السلام في الشرق الأوسط... هل نجح ترمب فيما أخفق فيه أسلافه؟

«أشباح أوسلو» يمكن أن تقوّض المسار مع عقبات محتملة لتنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة

ترمب ونتنياهو يتصافحان في ختام مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو يتصافحان في ختام مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

السلام في الشرق الأوسط... هل نجح ترمب فيما أخفق فيه أسلافه؟

ترمب ونتنياهو يتصافحان في ختام مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو يتصافحان في ختام مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بعد عامين من هجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي أشعل فتيل حربٍ دمّرت غزة وأودت بحياة أكثر من 67 ألف فلسطيني، حفر الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، اسمه في ذاكرة الشرق الأوسط بوقف إطلاق نار مؤقت استعصى على كل من سبقه، منذ انتصارات الرئيس الأسبق جيمي كارتر في كامب ديفيد عام 1978. فقد سعى كثير من الرؤساء الأميركيين إلى تحقيق انفراجة في الصراع المرير بين إسرائيل والفلسطينيين وحققوا نجاحات محدودة، وواجهوا عقبات وصعوبات وتحديات ضخمة.

ويقول الخبراء إن ما حققه ترمب من اتفاق مبدئي بين «حماس» وإسرائيل لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين قد يفتح آفاقاً جديدة للشرق الأوسط وفرصة لتحقيق سلام لأول مرة منذ اتفاقيات أوسلو.

سعت الإدارات السابقة وراء حلم إحلال السلام في الشرق الأوسط في كثير من الجولات والمحادثات، طمعاً في نتيجة تخلِّد أسماءهم في التاريخ، لكنَّ تلك الجهود باءت بالفشل رغم حسن النوايا وصدق الجهود. فقد انهارت محادثات كامب ديفيد في عهد بيل كلينتون (2000)، وفشل جورج بوش في أنابوليس (2007)، وفشل باراك أوباما في تجميد المستوطنات (2010)، وانهارت جهود جو بايدن تحت شعار نتنياهو «إنجاز المهمة».

إسرائيليان يتعانقان وسط صور الرهائن في تل أبيب بعد إعلان التوصل إلى اتفاق حول خطة ترمب الخميس (إ.ب.أ)

حتى اتفاقيات أوسلو 1993-1995، التي اعتمدت على مبدأ الأرض مقابل السلام، ولّدت «شبه دولة » منزوعة السيادة والصلاحية ومتهمة بالفساد، مما أدى إلى تآكل الثقة وعرقلة حل الدولتين.

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها صباح الخميس، إن ترمب يقف على عتبة أكبر إنجاز دبلوماسي في ولايته الثانية، وهو وقف الحرب والتوجه إلى مصر وإسرائيل للإشراف على وقف إطلاق النار واستقبال الرهائن، مما يرسخ له صفة «صانع صفقات» و«صانع سلام» ويمهد الطريق نحو جائزة نويل للسلام التي لطالما طمح إليها. لكنَّ الصحيفة مع اعترافها بأن ترمب حقق خطوة استثنائية لم يستطع أسلافه بايدن وأوباما وكلينتون، تحقيقها، رأت أن التحدي الذي سيواجهه هو الحفاظ على تماسك هذه الصفقة.

ما الذي اختلف؟

يظل التساؤل عمَّا إذا كان ترمب أفضل في نهجه من الرؤساء السابقين؟

يشير المحللون إلى أن ترمب تبنَّى براغماتية «مختلفة جذرياً» اعتمدت على التخلي عن الخرائط واستبدال «خلاطات الأسمنت» بها -من منطلق تفكير رجل العقارات- مع إعادة بناء غزة دليلاً على جدوى التعايش، وتهميش «حماس»، وتمكين التكنوقراط تحت مظلة «مجلس السلام» في تشكيل اليوم التالي في حكم غزة.

