اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين تنعقد على وقع شبح «الدوت كوم»

أزمة الديون السيادية تتصدر النقاشات... وتركيز على إعادة إعمار سوريا

 غورغييفا تدلي بتصريحات قُبيل اجتماعات الخريف السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في معهد «ميلكن» بواشنطن (رويترز)
غورغييفا تدلي بتصريحات قُبيل اجتماعات الخريف السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في معهد «ميلكن» بواشنطن (رويترز)
TT

اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين تنعقد على وقع شبح «الدوت كوم»

 غورغييفا تدلي بتصريحات قُبيل اجتماعات الخريف السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في معهد «ميلكن» بواشنطن (رويترز)
غورغييفا تدلي بتصريحات قُبيل اجتماعات الخريف السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في معهد «ميلكن» بواشنطن (رويترز)

في تحول دراماتيكي يباين المشهد الذي ساد الاجتماعات قبل عامين، يعقد صندوق النقد والبنك الدوليان اجتماعاتهما السنوية في واشنطن هذا الأسبوع وسط تفاؤل حذر، حيث تتزامن مع إعلان التوصل إلى اتفاق سلام في غزة، وهو نبأ يخفف من حدة التوتر الجيوسياسي الذي لطالما أثقل كاهل الاقتصاد العالمي. ويأتي هذا التطور على النقيض من اجتماعات مراكش عام 2023 التي تخللتها وظللتها حرب غزة المشتعلة، مما زاد من الضغوط على صانعي السياسات.

ورغم الأفق السياسي الأكثر إشراقاً، فإن الخبراء الماليين ليسوا في وضع يسمح لهم بالاحتفال. فقد وجّهت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا تحذيراً صارخاً للمستثمرين، حين قالت قُبيل أيام من بدء الاجتماعات، يوم الاثنين، وعلى مدى أسبوع: «استعدوا: عدم اليقين هو الوضع الطبيعي الجديد، وهو باقٍ». وأشارت إلى أن أسواق الأسهم العالمية قد تكون في مأزق إذا تضاءلت شهية المستثمرين المندفعة نحو أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، محذرةً من «فقاعة تكنولوجية» مماثلة لما حدث قبل ربع قرن، في وقت يزداد فيه القلق بشأن ارتفاع الدين العالمي والتوترات التجارية المستمرة.

ففي عام 2000، تفجّرت فقاعة «الدوت كوم»، وكانت معروفة أيضاً بفقاعة الإنترنت، وهي كانت فقاعة اقتصادية ومضاربية ضخمة حدثت في أسواق الأسهم، وتركزت على شركات التكنولوجيا والإنترنت في الفترة ما بين عام 1995 وانهيارها في عام 2000، ففي حينه شهدت أسعار الأسهم البريطانية المرتبطة بالإنترنت، التي كانت تُعرف باسم شركات «دوت كوم»، ارتفاعاً جنونياً ومبالغاً فيه، في ظل التفاؤل الهائل بخصوص إمكانات الإنترنت، كأن ذلك «اقتصاد جديد» قادر على تغيير نماذج الأعمال التقليدية، وتحقيق أرباح خيالية.

وحذّرت غورغييفا من أن الظروف المالية الميسرة، التي «تُخفي ولا توقف بعض الاتجاهات الضعيفة»، يمكن أن تنقلب بشكل مفاجئ، وهو ما يزيد من المخاوف بشأن خطر انهيار سوقي يضاف إلى قائمة التحديات المتمثلة في التوترات التجارية وتضخم الدين العام، التي ستكون على طاولة صانعي القرار العالمي هذا الأسبوع.

وجاءت تعليقات غورغييفا بعد وقت قصير من تحذير بنك إنجلترا من أن خطر «التصحيح الحاد للسوق» قد زاد، مشيراً إلى أن التقييمات تبدو مبالغاً فيها، خصوصاً بالنسبة لشركات التكنولوجيا التي تركز على الذكاء الاصطناعي. وذكر التقرير أن تقييمات أسواق الأسهم «تُضاهي ذروة» فقاعة «الدوت كوم» عام 2000، التي انكمشت بعد ذلك، وأدت إلى ركود اقتصادي. ومع ازدياد حصة أسهم التكنولوجيا في مؤشرات الأسهم القياسية، فإن أسواق الأسهم «معرّضة بشكل خاص للتقلبات إذا ما أصبحت التوقعات بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي أقل تفاؤلاً».

