دراسة جديدة: بقايا فيروسات قديمة في جيناتنا... أساسية لتطور الجنين البشري

إمكانات واعدة لفهم أسباب العقم ومشكلات الحمل وتشوُّهات الأجنة

دراسة جديدة: بقايا فيروسات قديمة في جيناتنا... أساسية لتطور الجنين البشري
TT

دراسة جديدة: بقايا فيروسات قديمة في جيناتنا... أساسية لتطور الجنين البشري

دراسة جديدة: بقايا فيروسات قديمة في جيناتنا... أساسية لتطور الجنين البشري

لطالما ظن العلماء أن بعض أجزاء الحمض النووي في أجسامنا ليست سوى بقايا عديمة الفائدة من ماضٍ تطوري بعيد. ولكن دراسة جديدة من جامعة ستانفورد الأميركية قلبت هذه الفكرة رأساً على عقب. فقد تبيَّن أن بقايا فيروسات قديمة مدفونة في جيناتنا ليست خاملة كما كان يُعتقد؛ بل هي ضرورية لبداية الحياة نفسها. ومن دونها لا يمكن للأجنة البشرية أن تتطور.

فيروسات قديمة وإنسان حديث

يُقدِّر العلماء أن نحو 9 في المائة من الجينوم البشري يتكوَّن من شظايا فيروسات قديمة، تُعرف باسم الفيروسات القهقرية الذاتية ERVs) Endogenous Retroviruses) (هو نوع من فيروسات الحمض النووي الريبي «RNA» ترتبط بأمراض مختلفة، بما في ذلك بعض أنواع السرطان، وفيروس نقص المناعة البشرية «الإيدز»). وهذه البقايا هي آثار لعدوى أصابت أسلافنا منذ ملايين السنين. ومع مرور الزمن اندمج الحمض النووي الفيروسي داخل شفرتنا الوراثية، وأصبح جزءاً موروثاً يُنسَخ جيلاً بعد جيل.

وكان الاعتقاد السائد أن هذه البقايا التطورية مجرد «حمض نووي غير مفيد»؛ لكن الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة «Nature» بتاريخ 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أثبتت أن بعض هذه الفيروسات القديمة تلعب دوراً أساسياً في مراحل التكوين الأولى للإنسان.

نافذة على الأيام الأولى للحياة

يواجه العلماء صعوبة في دراسة المراحل الأولى من تكوين الجنين البشري، بسبب القيود الأخلاقية التي تمنع إجراء التجارب المباشرة على الأجنة. ولتجاوز هذا التحدي، استخدم الباحثون ما تُعرف بـالبلاستويدات (Blastoids)، وهي نماذج ثلاثية الأبعاد تُنشأ من الخلايا الجذعية، وتشبِه الأجنة في أسبوعها الأول من الحياة.

وفي هذه المرحلة المعروفة باسم الكيسة الأُرَومِيَّة (Blastocyst) تتشكل كرة صغيرة من الخلايا قادرة على تكوين جميع أنسجة وأعضاء الجسم لاحقاً؛ حيث تسمح هذه التقنية للعلماء بمراقبة بدايات الحياة الأولى في بيئة مخبرية آمنة، دون استخدام أجنة حقيقية، ما يفتح الباب أمام فهم أعمق لأسرار النمو البشري المبكر.

تعطيل الشفرة الفيروسية

وركَّزت الدراسة على عنصر فيروسي محدد يُسمى «HERVK LTR5Hs» دخل إلى الحمض النووي البشري، بعد انفصال الانسان كجنس بيولوجي مستقل في العالم القديم.

واستخدم العلماء أدوات تحرير جيني دقيقة لتعطيل أو حذف هذا الجزء الفيروسي من الخلايا الجذعية، وكانت النتائج مذهلة.

فبمجرد تعطيل هذه التسلسلات فشلت الخلايا في التكوُّن بشكل طبيعي، وتحولت إلى كتل غير منظمة من الخلايا ثم ماتت لاحقاً. وكانت هذه النتيجة دليلاً قاطعاً على أن هذا الحمض النووي الفيروسي ضروري لبداية الحياة.

بمعنى آخر: هذه الشفرة الفيروسية القديمة تُنظِّم التعليمات التي تُوجِّه الخلايا الأولى لكيفية النمو والانقسام والتخصص. فما كان يوماً فيروساً غازياً أصبح اليوم مفتاحاً لبناء الحياة البشرية.