وتقول مجلة «إيكونوميست» إن ترمب اعتمد على نهج مختلف عن سابقيه من الرؤساء الأميركيين، وابتعد عن المفاوضات التي لا نهاية لها حول الخرائط والترتيبات الافتراضية لحل الدولتين، واعتمد نهجاً عملياً قائماً على الصفقات والتهديد، ورسم خريطة واضحة حول كيفية إعادة بناء غزة ومَن سيحكها، ومزج ترمب بين أسلوب «تعاقدي مُتسلط» مع استراتيجية التقارب الشخصي، والتركيز على فوائد التعايش بدلاً من التدمير، والاحترام الكبير للقوى العربية والإقليمية لحل صراعٍ أربك كلينتون، وبوش، وأوباما، وبايدن.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يُطلع الرئيس دونالد ترمب على تطورات مقترح اتفاق غزة خلال فعالية في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 8 أكتوبر 2025 (رويترز)

واعتمد ترمب على الثنائي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر -لديهما نفس الذهنية العقارية لترمب- وقد قاما بجولات مزجا فيها ما بين إحياء اتفاقات إبراهام وإغراءات بتعهدات أمنية واستجابة لمطالب القوى الإقليمية، وإجبار نتنياهو على الاعتذار للدوحة، مما حفَّز الجهود للضغط على «حماس» للموافقة بإيجابية، يوم الجمعة.

تغيير الديناميكيات الدبلوماسية

يقول مسؤول أميركي، رفض نشر اسمه، إن الظروف تضافرت لتحقيق انتصار ترمب، فإسرائيل في موقف قوي بعد القضاء على «حزب الله» في لبنان وعلى «حماس» في غزة وضرب إيران، لكنْ دبلوماسياً صارت إسرائيل معزولة بشكل غير مسبوق مع دعوات عدد كبير من القادة الأوربيين إلى قيام «دولة فلسطينية». وأضاف: «لقد حرص ترمب على صداقته بالدول الخليجية، وأجبر نتنياهو على الاعتذار للدوحة، وحثَّ جميع المسؤولين المصريين والسعوديين والقطريين على التفاعل مع (حماس) والموافقة على خطة السلام التي وضعها البيت الأبيض».

يرى أرون ديفيد ميللر، من معهد «كارنيغي للسلام»، والذي عمل على ملف السلام في الشرق الأوسط في عدة إدارات ديمقراطية وجمهورية، أن «وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن ما كان ليحدث لولا ضغط الرئيس ترمب على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فلم يسبق لأي رئيس جمهوري أو ديمقراطي أن تعامل بقسوة مع رئيس وزراء إسرائيل في قضايا بالغة الأهمية لسياساته أو لمصالح بلاده الأمنية».

وأشار السيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري من كارولاينا الجنوبية، إلى أن «أكبر إنجازات ترمب كان إشراك العالم العربي في التعامل مع القضية الفلسطينية، وأنه حظيَ بتقدير كبير في المنطقة، كما تعتقد إسرائيل أن ترمب هو أفضل رئيس منذ زمن طويل، وهذا هو ما أوصلنا إلي ما نحن عليه اليوم».

ترمب يتحدث في مؤتمر صحافي مع نتنياهو في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

في المقابل، رفض فيليب جوردون، مستشار الرئيس السابق جو بايدن، روايات الإدارة الأميركية عن أن ترمب وحده استطاع أن يلوي ذراع نتنياهو، مشيراً إلى أن ترمب لم يفعل شيئاً تجاه الحصار الإسرائيلي لغزة والانتهاكات والتجويع. وقال: «أحد الأسباب التي وفَّرت لترمب فرصة أفضل من الرؤساء السابقين هي المناورات مع إيران وسيطرته على الحزب الجمهوري، ونفوذه الفريد على إسرائيل، وقدرته على التفاوض مباشرةً مع (حماس) لإطلاق سراح رهينة أميركي، وهو أمر لم يكن الرؤساء الأميركيون السابقون ليفعلوه ولكانوا ترددوا في القيام به». وأضاف جوردون أن ترمب كان لديه هامش للمناورة مع الحوثيين ومع الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، والتفاوض مع إيران، وكانت لديه المساحة لفعل ذلك بطريقة لم تكن متاحة لأوباما وبايدن.