وقد انضم صندوق النقد الدولي وبنك إنجلترا إلى أمثال سام ألتمان من «أوبن إيه آي»، ورئيس «جي بي مورغان تشيس» جيمي ديمون، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في التحذير من خطر تصحيح سوق الأسهم مع ارتفاع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.

متعاملون يعملون في بورصة لندن للمعادن بلندن (رويترز)

ارتفاع الذهب

ولم يقتصر الأمر من قبل غورغييفا على التحذير من «فقاعة تكنولوجية» مماثلة لما حدث قبل 25 عاماً، بل أشارت إلى عوامل أخرى تعكس قلق المستثمرين، مثل الارتفاع غير المسبوق في الطلب العالمي على الذهب، الذي تخطى سعره الـ4 آلاف دولار للأونصة للمرة الأولى في التاريخ، إلى جانب التداعيات الكاملة للرسوم الجمركية الأميركية الأخيرة على الصين.

وقد تقاطع تحذير غورغييفا مع هجوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتجدد على الصين، مهدداً بفرض رسوم جمركية عليها بنسبة 100 في المائة؛ رداً على حظر بكين صادرات المعادن الأرضية النادرة، وهو ما تسبب بتراجع كبير في الأسواق.

تحديات كبرى على الطاولة

سيناقش وزراء مالية ومحافظو المصارف المركزية العالمية ومسؤولون ماليون تحديات مثل مخاطر الأسواق المالية، واحتمال انهيار أسواق الأسهم وخطر فقاعات الأصول، إلى جانب مواضيع، مثل النمو العالمي، والدين العام، واستقلالية السياسة النقدية، وتحديات جوهرية طويلة المدى تواجه الاقتصاد العالمي.

وكان صندوق النقد الدولي توقع في آخر تحديث لتوقعاته الاقتصادية العالمية في يوليو (تموز)، نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3 في المائة لهذا العام - وهو تباطؤ طفيف مقارنة بـ3.3 في المائة في عام 2024. وسيُحدّث توقعاته في اجتماعات الأسبوع المقبل.

يظهر وسيط تحت لوحة مؤشر «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)

أولاً: المخاطر الاقتصادية والمالية:

  • هشاشة الاقتصاد العالمي: على الرغم من إظهار الاقتصاد العالمي بعض المرونة، فإنه يواجه مخاطر سلبية ناتجة عن احتمالية فرض تعريفات جمركية جديدة، واستمرار التوترات الجيوسياسية، وارتفاع مستوى عدم اليقين، مما يخلق بيئة صعبة للنمو والتنمية.
  • تقلبات الأسواق المالية: توجد مخاوف جدية بشأن استقرار الأسواق المالية، خصوصاً في ظل التقييمات المرتفعة، وإمكانية حدوث تصحيحات سوقية مفاجئة. مثل هذا التصحيح يمكن أن يؤدي إلى تضييق الظروف المالية، مما يجر النمو العالمي إلى الأسفل.
  • التجارة والرسوم الجمركية: يؤثر تصاعد التعريفات الجمركية، خصوصاً تلك الآتية من الولايات المتحدة، سلباً على التجارة العالمية، مما قد يضر بالنمو والإنتاجية. كما تمثل إعادة توجيه الصادرات الصينية إلى أسواق أخرى تحدياً جديداً للاقتصادات الأخرى.
  • الوساطة المالية غير المصرفية: يُشكّل نمو قطاع الوساطة المالية غير المصرفية وترابطه المتصاعد مخاطر جديدة تتطلب إشرافاً رقابياً أفضل، وهو ما تم تسليط الضوء عليه في مؤتمرٍ لصندوق النقد الدولي عقد في يونيو (حزيران) 2025.