الفيروس الذي يشغِّل الحياة

وأظهرت الدراسة أن بقايا الفيروسات القديمة تعمل كمفاتيح تشغيل قوية، تتحكم في نشاط الجينات المسؤولة عن تكوين الجنين في مراحله الأولى. فعند تعطيلها توقفت الجينات الحيوية؛ خصوصاً تلك التي تُسهم في تكوين الطبقة التي تُشكل لاحقاً جسم الإنسان.

بمعنى آخر: إن هذا الجزء الفيروسي لم يعد خطراً كما في الماضي؛ بل أصبح جزءاً أساسياً يوجِّه الخلايا الأولى نحو بناء الإنسان.

مفتاح رئيسي في حمضنا النووي

ومن بين النتائج اللافتة اكتشاف دور فريد لجين بشري يُدعى «ZNF729»، فقد تبين أن قطعة واحدة من الحمض النووي الفيروسي تعمل كمفتاح رئيسي لتفعيل هذا الجين الذي يتحكم في عمليات حيوية، مثل النمو والأيض. واللافت أن هذا الإدخال الفيروسي لا يوجد إلا عند البشر، وهو ما يشير إلى أن تطورنا كنوع كان سيتخذ مساراً مختلفاً تماماً من دونه.

إنه مثال رائع على قدرة التطور على تحويل فيروس كان يهدد الحياة إلى أداة جينية تحفظها وتبنيها.

إعادة التفكير في معنى أن نكون بشراً

تكشف هذه النتائج أن الحمض النووي البشري ليس «بشرياً خالصاً»؛ بل فسيفساء من جينات الإنسان وشظايا الفيروسات القديمة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ منا عبر ملايين السنين. فقد تحولت هذه الفيروسات التي كانت أعداءً في الماضي إلى عناصر أساسية في تكوين الحياة.

وكذلك تشير دراسات أخرى إلى أن الفيروسات القهقرية القديمة ساهمت في تكوين المشيمة وتنظيم جهاز المناعة، ما يعزز الفكرة بأن هذه البقايا الجينية ليست خردة؛ بل مكونات فاعلة في منظومتنا الحيوية.

من التهديد إلى التحالف

تقول الدكتورة جوانا ويسوكا، عالمة الأحياء التطورية بجامعة ستانفورد، والمؤلفة الرئيسية للدراسة، تُظهر نتائجنا كيف يمكن للعناصر الجينية المنقولة حديثاً أن تكتسب وظائف أساسية في التطور البشري.

أي بعبارة أخرى: الفيروسات التي أصابت أسلافنا أصبحت اليوم جزءاً مما يجعلنا بشراً.

من الماضي إلى الحاضر

تسلِّط هذه الاكتشافات الضوء على علاقة معقدة بين الإنسان وتاريخه الفيروسي. فهي لا تغيِّر فهمنا لأصلنا فقط؛ بل تفتح أيضاً آفاقاً جديدة لعلاج العقم ومشكلات الحمل واضطرابات النمو الجنيني التي قد تنتج من خلل في هذه العناصر الفيروسية.

وفي مفارقة مذهلة، يمكن القول إن الفيروسات التي كادت تُفني أسلافنا أصبحت اليوم من مهندسي الحياة نفسها. وكما تقول ويسوكا: نحن بطريقة ما مصنوعون من الفيروسات التي كانت تحاول القضاء علينا.

ففي داخل كل واحد منا سجلٌّ حي من العدوى القديمة، تحوَّل إلى شفرة للحياة الجديدة. قصة البشرية في جوهرها هي أيضاً قصة الفيروسات التي تحوَّلت من أعداء إلى شركاء في خلقنا.


