيذ - أكثر سلاسة... ويبدو ذلك كله بفضل الذكاء الاصطناعي، كما كتب خوليو ماريو أوتينو (*).

انحسار صعوبة التنسيق... وإضعاف حدة التفكير

يبدو هذا تقدماً. لكن ثمة تحولاً أقل وضوحاً يجري الآن، وله تبعات مباشرة على الابتكار والميزة التنافسية. ففي حين يُزيل الذكاء الاصطناعي صعوبة التنسيق، فإنه يُضعف أيضاً حدة التفكير: أي ذلك التوتر المُثمر الذي تنبثق من خلاله الأفكار الأصلية.

تقليد للأمس... وليس إبداعاً للمستقبل

والمؤسسات التي تُبالغ في تحسين السرعة والتنسيق تُخاطر بأن تُصبح مُقلدة سريعة لمنطق الأمس بدلاً من أن تكون مُبدعة للمستقبل.

لماذا يهمها هذا الأمر الآن؟ على مدى عقود، استثمرت الشركات بكثافة في إزالة الصعوبات - تبسيط العمليات، وتحسين التواصل، وتسريع عملية اتخاذ القرار. كان المنطق سليماً لأن عدم الكفاءة مُكلف.

الذكاء الاصطناعي يسهّل الأعمال

ويُكمل الذكاء الاصطناعي هذا المسار - بدمج عمليات التفسير، والتركيب، واتخاذ القرار في خطوة واحدة. عندما يظهر خلافٌ ما - حول توجه المنتج، أو دخول السوق، أو تخصيص الموارد - يمكن للذكاء الاصطناعي فوراً:

* تلخيص وجهات النظر المتضاربة

* دمج البيانات

* توليد توصية «متوازنة»

انحسار الأصالة

وما كان يستغرق أياماً أصبح يُنجز في دقائق. والنتيجة ليست مجرد تنفيذ أسرع، بل هي نمط تفكير مختلف. ويظهر هذا الاختلاف (بين الذكاء الاصطناعي وفكر الإنسان) جلياً في أهم جوانبه: في أصالة ما تُنتجه المؤسسات.

شحذ الأفكار أكثر قيمة للقرارات الحكيمة

نادراً ما تنبع الأفكار القيّمة من عمليات سلسة، بل إنها تنبع من التوتر – للإحاطة بالتفسيرات المتضاربة، والخلافات العالقة، والأطر غير المتوافقة.

هذا النوع من الاحتكاك يبدو غير فعال، فهو يُبطئ الاجتماعات، ويُعقّد القرارات، ويُعيق الوصول إلى نتيجة. لكنه يؤدي وظيفة بالغة الأهمية: فهو يُجبرنا على كشف الافتراضات ويمنع القرار المتسرع.

* الفِرق الصغيرة الأقل انسجاماً هي الأكثر قدرة على إنتاج أفكار ثورية *

فرق صغيرة وكبيرة

تُظهر دراسات واسعة النطاق للأعمال العلمية والتقنية - تشمل عشرات الملايين من الأوراق البحثية، وبراءات الاختراع، ومشاريع البرمجيات - باستمرار أن الفرق الصغيرة الأقل انسجاماً هي الأكثر قدرة على إنتاج أفكار ثورية. بينما تميل المجموعات الأكبر حجماً والأكثر تنسيقاً إلى تحسين المسارات القائمة.

يكمن الفرق فيما إذا كان الخلاف يستمر لفترة كافية لتوليد شيء جديد. يُغيّر الذكاء الاصطناعي هذا التوازن.

التحوّل من الاستكشاف إلى التحسين

تتميز أنظمة الذكاء الاصطناعي بقدرة فائقة على التركيب. فهي تجمع المدخلات، وتحدد الأنماط، وتُنتج مخرجات متماسكة تُوفّق بين الاختلافات. لكن التماسك لا يُساوي الأصالة.

عندما تعتمد الفرق على الذكاء الاصطناعي لحل الخلافات مبكراً جداً، فإنها تتحوّل - غالباً دون قصد - من الاستكشاف إلى التحسين. فبدلاً من تطوير الأفكار المتنافسة بشكل كامل، تتقارب على حلول هجينة معقولة وقابلة للدفاع عنها وتدريجية.

اختبار افتراضي لتطوير المنتجات

لنفترض أن فريقاً لتطوير منتج ما، يناقش جوانب الإصدار المقبل لهذا المنتج.

يُجادل فريقٌ ما بضرورة تعميق المنتج الأساسي - تحسين الموثوقية وتعزيز الميزات الحالية في حين يدفع فريقٌ آخر نحو التوسع في جوانب أخرى للمنافسة في سوق جديدة.