مجلس السلام برئاسة ترمب

وبموجب خطة ترمب، المكونة من عشرين نقطة، ستشكّل المرحلة التالية حكومة تكنوقراط تعيد بناء غزة مع إقصاء «حماس» من السلطة ونزع سلاحها وتوفير قوة حفظ سلام دولية. وسيرأس ترمب مجلس إشراف (مجلس السلام) إلى أن يتولى الفلسطينيون المسؤولية بعد إصلاحات للسلطة الفلسطينية.

وتشير بعض استطلاعات الرأي إلى تفاؤل يبعث على الأمل في تحقيق انفراجات تؤدي إلى نهاية الحرب، مع تغيير في القيادة في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني أو إجبارهم على التخلي عن أي أدوار رسمية في غزة مع إجراء انتخابات في إسرائيل خلال 12 شهراً، قد تُفضي إلى رحيل نتنياهو ونهاية ائتلافه الحاكم مع أحزاب اليمين المتطرف.

ويقول محللون إن استطلاعات الرأي تُظهر ترمب على أنه رجل لا يخشى الضغط على إسرائيل بقوة، واستطاع مواجهة وإذلال النظام الإيراني ووكلائه، وتمكَّن من كسب احترام الدول الخليجية والإقليمية، ونجح في حثها على دفع تكاليف إعادة الإعمار والمساعدة في توفير الأمن.

إسرائيليون يحتفلون بعد إعلان التوصل إلى اتفاق حول خطة ترمب في تل أبيب الخميس (رويترز)

العقبات

ورغم الإشادة والاحتفال والتفاؤل بما تحقق من اتفاق حول المرحلة الأولى، يُحذر المحللون من عقبات على الطريق، منها فقدان الثقة لدى الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بإمكانية السلام، وعقبات نزع سلاح «حماس»، والتساؤلات حول إعادة الإعمار والثغرات التي قد تشوب أسلوب الحكم ومجلس التكنوقراط. وتلوح في الأفق «أشباح أوسلو» وندوب غزة الغائرة، مما يتطلب أكثر من مجرد حبر على الورق.

وتقول صحيفة «فاينانشال تايمز» إنه لحماية ما تحقق من اختراق، سيتعيَّن على جميع الأطراف كبح جماح المحاولات الهدامة لدى كلا الجانين، ومنع أعمال العنف، ومساندة السلطة الفلسطينية في الإصلاح، وإيجاد قادة جدد. ويتعين على الرئيس ترمب الحد من توسيع المستوطنات الإسرائيلية والعمل بجدية على تعزيز المؤسسات الفلسطينية.

ووسط شكوك فلسطينية في مدى التزام إسرائيل بعدم عرقلة خطة ترمب، وعرقلة تشكيل حكومة تكنوقراط، وشكوك إسرائيلية في قدرة الفلسطينيين على حكم أنفسهم وتفكيك البنية التحتية للإرهاب وإصلاح المؤسسات، فإن الطريق سيكون طويلاً، ولن يكون سهلاً.


مقالات ذات صلة

وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

كتاب وصحافيون يتهمون نتنياهو بنشر وثيقة مضللة حول 7 أكتوبر لأغراض شخصية وانتخابية ويرون أنها دليل على نيته تقريب الانتخابات.