مقالات ذات صلة

دماغ الطائر المغرّد... يفسر ألغاز أصوات الموسيقى

علوم طائر الزيبرا

دماغ الطائر المغرّد... يفسر ألغاز أصوات الموسيقى

مشروع جينومات 10500 نوع من الطيور... وآمال لعلاج الـتأتأة

جيم روبنز (نيويورك)
علوم دراسة رائدة تكشف عن خصائص وراثية فريدة لسرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في أميركا

دراسة رائدة تكشف عن خصائص وراثية فريدة لسرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في أميركا

تساعد على تفسير الفجوات المستمرة في معدلات البقاء على قيد الحياة.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

في كل خلية من خلايا الجسم البشري يمتد الحمض النووي بطول يقارب المترين، ومع ذلك يُحشر داخل نواة مجهرية أصغر من رأس دبوس. أهمية موقع الجينات ولطالما اعتقد…

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم خلل في «جين تنظيف البروتينات» يرتبط باضطرابات عصبية شديدة مبكرة

اكتشاف جيني قد يغير فهم الأمراض العصبية

تراكم البروتينات الضارة يتسبب فيها

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم مفتاح جيني خفي قد يتحكم في مرونة القلب

مفتاح جيني خفي قد يتحكم في مرونة القلب

يولّد بروتينات تنظم أداء عضلته ودرجة صلابتها

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق
TT

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق

وفقاً لبحثنا الجديد المنشور في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، غالباً ما تُخطئ نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الكبيرة، مثل «تشات جي بي تي»، فيما يخص تقدير ما قد يُعتبره الناس خارج العالم الغربي، أولوية أخلاقية، كما كتبت علياء زويل وألكسندرا فيغيروا (*).

تقييم المعايير الأخلاقية

في عام 2024 طلبنا من نماذج «جي بي تي -3.5» (GPT-3.5) و«جي بي تي-4» (GPT-4) و«جي بي تي 4 أو» (GPT-4o) من شركة «أوبن إيه آي» تقدير المعايير الأخلاقية - الأفكار المشتركة حول الصواب والخطأ - في 48 دولة، ثم قارنّاها بعينة عالمية تضم أكثر من 90 ألف مشارك بشري. وقد طُلب من كلٍّ من البشر، ومن نماذج الذكاء الاصطناعي، إكمال استبيان حول الأسس الأخلاقية، قمنا من خلاله بقياس مدى تأييدهم لستّ من القيم الأخلاقية.

مقارنة 6 أسس أخلاقية

كانت هذه الأسس هي:

* الرعاية care

* المساواة equality

* التناسب proportionality (مكافأة الأفراد بما يتناسب مع مساهمتهم)

* الولاء loyalty

* السلطة authority أو احترام السلطات الشرعية

* النقاء purity (الحرص على صون ما يُعتبر طبيعياً أو مقدساً)

وطُلب من المشاركين تقييم مدى موافقتهم على بعض العبارات الأخلاقية. على سبيل المثال، لتقييم مدى اهتمام شخص ما بالنقاء، قيّموا عبارات مثل: «أعتقد أنه يجب معاملة جسم الإنسان كمعبد، يحوي شيئاً مقدساً بداخله» و«يزعجني استخدام الناس للغة بذيئة وكأنها أمر عادي». ثم طُلب من نماذج الذكاء الاصطناعي الاستجابة للعبارات نفسها كمواطن عادي من كل دولة من الدول الـ48 الممثلة في العينة.

الحقوق الفردية في الغرب... والنقاء في الشرق

تُظهر أبحاث سابقة أجراها عالم النفس محمد عطاري أن الأولويات الأخلاقية تختلف حول العالم: تميل المجتمعات الغربية إلى إيلاء اهتمام أكبر لقضايا مثل الحقوق الفردية والرعاية، بينما تُولي العديد من المجتمعات غير الغربية أهمية أكبر نسبياً لقيم مثل النقاء. والجدير بالذكر أننا وجدنا معايرة مماثلة في نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث تُركز بشكل منهجي على قيم مثل الرعاية، بينما تُولي اهتماماً أقل لقيم مثل النقاء.

مبالغة غربية وتقليل من مخاوف العالم النامي

بالإضافة إلى ذلك، بالغت هذه النماذج في تقدير المخاوف الأخلاقية العامة للدول الغربية، كالولايات المتحدة وأستراليا، بينما قللت من شأن مخاوف العديد من الدول غير الغربية كالمغرب ونيجيريا. بعبارة أخرى، حتى عند مطالبة الأفراد بالاستجابة كمواطنين عاديين في بلد معين، انحازت النماذج بشكل منهجي إلى أنماط القيم الأخلاقية الغربية. وتتوافق هذه النتيجة مع أبحاث سابقة تُظهر أن «نفسية» نموذج «جي بي تي» أقرب إلى الأفراد الغربيين.

خطر التحيّز

يُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل متزايد في مجموعة واسعة من المهام عبر الثقافات، بما في ذلك التعليم والعلاج والتواصل وحتى القرارات السياسية.