وفي السابق، ربما استمر هذا التوتر لأيام: بيانات متضاربة، روايات متنافسة، احتكاكات لم تُحل. أما الآن فيطلب الفريق الآن من الذكاء الاصطناعي تحليل ملاحظات المستخدمين، واتجاهات السوق، والمؤشرات الداخلية. وفي غضون دقائق، يُنتج خريطة طريق متوازنة تجمع بين عناصر كلا النهجين.

الخطة سليمة، لكنها آمنة. فالتوتر (شحذ الأفكار) الكامن لا يتطور بشكل كامل، والنتيجة تُحسّن الوضع الراهن بدلاً من تحديه.

عندما تصبح الاستراتيجية مثالية أكثر من اللازم

تظهر هذه الديناميكية نفسها على أعلى المستويات. في نقاش تنفيذي حديث حول تحول استراتيجي، استخدم فريق القيادة الذكاء الاصطناعي لتحليل ظروف السوق، وتحركات المنافسين، وبيانات الأداء الداخلي في الوقت الفعلي. وقد وفّر النظام خيارات مُرتبة حسب احتمالية النجاح.

وتحوّل النقاش فوراً إلى تحسينها، وتم التوصل سريعاً إلى قرار. بعد ذلك، لاحظ أحد المشاركين: «لم يكن على أي منا الدفاع عن موقفه بشكل كامل».

كانت الاستراتيجية متماسكة، لكنها لم تُختَبر في ظل صراع فكري حقيقي.

المناقشات مهمة لتطوير الأفكار القوية

في البيئات المعقدة، يُمثل هذا الاختبار الآلية التي تفشل من خلالها الأفكار الضعيفة وتتطور الأفكار القوية. أما إذا توصل الفريق إلى اتفاق فوري، فإما أن المشكلة بسيطة للغاية، أو أن التفكير غير مكتمل. وهذا، فإن الذكاء الاصطناعي يسهل الخلط بين السرعة والدقة. فعندما تصل الإجابات بسرعة وتُحل الخلافات بسهولة، يُوحي ذلك بأن العمل الشاق قد أُنجز.

* على القادة أن يُحدّدوا بدقة المجالات التي يُسرّع فيها الذكاء الاصطناعي العمل *

علينا العمل بشكل مختلف

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل التمييز بين العقبات التي تُبطئ التنفيذ وتلك التي تُتيح الاكتشاف. وعلى القادة أن يُحدّدوا بدقة المجالات التي يُسرّع فيها الذكاء الاصطناعي العمل، والمجالات التي لا ينبغي له ذلك.

* حماية الخلافات الجوهرية: عندما ينقسم الفريق حول سؤال أساسي، غالباً ما يكون هذا الانقسام مؤشراً على وجود فرصة. يجب عليك عدم إيكال حله إلى جهة خارجية مُبكراً.

* الفصل بين التباين والتقارب: شجّع على تطوير الأفكار بشكل مستقل قبل دمجها لان التكامل المُبكر يُعيق الإبداع.

* تصميم بيئة تُحفز على التفكير النقدي البنّاء: اجمع وجهات النظر التي لا تتوافق بشكل طبيعي، وأعطها الوقت الكافي للتطور.

* تقييم سلاسة الحوار: إذا بدت المناقشات سهلة بشكل غير معتاد، فاسأل عن الافتراضات التي لم تُناقش.

* استخدام الذكاء الاصطناعي كناقد، لا كأداة حاسمة: اطلب منه اختبار القرارات وكشف نقاط الضعف، لا أن يُقدم إجابة نهائية.

خطر الانزلاق في أمور خاطئة

سيجعل الذكاء الاصطناعي المؤسسات أكثر كفاءة. لكن الخطر يكمن في اتجاه واحد: أن تُصبح المؤسسات فعّالة في الأمور الخاطئة. فالسرعة والتوافق والانسجام عناصر قيّمة، لكنها قد تُعيق التوتر الذي يُحفّز الابتكار.

لطالما تعاملت الشركات مع الاحتكاكات كتكلفة يجب التخلص منها. في الواقع، تُعدّ بعض أشكال الاحتكاكات مورداً يجب إدارته. يُتيح الذكاء الاصطناعي إمكانية إزالة هذا المورد بشكل شبه كامل. سيحظى القادة الذين يُدركون ما يجب الحفاظ عليه بالأفضلية.