ثانياً: أزمة الديون والإصلاح المؤسسي

  • أزمة الديون السيادية: أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدين العالمي لا يزال أعلى من 235 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع الدين العام نتيجةً لعجزٍ قابله انخفاض في الدين الخاص. وأعرب الصندوق مؤخراً عن قلقه إزاء ارتفاع مستويات الدين في كثير من الاقتصادات الناشئة والنامية، ونصحها بتحسين مصداقيتها المالية، وإعادة هيكلة ديونها عند الضرورة، وإعادة بناء قدرتها على الإنفاق.
  • مطالبات إصلاح مؤسسات بريتون وودز: هناك دعوة واسعة لإصلاح صندوق النقد والبنك الدوليين. وتطالب دول مجموعة «بريكس» بإنهاء الهيمنة الغربية على قيادة صندوق النقد الدولي، بينما تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً لتبسيط مهمة المؤسسات.

متداول في بورصة نيويورك (رويترز)

سوريا في قلب المشهد

ستتصدّر سوريا جدول النقاشات من خلال جلسة خاصة حول مستقبلها المالي، حيث يعقد صندوق النقد الدولي فعالية خاصة تحت عنوان «إعادة بناء سوريا: رحلة نحو الاستقرار والازدهار». وسيستضيف الصندوق وزير المالية السوري محمد يسر برنية، الذي سيتحدث عن التحديات والفرص المتاحة أمام تحقيق الاستقرار الاقتصادي بعد سنوات من الحرب الأهلية المدمرة. ومن المتوقع أن يركز النقاش، الذي يديره مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، الدكتور جهاد أزعور، على جهود الإصلاح التي يقودها الفريق الاقتصادي الجديد، ودور الشركاء الدوليين، وكيفية توفير الصندوق للمساعدة الفنية وبناء القدرات، وتنسيق دعم المانحين ضمن نطاق ولايته.

وفي تصريحات سابقة لغورغييفا حول سوريا، قالت إن «العودة إلى مؤسسات التمويل الدولية يجب أن تمر عبر بوابة الإصلاح المالي والشفافية»، مؤكدة أن الصندوق «يعمل بحذر لكن بإصرار مع شركائه لإعادة دمج سوريا تدريجياً في الاقتصاد العالمي».

هذا وستخضع تصريحات وزراء مجموعتي «السبع» و«العشرين»، وكذلك البيانات الرسمية لتقريري «آفاق الاقتصاد العالمي» و«الاستقرار المالي العالمي» (سيصدران يوم الثلاثاء)، لتمحيص دقيق. ففي عالم يزداد فيه التشرذم الاقتصادي والجيوسياسي، يحاول العالم قراءة مدى استعداد صانعي السياسات للتحرك بحزم لاحتواء التضخم الناجم عن التوترات التجارية، وتفادي الانهيار المحتمل «لفقاعة الذكاء الاصطناعي» التي باتت تهدد النمو قبل أن تحقق وعودها بالكامل. وبالتالي، فإن التوفيق بين الحاجة إلى الاستقرار المالي والمطالب بإصلاح المؤسسات القديمة هو التحدي الأعمق الذي سيحدد مدى فاعلية هذه المؤسسات في توجيه الاقتصاد العالمي خلال «الوضع الطبيعي الجديد» لعدم اليقين.


مقالات ذات صلة

الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

تقرير إخباري شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

يدخل صناع السياسات المالية والنقدية أسبوع اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك وسط اقتصاد عالمي تمكّن حتى الآن من امتصاص جانب كبير من صدمة الحرب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)

اتفاق بين صندوق النقد الدولي وباكستان قد يتيح صرف 1.21 مليار دولار

أعلن صندوق النقد الدولي، يوم الأربعاء، توصله إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع باكستان بشأن مراجعة بعض برامج الإقراض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد غورغييفا تتحدث خلال فعالية تمهيدية للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي في سنغافورة (أ.ف.ب)

غورغييفا تحذّر من «مزيج مخاطر» يثقل الاقتصاد العالمي

حذّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، يوم الأربعاء، من أن الاقتصاد العالمي يواجه تهديدات متزايدة بفعل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

