هل يتحوّل السودان «جمهورية ميليشيات»؟

أكثر من 100 حركة مسلحة بولاءات متباينة وأجندات خطرة

TT

هل يتحوّل السودان «جمهورية ميليشيات»؟

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما لإطاحة نظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما لإطاحة نظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

منذ نال السودان استقلاله مطلع عام 1956، لم تهدأ الحروب الأهلية فيه. فما أن تهدأ معارك في منطقة حتى تشتعل في أخرى. ومن رحم عقود الصراعات، نشأت ميليشيات وتوسَّعت خريطة السلاح على نحو غير مسبوق، حتى قدّر البعض عدد الميليشيات بأكثر من 110، تتباهى بأسلحتها المتنوعة وتحاول فرض نفوذها.

ويتوزَّع ولاء هذه الميليشيات، خلال الحرب الحالية التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بين مساندة الجيش أو «قوات الدعم السريع»، بل يستغل بعضها الأوضاع التي ترتبت على الحرب لتحقيق غايات لزعمائه أو لمناطقه.

والأخطر في هذا الأمر، أن هذه الميليشيات تتوزَّع بين تكتلات جغرافية وآيديولوجية وقبلية، تسعى لبناء واقع عسكري قد يستمر لسنوات طويلة ويؤسِّس لحروب جديدة قد تندلع في المستقبل، بعد انتهاء الحرب الحالية.

مستنقع الميليشيات

يقول الكاتب أمير بابكر في كتابه «سلام السودان... مستنقع الميليشيات والجيوش شبه النظامية»، إن 92 حركة مسلحة كانت موجودة عند اندلاع القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، موضحاً أن 87 منها تنشط في إقليم دارفور، والرئيسية منها لديها أيضاً وجود في بعض الأقاليم الأخرى.

كما أن هناك حركات مسلحة تنشط في وسط السودان، وفي إقليم كردفان، والنيل الأزرق، إضافة إلى تلك التي ظهرت في شرق السودان بعد بضعة أشهر من اندلاع الحرب الحالية.

ويرى الكاتب أنه في ظل هذا الانفجار الكبير لعدد الميليشيات، فمن المتوقع أن يطيل هذا في أمد الحرب الحالية، عبر ازدياد تعقيدات النزاعات.

من جانبه، قدَّر الناشط السياسي، مهادن الزعيم، في تدوينة على «فيسبوك» وجود نحو 90 ميليشيا، مقسّمة بين طرفَي القتال الحالي، وفقاً لتكتلات جغرافية أو آيديولوجية، في حين يحاول بعضها إيجاد موطئ قدم بصنع تكتلات تمهِّد طريقه ليصبح الميليشيا الأولى في البلاد.

أنواع الميليشيات

تنقسم الميليشيات السودانية إلى تكتلات وولاءات، فبعضها متحالف مع الجيش، بينما يتحالف البعض الآخر مع «قوات الدعم السريع». لكن تبقى فئة ثالثة، أقل عدداً، وهي الميليشيات التي خاضت حربها الخاصة ضد الجيش لأسباب جهوية ومطلبية منذ عهد النظام السابق، لكنها لا تشارك في الحرب الحالية، وتزعم الحياد.

كما تنقسم الميليشيات إلى آيديولوجية، وجهوية، وعرقية، فضلاً عن جماعات مسلحة كانت في الماضي جزءاً من الجريمة المنظمة المسلحة، ثم استغلت الحرب لتوسيع نفوذها والاقتراب من طرفَي الحرب لممارسة مزيد من الانتهاكات والجرائم، مثل النهب والسلب، والقتل على الهوية، والاغتصاب.

وهناك حركات مسلحة ظلت تحارب ضد الجيش لعقود، لكن بعد اندلاع الحرب الحالية أصبحت حليفةً له.

التوزيع الجغرافي

تعدّ الحركات المسلحة في إقليم دارفور بغرب السودان هي أكبر الميليشيات، واختار الجزء الرئيسي منها التحالف مع الجيش، تحت ما أصبحت تُعرف بـ«القوة المشتركة». وأبرز هذه المجموعة «حركة تحرير السودان» بقيادة المتمرد السابق مني أركو مناوي، وهو الآن حاكم إقليم دارفور.

وأيضاً حركة «العدل والمساواة» بقيادة الإسلامي جبريل إبراهيم الذي أصبح الآن وزيراً للمالية، ثم حركة «تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة صلاح رصاص، وحركة «جيش تحرير السودان» بقيادة بشير هارون، وحركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة عبد الله يحيى، وحركة «تحرير السودان» بقيادة مصطفى طمبور.

وترجع نشأة الحركات المسلحة الدارفورية إلى ما عُرفت بـ«حرب دارفور» التي اشتعلت في عام 2003 إبان حكم الإسلاميين في السودان بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، بين الجيش وحركة «تحرير السودان»، تحت ذرائع مطلبية وجهوية تشتكي من «التهميش» الاجتماعي والاقتصادي. لكن هذه الحركات انقسمت لاحقاً على نفسها، وتشظَّت إلى حركات عدة.