كفاح زبون (رام الله)
تحليل إخباري رجل فلسطيني يسير وسط مبانٍ مدمّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري اجتماع «مجلس السلام» بشأن غزة... حسم للقضايا الشائكة وتفكيك للجمود

تتراكم قضايا شائكة أمام مسار تنفيذ المرحلة الثانية الحاسمة من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت نظرياً منتصف يناير الماضي.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي سيارة إسعاف مصرية قرب معبر رفح في 4 فبراير 2026 (رويترز)

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

دعت حركة «حماس»، اليوم (السبت)، جميع الأطراف للضغط على إسرائيل؛ للسماح بدخول اللجنة المستقلة لإدارة غزة للقطاع لمباشرة عملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز) p-circle

رئيس وزراء المجر يتلقى دعوة لاجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده ترمب

كشف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان عن أنه تلقى دعوة لحضور اجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده الرئيس الأميركي دونالد ترمب «بعد أسبوعين» في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي نازحون يتدافعون لملء أوعية بلاستيكية بالماء من منشأة لتكرير الماء في خان يونس السبت (أ.ف.ب)

الواقع الصحي والإنساني ينهار في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار

لا تتوقف الجهات الحكومية في قطاع غزة، وكذلك المنظمات الإنسانية، والأممية، عن التحذير من واقع الحياة الصعب الذي يواجهه السكان.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إيران توقف 11 شخصاً مرتبطين بحزب كردي على خلفية أعمال «تخريب»

عناصر من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - رويترز)
TT

إيران توقف 11 شخصاً مرتبطين بحزب كردي على خلفية أعمال «تخريب»

عناصر من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

أوقفت السلطات الإيرانية 11 شخصاً مرتبطين بحزب كردي محظور للاشتباه بارتكابهم أعمال «تخريب»، بحسب ما أورد التلفزيون الرسمي، اليوم (السبت).

يأتي اعتقال الموقوفين المرتبطين بـ«حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك)»، عقب احتجاجات واسعة النطاق شهدتها إيران، اعتباراً من أواخر ديسمبر (كانون الأول)، قُتِل خلالها الآلاف بينهم عناصر من قوات الأمن.

شنّ الحزب منذ تأسيسه، عام 2004، وهو متفرع من حزب العمال الكردستاني، عمليات ضد القوات الإيرانية، وتصنّفه طهران «منظمة إرهابية»، مثلها مثل الولايات المتحدة وتركيا.

وأوردت وكالة «فارس» للأنباء أن الموقوفين الذين اعتُقلوا في غرب إيران كانوا «على تواصل مباشر مع عناصر من (بيجاك)، يسعون إلى إطلاق أعمال تخريب والإخلال بأمن السكان».

ونقلت عن القيادي في «الحرس الثوري»، محسن كريمي، قوله: «تم تحديد هوياتهم واعتقالهم قبل أن يتمكنوا من تنفيذ العملية»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأقرَّت السلطات الإيرانية بمقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص خلال الاحتجاجات، غالبيتهم من قوات الأمن أو المارّة الذين استهدفهم «إرهابيون» تدعمهم الولايات المتحدة وإسرائيل.

غير أن منظمات حقوقية خارج إيران، قدّمت حصيلة مضاعفة تقريباً، مشيرة إلى أنها تواصل التحقق من آلاف الحالات الأخرى. وأكدت أن معظم القتلى هم محتجون قضوا بنيران قوات الأمن.


وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

تصاعدت ردود الفعل على الوثيقة الكاملة التي نشرها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الخميس، وتضمنت إجاباته المقدمة إلى مراقب الدولة، وذلك في إطار تحقيق أمين المظالم في هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وألقى فيها باللوم في عدم منع الهجوم على خصومه السياسيين وقادة الأمن، مقللاً من مسؤوليته عن الهجوم.

وبعد هجوم السياسيين عليه هاجمه كتّاب وصحافيون، وقالوا إن رده محاولة منه بالتضحية بأمن الدولة من أجل تبرئة نفسه، ونوع من سلاح انتخابي يتم تحضيره بدم بارد منذ بداية الحرب.