وهناك خطر حقيقي للتحيز الثقافي إذا افترض الذكاء الاصطناعي أن العالم بأسره، من الأرجنتين ومصر إلى اليابان وزيمبابوي، يجب أن يتبنى نفس قيم العالم الغربي.

تخيل أن نموذج ذكاء اصطناعي يساعد في صياغة رسائل الصحة العامة خلال جائحة، أو يُشرف على المحتوى الإلكتروني، أو يترجم قصيدة، أو يُقدم المشورة لشركة تعمل عبر ثقافات متعددة. في كل حالة، يحتاج النظام إلى نموذج ما لما يهتم به الناس: ما يُعتبر ضاراً، أو عادلاً، أو غير محترم، أو مقدساً.

خطأ منهجي: انعدام توافق النماذج مع القيم السائدة خارج العالم الغربي

تشير نتائجنا إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يركز على القيم الأخلاقية بطرق لا تتوافق مع القيم السائدة خارج العالم الغربي. هذا الخطأ المنهجي، الذي يُطلق عليه الباحث جيسي غراهام وفريقه اسم «التنميط الأخلاقي»، قد يؤدي إلى أخطاء ثقافية جسيمة ذات عواقب وخيمة في الواقع.

على سبيل المثال: تخيل مستخدمين يطلبون المشورة بشأن نزاعات شخصية أو يبحثون عن آراء حول التعاون في العمل مع شركاء دوليين. في مثل هذه الحالات، قد تُقدم نماذج الذكاء الاصطناعي نصائح أو تستخدم لغة تعكس في الغالب القيم الغربية، متجاهلةً القيم الأكثر أهمية في الثقافات الأخرى. قد يُؤدي هذا إلى ترسيخ التحيزات الثقافية أو إلى استنتاجات لا تتوافق مع وجهات نظر الأشخاص من خلفيات غير غربية.

إساءة تمثيل القيم الإنسانية... يزيد الفوارق

باختصار، إذا أساءت نماذج الذكاء الاصطناعي تمثيل القيم «الإنسانية»، فقد تُفاقم نقاط الضعف الثقافية القائمة، بل وتُنشئ فوارق جديدة.

وبينما تُظهر أبحاثنا أن نماذج «جي بي تي» تستخلص السمات الأخلاقية للدول غير الغربية بشكل غير دقيق، لا تزال هناك أسئلة مهمة عالقة.

* أولاً: لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الأنماط تظهر في النماذج الأحدث أو في النماذج التي يتم تدريبها بلغات أخرى غير الإنجليزية.

* ثانياً: لا تزال أسباب هذه التشوهات الأخلاقية غير مفهومة جيداً. تتعلم النماذج عن العالم من خلال اللغة، حيث يتم الحصول على جزء كبير من بيانات تدريبها من الإنترنت، وهو أكثر سهولة في الوصول إليه في العالم الغربي الذي تهيمن عليه اللغة الإنجليزية. يُعد هذا تفسيراً معقولاً لنتائجنا، ولكنه يحتاج إلى اختبار مباشر.

* ثالثاً: لم يُعرف بعد ما إذا كانت هذه التحيزات الأخلاقية تظهر خارج نطاق الاستبيانات. تُؤثر القيم الأخلاقية على القرارات في المجالات التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد، بما في ذلك التعليم والصحة والاتصالات وأماكن العمل.

قد تحتاج الدراسات المستقبلية أيضاً إلى اختبار ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي ترتكب أخطاءً مماثلة في الواقع العملي.

--------

* علياء زويل مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي من جامعة ماساتشوستس أمهيرست. ألكسندرا فيغيروا باحثة ما بعد الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. مجلة «فاست كومباني».


تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات

تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات
TT

تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات

تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات

تستثمر الشركات حالياً مبالغ طائلة في موارد الذكاء الاصطناعي، أملاً في تعزيز أداء الأفراد ورفع كفاءة عملها. ونظراً لحجم هذه الاستثمارات، ثمة ضغوط تدفع الموظفين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في أكبر عدد ممكن من المهام، كما كتب آرت ماركمان (*).