وفي أواخر التسعينات، ومع انشقاق «الحركة الإسلامية» التي كانت حاكمة، نشأت حركة «العدل والمساواة» بقيادة الإسلامي المنشق خليل إبراهيم، وخلفه بعد مقتله شقيقه جبريل، ثم تعرَّضت الحركة لاحقاً لانشقاقات عدة.

كما جاء أول انشقاق في حركة «تحرير السودان» قاده الأمين العام للحركة وقتها، مني أركو مناوي، المتحدر من قبيلة الزغاوة ضد رئيس الحركة، عبد الواحد محمد النور، المتحدر من قبيلة الفور، واحتفظ الرجلان بالاسم القديم، كل في حركته، لتصبح هناك حركتان باسم «تحرير السودان».

وبعد نشوب الحرب الحالية، أعلنت الحركتان اللتان يقودهما مناوي وإبراهيم، انحيازهما للجيش تحت اسم «القوة المشتركة»، ضد «قوات الدعم السريع» التي كان قائدها محمد حمدان دقلو «حميدتي» ضلعاً أساسياً للنظام السابق في حرب دارفور، بينما احتفظت المجموعة التي يقودها عبد الواحد نور بموقف محايد في الحرب، متمسكة بمناطق سيطرتها في جبل مَرة، وتعلن صراحة وقوفها ضد الحكومة.

رسم بياني يظهر خرائط النفوذ على الأرض في السودان (الشرق الأوسط)

انشقاقات داخل الميليشيات

هناك انشقاقات صغيرة عن الحركتين أصبحت ميليشيات مستقلة، مثل حركة «القوة الشعبية للدفاع عن النفس» اختصاراً «قشن» بقيادة بخيت عبد الكريم دبجو، وحركة «العدل والمساواة» بقيادة منصور أرباب، وحركات أخرى بأسماء محلية مثل «عرت... عرت»، و«دقو جوة»، ومجموعة «رؤية»، وميليشيا «مجلس الصحوة الثوري» بقيادة موسى هلال، التي تقف إلى جانب الجيش دون مشاركة فعالة في القتال.

وتكمن قوة هذه الميليشيات، في السلاح النوعي الذي حصلت عليه من خارج البلاد، ثم من الجيش بعد اندلاع الحرب الحالية التي مكنتها من الحصول على امتيازات مالية، إذ سيطرت على مناطق تعدين للذهب، وفَّرت لها التمويل.

أما نقاط ضعفها، بحسب المحللين، فتتركز في التباينات القبلية بين مجموعاتها، وسيطرة قبيلة الزغاوة على تلك الحركات، خصوصاً الحركتين الرئيسيتين «العدل والمساواة»، و«تحرير السودان» اللتين فقدتا نحو 90 في المائة من مناطق نفوذهما التقليدي في إقليم دارفور لصالح ميليشيا «الدعم السريع».

ميليشيات مرتبطة بـ«الحركة الإسلامية»

تشير تقارير صحافية محلية إلى وجود أكثر 25 ميليشيا مرتبطة بالنظام السابق و«الحركة الإسلامية»، أبرزها «الفيلق الشبابي»، و«كتائب البرق الخاطف»، و«أنصار الله»، و«لواء الفرقان»، و«الشهب الحارقة»، و«سجيل»، و«جنود الحق»، و«كتيبة خالد بن الوليد»، و«درع الجزيرة»، و«فيلق كردفان»، و«كتائب البراء بن مالك» التي توصف بأنها إحدى أذرع الحركة الإسلامية الرئيسية.

وتعدّ «قوات الدفاع الشعبي» التي تمَّ تأسيسها في الأشهر الأولى لانقلاب الإسلاميين في 1989، وفقاً للقانون، «قوات شبه عسكرية»، لكنها تبنَّت آيديولوجية الإسلاميين، وقاتلت في جنوب السودان بشعارات «الجهاد».

وعادت «قوات الدفاع الشعبي» للظهور مجدداً بعد اندلاع الحرب الحالية، بعد أن كانت الحكومة المدنية التي خلفت نظام الرئيس عمر البشير، قد حلتها بوصفها «واجهة عسكرية للنظام السابق للإسلاميين»، الذي أسقطته ثورة شعبية في عام 2019، بعد أن حكم البلاد لـ30 عاماً.

وهناك أيضاً ما تُعرف بـ«كتائب الظل»، وهي قوات سرية، كشف عنها أول مرة الرجل الثاني في «الحركة الإسلامية» علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق للرئيس عمر البشير، بقوله: «هناك كتائب ظل تدافع عن النظام حتى إذا اقتضى الأمر التضحية بالروح»، وذلك في إطار تهديده للحراك الشعبي الذي أطاح بالنظام في نهاية الأمر.