فلسطينيون في خان يونس فوق مركبة عسكرية إسرائيلية جرى الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023 (د.ب.أ)

وكتب الصحافي الاستقصائي المعروف، رونين بيرغمان، في «يديعوت أحرونوت» قائلاً إن نتنياهو قدّم وثيقة تمثّل مزيجاً من الأكاذيب والتزييف الخطير، واستغلالاً سيئاً للثقة الممنوحة له ولرجاله للحفاظ على المواد المصنفة، واستخدامها بشكل تضليلي لإبعاد التهمة عن نفسه، وقرّر بنفسه ما سيعرفه الجمهور وما يفضل تركه في الظلام، خاصة في عام الانتخابات.

ووجه بيرغمان عدة اتهامات لنتنياهو، تتلخص بالاستيلاء غير القانوني على «صلاحية النشر» والتلاعب بالحقائق التاريخية. وقال إن الوثيقة التي طرحها تظهر أنه قدّم «التطبيع» على «الأمن» وفشل في اختيار القيادات، كما أنه استغل موارد الدولة لأغراض انتخابية.

وكتب بيرغمان أن الوثيقة التي نشرها نتنياهو هي «توليفة» من الاقتباسات المجتزأة والمضللة، هدفها تبرئة ساحته أمام الناخبين من مسؤولية أحداث 7 أكتوبر، مستغلاً خوف الأجهزة الأمنية حالياً من مواجهته قانونياً.

وربط بيرغمان بين وثيقة نتنياهو والانتخابات، قائلاً إن وثيقته تمثل فعلاً غير أخلاقي، خاصة في سنة انتخابية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وتلميح بيرغمان إلى أن نتنياهو اختار الوقت المناسب قبل الانتخابات لتبرئة نفسه، دعم مقالاً آخر للكاتبة يارا شابيرا، في هيئة البث الإسرائيلية، التي قالت إن جمع هذه المواد في وثيقة نتنياهو بدأ في وقت مبكر من أكتوبر 2023. حين كانت الحرب في غزة في بدايتها.

وقالت الكاتبة يارا شابيرا: «بالطبع، لا يمكن استنتاج أي شيء من الناحية الواقعية من مجموعة اقتباسات لمناقشات أمنية تمتد لعقد كامل، واختارها شخص يسعى لإثبات أنه آخر من يُلام على إخفاق 7 أكتوبر. والحقيقة هي، على الأرجح، أن كبار المسؤولين الأمنيين والسياسيين أخطأوا معاً في تقدير قدرة (حماس) واستعدادها للمواجهة. لكن نتنياهو لا يقف أمام لجنة تحقيق (لأنه لم يشكل واحدة أصلاً) بل يقف أمام جمهور مصدوم، بعد عامين من كارثة ثقيلة وقبيل معركة انتخابية. هو لا يحتاج إلى إثبات، بل يحتاج إلى عملية كيّ وعي».

أضافت شابيرا: «جاء توقيت نشر وثيقة الدفاع الحالية ليصوغ رواية مضادة للاتهامات التي ستُوجه لرئيس الوزراء مع اقتراب الانتخابات. إنه توقيت محسوب بدقة... لا يمكن نشر وثيقة كهذه بعد أن يتضح أن الكنيست سيُحل؛ لأنها ستُصنف فوراً كدعاية انتخابية، ومن ناحية أخرى، فإن نشرها مبكراً جداً قبل التوجه لصناديق الاقتراع يزيد من خطر ظهور ادعاءات مضادة قوية... نحن الآن، حسب التقديرات، في نقطة الوسط المثالية؛ لذا أُرسلت الوثيقة للصحافيين».

وتسود قناعات في إسرائيل بأن نتنياهو قد يقرب موعد الانتخابات فعلاً.

تجمُّع لعائلات أسرى خطفتهم حركة «حماس» خلال هجوم «7 أكتوبر» في تل أبيب 18 نوفمبر 2023 (أ.ب)

ويفترض أن تجري الانتخابات في أكتوبر من هذا العام، لكن تقارير سابقة قالت إن نتنياهو يميل إلى جعلها في يونيو (حزيران) وربما قبل ذلك.