* مجلة «فاست كومباني»


الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه

الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه
TT

الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه

الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه

بينما كنتُ أتجه مباشرةً نحو قاعة مؤتمرات مضاءة بإضاءة خافتة تعجّ بأجواء اللقاء الأول، شاهدت زوجين مغرمين يتعانقان في ردهة فندق. كنت أحضر اجتماعات مؤتمر حول الحب، كما كتبت كاريسا وونغ في مجلة«نيوساينست».

مؤتمر «علوم الحب»

«الحب بين الواقع والنظرية: من أجل علم راسخ حول الحب» (Love, actually and in theory: Towards a robust science of love) كان عنوان المؤتمر الذي أقامته الجمعية الملكية في أدنبره باسكوتلندا، هذا الشهر. وبصفتي إنسانة رومانسية، آملت أن أجد إجابةً لأحد أكبر ألغاز الحياة: ما الحب؟

على مدار اليومين التاليين، استمعتُ إلى عشرات الباحثين - من علماء الأحياء التطورية وعلماء الأعصاب إلى علماء النفس - وهم يشاركون وجهات نظرهم حول ذلك الشيء الغريزي المراوغ المسمى الحب، مع تركيز كبير على الحب الرومانسي.

«حدث علمي «جلَل»

شكّل هذا الاجتماع المرة الأولى التي يجتمع فيها العديد من أبرز الباحثين في مجال الحب في مكان واحد. قال لي آدم بودي من جامعة ملبورن، أستراليا، في منتصف المؤتمر وعيناه تدمعان: «هذا حدثٌ جللٌ لعلم الحب. إنه يدفعني للبكاء».

يقول بودي إن أبحاث الحب عانت دوماً من نقص التمويل نظراً لاعتبارها علماً «غير دقيق». ويضيف: «كان هناك انطباع منذ البداية بأن علم الحب ليس علماً جاداً».

الجمعية الملكية تموّل الأبحاث

إن حقيقة أن أقدم مؤسسة علمية في العالم، وربما الأكثر احتراماً، تموّل باحثين من جميع أنحاء العالم ليأتوا ويتحدثوا عن الحب، تمنحه قدراً من المصداقية التي أعتقد أنها كانت مفقودة حتى الآن».

لا اتفاق على تعريف الحب

لدراسة الحب، نحتاج أولاً إلى تعريفه، وهو أمر معقد. وقالت مارتا كوال من جامعة فروتسواف في بولندا للمؤتمر: «نحن، كباحثين، لم نصل بعد إلى مرحلة الاتفاق على تعريف الحب».

يرى البعض الحب ببساطة على أنه عاطفة. ففي النهاية، نشعر به بشكل شخصي، تماماً كما يختلف الشعور بالفرح أو الحزن من شخص لآخر، كما أنه ليس منطقياً دائماً. من جهته يقول بودي: «لقد اهتممت بالحب لأنني وقعت في حب شخص لم أكن أرغب فيه، وأردتُ أن أفهم ذلك».

الحب الرومانسي أكثر من عاطفة

لكن معظم الباحثين الذين تحدثت إليهم اتفقوا على أن الحب الرومانسي أعمق بكثير من مجرد عاطفة. ويُطرح منظور بديل مفاده أنه حالة تحفيزية تُعرَّف بأنها تدفعنا إلى البقاء قريبين من شركائنا، وفي بعض الحالات، إلى التكاثر؛ ما يُطيل أمد بقاء جنسنا البشري.

جزء من نظام البقاء... مثل الجوع والعطش

وقد دعمت دراسات تصوير الدماغ هذا الرأي؛ إذ وجدت أن الحب يُنشِّط مسارات المكافأة في عمق جذع الدماغ، وهي المسارات التي تتحكم في الدوافع الأساسية. وقالت لوسي براون، من كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك، في المؤتمر: «إنه جزء من نظام بقائنا، كالجوع والعطش».

*الألفة والشغف والالتزام الأركان الثلاثة للحب*

ثلاثة أركان

مع ذلك، يُفضِّل علماء آخرون النظر إلى الحب من منظور فكرة نفسية راسخة طرحها روبرت ستيرنبرغ في جامعة كورنيل بولاية نيويورك. وتفترض هذه الفكرة أن للحب ثلاثة أركان أساسية: الألفة، والشغف، والالتزام. وبينما تشير الألفة إلى الرغبة في التقارب العاطفي مع الآخر؛ فإن الشغف يتعلق بإيجاد شخص جذاب جسدياً؛ بينما يُجسِّد الالتزام الرغبة في الحفاظ على العلاقة.