وعادت «قوات هيئة العمليات» - وهي مجموعة آيديولوجية تابعة لجهاز الأمن والمخابرات - للقتال بجانب الجيش، بعد أن كان قد تمَّ حلها هي الأخرى بعد سقوط نظام البشير. وأخيراً هناك مجموعات كبيرة من الذين تمَّ استنفارهم للقتال إلى جانب الجيش، وما تُعرف بـ«الخلية الأمنية».

وتكمن قوة هذه الميليشيات في تمويلها من الدولة، وتتحصَّل على دعم استخباري، وتسليح من الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، بما في ذلك صواريخ «كورنيت» وطائرات مسيّرة متطورة.

وفي المقابل، يكمن ضعفها في كونها أداةً من أدوات النظام السابق، لذلك تحيط بها عزلة نسبية؛ بسبب الرفض الشعبي لعودة النظام السابق.

الميليشيات القبلية والجهوية

أنشأ النظام السابق ميليشيا عُرفت بـ«درع البطانة»، إبان الصراع المكتوم بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، لتكون ترياقاً لصراع محتمل بين الطرفين، بقيادة الضابط أبو عاقلة كيكل، لكنها وبعد اندلاع الحرب انحازت لـ«قوات الدعم السريع»، وخاضت معها معارك عدة، أهمها معركة السيطرة على ولاية الجزيرة المجاورة للعاصمة الخرطوم، في وسط البلاد.

لكن ميليشيا كيكل فاجأت الجميع بتمردها على «الدعم السريع» وإعلان انحيازها للجيش في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ومقابل ذلك مُنح قائدها رتبة لواء، وبعد أن قام بعمليات تجنيد واسعة في منطقة شرق ولاية الجزيرة، أصبحت قواته تحمل اسم «درع السودان»، ولعبت دوراً مهماً في استعادة الجيش لوسط البلاد والعاصمة الخرطوم.

كما نشأت في وسط وشمال السودان بجانب «درع السودان» ميليشيات صغيرة أخرى، وفقاً للناشط مهند الزعيم على صفحته في «فيسبوك»، وهي «سيف النصر»، و«عشم»، و«عبد الله جماع»، و«الزبير بن العوام»، و«أسود الصعيد»، و«الدرع النوبي».

ميليشيات الشرق

مسلحون من مجموعة داعمة للجيش في منطقة القضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي شرق البلاد المضطرب، وصل عدد الميليشيات ذات الطابع القبلي والجهوي إلى 10، تم تدريبها وتسليحها من بعض دول الجوار، بحكم التداخل القبلي والإثني. أعلنت جميع هذه الميليشيات الانحياز للجيش، باستثناء ميليشيا تتبع قبيلة الرشايدة العربية، بقيادة مبروك مبارك سليم، أعلنت انحيازها لـ«قوات الدعم السريع».

وتشمل ميليشيات شرق السودان «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» بقيادة محمد سليمان بيتاي، العضو البارز في «حزب المؤتمر الوطني» (حزب البشير)، وغالبية قاعدتها تنتمي إلى فرع من قبيلة الهدندوة المناوئة للفرع الذي يتزعمه الناظر محمد الأمين ترك. وهناك «قوات الأورطة الشعبية» بقيادة الأمين داؤود، التي تكوَّنت العام الماضي، وهي محسوبة على إثنية بني عامر.

وفي موازاة ذلك، نشأت «حركة تحرير شرق السودان» بقيادة إبراهيم دنيا، تحت رعاية إريترية، بعد أيام من بداية الحرب، وبعدد مقاتلين يقدَّر بنحو ألفَي مقاتل يتحدرون من قبيلتَي بني عامر والحباب. وفي الوقت ذاته تنشط ميليشيا «تجمّع أحزاب وقوات شرق السودان» بقيادة شيبة ضرار، المحسوبة على قبيلة الأمرأر.

وتأسَّست ميليشيا «درع شرق السودان»، بقيادة نجل ناظر قبيلة الرشايدة، مبارك حميد بركي، المحسوب على الحركة الإسلامية، بجانب قوات «مؤتمر البجا» الذي يقوده مساعد البشير السابق موسى محمد أحمد، وهو حزب تاريخي تأسَّس منذ خمسينات القرن الماضي، وتنظيم «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة»، بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك.

وتكمن قوة ميليشيات شرق السودان في الدعم القبلي والإثني الواسع الذي تتمتع به وسط مجتمعاتها، بجانب الدعم العسكري والتدريب والتسليح من بعض دول الجوار، لكنها تعاني انقسامات قبلية حادة، ولا تملك تنسيقاً وتخطيطاً مشتركاً؛ ما يضعف من تأثيرها، وتعدّ الصراعات البينية بين مكونات الإقليم خطراً كامناً يهدد بالانفجار في أي وقت.

«قوات الدعم السريع»

دورية لـ«الدعم السريع» في إحدى مناطق القتال بالسودان (أرشيفية - رويترز)

نشأت «قوات الدعم السريع» رسمياً في عام 2013، بقرار من الرئيس السابق عمر البشير، لتكون ظهيراً له من «غدر محتمل من بعض حلفائه الذين كانوا يتمتعون بنفوذ واسع داخل الجيش»، وفق الاعتقاد السائد لدى كثير في السودان.