وكان نتنياهو نشر، مساء الخميس، الوثيقة الكاملة التي تضمنت إجاباته المقدمة إلى مراقب الدولة في هجوم 7 أكتوبر، وصوّر نفسه في ضوء إيجابي مقللاً من مسؤوليته عن الهجوم.

وفي الوثيقة، سعى نتنياهو إلى تعزيز موقفه عبر اقتباسات مختارة بعناية، زاعماً أنه ضغط مراراً وتكراراً من أجل اغتيال قادة «حماس»، لكن رؤساء الأجهزة الأمنية عارضوا الفكرة باستمرار.

وفي إجاباته، قال نتنياهو إنه درس إمكانية احتلال قطاع غزة مرات عديدة في السنوات التي سبقت اجتياح «حماس» في 7 أكتوبر لجنوب إسرائيل، لكن المؤسسة الأمنية رفضت الفكرة مراراً وتكراراً، بحجة أن الأمر سيتطلب حرباً طويلة ومكلفة من دون شرعية داخلية أو دولية، وأنه لا يوجد بديل جاهز لـ«حماس» للحكم.

ويناقض ذلك ما قاله بعض كبار المسؤولين الأمنيين أنفسهم، بأن نتنياهو وحكومته رفضوا مراراً وتكراراً خطط اغتيال قادة «حماس» البارزين.

كما ضمّن نتنياهو في رده اجتماعاً للكابينت عُقد في يوليو (تموز) 2014، خلال عملية «الجرف الصامد» في غزة. حيث أثار حينها مسألة احتلال غزة، وردّ وزير الاقتصاد آنذاك، نفتالي بينيت، الذي نُقل عنه قوله: «لم أتحدث قط عن (احتلال غزة)». ووفقاً للبروتوكولات، رد نتنياهو بأن السبيل الوحيد لنزع سلاح غزة هو احتلالها عسكرياً.

الجدار الفاصل بين إسرائيل وقطاع غزة لم يمنع «حماس» من شن هجوم «7 أكتوبر» على مستوطنات غلاف غزة (رويترز)

ويُعدّ بينيت المنافس الأبرز لنتنياهو في انتخابات هذا العام، ولدى رئيس الوزراء حافز سياسي واضح لتصوير بينيت على أنه معارض لاستهداف «حماس».

كما ضمّن نتنياهو اقتباسات من النقاش نفسه لشخصيات أخرى تُعتبر اليوم من أشد منتقديه، بمن فيهم نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك، غادي آيزنكوت، ورئيس الأركان بيني غانتس، ووزير الدفاع موشيه يعالون، حيث عارضوا جميعاً في ذلك الوقت فكرة السيطرة على قطاع غزة.

إلى جانب الاقتباسات من اجتماعات عام 2014، شارك نتنياهو مقتطفات مختارة من نقاشات لاحقة تُظهر كبار المسؤولين الأمنيين، بمن فيهم رئيس جهاز الشاباك، وهم يقولون إن القدرة الوحيدة لـ«حماس» على مفاجأة إسرائيل تكمن في الأنفاق العابرة للحدود.

واختار نتنياهو نقاشاً جرى عام 2016 قال فيه رئيس الشاباك آنذاك، نداف أرغمان، لنتنياهو إن اغتيال قادة «حماس» مثل يحيى السنوار ومحمد الضيف لن يؤدي إلى انهيار الحركة، في حين واصل رئيس الوزراء الدفع باتجاه اغتيالهما.

إسرائيليون يزورون في 6 أكتوبر 2024 موقعاً لهجوم «طوفان الأقصى» الذي شنته «حماس» قبل عام (رويترز)

كما ضمّن نتنياهو اقتباسات من نقاش جرى عام 2021 بعد عملية «حارس الأسوار» ضد حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية، عاد خلالها للضغط من أجل اغتيال السنوار والضيف، بينما عارض رئيس الأركان حينها، أفيف كوخافي، هذه السياسة بشدة. وشارك نتنياهو أيضاً وثيقة صادرة عن الشاباك عام 2022 اقترحت تخفيف الضغط الاقتصادي على «حماس» بدلاً من هزيمتها.