صندوق النقد: إصلاحات ضرورية لتعزيز إمكانات النمو في وسط وشرق أوروبا

قال الممثل الإقليمي لصندوق النقد الدولي، الثلاثاء، إن دول وسط وشرق أوروبا بحاجة إلى تنفيذ إصلاحات لتعزيز النمو الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
خاص رئيس الجمهورية ملتقياً حاكم مصرف لبنان  في 2 أكتوبر (الرئاسة اللبنانية)

خاص طعن رئاسي يهدد بإعادة لبنان إلى «نقطة الصفر» مع صندوق النقد الدولي

​انكفأت التطلعات الرسمية في لبنان «المتفائلة» بقرب إبرام الاتفاق الأولي مع صندوق النقد الدولي، إلى واقع «التريث» غير المحدّد زمنياً.

علي زين الدين (بيروت)

السوق السعودية تتراجع 1 % في مستهل تداولات الأحد

متداولان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)
متداولان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

السوق السعودية تتراجع 1 % في مستهل تداولات الأحد

متداولان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)
متداولان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)

تراجعت الأسهم السعودية في مستهل تداولات الأحد، بعد الهجوم على مطار الرياض الدولي، وفقاً لما أوردته «رويترز»، بينما هبط المؤشر القطري بالنسبة نفسها.

وانخفض المؤشر الرئيسي للسوق السعودية 1 في المائة، مع تراجع معظم الأسهم المدرجة فيه، إذ هبط سهم «البنك الأهلي السعودي» 1 في المائة، وسهم «أرامكو السعودية» 0.6 في المائة.

في المقابل، قال منظمو مؤتمرين رئيسيَّين للطاقة والاستثمار في السعودية إن الفعاليتين ستُقامان خلال الشهر الحالي وفق المقرر، رغم الهجمات الصاروخية على مطار الرياض هذا الأسبوع.

وفي قطر، تراجع المؤشر الرئيسي 1 في المائة، متأثراً بانخفاض سهم «صناعات قطر» 2.2 في المائة.


الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)
شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)
TT

الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)
شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

يدخل صنّاع السياسات المالية والنقدية أسبوع الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، يوم الاثنين، وسط اقتصاد عالمي تمكَّن حتى الآن من امتصاص جانب من صدمة الحرب في الشرق الأوسط، لكنه يواجه ضغوطاً متزايدة من ارتفاع أسعار الطاقة، وصعوبة احتواء التضخم، وتراكم الدين العام، إلى جانب طفرة استثمارية في الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل توقعات النمو والأسواق.

وتكتسب اجتماعات هذا العام أهميةً استثنائيةً مع استمرار الحرب للشهر الثامن، وما خلَّفته من اضطرابات في إمدادات الطاقة والتجارة العالمية. ورغم أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونةً فاقت المخاوف الأولية، فإن ارتفاع تكاليف الوقود والمنتجات المكررة، وتراجع المخزونات النفطية المتاحة، يثيران تساؤلات بشأن قدرة الأسواق على امتصاص صدمات جديدة.

وكان صندوق النقد قد أشار، قبل الاجتماعات، إلى أن الاقتصاد العالمي يواجه قوتين متعاكستين: صدمة سلبية ناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب الإمدادات، وقوة داعمة للنشاط تقودها الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وقالت المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، إن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، وتراكم الدين العام، والمخاطر المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي، تمثل أبرز مصادر القلق أمام الاقتصاد العالمي.