وما عزَّز هذا الاعتقاد أن البشير نفسه كان يطلق على قائد هذه القوات، محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي»، مازحاً «حمايتي». كما أن البشير استغل هذه القوات لقمع الحركات المسلحة التي تمرَّدت ضد نظامه في إقليم دارفور.

ويتحدر الكثيرون من مقاتلي «الدعم السريع» من قبائل عدة ذات أصول عربية ورعوية في إقليم دارفور.

وكانت بعض هذه المجموعات قد عُرف في الإقليم بمصطلح «الجنجويد» الذي يعني اختصاراً «جن راكب جواد»، نظراً لأن هجماتهم على القبائل الأخرى كانت تتم على الخيول، في بدايات ظهورهم تحت قيادة الزعيم القبلي موسى هلال؛ لمحاربة القبائل الأفريقية المتمردة ضد الدولة.

وتُتَّهم «الجنجويد» بارتكاب انتهاكات واسعة ضد السكان في دارفور، على ضوئها أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف ضد البشير و3 من مساعديه، بينهم الرئيس الحالي لحزب «المؤتمر الوطني» أحمد هارون، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي.

وتسعى «الدعم السريع» دائماً إلى نفي علاقتها بتنظيم «الجنجويد» القديم، مؤكدة أنها «قوات نظامية أُنشئت بقانون» أجازه برلمان النظام السابق. وفي البداية كانت تتبع لجهاز الأمن والمخابرات السابق، ثم تحوَّلت تبعيتها إلى رئيس الجمهورية عمر البشير بوصفه القائد الأعلى للجيش.

وعندما اندلعت الثورة الشعبية في ديسمبر (كانون الأول) 2018، استدعاها البشير إلى الخرطوم؛ للمساهمة في قمع الثورة، لكنها لسبب غامض امتنعت عن تنفيذ المهمة، بل انقلبت على البشير، وكان لموقفها هذا دور في تسهيل إطاحة نظامه. وكانت ثمرة ذلك أن اختير قائدها «حميدتي» نائباً لرئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي خلف البشير.

كانت «قوات الدعم السريع» مجموعة صغيرةً يُقدَّر عددها بنحو 30 ألف مقاتل، لكنها استغلت فترة حكم المجلس العسكري الانتقالي بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وأصبحت قوةً كبيرةً ليصل عددها إلى نحو 100 ألف مقاتل، وتم تسليحها بمختلف أنواع الأسلحة ما عدا الدبابات والطائرات.

تحالفات «الدعم السريع»

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو يشهد تأدية اليمين الدستورية لأعضاء حكومته الموازية (المجلس الرئاسي لـ«تأسيس»)

بعد اندلاع الحرب الحالية في منتصف أبريل 2023، انشقت مجموعات مسلحة عن حركاتها الأم، وانحازت لـ«الدعم السريع»، أبرزها حركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة الطاهر حجر، وحركة «العدل والمساواة» بقيادة سليمان صندل، و«حركة وجيش تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة الهادي إدريس. وبجانب هذه المجموعات، هناك عدد آخر من الميليشيات ذات الطابع القبلي، إضافة إلى جناح منشق عن حركة «تمازج».

أما في منطقة النيل الأزرق، فقد اختارت «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة مالك عقار الانحياز للجيش، وأصبح رئيسها نائباً لرئيس «المجلس السيادي» بديلاً عن حميدتي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، تحالفت «قوات الدعم السريع» مع عدد من الحركات المسلحة والقوى السياسية، مُكوِّنةً بذلك تحالف «تأسيس». وأبرز هؤلاء المتحالفين «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو، التي ظلت تقاتل الحكومة منذ 2011.

ميليشيات في رحم التكوين

في شمال البلاد، حيث لم تعرف المنطقة الميليشيات من قبل، أعلن رئيس حركة «كيان الشمال» محمد سيد أحمد، المعروف باسم «الجكومي»، في يوليو (حزيران) الماضي، أن حركته تدرب 50 ألف مقاتل من أبناء ولايتَي الشمالية ونهر النيل، تدريباً عسكرياً متقدماً.

كما برزت ميليشيات أخرى، على رأسها ميليشيا «أولاد قمري»، وهي بحسب تقرير صحافي نشره موقع «التغيير» على الإنترنت، جماعة بدأت عملها في عهد النظام السابق قبل أن تجد الدعم من الجيش بعد الحرب.

وفي غرب البلاد، أعلنت جماعات في شمال إقليم كردفان وغربه عن تشكيل ميليشيا جديدة تحت اسم «قوات حلف الكرامة - درع كردفان»، قالت إنها تقاتل مع الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، إضافة إلى ميليشيات أخرى صغيرة بأسماء «تحالف كردفان»، و«أسود الجبال» وغيرهما.