وبشكل عام، إذا لم تكن قد جربت استخدام الذكاء الاصطناعي كثيراً، فإن الانخراط في استخدامه ينطوي على قيمة حقيقية؛ إذ تتطور الأدوات باستمرار وتتنامى القدرات التقنية لها. ولا تقتصر مزايا هذه النماذج على تقديم استجابات أكثر منهجية فحسب، بل إنها باتت تقترح أدوات -أو حتى تبنيها- لتنفيذ مهام ذات صلة بموضوع المحادثة.

مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي

ومع ذلك، ينطوي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في العمل على مخاطر عديدة. وفيما يلي 3 حالات يُستحسن فيها تجنب استخدام الذكاء الاصطناعي أو الحد منه قدر الإمكان:

1. عندما تحتاج إلى التعلم. ثمة مصطلح دخل حيز النقاش العام منذ صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو «تخفيف العبء المعرفي «cognitive offloading». وتتمثل الفكرة العامة للمصطلح في أن الذكاء الاصطناعي -بحكم طبيعته- يتولى تنفيذ مهام كانت تتطلب في السابق جهداً ذهنياً.

غير أن ما قد يغيب عن بال الكثيرين هو أن الجهد الذهني يمثل إشارة للدماغ بوجود أمر يستدعي التعلم؛ فالأصل أن الدماغ يسعى دائماً لتقليل الوقت المستغرق في أداء أي مهمة. وكلما بذلت جهداً أكبر في مهمة ما، استنتج الدماغ أن تعلم كيفية أدائها سيقود إلى بذل جهد أقل في المستقبل. وهذا ما يجعل استثمار الطاقة لتغيير بنية الدماغ -وهي العملية التي تدعم التعلم من الناحية الفسيولوجية- أمراً مفيداً ومجدياً.

وعليه، كلما لجأت إلى تجنب الجهد عبر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، قلّت احتمالية إرسال إشارات للدماغ بضرورة تعلم شيء جديد. فإذا كان اكتساب معرفة أو مهارة ما أمراً ضرورياً، ينبغي لك التضحية بالكفاءة قصيرة الأمد لصالح الفائدة طويلة الأمد المتمثلة في التعلم.

خصص وقتاً للتعامل مع تعقيدات المشكلة بنفسك، واقرأ المواد بدلاً من الاكتفاء بملخصاتها، واطرح على نفسك الأسئلة وأجب عنها؛ فبهذه الطريقة، أنت تهيئ نفسك لتعلم شيء جديد.

وبعد إنجاز ذلك الجهد، يمكنك اختيار مدى التحقق من عملك أو مدى استيعابك للمعلومات باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكنك إجراء محادثة مع أحد النماذج للتأكد من فهمك الجيد للمعلومات، أو حتى قراءة نص ما ثم الطلب من الذكاء الاصطناعي اختبارك فيه لقياس مدى استيعابك.

تدقيق التفاصيل

2. عندما تكون التفاصيل مهمة. في عصر الذكاء الاصطناعي، قد يميل المرء إلى اختصار النصوص الطويلة أو سلاسل رسائل البريد الإلكتروني أو تقارير المشاريع لتوفير الوقت؛ ففي النهاية، لماذا تقرأ مستنداً طويلاً بينما يمكنك استخلاص جوهره بسرعة؟

ولكن، كما تقول الحكمة القديمة: «التفاصيل هي مكمن العظمة - أو أحياناً مكمن الشيطان». فقد أثبتت أبحاث عديدة أن الناس يقعون فريسة لما يُعرف بـ«وهم عمق الفهم»، حيث يعتقدون أنهم يفهمون العالم فهماً أعمق مما هو عليه في الواقع.

إذا كنت مسؤولاً عن تكوين فهمٍ دقيق ومفصل لأمر ما، فلا توجد طريقة مجدية لتجاوز عملية الجهد اللازم لاستيعاب ذلك الشرح تماماً؛ إذ يتعين عليك الخوض في تفاصيل الشرح بكامل أبعادها، والتأكد من إلمامك بالجزئيات الدقيقة إلى جانب الملخص العام.