دراجة نارية أجرة تمر أمام لافتة في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات والاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (أ.ب)

تقارير ترسم صورة الاقتصاد العالمي

تتَّجه الأنظار إلى سلسلة التقارير التي يصدرها صندوق النقد الدولي خلال الاجتماعات، وفي مقدمتها «آفاق الاقتصاد العالمي» و«تقرير الاستقرار المالي العالمي» في 13 أكتوبر (تشرين الأول)، ثم «مراقب المالية العامة» في 14 أكتوبر. كما يعقد الصندوق في 15 أكتوبر إحاطة خاصة بمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

وسيكون تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الاختبار الأهم لتقديرات الصندوق بشأن قدرة النشاط العالمي على مواصلة النمو في مواجهة صدمة الطاقة. وكان الصندوق قد أبقى في سبتمبر (أيلول) توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في عام 2026 عند نحو 3 في المائة، مشيراً إلى أن الاقتصاد أظهر قدرةً على تحمل الصدمة أفضل مما كان متوقعاً، رغم استمرار المخاطر.

لكن استقرار التوقعات الإجمالية لا يعني تحسُّن الآفاق في مختلف المناطق. فبحسب تقرير لوكالة «رويترز» قبيل الاجتماعات، قد يخفِّض الصندوق توقعاته لبعض الاقتصادات، من بينها أوكرانيا، ودول خليجية تأثرت بالضربات الإيرانية والانخفاض الحاد في صادرات الطاقة. ويعكس ذلك تفاوت أثر الحرب تبعاً لمدى تعرُّض الاقتصادات لاضطرابات الإمدادات والتجارة، واعتماد نشاطها وإيراداتها على صادرات الطاقة.

وتكتسب توقعات التضخم أهمية مماثلة، في ظلِّ التساؤلات بشأن ما إذا كانت زيادة تكاليف الطاقة ستظل صدمةً مؤقتةً أم ستنتقل إلى الأجور والأسعار والخدمات، بما يفرض ضغوطاً أطول على السياسة النقدية.

غورغييفا تتحدث خلال فعالية تمهيدية للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي في سنغافورة (أ.ف.ب)

ولا تقتصر المخاطر على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى تراجع قدرة السوق على امتصاص صدمات جديدة. فبحسب «رويترز»، سُحب أكثر من مليار برميل من النفط، معظمها من المخزونات التجارية البرية، منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، بينما تتناقص الكميات المخزَّنة المتاحة فعلياً للأسواق العالمية. ويزيد ذلك هشاشة أسواق الطاقة أمام أي اضطراب إضافي في الإمدادات، حتى مع اللجوء إلى السحب من الاحتياطات الاستراتيجية.

وتعكس هذه التطورات تحدياً يتجاوز حجم المعروض النفطي، إذ إن تراجع المخزونات المتاحة قد يحدُّ من قدرة السوق على مواجهة اضطرابات جديدة، ويزيد حساسيتها لأي تصعيد يهدِّد مسارات الإمداد أو يطيل أمد تعطلها.

الأسواق المالية تحت اختبار الديون وأسعار الفائدة

وفي اليوم نفسه الذي يصدر فيه تقرير النمو، سيطرح الصندوق «تقرير الاستقرار المالي العالمي»، في وقت ارتفعت فيه عوائد السندات في عدد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة، مدفوعة بمزيج من توقعات السياسة النقدية، وارتفاع أسعار الطاقة، والمخاوف من مستويات الدين العام، وارتفاع علاوة الأجل.

ويكتسب التقرير أهمية أكبر لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض يأتي في وقت أصبحت فيه الحكومات أكثر اعتماداً على أسواق الدين لتمويل عجزها وإدارة أعباء قائمة بالفعل. ويبحث التقرير في المخاطر التي تواجه النظام المالي العالمي، بما في ذلك تنظيم القطاع المصرفي والتنسيق بين الجهات الرقابية، كما يتناول مخاطر صناديق التحوط والاستقرار المالي وتطورات جديدة في الأصول المالية الرقمية.

وسيكون السؤال بالنسبة إلى الأسواق ليس فقط ما إذا كانت المؤسسات المالية قادرة على تحمل الصدمات، وإنما إلى أي مدى تستطيع الحكومات والبنوك المركزية التدخل إذا تحوَّلت صدمة الطاقة إلى أزمة أوسع في التمويل والسيولة.