مراحل الحب الرومانسي

يتفق الباحثون على أن الحب الرومانسي يمر بمراحل متميزة؛ فهناك مرحلة شهر العسل الأولية المليئة بالرغبة الجامحة، التي تدوم عادةً لمدة عام أو عامين، تليها مرحلة الحب القائم على الرفقة. يقول كوال: «إنها (الرفقة) أكثر واقعية من كونها شاعرية - فهي أقل حدة. لكنها ليست مرحلة فاصلة واضحة، بل هي أشبه بسلسلة متصلة، ويمكن للشخص أن ينتقل من جانب إلى آخر».

الأشخاص الذين وقعوا في الحب حديثاً قد يقضون نصف ساعات يقظتهم في التفكير بمن يحبون

ويقول بودي إن الشعور بالهوس الذي غالباً ما يصاحب الحب العاطفي يمكن إدراجه أيضاً في تعريفه. وأخبر المؤتمر أن الأشخاص الذين وقعوا في الحب حديثاً يقضون ما يقرب من نصف ساعات يقظتهم يفكرون فيمن يحبون، مما يجعلهم عرضة للتشتت بسهولة. لا أعتقد أنه ينبغي السماح لمن وقعوا في الحب حديثاً بقيادة السيارات، وأنا أعمل على منحة بحثية في هذا الشأن.

خطط مستقبلية لتعريف للحب

في نقاش أخير، استمعتُ إلى باحثين يضعون خططاً لتقديم تعريفات متعددة للحب في ورقة علمية خلال الأشهر المقبلة. أنا متأكد من أنها لن تحل لغز الحب، لكنني ما زلت أعتقد أنها محاولة جديرة بالاهتمام؛ فالحب هو ما أعيش من أجله، بل ومن أجل الكثيرين غيري.


كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟
TT

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

قد ينتج مجال المنافسة المقبل حول استكشاف القمر تقديم خدمات لوجستية خارج كوكب الأرض، مثل الشحن القمري، وأنظمة النقل على سطحه، واستخدام الروبوتات، وتطوير أنظمة الطاقة. كما يُمهّد برنامج «أرتميس» الأميركي الطريق لاقتصاد قمري تجاري، كما كتبت لوسيا أورباخ(*).

كشوفات جديدة

في الشهر الماضي، انطلق 4 رواد فضاء إلى أبعد نقطة وصل إليها أي إنسان من قبل، إذ صعد كل من ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوتش، وجيريمي هانسن على متن مركبة «أرتميس 2» التابعة لـ«ناسا»، مُسجّلين بذلك أول رحلة مأهولة إلى القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وقد شاهد الطاقم أجزاء من القمر لأول مرة، بما في ذلك تباينات الألوان، والتضاريس المتعرجة الفريدة، والفوهات الصغيرة الساطعة التي بدت كأنها «أغطية مصابيح بها ثقوب صغيرة جداً ينفذ منها الضوء»، كما قالت كوتش.

موقع مأهول على القمر

بعد نجاح هبوطها على الأرض، تستعد وكالة «ناسا» لإطلاق مزيد من المهمات القمرية، بما في ذلك مهمة مُقررة في عام 2028، بهدف تهيئة البشرية لتحويل القمر بشكل دائم إلى موقع مأهول بالسكان.

قبل إطلاق مهمة «أرتميس 2»، صرّح جاريد إسحاقمان مدير «ناسا»، في بيان صحافي بأنهم «ملتزمون بتحقيق ما يُعتبر شبه مستحيل مرة أخرى، وهو العودة إلى القمر قبل نهاية ولاية الرئيس ترمب، وبناء قاعدة قمرية، وترسيخ وجود دائم، والقيام بكل ما يلزم لضمان الريادة الأميركية في الفضاء».

مركز علمي وأسطول من المركبات

وإذا تمكنت «ناسا» من الالتزام بتنفيذ خططها فقد سيصبح القمر موقعاً لما هو أقرب إلى ما لدينا على الأرض، مركزاً للصناعة والعلوم، تتخلله أسطول من المركبات القمرية، تعمل بالطاقة النووية، ونقطة انطلاق لمغامرات كونية أبعد في المستقبل.

بناء قاعدة على سطح القمر

ويخطط الأميركيون لبدء بناء قاعدة على القطب الجنوبي للقمر عام 2028.

يُشبه القطب الجنوبي للقمر صحراء بركانية، فهو موطن لتقلبات حرارية هائلة تصل إلى مئات الدرجات، بالإضافة إلى الغبار القمري والإشعاع الكوني. ولكنه يحتوي أيضاً على احتياطيات كبيرة من المياه المتجمدة، وهو المورد الذي يجعل القمر جذاباً للغاية للمستثمرين. ووفقاً لما صرح به جورج ساورز، مهندس ميكانيكي في كلية كولورادو للمناجم، لمجلة «ناشيونال جيوغرافيك» فإن: «الماء هو نفط الفضاء».