التفاعل مع الفريق

3. عندما تحتاج إلى التفاعل مع فريقك. تجد نماذج الذكاء الاصطناعي مكانها في بيئة عمل تتجه بشكل متزايد نحو العمل الفردي، وعن بُعد. فقد دشنت جائحة «كوفيد-19» حقبةً شهدت زيادة كبيرة في أعداد الأشخاص الذين يعملون من منازلهم. وعلاوة على ذلك، نشأ الجيل الصاعد في ظل الهواتف المحمولة والمراسلات النصية (ناهيك عن تأثير الجائحة على تطورهم الاجتماعي). ويوفر الذكاء الاصطناعي التوليدي ميزةً للعاملين بمفردهم، إذ يمنحهم شريكاً متاحاً باستمرار لمناقشة قضايا العمل والتفكير فيها.

ومع ذلك، ينطوي العمل الجماعي على مزايا عديدة لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها بالكامل. ومن الجوانب الإيجابية، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتك في الخروج من حيز تفكيرك المحدود عبر تقديم منظور بديل للمشكلات.

كما أن التفاعل مع أعضاء فريقك يحمل نتائج مهمة أخرى؛ فإذا أردت كسب تأييد واسع النطاق لفكرة ما، فمن المفيد إشراك أشخاص متنوعين من مؤسستك، ومنحهم الفرصة للمساهمة وطرح مخاوفهم ومعالجتها. أما إذا اقتصر عملك على تطوير هذه الأفكار بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي فقط، فقد تتوصل إلى مفهوم رائع، لكنك ستكون قد أغفلت الجهد اللازم لكسب تأييد بقية أعضاء الفريق وإشراكهم في العملية.

تعزيز الانسجام

بالإضافة إلى ذلك، وبعد تحديد مسار العمل، تبرز أهمية توحيد طريقة تفكير الفريق بشأن المفاهيم الأساسية؛ فعندما تعمل المجموعات معاً، ينشأ تقارب في أساليب تفكيرهم، وتساعد ديناميكيات المجموعة الفريقَ على الاتفاق على مصطلحات مشتركة للمناقشة وبناء فهم موحد للأمور.

لذا، عندما تكون هناك قيمة في تعزيز الوحدة والانسجام، يُفضل جمع الفريق للعمل معاً بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل مع الذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذه التفاعلات قد تبدو محرجة أو حتى تثير بعض التوترات أثناء سير العمل، فإن الفوائد المتمثلة في منح الفريق بأكمله شعوراً بملكية العمل وبناء فهم مشترك، تستحق هذا الجهد.

* مجلة «فاست كومباني».


مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات

مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات
TT

مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات

مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات

على مدار العقد الماضي، توسعت «مدرسة ألفا» (Alpha School)، وهي مدرسة ربحية تركز على الذكاء الاصطناعي- بعد أن تأسست أول الأمر في حرم دراسي واحد في مدينة أوستن لتتوسع وتشمل قائمة متنامية تضم أكثر من 15 مدرسة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك مدن كبرى مثل نيويورك وسان فرانسيسكو، كما كتب (*).

مدارس الذكاء الاصطناعي

وتنضم مدرسة «ألفا» إلى مدارس خاصة أخرى تركز على الذكاء الاصطناعي وتخدم المراحل الدراسية من الروضة حتى الصف الثاني عشر (K-12) مثل «أنباوند أكاديمي» (Unbound Academy) و«مدرسة خان المختبرية» (Khan Lab School)، وهي خيارات متاحة الآن لأولياء الأمور، بتكلفة تتراوح بين 40 ألفاً و75 ألف دولار سنوياً في بعض الحالات.

«نموذج تعليم مخصص لكل تلميذ»

ويستخدم بعض المؤيدين للتعليم القائم على الذكاء الاصطناعي شعارات مثل: «نظام المدرسة معطّل، ونحن هنا لإصلاحه». وقد عبّرت ماكنزي برايس، إحدى الشخصيات المؤسسة لمدرسة «ألفا»، عن استيائها من نموذج التعليم القائم على مبدأ «مقاس واحد يناسب الجميع»، حيث يدرس جميع الطلاب المادة نفسها ولكنهم غالباً ما يتعلمون بسرعات متفاوتة.

كما جادل سال خان، مؤسس منصة «أكاديمية خان» التعليمية عبر الإنترنت، بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر لكل طالب معلماً خاصاً يستجيب لاحتياجاته الفردية المحددة. ويُعد بيل غيتس أيضاً من بين قادة الفكر في مجال التكنولوجيا الذين توقعوا أن يحل الذكاء الاصطناعي محل العديد من المعلمين خلال العقد المقبل.