وتتجه الأنظار أيضاً إلى اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، التي يرأسها وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمقرر عقد جلستها العامة في 17 أكتوبر. وتُعدُّ اللجنة الهيئة الاستشارية المعنية بالتوجهات الاستراتيجية لصندوق النقد الدولي، ما يمنح اجتماعها أهميةً في تنسيق المواقف بشأن تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، ومخاطر التضخم والدين العام، وأولويات دعم الدول الأكثر تعرضاً للصدمات.

الجدعان متحدثاً في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية خلال اجتماعات الربيع في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الدين العام يضيّق هامش الحركة

وفي 14 أكتوبر، يأتي دور «مراقب المالية العامة»، الذي سيضع الضغوط على المالية العامة في صلب النقاش. فالحكومات تواجه في الوقت نفسه ارتفاع تكاليف خدمة الدين، وزيادة الإنفاق المرتبط بالطاقة والدفاع، والحاجة إلى تمويل الاستثمارات في البنية التحتية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

ويحذِّر صندوق النقد من أن الدين العام العالمي بلغ أعلى مستوياته منذ الحرب العالمية الثانية، مع توقعات بتجاوزه 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2030. وتزيد هذه المستويات من حساسية المالية العامة لأي ارتفاع جديد في أسعار الفائدة، خصوصاً مع احتياج الحكومات إلى إعادة تمويل ديون قائمة في بيئة تزداد فيها تكلفة الاقتراض.

وتبدو الضغوط أشد في الاقتصادات النامية، حيث تتجاوز مدفوعات الفائدة، في المتوسط، 10 في المائة من الإيرادات الحكومية، وفقاً لما أوردته «رويترز». وتحدُّ هذه الأعباء من قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة والاستثمار، في وقت قد تضطر فيه إلى إعادة تمويل ديونها بأسعار فائدة أعلى.

وفي المقابل، لا تبدو هناك شهية واسعة داخل مجموعة العشرين لإعادة تفعيل تعليق خدمة الديون للدول الأشد فقراً، على غرار الإجراء الذي اتُّخذ خلال أزمة جائحة «كوفيد - 19»، بحسب دبلوماسيين تحدثوا إلى الوكالة. ويزيد غياب التوافق بشأن تخفيف الأعباء من صعوبة التعامل مع أزمة تتزامن فيها تكاليف التمويل المرتفعة مع ضغوط الطاقة والغذاء.

ويصبح هذا التحدي أكثر حساسية للاقتصادات الناشئة والدول النامية، التي تملك هوامش أضيق لامتصاص ارتفاع أسعار الطاقة أو تكاليف التمويل. كما أن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة العالمية قد يزيد الضغط على الدول التي تحتاج إلى إعادة تمويل ديونها أو جذب تدفقات رأسمالية في بيئة مالية أكثر انتقائية.

ومن هنا، لن يكون النقاش حول الدين منفصلاً عن النمو. فخفض العجز بسرعة قد يضعف الطلب، بينما يؤدي تأجيل ضبط المالية العامة إلى زيادة تكلفة الاقتراض وتقليص القدرة على مواجهة صدمات مستقبلية. ويبرز التحدي بصورة أكبر عندما تضطر الحكومات إلى تقليص الإنفاق في وقت تزداد فيه حاجتها إلى دعم الأسر والاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

ضباط شرطة تايلانديون يقومون بدورية أمنية خارج مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات، قبيل انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (إ.ب.أ)

الذكاء الاصطناعي... قوة للنمو ومصدر لمخاطر جديدة

وفي الاتجاه المقابل، يدخل الذكاء الاصطناعي اجتماعات بانكوك بوصفه أحد العوامل التي ساعدت الاقتصاد العالمي على الحفاظ على قدر من الزخم رغم صدمة الطاقة.

لكن الصندوق يتعامل معه بصورة مزدوجة. فالاستثمار الضخم في مراكز البيانات والبنية التحتية والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يدعم الطلب والنشاط والإنتاجية، لكنه يرفع أيضاً تقييمات بعض الأصول ويزيد الطلب على الطاقة، في وقت ترتفع فيه المخاوف من أن تكون توقعات العوائد المستقبلية لبعض الاستثمارات أكبر من قدرتها الفعلية على تحقيق أرباح.