ستكون هناك عدة مهمات أخرى ضمن برنامج «أرتميس» قبل إطلاق المهمة الأولى لإجراء تجارب عملية. ستختبر مهمة «أرتميس 5» العناصر التكنولوجية الأساسية للتأكد من سلامة عملية البناء حتى في مراحلها الأولى.

* إنشاء قاعدة مأهولة دائمة على القمر تُشبه إلى حد كبير محطة الفضاء الدولية*

روبوتات ورواد فضاء لبناء منشآت قمرية

ستشمل المرحلة الثانية زيارات منتظمة من الروبوتات ورواد الفضاء للمساعدة في وضع الأساسات الأولية. وتصف «ناسا» هذه المرحلة بأنها بناء «بنية تحتية شبه صالحة للسكن»، لكنها لم تُقدم تعريفاً أكثر تفصيلاً.

ستشمل المرحلة الثالثة عمليات نقل شحنات ثقيلة وإسهامات من وكالات الفضاء الشريكة لإنشاء قاعدة مأهولة دائمة تُشبه إلى حد كبير محطة الفضاء الدولية.

وسائل نقل قمرية

يقول تيم كرين، وهو أحد مؤسسي شركة «إنتويتيف ماشينز»، وهي شركة لاستكشاف الفضاء مقرها هيوستن، في معرض حديثه عن نجاح مهمة «أرتميس»: «لقد كانت فرصة ذهبية». وتركز شركته حالياً على تطوير تقنيات القمر، بما في ذلك وسائل النقل على سطح القمر ومركبات الهبوط الخاصة بالشحنات.

ويؤكد كرين أن شكل القمر بعد تطويره لن يكون شبيهاً بالبنية التحتية للمدن التي نعرفها، وبدلاً من ذلك، ستكون هناك مراكز نائية تعمل محطات علمية متخصصة في دراسة الرواسب الغنية بالمياه في الفوهات أو محطات توليد الطاقة.

مركبات استكشاف التضاريس

وقد اختارت وكالة «ناسا» شركة «إنتويتيف ماشينز» لبناء مركبات استكشاف التضاريس القمرية (LTVs)، بالإضافة إلى مشروع «لونار آوتبوست» ومختبر «فينتوري أسترولاب». تُعتبر المركبات القمرية الخفيفة (LTVs) بمثابة «عربة القمر» الحديثة التي رافقت مهمات أبولو في سبعينات القرن الماضي. وستكون هذه المركبات الحديثة ذاتية التشغيل إلى حد كبير؛ حيث ستتجول وتعمل بشكل مستقل بينما يقوم رواد الفضاء بالمهام الحيوية.

بداية اقتصاد قمري

وتقول لوري غليز، مديرة برنامج «من القمر إلى المريخ» التابع لـ«ناسا»، إنه بمجرد إنشاء الأنظمة على سطح القمر، ستتاح الفرصة لبدء «اقتصاد قمري تجاري». ومن المتوقع أن يكون استخراج الموارد القمرية هو الصادرات الرئيسية.

وسيُتيح وجود الماء تقليل اعتماد العمليات القمرية على إمدادات الأرض. الهيليوم-3 نظير نادر وغير مشع للهيليوم، ويوجد بوفرة على سطح القمر، في حين يندر وجوده على الأرض.

نظير الهيليوم لتبريد مراكز البيانات

يتمتع الهيليوم-3 بخصائص تبريد معينة قد توفر بدائل لتبريد مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة وأجهزة الكمبيوتر الكمومية العملاقة، فضلاً عن كونه مصدراً جديداً للوقود في الاندماج النووي.

* نمو الاقتصاد الفضائي سيضاهي حجم الاقتصاد الأرضي خلال 50 عاماً*

ازدهار الفضاء

ويقول فيليب ميتزجر، خبير هندسة رحلات الفضاء في معهد فلوريدا للفضاء: «قد ينمو الاقتصاد الفضائي ليُضاهي حجم الاقتصاد الأرضي خلال 50 عاماً».

ويعتمد نجاح هذا الاقتصاد الجديد على قدرة رواد الفضاء ومركبات النقل القمرية على إيجاد كميات كافية من المياه. ومن دون ذلك، ستكون أي تطورات بلا جدوى. لكن في حال العثور على الماء، سيحتاجون أيضاً إلى وضع آلية لحماية القاعدة من اصطدامات النيازك. ومع تجاوز هذين العائقين الرئيسيين، قد يصبح تشغيل الأنظمة ممكناً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».