وفي وسط البلاد، ظهرت ميليشيات جديدة، تحديداً في ولاية الجزيرة، تحمل إحداها اسم «قوات شعب الوسط»، أعلنت الدخول في ميادين القتال، بالإضافة إلى ميليشيا «درع السودان» المعروفة من قبل.

رائحة الخطر

المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» سببت دماراً هائلاً للبنية التحتية (أ.ف.ب)

وحول هذا المشهد المعقد، قال المحلل السياسي عثمان فضل الله لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات دون شك تلعب دوراً حاسماً في تعقيد فرص السلام والاستقرار في البلاد، إذ إنها «باتت تفرض واقعاً ميدانياً مغايراً لأي اتفاقات سياسية أو مبادرات وطنية، لأنها تمدَّدت لملء الفراغ الأمني في ظل ضعف الدولة، وغياب الاحتكار الشرعي لاستخدام القوة، بأجندات جهوية أو قبلية أو شخصية، تعمّق الانقسام الاجتماعي والسياسي في البلاد».

وأوضح أن تأثيرات انفجار الميليشيات ينذر بإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، ويجعل المواطن يرى أن مَن يحكم فعلياً هو صاحب السلاح، لا القانون. وحذَّر فضل الله من جعل العنف أداة التمكين والحماية بدلاً عن الحوار والمشاركة السياسية.

من جانبه، رسم صلاح الأمين، المحلل السياسي، سيناريوهات عدة وصفها بأنها «كلها مُرّة». وأبدى مخاوفه من سيناريو تقسيم السودان، قائلاً: «هناك سيناريو لحكومتين في دولة واحدة على الطريقة الليبية، وتحت كل دولة حكومة صغيرة في شكل لوردات حرب، لها نفوذ أصغر».

وأضاف الأمين: «هناك سيناريو آخر، يتمثل في انضمام بعض أقاليم السودان إلى دول الجوار، لا سيما في مناطق التداخل الإثني والثقافي».

وفي السياق ذاته، قال عصام عباس، المختص في تحليل بيانات ظاهرة انتشار الميليشيات: «الوضع أصبح أكثر سوءاً بعد اندلاع الحرب، لأن الميليشيات تحوّلت من مجرد أدوات أمنية، إلى كيانات مستقلة تنشأ على أسس قبلية أو جهوية أو مصالح ضيقة».

عدّ عباس تنامي الميليشيات نتيجةً لـ«ضعف المؤسسة العسكرية الرسمية وسلطة الدولة، وتشجيعهما على إنشاء الميليشيات، فضلاً عن اعتماد التجنيد غير المنضبط». وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الحال دون مشروع وطني واضح، يتيح ازدياد الانفلات والانهيار الأمني والسياسي في المستقبل.

ويبقى السؤال الأهم الذي يتردد على ألسنة الكثيرين: هل يستطيع السودانيون إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، أم ستتكاثر الميليشيات وتتقاتل فيما بينها، وتبقى البلاد في دوامة حروب لا نهاية لها.


مقالات ذات صلة

«الدعم السريع» تسيطر على قيسان

شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

«الدعم السريع» تسيطر على قيسان

أعلن تحالف «تأسيس» السيطرة على مدينة قيسان الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، وبالقرب من الحدود السودانية - الإثيوبية، بعد معارك مع الجيش.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)

تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

أكد التحالف المدني الديمقراطي السوداني «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك أنه لم يتلقَّ أي اتصال بشأن ما يتداول عن مبادرة لحوار سياسي وطني.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين وفي لقاءات أديس أبابا (إكس)

تحليل إخباري «الآلية الخماسية» لتسهيل العملية السياسية في السودان... إلى أين؟

تواجه «الآلية الخماسية» لتسهيل العملية السياسية في السودان اختبارات صعبة نتجت عن تعثر اجتماعاتها الأخيرة في أديس أبابا، والتي قاطعتها قوى سياسية أبرزها «صمود».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)

السودان: الأسر البديلة... حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

أدت الحرب لعجز في مؤسسات إيواء الأطفال فاقدي السند، ونتج عن ذلك ارتفاع معدلات الوفيات بين الصغار، واضطرت السلطات للجوء إلى الأسر البديلة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية) p-circle

البرهان: نخوض معركة بقاء من دون تدخل خارجي

قال قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرها إن قواته تخوض معركة بقاء «بشرف وعزة»، من دون تدخل من أي جهة خارجية

محمد أمين ياسين (نيروبي)

احتراق محطة كهرباء بمدينة الزاوية الليبية إثر هجوم بطائرة مسيرة

حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)
حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)
TT

احتراق محطة كهرباء بمدينة الزاوية الليبية إثر هجوم بطائرة مسيرة

حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)
حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)

أعلنت الشركة العامة للكهرباء في ليبيا صباح اليوم الأربعاء أن محطة تحويل الكهرباء جنوب مدينة الزاوية الواقعة بشمال غرب ليبيا تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة، ما أدى إلى احتراقها بالكامل وخروجها عن الخدمة، وفقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب المدينة.