كما أن طفرة الذكاء الاصطناعي لا توزع مكاسبها بالتساوي بين الاقتصادات. وتزداد المخاطر على الدول التي لا تملك البنية التحتية الرقمية أو رأس المال أو المهارات اللازمة للمشاركة في سلاسل القيمة الجديدة، بينما قد تواجه اقتصادات أخرى ضغوطاً على الوظائف والدخل مع تسارع استخدام التكنولوجيا.

ويظهر هذا التفاوت بوضوح عند مقارنة الاقتصادات المتقدمة، التي تستفيد من الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دعم النشاط، بالدول الأقل دخلاً التي تواجه صعوبة في جذب استثمارات مماثلة، بينما تضغط عليها تكاليف الطاقة والتمويل. وبذلك، لا يقتصر التحدي على توزيع مكاسب التكنولوجيا، بل يمتد إلى تفاوت قدرة الاقتصادات على تعويض الصدمات الخارجية.

وتظهر هذه المفارقة في قراءة الصندوق للاقتصاد العالمي: الذكاء الاصطناعي يساعد على تعويض جزء من أثر صدمة الطاقة، لكنه قد يصبح في الوقت نفسه مصدراً جديداً لعدم الاستقرار إذا ارتفعت الاستثمارات والتقييمات بوتيرة لا تدعمها الأساسيات الاقتصادية.

أمراتان تايلانديتان تمران أمام شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (إ.ب.أ)

الشرق الأوسط في صدارة النقاش

تحضر منطقة الشرق الأوسط بقوة في اجتماعات هذا العام، بسبب دورها في صدمة الطاقة واضطرابات التجارة العالمية. ويخصِّص صندوق النقد في 15 أكتوبر إحاطة لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، في وقت يواصل فيه تقييم التداعيات الاقتصادية للصراع.

وقد أشار الصندوق إلى أن السعودية أظهرت قدرةً على الصمود رغم اضطرابات التجارة وصادرات النفط، مستفيدة من تنوع البنية التحتية النفطية واللوجستية، وإعادة توجيه بعض مسارات التجارة، إلى جانب قوة الأسس الاقتصادية الكلية والاستهلاك الخاص. وتوفر هذه القراءة خلفية للنقاش بشأن قدرة الاقتصادات الخليجية على امتصاص الصدمات، مع اختلاف أوضاعها المالية والخارجية عن كثير من الاقتصادات المستوردة للطاقة.

وعلى نطاق أوسع، يتفاوت أثر الأزمة على الاقتصادات الناشئة والنامية بحسب اعتمادها على استيراد الطاقة، وحجم احتياطاتها المالية والنقدية، وقدرتها على الاقتراض. فالدول المستوردة للطاقة تواجه ارتفاعاً في تكاليف الاستيراد، بينما قد تستفيد الدول المنتِجة من زيادة الإيرادات، شريطة إدارة دورة الأسعار وتجنب انتقال الضغوط إلى التضخم المحلي أو الإنفاق غير المستدام. وتظل الدول منخفضة الدخل أكثر عرضة للمخاطر عندما تجتمع تكاليف الطاقة المرتفعة مع أعباء الدين ومحدودية التمويل.

أما البنك الدولي، فيركز على تداعيات البيئة العالمية الجديدة على الاقتصادات النامية، بما يشمل النمو والاستثمار والوظائف والتمويل والقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية. ويزيد ارتفاع تكلفة الاقتراض صعوبة تمويل التنمية، في وقت تحتاج فيه هذه الاقتصادات إلى الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والتعليم والتحول الرقمي.

ومن المنتظر أن تختبر اجتماعات بانكوك قدرة صندوق النقد والبنك الدوليَّين على التعامل مع الضغوط المتزامنة، في وقت لا تزال فيه مرونة الاقتصاد العالمي موضع اختبار. وستوفر التقارير الجديدة تقديرات محدَّثة للنمو والتضخم والمالية العامة والاستقرار المالي، لكن التحدي الأوسع يتمثَّل في الحفاظ على النمو والاستثمار والتمويل في ظلِّ استمرار الحرب، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتراكم الدين، وتسارع التحول التكنولوجي.