وجاءت اقتباسات جزئية أخرى من مداولات جرت في الشهر الذي سبق هجوم 7 أكتوبر، من بينها اجتماع للحكومة في 12 سبتمبر (أيلول) 2023، نُقل فيه عن وزير الدفاع آنذاك، يوآف غالانت، قوله إن الوضع الأمني في غزة «مستقر»، وإن على إسرائيل «كبح قواتها» في مواجهة «حماس».

كما قدّم نتنياهو ملخصاً لتقييم أمني عُقد في 21 سبتمبر 2023 برئاسة رئيس الأركان آنذاك، هرتسي هليفي، جاء فيه أن «رئيس الأركان يعتقد أن من الممكن خلق مسار إيجابي مع (حماس) عبر حوافز اقتصادية».

وفي اجتماع مع نتنياهو عُقد قبل عشرة أيام من اجتياح «حماس» لإسرائيل، قال ممثل عن شعبة الاستخبارات العسكرية إن «(حماس) تريد بالفعل الوصول إلى تصعيد»، فيما قال رئيس الشاباك آنذاك، رونين بار، إنهم «يريدون بشدة تجنب جولة قتال».

وأراد نتنياهو إظهار أن كبار الوزراء وقادة الأجهزة الأمنية كانوا يدفعون باستمرار نحو إيجاد طرق لشراء هدوء طويل الأمد من «حماس»، في حين كان هو يجادل بضرورة التحضير لعمليات اغتيال قادة الحركة.

وركّز بشكل خاص على رونين بار، الذي أقاله هو الآخر خلال الحرب، ونشر اقتباسات من اليوم الذي سبق الهجوم، يقول فيها قائد الشاباك إن الهدوء عاد إلى حدود غزة، وإنه يمكن التوصل إلى «ترتيب أعمق» مع «حماس».

وكانت الوثيقة أثارت غضب سياسيين ورجال أمن، بينهم غالانت الذي قال إن نتنياهو «لا يفوّت فرصة للكذب والتحريض»، وزعيم المعارضة يائير لبيد الذي قال إنه «خلافاً لادعاءاته، تم تحذير نتنياهو مراراً وتكراراً قبل 7 أكتوبر، بما في ذلك من قِبلي، لكنه تجاهل جميع التحذيرات».


اجتماع «مجلس السلام» بشأن غزة... حسم للقضايا الشائكة وتفكيك للجمود

رجل فلسطيني يسير وسط مبانٍ مدمّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
رجل فلسطيني يسير وسط مبانٍ مدمّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

اجتماع «مجلس السلام» بشأن غزة... حسم للقضايا الشائكة وتفكيك للجمود

رجل فلسطيني يسير وسط مبانٍ مدمّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
رجل فلسطيني يسير وسط مبانٍ مدمّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتراكم قضايا شائكة أمام مسار تنفيذ المرحلة الثانية الحاسمة من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت نظرياً منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، من دون تنفيذ عملي لأبرز بنودها، وهو نزع سلاح «حماس»، وإعادة الإعمار، ونشر قوات شرطة فلسطينية وقوات استقرار دولية، وانسحاب إسرائيلي جديد.

ويتوقع أن يكون الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، المقرر في واشنطن يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، واللقاء الذي يسبقه بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ حاسماً بشأن تلك القضايا الشائكة وتفكيك الجمود الحالي.

وأكد خبراء أهمية أن تكون هناك ضغوط دولية للحيلولة من دون تصدير ملف نزع السلاح ومقايضته بالإعمار فقط، وطرح قضايا الانسحاب ونشر القوات بوصفها التزامات ستكون على تل أبيب، قد تفكك الجمود حال تنفيذها.

وأفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، السبت، بأن البيت الأبيض يخطّط لعقد اجتماع لقادة «مجلس السلام» في 19 فبراير الحالي لدفع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة.

وسيكون الاجتماع المرتقب أول لقاء رسمي لـ«المجلس»، وسيتضمّن مؤتمراً للمانحين مخصصاً لإعادة إعمار غزة، وفق «أكسيوس»، الذي أشار إلى أن التحضيرات لا تزال في مراحلها الأولى، وقد تطرأ عليها تغييرات، وسط تواصل مع عشرات الدول لدعوة قادتها والمشاركة في الترتيبات اللوجيستية للاجتماع.

وفي 15 يناير الماضي، أعلن ترمب تأسيس «مجلس السلام»، الذي يشرف على تنفيذ خطة غزة، تزامناً مع إعلان بدء المرحلة الثانية، وسط إصرار إسرائيلي رسمي متكرر على نزع سلاح «حماس»، دون حديث عن الالتزام بأي انسحابات.

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الاجتماع المرتقب قد يكون نظرياً حاسماً للقضايا الشائكة مثل الانسحاب الإسرائيلي ونشر قوات الاستقرار والنظر في اعتراض تل أبيب على مشاركة قوات تركية، ونشر القوات الشرطية، وقبل كل ذلك نزع سلاح «حماس»، وتفكيك الجمود الحالي، موضحاً: «لكن عملياً وجود الإعمار ونزع السلاح معاً في الأخبار المتداولة بشأن جدول الاجتماع ليس صدفة، بل يعكس مقايضة سياسية أمنية ستُطرح، وهذا قد يعقّد المسائل أكثر ولا يحسمها فوراً».

فلسطينيون يسيرون بالقرب من الخيام التي تؤوي نازحين في منطقة مواصي بخان يونس (أ.ف.ب)

وتحدّث الموقع الإخباري لقناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية، السبت، عن أن ترمب سيلتقي نتنياهو قبل يوم من انعقاد «المجلس» الذي دعاه لحضوره الرئيس الأميركي. وأضاف أن «اجتماع (مجلس السلام) يأتي في ظل الجهود لدفع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بعد الفتح المحدود لمعبر رفح الأسبوع الماضي»، لافتاً إلى أن «هناك توقعات بإعلان موعد نهائي من ترمب لنزع سلاح (حماس)».

ويعتقد نزال أن «لقاء ترمب ونتنياهو سيكون حاسماً بشكل كبير في حسم تلك القضايا الشائكة، والاتفاق على مساومات ستُطرح على طاولة الاجتماع»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أهمية وجود ضغوط دولية لحسم انسحاب إسرائيل ونشر القوات الدولية بدرجة تماثل جهود الدفع بنزع السلاح والمقايضة بالإعمار، لنلمس تغييراً في غزة وإلا لا جديد وستعود الأمور إلى الجمود.

بينما يرى المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، أن تلك القضايا الشائكة معقّدة للغاية، وسيكون حسمها في جلسات عدة وليس جلسة واحدة باجتماع «المجلس» الذي قد يصدر عن رئيسه ترمب، تهديدات لـ«حماس» وإصدار مهلة لتسليم السلاح، في محاولة لتثبيت فكرة أن «المجلس» حاسم في قراراته، وإنهاء القضايا الشائكة لا سيما في غزة.

ويتوقع عكاشة أن يشهد لقاء ترمب ونتنياهو تشدداً إسرائيلياً، جرّاء عدم التقدم في الاتفاق على نزع سلاح «حماس»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح اللقاء وعدم تأجيله مرتبط بنجاح المفاوضات الإيرانية-الأميركية، نهاية الأسبوع الحالي؛ وإلا سيُؤجل ونجد تصعيداً أميركياً عسكرياً ضد طهران وتجميداً للملف الفلسطيني مؤقتاً».