وأضافت، في منشور على صفحتها على «فيسبوك»، أنه فور وقوع الحادث، تحركت الفرق الفنية التابعة للشركة إلى الموقع للوقوف على حجم الأضرار وحصرها، والبدء في اتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة لمعالجة تداعيات الحادث والعمل على إعادة التغذية للمناطق المتضررة وفق الإمكانات الفنية المتاحة.

وحذرت الشركة من خطورة استمرار الاعتداءات على منشآت ومكونات الشبكة الكهربائية، وما قد يترتب عليها من تداعيات مباشرة على استقرار الشبكة العامة، مشيرة إلى أن «فقدان المزيد من محطات التحويل وخطوط ومكونات نقل الطاقة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في المنظومة، قد تصل إلى حدوث إطفاء جزئي أو عام للشبكة الكهربائية».

وأكدت الشركة أن الاعتداءات والاختلالات الأمنية التي شهدتها مدينة الزاوية خلال الفترة الماضية انعكست بصورة مباشرة على قطاع الكهرباء، وتسببت في أضرار جسيمة لعدد من منشآت ومكونات الشبكة، إلى جانب تأثيرها المباشر على برامج الصيانة لوحدات الإنتاج بمحطة كهرباء الزاوية.


توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
TT

توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

تصدر ملف توحيد المؤسسات الليبية محادثات رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الثلاثاء، في العاصمة الليبية طرابلس، وذلك خلال زيارة للأخير تستمر يومين، وتشمل أيضاً بنغازي، في وقت تشهد فيه البلاد تحركات سياسية ودبلوماسية متسارعة لإنهاء حالة الانقسام السياسي والعسكري المستمرة منذ سنوات.

وأدرجت حكومة «الوحدة» الزيارة، في إطار «التشاور والتنسيق المستمر بين البلدين حول عدد من الملفات محلّ الاهتمام المشترك»، في وقت تأتي فيه المحادثات على وقع تحركات دولية وإقليمية متسارعة حول الأزمة الليبية، وفي مقدمتها المبادرة الأميركية المطروحة لتسوية الأزمة.

وانصبّت محادثات الدبيبة وفيدان على تطورات الأوضاع في المنطقة وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليميين، إلى جانب مستجدات المسار السياسي الليبي، وسبل دعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الوطنية وتعزيز الاستقرار.

كما تناول اللقاء ملفات التعاون بين ليبيا وتركيا، وسبل تطويرها في عدد من المجالات، بما يخدم مصالح البلدين، وفق البيان الحكومي، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن طبيعة هذه الملفات أو نتائج المباحثات.

وتكتسب زيارة فيدان أهمية خاصة، لكونها تشمل طرابلس وبنغازي، بما يعكس اتساع نطاق الاتصالات التركية مع الأطراف الليبية، في وقت تتابع فيه أنقرة عن كثب المبادرات المطروحة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والمؤسسي في البلاد.

من لقاء سابق جمع بين الدبيبة واردوغان في أنقرة (الرئاسة التركية)

ومن المقرر أن يجري وزير الخارجية التركي في بنغازي محادثات مع عدد من المسؤولين والقيادات العسكرية في شرق ليبيا، في إطار سعي تركيا لتعزيز التواصل مع مختلف مراكز القوة في البلاد.

ونقلت وكالة «الأناضول» التركية عن مصدر دبلوماسي تركي أن أجندة فيدان تتركز على تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الراهنة في المسار السياسي الليبي، وأهمية الاستقرار في البلاد، إلى جانب متابعة المبادرات الأميركية ومسار الأمم المتحدة السياسي.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتأتي التحركات التركية في توقيت حساس بالنسبة إلى المشهد الليبي، مع استمرار الاتصالات بشأن المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، والتي تتضمن، وفق ما تم تسريبه عن ملامحها، إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في البلاد، مع تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الفريق أول صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، في حين يبقى الدبيبة رئيساً للحكومة.

وتبدي أنقرة منذ أعوام انفتاحاً متزايداً على بناء علاقات مع مختلف مراكز القوة في ليبيا، ولا سيما شرق البلاد، بعدما ارتبط دعمها خلال حرب طرابلس (2019 - 2020) بشكل وثيق بحكومة «الوفاق الوطني» السابقة في غرب ليبيا.

ويعكس انتقال الاتصالات التركية من طرابلس إلى بنغازي توجهاً نحو توسيع هامش الحركة في الملف الليبي، وعدم حصر العلاقات في طرف واحد، خصوصاً مع تعقد المشهد السياسي والعسكري وصعوبة التوصل إلى تسوية، من دون إشراك القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وبحسب المصدر الدبلوماسي الذي نقلت عنه «الأناضول»، فإن أنقرة تسعى إلى تعزيز الحوار مع المسؤولين الليبيين «من دون التمييز بين غرب البلاد وشرقها وجنوبها»، مع التشديد على أهمية حماية الحقوق والمصالح المشتركة للبلدين في شرق المتوسط على أساس مبدأ «رابح - رابح».