حقائق

أبرز تقارير اجتماعات بانكوك:

 13 أكتوبر | آفاق الاقتصاد العالمي

يحدِّث صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو والتضخم، وسط استمرار صدمة الطاقة والحرب في الشرق الأوسط، ويقيِّم قدرة الاقتصاد العالمي على مواصلة النمو رغم تصاعد المخاطر.

 13 أكتوبر | تقرير الاستقرار المالي العالمي

يرصد مخاطر الأسواق المالية والائتمان والديون، في ظل ارتفاع عوائد السندات وازدياد تكلفة الاقتراض، ويبحث قدرة النظام المالي على امتصاص الصدمات.

 14 أكتوبر | مراقب المالية العامة

يتناول أوضاع المالية العامة والدين الحكومي، في وقت تواجه فيه الدول ارتفاع تكاليف خدمة الدين وضغوط الإنفاق، مع محدودية الهوامش المتاحة لمواجهة الأزمات المقبلة.

 15 أكتوبر | تقارير الآفاق الاقتصادية الإقليمية

تشمل التحديثات الإقليمية آفاق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وآسيا والمحيط الهادئ، وأفريقيا جنوب الصحراء، مع تقييم انعكاسات الحرب والطاقة والتضخم على النمو في المناطق المختلفة.

17  أكتوبر | اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية

تعقد اللجنة، التي يرأسها وزير المالية السعودي محمد الجدعان، جلستها العامة ضمن الاجتماعات السنوية، لمناقشة التوجهات الاستراتيجية لصندوق النقد، وأبرز تحديات الاقتصاد العالمي.



الإنتاج الصناعي السعودي يتراجع 23.5 % في أغسطس

أحد مصانع «أنابيب الشرق» في السعودية (الشركة)
أحد مصانع «أنابيب الشرق» في السعودية (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يتراجع 23.5 % في أغسطس

أحد مصانع «أنابيب الشرق» في السعودية (الشركة)
أحد مصانع «أنابيب الشرق» في السعودية (الشركة)

تراجع مؤشر الرقم القياسي للإنتاج الصناعي في السعودية بنسبة 23.5 في المائة خلال أغسطس (آب) 2026، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، متأثراً بانخفاض نشاط التعدين واستغلال المحاجر والصناعة التحويلية، وفقاً لبيانات الهيئة العامة للإحصاء الصادرة يوم الأحد.

وعلى أساس شهري، انخفض المؤشر بنسبة 14 في المائة مقارنة بيوليو (تموز)، في ظلِّ تراجع النشاطَين الرئيسيَّين.

وأظهرت البيانات انخفاض مؤشر الأنشطة النفطية بنسبة 33.6 في المائة على أساس سنوي، في حين ارتفع مؤشر الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.2 في المائة، بما يعكس تباين أداء القطاعين خلال الشهر.

وعلى مستوى الأنشطة الاقتصادية، تراجع مؤشر التعدين واستغلال المحاجر بنسبة 35.8 في المائة على أساس سنوي، وبنسبة 24 في المائة مقارنة بيوليو. كما انخفض مؤشر الصناعة التحويلية بنسبة 8.8 في المائة سنوياً و3.2 في المائة شهرياً.

وجاء تراجع الصناعة التحويلية متأثراً بانخفاض نشاط صنع فحم الكوك والمنتجات النفطية المكررة بنسبة 24.1 في المائة على أساس سنوي، ونشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بنسبة 3.3 في المائة.

وفي المقابل، سجَّلت بعض الأنشطة الصناعية نمواً سنوياً، إذ ارتفع مؤشر إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء بنسبة 9.4 في المائة، كما زاد مؤشر إمدادات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها بنسبة 7.4 في المائة.

وعلى أساس شهري، ارتفع مؤشر الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.4 في المائة، بينما انخفض مؤشر الأنشطة النفطية بنسبة 21.5 في المائة، وفقاً للبيانات الأولية للهيئة.