ثنائية زائفة: تعليم تفاعلي مقابل تعليم تلقيني

قد تكون الحجة الداعية إلى تعليم أكثر تخصيصاً وجيهة في بعض الحالات، لكنها تنطوي أيضاً على خطر خلق ثنائية زائفة؛ حيث يُنظر إلى جميع برامج الذكاء الاصطناعي على أنها تفاعلية ومحفزة، بينما يُنظر إلى التدريس الصفي التقليدي على أنه مجرد إلقاء وتلقين.

وبصفتي باحثاً في سياسات التعليم وأُجري أبحاثاً حول الذكاء الاصطناعي والمعلمين، أدرك أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير.

وعود التدريس الخصوصي عبر الذكاء الاصطناعي

تستبدل مدرسة «ألفا» التعليم التقليدي المباشر (وجهاً لوجه) لطلاب المراحل من الروضة حتى الصف الثاني عشر وتتبع نظام تدريس خصوصي مخصص يعتمد على الذكاء الاصطناعي، حيث يتم تكثيف مواد القراءة والرياضيات وغيرها في فترة دراسية مدتها ساعتان.

وتُستكمل فترة التدريس بالذكاء الاصطناعي -التي تستغرق ساعتين- بورش عمل حضورية وبوجود من تطلق عليهم المدرسة «المدربين» أو «الموجهين»، وهم ليسوا بالضرورة معلمين مرخصين. ويمكن أن تركز هذه الجلسات على مهارات حياتية غير أكاديمية، مثل طرق التحدث أمام الجمهور وريادة الأعمال، بالإضافة إلى الفنون والتربية البدنية.

* فوائد التعليم الخصوصي البشري والاصطناعي. وفيما يتعلق بجانب الذكاء الاصطناعي في هذا النظام التعليمي، فمن الواضح أن هناك فوائد للتدريس الخصوصي المخصص. على سبيل المثال، أظهرت مراجعة شاملة نشرها «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية» في عام 2020 أن أشكالاً متنوعة من التدريس الخصوصي الذي يقدمه البشر قد أدت إلى مكاسب تعليمية ثابتة ومستمرة عبر مختلف المواد الدراسية والفئات العمرية.

كما أظهرت دراسة أجراها «معهد بروكينغز» أن الذكاء الاصطناعي يعزز كفاءة التدريس المدعوم بالحاسوب من خلال إتاحة الفرصة للطلاب للتفاعل مع البرنامج باستخدام اللغة اليومية المعتادة. وعلاوة على ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تعديل وتكييف جلسة التدريس بناءً على مستوى تقدم الطالب والتحديات التي يواجهها في استيعاب المادة العلمية.

* لا دليل على تفوق الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة تثبت تفوق الذكاء الاصطناعي أو غيره من أنظمة التدريس الحاسوبية على المعلمين البشر، وإن كانت هذه الأنظمة قد تكون أقل تكلفة في كثير من الحالات.

* دعم المعلمين بدلاً من استبدالهم. وبدلاً من محاولة استبدال المعلمين والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، أرى أن الاستراتيجية الأكثر جدوى وفاعلية تكمن في دعم المعلمين لاستخدام الذكاء الاصطناعي بما يعزز قدراتهم التعليمية ويجعلهم معلمين أفضل.

التدريس الخصوصي الجيد يدعم التعلم داخل الفصل الدراسي

لقد ثبت أن التدريس الفردي (وجهاً لوجه) - سواء كان على يد معلم أو ولي أمر أو مساعد تعليمي - فعّال للغاية في رفع درجات الطلاب في الاختبارات وتحسين مستوى تعلمهم بشكل عام. كما تبين أن التدريس الخصوصي «عالي التأثير» - الذي يعتمد على جلسات منتظمة وطويلة الأمد تُعقد في مجموعات صغيرة داخل المدارس - يحقق نتائج فعالة بشكل خاص.

وتشير إيزابيل هاو، المديرة التنفيذية لـ«مسرّعة ستانفورد للتعلم» (Stanford Accelerator for Learning)، إلى أن الطلاب الصغار بحاجة إلى تطوير مهارات اجتماعية قوية - وهو ما تطلق عليه مصطلح «الذكاء العلائقي (relational intelligence)» - لكي يزدهروا ويتألقوا في البيئات الاجتماعية.