كما يتضمن الموقف التركي دعم جهود الأمم المتحدة، الرامية إلى إجراء انتخابات «نزيهة وموثوقة وشفافة» في ليبيا، مع التأكيد على التعاون مع مختلف الأطراف الليبية والمجتمع الدولي لدفع المسار السياسي إلى الأمام.

ويمثل الملف الاقتصادي جانباً رئيسياً من التحرك التركي، في ظل رغبة أنقرة في تطوير تعاونها القائم مع ليبيا في قطاع الطاقة على أساس المنفعة المتبادلة، وتنفيذ مشروعات جديدة، إلى جانب ضمان استمرار أنشطة الشركات التركية في ليبيا بصورة آمنة ومستدامة.

ويحظى قطاع المقاولات بصفة خاصة بحضور لافت للشركات التركية في ليبيا، فيما تسعى أنقرة إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وتوسيعها، بالتوازي مع تثبيت حضورها السياسي والأمني في بلد يحتل موقعاً استراتيجياً في منطقة شرق المتوسط.

وتسارعت خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة الاتصالات التركية مع قيادات سياسية وأمنية وعسكرية ليبية من المعسكرين، في مشهد يعكس تحولاً لافتاً في مقاربة أنقرة للملف الليبي، ويثير تساؤلات بشأن حدود هذا الانفتاح وأهدافه في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، أجرى وكيل وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة» عبد السلام الزوبي، ومستشار الأمن القومي إبراهيم الدبيبة، محادثات مع الجانب التركي، ممثلاً في رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم كالين، ووزير الخارجية هاكان فيدان.

وجاءت هذه الاتصالات بعد أقل من أسبوعين على زيارة صدام حفتر إلى تركيا، حيث التقى فيدان وبحث معه آخر التطورات في ليبيا والقضايا الإقليمية والدولية، مع التأكيد على أهمية استمرار التنسيق، بما يعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد استقبل الدبيبة في 18 أبريل (نيسان) الماضي، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، في أحدث لقاء رفيع المستوى بين الجانبين.

وتحمل التحركات التركية المتزامنة بين طرابلس وبنغازي دلالات تتجاوز الاتصالات الثنائية، إذ تأتي في مرحلة تعيد فيها القوى الدولية والإقليمية حساباتها بشأن مستقبل الترتيبات السياسية والعسكرية في ليبيا، بينما تحاول أنقرة الحفاظ على نفوذها ومصالحها، وفتح قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الفاعلة في أي تسوية مقبلة.


«جرائم مجهولة» وإجراءات ملتبسة تُعقّد أزمة «ملكية خطوط الجوال» في مصر

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
TT

«جرائم مجهولة» وإجراءات ملتبسة تُعقّد أزمة «ملكية خطوط الجوال» في مصر

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)

تابع الشاب المصري هاني جاد بقلق الأزمة التي تعرض لها الطالب الجامعي عمرو عمارة، بعد أن تلقى اتهامات «تتعلق بالاتجار بالمخدرات»، لمجرد ملكيته لرقم هاتف جوال لم يستخدمه واستغله آخرون؛ ما دفعه للاستعلام عن الأرقام المسجلة باسمه، فاكتشف وجود خطين، تبعها بعدد من الإجراءات التي لا يعلم ما إذا كانت كافية أم أنه يحتاج للمزيد، ولذلك بدأ يركز على توعية المحيطين به ودفعهم للاستعلام عن الأرقام الهاتفية، تجنباً لوقوعهم ضحايا لـ«جرائم مجهولة».

وكانت محكمة الجنايات المصرية قد قضت غيابياً على الطالب عمارة بالسجن المؤبد (25 عاماً) في قضية اتجار بالمخدرات، بعد سقوط عصابة تهريب للمواد المخدرة، كانت تستخدم خطا مسجلاً باسمه في عملياتها الإجرامية. وظهر الشاب منذ أيام، قبل تسليم نفسه لإعادة إجراءات المحاكمة، ليبين أنه قدم بطاقته لشقيقة صديقه التي تعمل في إحدى فروع الاتصالات، فسجلت خطاً باسمه لاستكمالها التارجت، لكنه لم يتسلمه أو يستخدمه، ولا يعلم كيف وصل لهذه العصابة.

وعكس عمارة الذي قدم بطاقته طوعاً، وشهد على لحظة خروج الخط، دون أن يتوقع ما قد يجلبه ذلك من مشكلات، شكا آلاف المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي من اكتشافهم وجود العديد من الخطوط المسجلة بأسمائهم دون أن يعلموا عنها شيئًا، وسط تساؤلات عن الإجراءات اللازمة، وقلقهم من احتمال تورطهم في «جرائم لم يرتكبوها».