ولكي يكون التدريس الخصوصي البشري فعالاً، لا بد أن يستوفي معايير محددة؛ فعلى سبيل المثال، ينبغي أن يلتقي المعلمون الخصوصيون طلابهم بانتظام، وأن يتمتع هؤلاء المعلمون بالكفاءة والمهارة، مع الحرص التام على أن تكون المادة التي يدرسونها متكاملة تماماً مع المنهج الدراسي للطالب.

كما يُعد بناء علاقة وطيدة بين المعلم والطالب أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على دافعية الطلاب وتركيزهم على المهام التعليمية التي يؤدونها.

هل يمكن لمعلمي الذكاء الاصطناعي أن يحلوا محل المعلمين البشر؟

لقد ظهرت أنظمة التعليم بمساعدة الحاسوب وأنظمة التدريس الذكية منذ سبعينات القرن الماضي.

وصُممت هذه الأنظمة لتقديم تعليم يتكيف مع المتعلمين أثناء تقدمهم في سلسلة من التمارين أو المسائل أو الأسئلة. وقد ثبت أنها ترفع مستوى تحصيل الطلاب عند استخدامها كأداة مكملة للتعليم الصفي التقليدي.

ومع ذلك، كشف تحليل موسع لدراسات مختلفة أنه على الرغم من أن هذه الأنظمة عززت تحصيل الطلاب، فإنه عند مقارنتها بالتدريس الصفي أو بأداء الطلاب الذين يعتمدون على الكتب المدرسية أو كراسات التدريبات، لم يكن هناك فرق جوهري في مستوى التعلم بين معلمي الذكاء الاصطناعي والمعلمين البشر.

وفي الآونة الأخيرة، أظهرت دراسة أُجريت عام 2025 وجود تأثيرات إيجابية ملموسة للتدريس عبر الذكاء الاصطناعي على تحصيل الطلاب في مختلف المواد والمراحل الدراسية.

وفي دراسة أخرى حظيت باهتمام واسع حول معلمي الذكاء الاصطناعي، قارن باحثون عام 2025 بين تأثير «التعلم النشط» داخل الفصل وبين استخدام معلم ذكاء اصطناعي صُمم خصيصاً لدورة تمهيدية في الفيزياء بجامعة هارفارد.

وأفاد الطلاب الذين استخدموا معلم الذكاء الاصطناعي بأنهم تعلموا المادة بشكل أسرع وشعروا بدافع أكبر للتعلم، مقارنةً بالطلاب الذين تلقوا تدريساً متخصصاً داخل الفصل. وتجدر الإشارة إلى أن الطلاب في هذه الدراسة لم يكونوا يتمتعون بدافع عالٍ ومهارات دراسية جيدة فحسب، بل إن معلم الذكاء الاصطناعي نفسه قد صُمم على يد الأساتذة الذين قاموا بتدريس المقرر الدراسي.

التعليم المدعوم بالذكاء الاصطناعي

إن الادعاءات القائلة بأن التدريس عبر الذكاء الاصطناعي يتفوق على التدريس الصفي لا تأخذ في الاعتبار سوى جزء من الأدلة المتاحة.

ومع ذلك، يمكن لمعلمي الذكاء الاصطناعي أن يكونوا مفيدين بالفعل في بعض الحالات، لا سيما عند استخدامهم لدعم المعلمين البشر في عملهم؛ فقد أظهرت دراسة أجريت عام 2024 تحسناً في أداء الطلاب بالمدارس المتوسطة في المناطق منخفضة الدخل عندما أتيح للمعلمين البشر الاستفادة من دعم أنظمة التدريس القائمة على الذكاء الاصطناعي.

كما أظهرت دراسة أجريت عام 2026 أنه عندما يستخدم المعلمون الذكاء الاصطناعي لإعداد خطط الدروس، فإن المعلمين ذوي الخبرة يميلون إلى مراجعة المحتوى بشكل نقدي لربطه بشكل أفضل بالمنهج الدراسي العام.

وبدلاً من تصور مستقبل يحل فيه معلمو الذكاء الاصطناعي محل المعلمين البشر، أعتقد أننا بحاجة إلى التفكير في نوع الدعم والتطوير المهني الذي يمكن أن يساعد المعلمين على تحقيق أقصى استفادة من هذه الأدوات الجديدة والمعقدة.

* أستاذ في الإدارة التربوية بجامعة ولاية بنسلفانيا، مجلة «فاست كومباني».