وتوجه جاد، الذي يعمل في شركة المياه الحكومية بمحافظة الشرقية (دلتا النيل) قبل أيام إلى فرع شركة الاتصالات للاستعلام عن هذه الخطوط، ومعرفة كيف نُسبت له دون علمه، لكنه لم يخرج بإجابات واضحة، فطلب وقف هذه الخطوط، ووقَّع على استمارة معنونة بـ«عدم حيازة وإيقاف خط»، بينما يترقب حالياً ما سينتهي إليه تحقيق النيابة العامة مع شركات الاتصالات في مصر حول القضية، والتفكير فيما إذا كان سيتخذ إجراءات قانونية أخرى تحميه من التورط في أي قضية، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر قد أحال، الاثنين، شركات الهواتف المحمولة الأربع إلى النيابة العامة، للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين، اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها، وذلك «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما تلا ذلك من استكمال للأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

وقال المحامي حسن شومان لـ«الشرق الأوسط» إن «قضية شرائح الجوال خطيرة، وقد توقع الشخص في قضايا كبيرة تتعلق بالأموال، مثل سرقات إلكترونية أو نصب، أو قضايا جنائية كالتحرش والمخدرات... وغيرها؛ لذا لا تجب استهانة الشخص الذي اكتشف وجود شريحة باسمه بذلك، واتباع الإجراءات».

ونصح شومان المواطنين في البداية بالتوجه إلى فروع الشركات التي أصدرت الخطوط باسمه، والاستعلام عن هذه الأرقام، وتوقيع استمارة إنكار ملكية للخط ووقفه، ثم التوجه إلى قسم الشرطة، وعمل محضر يثبت فيه عدم معرفته شيء عن هذه الأرقام، ويطالب شركة المحمول بتوضيح كيف خرجت باسمه، لافتاً إلى أن «الأمر قد ينطوي على قضايا تزوير».

وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام محلية أن 100 شخص ترددوا على 9 أقسام لتحرير محاضر ضد شركات المحمول بسبب شرائح الجوال.

مقر الشركة المصرية للاتصالات الرئيسي في ميدان الجيزة (الشرق الأوسط)

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد وجَّه في بيان، أخيراً، المتضررين بالتقدم بشكوى للجهاز. وطمأن المواطنين بأن «مجرد تسجيل خط هاتف محمول باسم شخص لا يرتب بذاته مسؤوليته عن الأفعال التي تتم باستخدامه، متى ثبت أن الخط لا يخصه، أو لم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية».

وأضاف شومان موضحاً: «صحيح أن التحقيقات القانونية تستطيع إثبات ما كان الخط في حوزة صاحبه المُسجل باسمه أم لا وقت ارتكاب جريمة، لكن مجرد حدوثها دون إنكار سابق لهذا الخط قد يعرضه للتوقيف احتياطياً لانتهاء الإجراءات، أو القبض عليه لحين إعادة إجراءات المحاكمة لو صدر حكم غيابي ضده، لذا ننصح باستباق كل ذلك بالتقدم بمحضر ضد شركات المحمول».

وقضية عمارة التي ذاع صيتها أخيراً ليست الأولى من نوعها. ويقول المحامي محمود فراج لـ«الشرق الأوسط» إنه رفع قضية ضد رقم يبعث رسائل إزعاج وتحرش وتشهير بموكلة لديه، وبعد الحكم الصادر بخمس سنوات ضد صاحب الخط تنازلت موكلته عن القضية لتأكدها أن «الخط لم يكن في حيازة الشخص المُسجل باسمه، وأن شخصاً آخر استغله وارتكب جرائمه في حقها».

وشدد فراج على أهمية الوعي القانوني بما قد يحدث للشخص من مجرد وجود اسمه على خطوط لا يستخدمها، والتحرك بتقديم شكاوى في الجهات المختصة، ومحضر في قسم الشرطة.

وفوجئ الصحافي محمود العمري بوجود عدة شرائح اتصالات باسمه، ليس له صلة مباشرة بها ولم يستخرجها. وقرر تحرير محضر ضد الشركة، واتخاذ الإجراءات القانونية وصولاً لطلب تعويض، كما توجه إلى فرع للشركة للحصول على ما يثبت تسجيل هذه الشرائح باسمه، لكن الموظف رفض تسليمها إياه، متوقعاً في بوست عبر «فيسبوك» أن تكون الشركات قد أصدرت توجهات بذلك، لكنه أكد الاستمرار في الإجراءات.

ويشير المحامي محمد الصاوي إلى أن «الحصول على تعويض من شركات المحمول مرتبط بحدوث ضرر على الشخص، الذي صدر خط باسمه، لكن عدم وقوع ضرر لا يستوجب تعويضاً»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بينما يقول حسن شومان إن موكلين كُثراً يأتون لمكتبه يسألون عن الإجراءات التي عليهم اتباعها، وعن إمكانية حصولهم على تعويض، في التباس واضح لدى المستخدمين.

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد أكد «العمل على تعزيز وسائل التحقق من هوية المستخدمين، ومن بينها منظومة التحقق البيومتري، بما يرفع مستوى دقة البيانات، ويعزز أمن وسلامة خدمات الاتصالات».